Notice: Use of undefined constant debug - assumed 'debug' in /services3/webpages/util/t/d/td62214475.site.aplus.net/public/header.php on line 17 مجلة طائر الشمال - BlogHoster
أغلب الظن أنَّ المؤيدين لدعوتي تلك أكثر عدداً من الراغبين للاحتفال بعيد الحب، فأعباءُ عيد الكراهية قليلة، ولن يحتج عليك أحدٌ لأنك اشتريت زهوراً حمراءَ، أو أضفت عيداً غيرَ معترَف به في أدبياتنا، أو يقتحم عليك خصوصياتك الجماعةُ إياهم لينزعوا كل الهدايا المغلَّفة باللون الأحمر، فهذا اللون للدماء فقط! طقوس عيد الكراهية ستُدخل البهجةَ والسعادة إلى قلوب المولعين بالبغضاء والمشاحنات والاتهامات والتشكيك. تبدأ يومَك بعدم القاء التحية على أهل بيتك بعدما تستيقظ في الصباح الباكر، وتبدي تأففا من الجو والحَرِّ والبرد والغبار، ثم تصفع زوجتك على وجهها لأن ملابس الخروج لم تكن جاهزة. تأخذ طبق الكورن فليكس من أمام ابنك، ثم تلقيه أرضاً عقابا للولد الصغير الذي لم يكمل واجباته المدرسية وفضّل عليها اللعبَ أمام البلاي ستيشين تو! لستَ في حاجة اليوم لغسل أسنانك الصفراء الباهت لونها، ثم تخرج من شقتك وتغلق الباب خلفك بعنف شديد لتجد نفسك أمام جارك فترمقه بنظرات احتقار، فاليوم عيد الكراهية. في الشارع توزع نظرات البغضاء على كل من تلتقي عيناك بعينيه، ثم تلقي عُقْبَ السيجارة داخل أول محل تمر أمامه. يستوقفك رجل هاديء وبيده ورقة سائلا إياك عن عنوان معين، فتصيح فيه، طالباً منه أن يغرب عن وجهك. تتمتم بدلا من الدعاء سِبْاباً ولعنات على الناس والمخالفين لرأيك، ثم تنظر إلى السماء وتطلب من الله أن يُنزل غضبه على الناس أجمعين، وأن يحشرهم يوم القيامة في نار جهنم، ولا تنس أن تلعن المرأة والكفار، وإذا كنت غير مؤمن فتصب لعناتك على المؤمنين وتخَلفهم وفقرهم، وتتمنى أن تحتفل باليوم الذي يودّع فيه العالمُ آخرَ المؤمنين بالأديان. تتعرف مصادفة برجل لم تقابله من قبل فتسأله عن دينه، فإذا كان مسلما وأنت مسيحي فعلى لسانك أن يندفع في موجات متلاحقة من الاهانة للمسلمين ولدينهم، وأن تقول له بأن المسلمين متعصبون، وأنهم احتلوا العالم العربي منذ أكثر من ألف وأربعمئة عام، وأن التخلف مرادف لهم، وأن الاسلام ليس دينا سماويا إنما مجموعة من الخرافات التي تلتف حول قلوب قساة وارهابيين ينبغي أن يتخلص منهم العالم. أما إذا كنت مسلما وهو مسيحي فعليك أن تتهمه بالكفر، وتنفجر ضحكا على عبادة التثليث، وتؤكد له أن المسيحية مرادفة للاستعمار، وأنهم أهل ذمة وليسوا مواطنين في دولة يحكمها الاسلام العظيم، وأن نار الجحيم تنتظره بصبر نافد! أما لو كنت شيعيا وهو سُنّي فلن تبذل جهدا كبيرا في العثور على مئات الحكايات من كتب شيعية عن عبث السُنّة في التاريخ، وأن ثاني اثنين في الغار لم يكن أبا بكر الصديق، وأن أهل السنة خانعون ولا يخرج من بينهم أبطال، إنما يُصَدّرون للعالم ارهابيين، ثم تنهي حديثك بصب جَمّ غضبك على الخلفاء الثلاثة وتستثني علياً فهو الأحق بالخلافة والرسالة بعد رحيل خاتم الأنبياء، صلوات الله وسلامه عليه. سيكون حظك كبيرا لو كنت سُنّياً وهو شيعي، فتتهمه بأنه إيراني وفارسي ومجوسي وربما نصيري، وأنه يعبد ابن عم النبي، وأن الشيعة متحالفون مع قوات الاحتلال الأمريكية في العراق، وأنهم طائفيون، ويؤلهون فقهاءهم، ويحملون للعرب كراهية دفينه خلف تقية لا تستطيع أن تخفي بغضاء بدت من الأفواه. عيد الكراهية يجعله لسانك الذي يقذف حمماً حارقة أجمل أعيادك كلها، ولا تنس أن تتهم الطرف الآخر بأنه يحمل لدينك ولمذهبك مشاعر غير ودية، فأنت صاحب الحق الأوحد، والله، تعالى، قد انحاز لك وأعد لك جنة عرضها السماوات والأرض وسيُحرم منها كل من لا يؤمن بالله على طريقتك. بعد عودتك إلى المنزل تجلس قليلا أمام الكمبيوتر، وتبحث في المواقع والمنتديات وستجد آلاف المواقع التي تختزن مشاركين من نسل الشيطان، وهؤلاء يستطيعون أن يعثروا على كل جرائم وكفريات وموبقات وسخافات الذين تحمل لهم الكراهية الأعمق. إذا كنت قبطيا غبياً فعليك أن تتباكي على الاضطهاد، وتتحدث عن مذابح جماعية يمارسها المسلمون ضد الأقباط المسالمين والطيبين، وأن تفصل قضاياهم عن قضايا الوطن الأم، وأن تبحث عن أمل في حياة هانئة عندما يخرج المسلمون الغزاة من بلدك .. مصر! ولو كنت مسلما مصريا أحمقاً فستجد مئات الأسباب التي تدعوك لمقاطعة القبطي ابن بلدك، فهو كافر، ولو مات مدافعا عن الوطن فلن يحشره الله مع الشهداء، وأنه لا يملك الحق في مناصب عليا في الدولة الاسلامية، وأن كنائس الأقباط تثير حفيظتك لأنها أكثر عددا من حاجاتهم، وأن الأقباط لا يحملون للمسلمين وِدّاً، وأنك ستمنع ابنك من اللعب مع أولادهم. آلاف الأسباب التي تجعلك في عيد الكراهية تقفز فرحا وغبطة، فأينما وليّت وجهك ستعثر على ضالتك، فالغش كراهية، والاعتقال كراهية، وأجهزة الأمن كراهية، والموظف الكسول كراهية، والشيطان يستطيع أن يساعدك في استخراج الكراهية من كتب سماوية نزلت للتسامح فجعلها ذوو القلوب السوداء مصادر لتخريب العقول والقلوب. تؤمن بالملكية فتكره الجمهوريات، وتعشق الثورات فتكره الخاملين والمسالمين، وتحب أن تسير بجانب الحائط فتبغض المنتفضين والمعارضين والمناهضين للحاكم. تتسلل مشاعر الكراهية إلى كل مسامات جسدك في نهاية يوم أسود ذاق فيه كل من قابلك من غطرستك وعفن لسانك ودعواتك التي لن يستجيب الله لحرف منها. عيد الكراهية لا يستقيم قبل أن يمتليء بالغيبة والنميمة وإيذاء خلق الله، قولا وفعلا، والتشكيك في كل حوار، ونبذ صور التسامح، والوثوب انتقاداً وتحقيرا وازدراءً لأي فكرة تسمعها أو تقرأها، وعندما تسمع عن تفجير سيارة في أحد الأسواق أو سقوط طائرة مدنية، أو حشر وجبة جديدة من الأبرياء في أحد المعتقلات فينبغي أن تتهلل أسارير وجهك انشراحا وفرحاً. في عيد الكراهية الأولوية للامبالاة وعدم الاكتراث بآلام الآخرين، فليذهب المظلومون والضعفاء والمعتقلون إلى الجحيم، وعليك أن تأكل بشهية أمام التلفزيون وهو يعرض مشاهد تناثر جثث الأطفال في أي مكان، ولا تطلب في صلاتك من الله أن يرحم أحدا أو يعفو عمن تبغضهم! إياك أن تبتسم في ذلك اليوم أو تمُدّ يَدَك مُصافحاً من يتودد إليك، وينبغي أن يكون خيالك خصبا وهو يصف لك عذابات الناس في الدنيا والآخرة، وتَذَكّر أنَّ حقوقَ الآخرين تنتقص من عيد الكراهية، لذا لا تعدل بين الناس، فشهادة الزور أيضا تزيد من عظمة عيد الكراهية. لا تحتفل بأعياد الآخرين، ولا ترسل تهنئة إليهم، ولا تتمنى لأي منهم يوما سعيدا. عليك أن تزدري الكتاب المقدس لأي طائفة غير طائفتك، وأن تجد من ذنب إلى سبعين ذنبا لمن يرتكب هفوة صغيرة، ولا تبحث للمخطئين عن أعذار. عيد الكراهية ندعم أيضا فيه الظلم والطغاة ، ونساهم في التزوير، وننافق المستبد الحاكم، وكلما خرج أحدنا من صلاة في مسجد أو كنيسة يلعن أبناء بلده الذين يعتنقون عقيدة أخرى. إنه عيد الأعياد الذي سنكتشف فيه جميعا أن أكثرنا لا يستحق الروح التي نفخها الله فيه، وأننا في الواقع نحتفل بدون أن ندري بعيد الكراهية في كل يوم من أيامنا ويشهد على ذلك طول فترة بقاء طغاتنا فوق رؤوسنا، وهزائمنا المتلاحقة. أخشى أن أقول بأن الله تعالى ليس منحازا لأيٍّ مِنّا. عيد الكراهية يحتفل به أكثرنا في مئات من الصور والمشاهد اليومية التي تفصل ما بين الاستيقاظ في الصباح إلى لحظة الموت الأصغر في المساء، وقد آن الوقت أن نقننه، ونعرف إن كان المحتفلون به أقلية أم أكثرية في عالم مجنون .. مجنون .. مجنون! عيد الكراهية ليس حكرا على جماعة معينة، فيحتفل به المسلم والمسيحي واليهودي والبهائي والمجوسي والملحد،ِ ويشتري ضباط أقسام الشرطة بالونات وتورتة يضعون عليها شمعاً بعدد سنوات بقاء الديكتاتور جاثما فوق صدور أبناء شعبه، ويتم توزيع الحلوى ومعها أدوات تعذيب وسلخ ونفخ و .. عيد الكراهية تتقدمه الأحزاب السياسية التي تتناحر فيما بينها أكثر مما تفعل مع الطاغية، ونقيم فيه تمثالا لتخليد الجندي المجهول من أجل العنصرية والطائفية والغلو والتشدد، وتستيقظ في الفجر لتلعن الآخرين، وتطلب من الله أن يُيَتّمْ أولادَهم، ويرمل نساءهم، ويجمد الدماء في عروقهم. عيد الكراهية نقوم فيه بابلاغ الشرطة عن أي شخص يبتسم في الطريق، أو يصافح بحرارة خصما له، أو يتحدث عن الحب والتسامح ومودة الجار، ونرتدي في هذا اليوم اللون الأسود فقط، وإذا رأيت مسلما ومسيحياً يتصافحان ثم يتعانقان فينبغي رجمهما أو جلدهما أمام جمع غفير من الناس، أما لو رأيت سنيا يصلي في مسجد للشيعة أو شيعيا يقرأ القرآن الكريم في مسجد للسنة فلا تتركه حتى يتوب عن محبة الآخر، وتشرح له من كتب مضت عليها قرون طويلة أن الآخر هو عدوه الأول وصاحب العقيدة الباطلة. في عيد الكراهية تأمر الدولة محلات بيع الزهور بأن تغلق أبوابها، وإذا قضى موظف لأرملة حاجتها وصرف لها معاش زوجها المتوفى فيجب فصله من عمله، أما لو سمعت شخصا يقول بأن الآخر ربما يكون محقا في آرائه فعليك أن تحتقره، فعيد الكراهية يعني أن كل شخص يملك الحقيقة الوحيدة المطلقة! في عيد الكراهية نتوجه بالدعاء إلى الله أن يحفظ طغاتنا، ويحمي مستبدينا، ويرحم سجّانينا، ويزيد فقرنا، ويضاعف فواجعنا، ويجعل أيامنا كوارث ومصائب. في عيد الكراهية نتغزل في القبح، ونمتدح ضباط الأمن، ونجدد الثقة بالزعيم الظالم، والأمل بابنه الوارث! في عيد الكراهية تطفف في الميزان، وتغش صديقك، وتخون الأمانة، وتفسد في الأرض، وإن وافق هذا اليوم انتخابات فلتمنح صوتك للكاذب فقط، وتخرج في مظاهرة تؤيد فساده ولصوصيته وتاريخه المخجل. في عيد الكراهية يتخيل كل واحد منا أنه سيد القصر، وحينئذ يكون للاحتفال مذاق أشهى من الشهد، فالكراهية تبدأ من هناك .. من القصر!
سحر الطاغية لا يعادله في قوته أي نوع آخر من القوى الخارقة، فإذا أضفت إليه نَسَباً فرعونيا يمتد لآلاف السنين فكأنك أصبحت على أعتاب وادي الملوك، أو تتفحص مومياءً لا تعرف إنْ دبّتْ فيها الروحُ من جديد أو نَزَعتْ منك الروحَ لتستبدل بالضيغم فأرا، وبالفهد أرنباً! والطاغية ليس فقط صورةً معلقة فوق رأس موظف حكومي، أو فلقة تضغط عليها يد غليظة لمخبر جلف، أو خطبة ساذجة ومناهضة للعقل تقوم وسائل اعلامه بتلميعها، وتشذيبها، وتأهيلها لتطارد أذنيك وعينيك في كل مكان، إنما هو معبود في صورة مختلفة عن العبادة التي يعرفها أصحاب الديانات بكافة أنواعها، السماوية والأرضية، الراقية والبدائية، الصنمية والطوطمية!
والعبادة هنا تختلف من شخص إلى آخر، ومن جماعة أو طبقة أو حزب إلى عامة الناس، فالمسميات كثيرة، وأنت قد تعبد الفرعونَ بالصورة التي تحفظ لك مكانتك الاجتماعية، وتتحايل بها على الآخرين، وتقوم بتزييف الركوع والسجود والطاعة والمذلة والمهانة ولعق التراب الذي يسير فوقه الطاغية، لكنك تظل في دائرة التسامح الاجتماعي تجاه ما تقوم به من عمل مخالف للقيم الانسانية الرفيعة، ولكرامتك، ولنفخة الروح التي جعلتك خليفة في الأرض.
قد تلجأ إلى الدين، وتستقطع منه بمساعدة فقهاء السلطة الصورة التي ترضيك، فيوحون إليك أن طاعة ولي الأمر من طاعة الله، وأن الواجب الذي يرضي خالق الكون يحتم عليك الصمت، والسكوت، والصبر، وانتظار الحل السماوي، وعدم اتاحة الفرصة للغوغاء في تفكيك رباط الأمة المقدس، لكن الحقيقة أنك انخرطت في عضوية العبيد الذين يستعذبون الذل، ويتلذذون بالهوان، ويستمتعون بالسوط فوق ظهورهم.
وقد تلجأ بحكم ثقافتك إلى عقل هرب منه الفكر لتحل محله خرافات وخزعبلات وهراء وأمية ذهنية لا تطمح بأكثر من سد الثغرات في جمجمة لو عريّتها أمام الناس لخجلت من نفسك ما بقي لك من عمر، فأنت تبرر للطاغية سطوته، وتدّعي أنَّ العقل يدعوك لعدم المجازفة في مناهضة سيّد القصر خشية وثوب الغوغاء على كرسي الحكم، وتظن نفسك محللا مستنيرا ومسالما تنقذ الوطن بهدوء رؤيتك، والحقيقة أنك تُغرق الوطن عندما تعطل جهازك العصبي المفترض أنه قد انفجر منذ وقت طويل بعد متابعة جرائم سيدك وزعيمك وطاغيتك ضد الانسانية وضد أبناء شعبك.
وقد تلجأ لتبريرات أرنبية تتوهم بها أن عصا الشرطي تكاد تلمس ظهرك، وأن هاتفك مراقَب، وأن زائر الفجر في الطريق إليك ليطرق باب منزلك، وأن الخوف يحميك ويحمي أهلك وأولادك من مصير مجهول، وأن عذاب جهنم أخف من عذاب أجهزة قمع فرعونك، وأن ثمانين مليونا من البشر يعرف أحلامَهم في مناهضة السلطة عدةُ مئات يربطهم من رقابهم رجل وزوجته وابناهما!
وقد تلجأ في العبودية المختارة إلى أحقر الحلول، وأسفل التبريرات، وأحط صور المهانة الانسانية وذلك عندما تجد عذرا لفرعونك، وتراه حكيما أنقذك من خصوم الوطن، وعادلا إنْ لجأت إليه أنصفك، ووطنيا اشترك في حرب بحكم منصبه وليس له فضل يعلو على جندي بغير رتبه قفز فوق النيران ليرفع علم مصر في عبور بطولي رائع، ثم تتسلل رأسُك تحت حذاء ابنه الوارث قبل أن يجلس علي كرسي السلطة، وتتعفر جبهتك ترابا، وتكذب على السماء والأرض مَُّدعيا أن ثمانين مليونا من مواطنيك لا يستطيعون صناعة وريث كالذي وضعه والده فوق رؤوسنا جميعا!
سحر الطاغية لم تبطله آلاف المقالات الصارخة من ابرهيم عيسى والدكتور عبد الحليم قنديل والدكتور أحمد صبحي منصور والدكتور أسامة رشدي ود. يحيي القزاز ومجدي أحمد حسين وفهمي هويدي وعبد الله السناوي والراحل عبد الوهاب المسيري ومئات غيرهم كتبوا بدماء قلوبهم ما لو تم نشر قطرة منه على شعب من شعوب الأرض لانفجرت ثورة شعبية يصغر بجانبها هروب الشاه وتشاوشيسكو وبينوشيه وعيدي أمين دادا ومحمد سياد بري وجعفر النميري وغيرهم ...
وسحر الطاغية لن تبطله أضعافها مقالات ومنشورات ومظاهرات متفرقة تتخلف عنها الأحزاب الكبرى بعد انطلاقها بعدة دقائق، وليس أمامنا لتحرير مصر، وابطال سحر واحد من أكبر مجرمي العصر غير قوة تعادل قوته أو تتفوق عليها!
إنها قدرنا، سواء كانت لنا تحفظات على أحذية العسكر التي يضعها كثيرون منهم في عقولهم بدلا من أقدامهم، لكن الأمل الوحيد هو جماعة وطنية عاشقة لأرض الكنانة، تخرج من ثكناتها، وتنهي عصر مبارك وأسرته وورثته إلى الأبد.
كلنا نعبد الشيطان بصورة أو بأخرى، الصامتون منها، والمبررون لجرائمه، والخائفون من البديل، والمطيعون لولي الأمر، والباحثون عمن يَصلح لحكم مصر غير جمال مبارك، والساخرون من رفض المناهضين لحكمه، ودعاة الصبر وانتظار النصر السماوي قبل الانتصار الأرضي.
كلنا تحت أحذية مبارك وزوجته وابنيهما ولو أقسمنا بأغلظ الايمانات أن ما باليد حيلة، وأننا نَمْلٌ تسحقه أقدام أجهزة القمع، وأننا حشرات لا تساوي عند فرعوننا بصقة واحدة فتغرق فيها.
من لا يعرف من جرائم مبارك غير مئات فقط فهو لا يعرف مصر، ولو أن محكمة الجنايات الدولية استدعته فأحسب أن قضاتها يحتاجون لسبعين شهرا ليقرأوا على مسامعه، وعلى العالم الأصم والأبكم ما تهتز له ضمائر الجماد!
سحر الطاغية صناعة في النفس الانسانية، ولو تعاقب على القصر أسياد و .. وأسياد، فلن يستطيع مستبد واحد أن يجد لنفسه موقعا ثابتا بين أضلع عبيده دون أن يفتحوا له الأبواب، ويعفروا جباههم قبل السجود له!
كلنا، إلا القلة النادرة، نعبد الشيطان، ويسحرنا طغيانه، ونرفض عبادة الواحد القهار ولو بدا ظاهريا أننا نركع ونسجد ونصلي في مساجدنا وكنائسنا، لله العزيز الرحيم.
لن يتطهر المصريون من رجس عبادة الشيطان قبل التمرد، والغضب، والرفض، واعتبار كل واحد منا في حالة ثأر مع الطاغية حسني مبارك!
أيها الأبطال في جيش مصر العظيم، لقد طال انتظارنا لكم، فهل اقتربتم من إذاعة البيان رقم واحد؟
نعترف لكم بأننا عاجزون عن تحرير مصرنا و .. مصركم، ونبحث عن عشاق لمصر في ثكناتكم، فلا تجعلونا نفقد الايمان بأنكم حماتنا، ولستم حُماته، وأن جيش مصر جيشنا، ولاتنسحب عليه مفاهيم السخرة والعبودية والاذلال لفرعوننا، فأنتم أملنا الباقي في إذاعة بيان الكرامة رقم واحد !
كل الطغاة يحرصون بين الحين والآخر على تلميع وجوههم حتى وهم ينهشون لحوم شعوبهم، إلا فرعوننا هذا الذي سيحتفل قريبا بيوم ميلاده الواحد والثمانين! كل الطغاة على مدى التاريخ يجعلون استبدادهم رديفا لوطنيتهم، ظاهريا، ويعتبرون ملكية أرضهم كملكيتهم لرقيقهم، أي لشعوبهم، إلا مبارك فهو طاغية من نوع آخر. سنوات طويلة ونحن نُحَرّض، وندعو للعصيان المدني، والانتفاضة، والغضب الذي هو أضعف الإيمان، فيتدافع المزايدون للدفاع عن قاتلهم بحجة أنْ لا بديل له، وأنَّ مصرَ عاقرٌ لم تعد تنجب رجالا، وأن قواتنا المسلحة الوطنية يمسك رقابَها شيطانُ قصر عابدين، وأنَّ الفقراءَ منشغلون بطوابير الخبز، وأنَّ شعبَنا غيرُ قادرٍ على تحمل واجبات الحرية والكرامة والعزة. كل يوم تشرق فيه على استحياء شمسُ مصر التي غربت منذ سبعة وعشرين عاما يُخرج لنا إبليس لسانَه، ويتحدانا أنْ نحصي جرائم مبارك، فنبدأ في استدعاء مشاهد كارثية .. اغتيال 33 خبيرا عسكريا فوق نيويورك، احراق ملفات الدولة في مجلس الشورى، دفن مئات المصريين تحت جبل المقطم، سرطنة طعام المصريين، تفريغ مصارف الدولة من أموال الشعب وخيراته، تزييف إرادة الأمة في تزوير الانتخابات، صناعة غول الطائفية والفتنة بين المصريين، تقريب الفاسدين والمرتشين إلى صانع القرار الأوحد، تزويد إسرائيل بالوقود في انحياز كامل ضد الشعب العربي في فلسطين وفي كل مكان تطاله يد الغدر الصهيونية، صناعة الدولة الأمنية الحديدية التي يحاصر فيها سبعمئة ألف شرطي ثمانين مليونا من البشر، الاستهزاء بقدرة المصريين أن يخرج من بينهم زعيم أو قائد أو حاكم ليس من أسرة مبارك، استفزاز مشاعر الشعب لأكثر من عشرين عاما في اعداد وريث رغم أنف كل مواطن والايحاء بأن مصر بين خيارين لا ثالث لهما: الجحيم والفوضى أو جمال مبارك! الاغتصاب المنهجي في أقسام الشرطة وفي السجون، احتقار السلطة القضائية وضرب ممثلها بالحذاء، اعتبار مجلس الشعب وممثليه رقيقاً ليس عليهم إلا طاعة ولي الأمر مع دغدغة مشاعر البسطاء والعامة والطيبين بأن الاسلام حريص أن لا يؤذي ظهرُ المسلمِ سَوْطَ حاكمه، وأنْ يشكر قفاه كفَّ الطاغيةِ لأن طاعة ولي الأمر من طاعة الله. كل مشهد مصري في سبعة وعشرين عاما لا يحتمل غيرَ واحد من خيارين: إما أن يبصق على وجه كل جبان صامت، وإما أنْ يُعَجّل في لف حبل المشنقة حول عنق مبارك. صانع للفتنة بين السُنّة والشيعة، وواضع لكل خطط ضرب الوحدة الوطنية بين المسلمين والأقباط في مقتل، ومتخاذل في المواقف الوطنية، وكاذب حتى النخاع منذ وعده بعدم ترشيح نفسه بعد الولاية الثانية، وهو الآن في الولاية الخامسة ومريض، وحريص على الغاء كل من يُطيل قامته أعلى من قامة ابنه الوريث. كتيبة حمقاء من الجبناء وخصوم الشعب وأعداء الانسانية وطابور مصر الخامس تتحرك في لجنة السياسات، وفي الحزب الوطني برمته، وفي وسائل الإعلام، وفي اجتماعات ناهبي مصر من لصوص الوطن وحيتانه وأصدقاء ابنَيّه، رجال أمن قساة، غلاظ القلب تطلقهم في الشوارع لصد مظاهرات الغضب، فرق كاملة من المسجلين خطرين وتجار المخدرات والبلطجية وقبضايات أقسام الشرطة وقد قامت الداخلية بتوزيع عصى مطاطية عليهم لمطاردة أبناء الشعب. حرص شديد على اغتيال مصر، أو جعلها في ذيل ركب الأمم، اقتصاديا وسياسيا واجتماعيا وإنسانيا وذلك بعد سنين طويلة من المحاولات المستميتة لتخريب الشخصية المصرية، وصناعة المصري السطحي، الفهلوي، غير المكترث بمصائب الوطن. جرائم الطاغية حسني مبارك تحتاج إلى مئات من جلسات الاستماع في محكمة شعبية عادلة أغلب الظن أن قاضيها سيحكم عليه بالاعدام شنقا، أو رميا بالرصاص، أو رجما بحجارة المقطم، أو القاء لسمك القرش في البحر الأحمر، أو احراقا في مسرح أو قطار بعدما تجهش مصر كلها بالبكاء. كتبنا .. وكتبنا .. وبكينا، واستصرخنا أهلنا المصريين في الوطن وفي الغربة، واستجدينا روح الشرف لدى المعارضة الوطنية، وحرّضنا قواتنا المسلحة على الانقلاب، وحلمنا بالبيان رقم واحد، وقبّلنا يدي البطل القادم الذي سيخرج من ثكنة عسكرية حاملا كرامة مصر وشعبها ليعلن من ماسبيرو عودة أم الدنيا إلى .. الدنيا. قلنا بأن مبارك سيحرق مصر، وأنه سيُفرط في الوطن وأرضه ومياهه وقناة السويس وأرض سيناء التي يملكها غيلان المال الجدد .. وقلنا بأنه مسؤول عن التفجيرات الارهابية، وتصفية قيادات في الجيش، وتحويل مباحث أمن الدولة إلى خصوم لشعبنا، والاستهانة بجهاز الاستخبارات، فوضع رئيسَه وسيطا بين الاسرائيليين والفلسطينيين في محاولة خبيثة لنزع روح المقاومة الاستخباراتية من أعضاء جهازنا الوطني الكبير. قلنا بأنَّ من لا ثأر له مع مبارك فلن يشم ريحَ الجنة أو رضا الله ولو قضى حياته كلها معتكفا في مسجد أو كنيسة! الآن فقط اكتشف متابعو العدوان الهمجي الفاشي الصهيوني على أطفال غزة أن مبارك عدو لله وملائكته ورسله وكل مصري يشرب من نيلها الخالد ويبكي على حالها البائس. لا فائدة في الكتابة والتظاهر والتجمعات المتفرقة والسخرية والنكتة والشعر والخطابة والانترنيت والمنتديات وكل المواقع وعشرات الآلاف من الكي بورديين الذين اكتظت بهم ساحة النت وعالم الديجيتال ما لم تصمت الأمة، وتسكت كل الألسنة التي ترى في مصر عدوا آخر للمصريين غير مبارك وأسرته ورجاله. إذا أراد المصري، ولو عن غير قصد، أن يرى بلده قاعا صفصفا تذروه رياح الفقر والذل والتسول، وتجوس في أرجائه قوى الاحتلال الخارجية، وينتهي العصر المصري إلى الأبد، فعليه أن يشارك في معارك حمقاء، وساذجة، ومتخلفة، وبلهاء عن المخطيء والمصيب في جحيم مصرنا الغالية. عندما يقول لك المصري بأن خصمه هو المسلم أو القبطي أو الاخواني أو الشيوعي أو الملحد أو السلفي أو السني أو الشيعي أو الناصري أو العلماني فتأكد بأنه منحاز لعدو الشعب ولو أقسم لك بأغلظ الإيمانات أنه يحب مصر. عندما تسأل: وهل هناك بديل للطاغية، فأنت في الواقع مع العدوان سواء في دبابة اسرائيلية أو في لجنة السياسات التابعة للحزب الوطني أو في مكتب رئيس تحرير صحيفة قومية يكذب على السماء والأرض، ويطعم أولاده من بيع دماء أولادنا. إذا ابتسمت وأنت تقرأ هذه الكلمات فقد أطلت عمر مبارك يوما جديدا، أما إذا انزلقت دمعتان على وجهك الكريم، وأبديت استعدادا للخروج بأي ثمن في يوم الاضراب العام والعصيان المدني والانتفاضة ويوم الغضب المصري فقد ساهمت في نهضة مصرنا الجديدة بعد غياب شيطانها. أفكر كثيرا وجديا في تجديد الدعوة لانتفاضة يخرج فيها المصريون على اختلاف مشاربهم وأنماطهم وتوجهاتهم، لكنني أخشى أن تقاطعها قوى المعارضة الشريفة وخصوم مبارك بحجة أن أحدا لم يستشرهم، وأنهم لا يريدون اسقاط مبارك خوفا من مجهول قادم، وأنهم سيقدمون للطاغية طلبا ليّنا، لطيفا، رقيقا أن يغادر القصر، ويعود إلى صفوف الجماهير! هل الرابع من مايو، يوم ميلاد شيطان مصر، يمكن أن يكون ردَّ اعتبار للشعب الذي سيتخلص منه في ذكرى ميلاده المشؤوم؟ ألم يأن الوقت الذي يضع فيه كل مصري يده في يد أخيه دون أن يسأله عن هويته ودينه ومذهبه وأيديولوجيته وتوجهه وحزبه وجماعته؟ مبارك مستمر في دهسنا واحتقارنا وازدرائنا والتهكم علينا ونهبنا وانتهاك كرامتنا طالما ظل المصري يظن أن معركته الحقيقية ضد ابن بلده، فإذا تحرر من مشاعر الكراهية للآخر المختلف عنه دينيا ومذهبيا وفكريا وحزبيا وطبقيا فقد اختصرنا ثلثي الطريق إلى تحرير قريب من أسرة مبارك. ومبارك مستمر فوق رقابنا مادامت الكتابة حالة من العبثية، و كلمات التحريض والتشجيع على فك القيود وكشف فساد الطغمة ليست أكثر من شعارات جوفاء يمر عليها المصري، وتسقط من ذاكرته قبل الانتهاء من آخر سطر فيها. فهل نبدأ تحركاتنا في الداخل والخارج والفيس بوك وفي الجامعات والمدارس وبين العمال وربات الأسر المكتوية بنار الغلاء وبين رجال القانون والقضاء وأساتذة الجامعات والصحفيين الأشراف والمواقع والمنتديات على النت وكل وسائل الاتصال وبين ثمانية مليون من العاطلين عن العمل وبين كل أهالي من مروا على سجون مبارك وأقسام الشرطة وانتهكت كرامتهم وحرماتهم ، أم أن الأمر يحتاج لتدبر، وتأمل، وتفكير، واجتماعات، وتشاورات، وموافقة رؤساء الأحزاب، وضمان لقمة العيش، والتأكد من أن أعين الأمن لن تراقب الثائرين، أم نتوكل على من ينتظر غضبنا ليرضى عنا؟ هل نبدأ الدعوة على أساس الرابع من مايو 2009 لتكون مصر كلها، من ثكنات الأبطال الوطنيين في جيشنا الذي أهانه مبارك لسنوات طويلة إلى كل من يبحث عن الشرط الوحيد ليرضى الله تعالى عنا ولا نقف بين يديه قائلين بأننا كنا مستضعفين في الأرض؟ مجزرة غزة لم تترك مكانا للشك بأن مبارك ليس منا، لكنه نبتة شيطانية ارتوت بصمتنا الطويل، وظلت شوكة في عيوننا بفضل خوفنا، وعدم قناعتنا أن مصر بلدنا، وأيضا لتفسير كتيبة إبليس أن طاعة ولي الأمر واجبة حتى لو كان ظالما، ومستبدا، وساديا، ولصا، وابن ستين ألف كلب! معذرة فلم يعد لدى جهازي العصبي كلمات جديدة تثير غضب المصريين على مبارك، أو اقناعهم بأن مصر بلدهم! من لا يزال يظن أن ليس بينه وبين شيطان قصر العروبة ثأر شخصي وعائلي ووطني وديني وإنساني ، فلا حاجة لله في صلاته وصيامه وحجه ودعائه ودخوله مسجدا أو كنيسة. أكاد أرى رؤي العين غضب الله تعالى على من لم يغضب بعد. رغم القبضة الحديدية التي يعتقل بها مبارك جيش مصر العظيم، والاعتقالات والاعدامات والتنقلات والتقاعد والرقابة الصارمة والشكوك في أي جماعة صغيرة من كبار الضباط تجتمع أكثر من مرتين، فإن الدلائل والتسريبات تؤكد أن ثورة قواتنا المسلحة قد تسبق غضب الشعب، والبيان رقم واحد أقرب إلينا مما نظن. أيها المصريون، الصور المؤلمة التي شاهدها كل منكم لأطفال غزة ستكون أقل قسوة ووحشية من صور لأولادكم إذا تركتم مبارك عاما آخر أو أقل! أرواح شهداء غزة ستستريح في جنة الخلد عندما تعلم أنكم غضبتم من أجل مصر قبل أي مكان آخر. وسلام الله على مصر.
أوسلو في 25 ديسمبر 2008 رأيت فيما يرى النائم أنني أُصبت بلوثة عقلية في الوقت الذي تلقيت طلباً للعمل في صفحة الفتاوى بواحدة من المطبوعات التي ينتظرها في نهاية كل أسبوع الحمقى والمغفلون والمعاقون ذهنيا. حاولت أن أشرح لرئيس التحرير، لكنه ما إن رآني ملتحياً، ومرتديا خفين تفصل بينهما وبين ذيل الجلباب مسافةٌ شرعية حتى تهلل وجهه، وأصَرَّ أنني الأكثر صلاحية لهذا القسم، ثم دفع إلىَّ بورقة بها بعض الأسئلة لمسلمين حائرين ينتظرون بصبر نافد جواهر الكلام فيما يظنه البلهاء من الإسلام! قرأت الأسئلة ولم أفهم منها شيئاً، ووضعت أجوبة لن يفهم أحد منها شيئاً، فكانت كالآتي: س: فضيلة الشيخ، أنا شاب ملتزم، وجاءتني فرصة للسفرعلى متن طائرة تحلق فوق بلاد الكفار، وتحتها بيوت يشرب أهلها الخمر ويمارسون الفحشاء، فهل أنا في هذه الحلة مذنب؟ ج: عليك يابني أن تتحدث مع الكابتن طيار وتطلب منه أن يتجنب الطيران فوق بلاد الكفار، وإذا كان مُضطرا فعليه أن يحاول الطيران فوق تجمعات المسلمين وهذه طريقة سهلة، فمآذن المساجد مرتفعة، ويمكن أن تكون دليلا للطيران الشرعي الحلال. س: أنا مسلم تقي، وأحب السباحة لكنني أخشى أن أسبح في مكان تكون قد سبحت فيه من قبل فتيات يرتدين المايوهات، فهل المياه التي أسبح فيها تكون نجسة لأنها اختلطت بعورات الفتيات؟ ج: عليك يا ولدي أن تكون متفهما للظروف، فإذا كانت المياه جارية فالسباحة فيها حلال، أما المياه الراكده التي تظن أن أجسادا عارية وبضّة وناعمة سبحت فيها من قبل، فالاقتراب منها حرام. س: صديق لي يبلغ الثلاثين من عمره وقد أراد الزواج من فتاة قيل له بأنها في العشرين، فلما تزوجها اكتشف أنها في السابعة من عمرها، فهل يطلقها، أم يحتفظ بها حتى تحيض؟ ج: إذا كان قد رآها رؤي العين وظن أنها في العشرين ثم اكتشف أنها في السابعة من عمرها فالاثم يقع على ولي أمرها لأنه لم يجعلها ترتدي ملابس الأطفال، وإذا كانت منقبة، ودخل عليها فعليه أن يسأل أهل العلم. س: أنا أعمل في رقابة المطبوعات، وأحيانا أقرأ رواية فيها حديث عن امرأة سافرت دون محرم، فهل أنا آثم وينبغي عليَّ ترك العمل؟ ج: عليك أن تتصل بكاتب الرواية، وتطلب منه تغيير الجملة إلى امرأة سافرت ومعها محرم، أو يضيف كلمة آثمة وتلعنها الملائكة، وإذا لم يستجب الكاتب فعليك أن تستقيل لأن أجرك حرام من هذا العمل المخالف للشرع! س: لي زميل في الجامعة غير مسلم، وقد استعرت منه كراسة المحاضرات وسقطت فوق سجادة الصلاة، فماذا أفعل لكي لا يغضب الله علىًّ ويدخلني نار جهنم؟ ج: لا إثم عليك إن شاء الله إذا سقطت كراسة محاضرات زميلك الكافر فوق الطرف الأيسر للسجادة، أما إذا سقطت في وسطها أو أيمنها فينبغي أن تغسلها سبع مرات، وإذا كانت صينية الصُنع فغسلها عشر مرات واجب، أما السجاد المصنوع بأيدي فتيات لا يرتدين القفاز فينبغي احراقه. س: أنا فتاة ملتزمة وقد رأيت في منامي أن شابا وسيما احتضنني بقوة وابتسمت له، فكيف أقوم بالكفّارة عن ذنبي؟ ج: الذي احتضنك في المنام هو الشيطان نفسه، أما ابتسامتك فتعني رضاك عما حدث، لذا يجب التوقف تماما عن النوم لئلا يظهر الشيطان مرة أخرى، وتتطور الأحضان والقبلات إلى ما لا تحمد عقباه، وقد سمعت أحد مشايخنا الأفاضل يقول بأن الزنا في المنام قد يؤدي إلى حمل المرأة سفاحاً خاصة إذا كان نومها عميقاً! س: الموسيقى هي مزامير الشيطان، وأنا كنت أطل من نافذة بيتنا فرأيت عرسا أمام المنزل تنبعث منه الأغاني والموسيقى والمعزوفات، فهل يجب أن أتوضأ مرة أخرى؟ ج: إذا كانت مزامير الشيطان كماناً وعوداً وجيتاراً فمن الأفضل إعادة الوضوء، أما لو كانت الطبلة تشبه الدف، والعرس على مسافة خمسين مترا فلا حرج في الصلاة بنفس الوضوء السابق! س: هل هناك جان يجيدون التعامل على الكمبيوتر، ولهم مواقع على الانترنيت، ويدخلون المنتديات باسماء خفية؟ ج: الجان يعرفون كل ما يعرفه الإنس، وهناك عفاريت أكثر مهارة من بني البشر في التعامل مع الإنترنيت، وقد سمعت أن عفريتا قام ببرمجة الخطة الخمسية للحكومة، وبعض العفاريت يفضلون أجهزة الماكنتوش، لذا فعليك التأكد من بريدك الالكتروني لمعرفة إن كان المرسل جنا أم إنساً! س: هل يستطيع زعيم طاغية أن يعتقل الشياطين ويضعهم في سجونه ومعتقلاته؟ وهل يكون سجانوهم من نار أم من طين؟ ج: بنو البشر فقط هم المسحوقون تحت أحذية الطاغية، أما الشياطين فتعيش في القصر وتأكل مع القائد المهيب. س: شقيقي الأصغر التحق بكلية العلوم، وبدأ يتعلم أشياء غريبة عن الانفجار العظيم والمجرات وملايين النجوم، وفجأة قال لنا بأن الأرض التي نعيش عليها صغيرة جدا وأنها ذرة متناهية تحلق في الكون وتدور حول نفسها وحول الشمس، فماذا نفعل معه؟ ج: يجب اخراج شقيقك فورا من الكلية والحاقه بكلية الشريعة قبل أن يتورط في مزيد من الخرافات، فالأرض هي مركز الكون، وهي أكبر من كل الكواكب والنجوم، وتقف على قرني ثور، وتهتز عندما تعطس الشياطين، أما الشمس فتنزل في المساء إلى قاع البحر فتبتل، وعندما تشرق من الناحية الأخرى تبدأ ضعيفة حتى يجف البلل عنها. س: أعرف شخصا يعيش في النرويج ويتحدث عن بلاد شمس منتصف الليل، ويقول بأنها لا تختفي في الصيف، ولا تظهر في الشتاء، فما حكم الشرع في هذا المجنون؟ ج: على المسلم أن يكون حذرا من هؤلاء الجهلة، فكيف تصدق أن الشمس تظهر في منتصف الليل، ثم أين تختفي في فصل الشتاء إلا إذا انتقلت إلى كواكب أخرى تنير لأهلها، ثم تعود بعد انتهاء مهمتها! س: أعرف شيخا يقول بأن المرأة التي تجلس قبالة التلفاز آثمة لأن المذيع يستطيع أن يراها وهي بملابس البيت، فهل هناك طريقة لتجنب الحرام في هذه الخلوة غير الشرعية؟ ج: عليها أن تتدثر جيدا، وأن تجلس بزاوية 45 درجة حتى لا يلمحها المذيع أو أي ذكر عبر التلفاز، ومن الأفضل شراء جهاز تلفاز بغير صورة تجنبا للوقوع في شرك الكفر البواح. س: أنا امرأة صالحة، أقرأ كثيرا لكل الشيوخ، ولا تبتعد عيناي عن شيوخ الفضائيات، لكن لم يجب أحد عن سؤالي الذي أرقني كثيرا: هل يستطيع عفريت ذكر أن يجامعني في حضور زوجي دون أن يلفت انتباهه؟ ثم إنني واقعة في مشكلة محرجة وهي أن ابني الصغير يشبه العفاريت، ويجري مثلهم، ويختفي من غرفة إلى أخرى، ويصرخ كأنه منهم، فهل تظن، سيدنا الشيخ، أن عفريتا انزلق في فراشي، وحملت منه هذا الولد الشقي، خاصة أن جارة عجوزا تقول لي دائما: ابنك عفريت؟ ج: إذا كان زوجك يغط في النوم ويصدر شخيرا ولا يشعر بأي حركة حوله فأغلب الظن أن ابنك من الجن وهو يحتاج إلى معاملة خاصة، ويجب أن لا تغضبيه حتى لا يستعين بأقرانه، ويسببون لك المتاعب. أما إذا كان والده صالحا وطيبا فلا شك بأن ابنك العفريت من صلبه. س: ما هو رأي الشرع في شرب الشاي في فناجين عليها رسومات؟ ج: إذا كانت ذات روح ولو كانت رسوما كاريكاتيرية، فالشاي هنا بكل أنواعه حرام باستثناء الشاي الأخضر لأنه يقاوم الروح الشريرة في الرسوم، ويجب عدم وضع الفناجين في غسالة الأطباق حتى لا تؤذي الأرواح فتنتشر في الدار وتزعج أهلها. س: قال لي صديق متابع جيد للشأن المصري في سبعة وعشرين عاما بأن الرئيس حسني مبارك لا ينتمي إلى الجنس البشري فليس في قلبه مثقال ذرة من رحمة، ولا ينتمي للشياطين فهو أكثر منها قسوة وكراهية وعنفا، فهل هذا الكلام صحيح؟ ج: هذا السؤال لا استطيع الاجابة عليه لأن المسلم العاقل فقط هو الذي يطرحه وأنت مجنون، وهو يحتاج إلى شيخ عاقل يجيب عليه، وأنا مجنون!
كل الثورات والانقلابات لو نظرتَ إليها بأثر رجعي لعثرت بسهولة على اشاراتٍ قُرب الانفجار!
لو عرضتَ عدةَ مَشاهد لمن وثب على الحكم فوق دبابة أو عن طريق شرائط كاست أو بالتسلل إلى ثقة رأس النظام لما وجدتَ صعوبة في الاستنتاج بعد الحدث انطلاقا من المشهد قبل الحدث.
شريط يظهر فيه زين العابدين بن علي بعدما وضع الحبيب بورقيبة ثقته فيه، وأعطاه رقبته. أو الإمام آية الله الخوميني في العراق ثم فرنسا، أو لحظات قبيل اجتماع مجلس الشعب السوري بعيد رحيل الرئيس حافظ الأسد وهو يصنع مادة جديدة في الدستور تناسب الرئيس الابن.
الجيش يُلغي الانتخابات في الجزائر، والطائفية تضرب لبنان كله في ابريل عام 1975 بعد مذبحة الحافلة، وهزيمة العراق عندما أوهم الجميع طاغيته بأنه قادر على أن يحتل العالم والكواكب الأخرى فهو القائد المهيب.
إلا في مصر فلو اقتطعتَ مشهدا من أي زمن لا يمكن أن تتنبأ بما سيحدث في اللحظة التالية له ولو تلقيت دعماً من السَحَرة والعرّافين والمحللين الاستراتيجيين على الفضائيات وأجهزة الأمن المدعومة أمريكيا أو وطنياً.
كأن مياه النيل احتفظت بالفيضانات المائية والشعبية لنفسها، فلا تعرف إنْ كان المصري سيُلقي على مسامعك نكتة أو يصيح في وجهك!
لو أمسكت بوقا يصيب طبلة الأذن في مقتل فور قربه من حنجرتك، ووقفت في أعلى مكان ليسمعك ثمانون مليوناً من المصريين، وحذرتهم من أفعى تخرج من قصر العروبة وتبتلع أولادهم وأهلهم فأغلب الظن أن حنجرتك ستتهتك وتنفجر قبل أن تتحرك شعرة واحدة في الجهاز العصبي لأبناء بلدك!
في ظني أن السبب الرئيس يعود إلى أن المصري في طريقه إلى الاختفاء لتحل محله نسخة جديدة ومختلفة وبعيدة تماما عن الأصل!
نسخة صنعتها الأيدي القذرة للاستبداد، وصاغتها أصابع لصوص اعتادت على السرقة والنشل فأوهمها البعض أنها ترسم بريشة فنان، وتنحت مومياءات كأنها تعيد تحنيطها في زمن .. حسني مبارك.
هل سمعت عن مصري واحد فقط غادر مصر، ثم قص عليك حكايات فيها بارقة أمل، أو ذرة واحدة تستند عليها لتؤكد أن الزمن الجميل يمكن اعادته ولو قبل يوم القيامة بيوم أو بعضه؟
كل المصريين يعرفون حكايات واقعية عن زمن الطاعون السلوكي الذي حقن به عهد مبارك أبناء الشعب، فتسأل: ماذا بقي من مصر والمصريين ولم يتلوث؟
كل المصريين يؤكدون لك أنه تم استبدال شعبنا العظيم، وأن الذين تراهم على أرض الكنانة لا علاقة لهم من قريب أو من بعيد ببناة الأهرام، وأنه لو بعث الله نبياً الآن فربما يعتذر عن الرسالة، فالذي حدث يصطدم مع كل قواعد المنطق والأخلاق والمباديء والقيم، وأنْ المساجد والكنائس لم تعد قادرة على أداء مهمتها الروحية، وأنه إذا استمر الوضع في هذا التدهور فإن الشمس لن تشرق على مصر، وربما يستعد التاريخ لكتابة خاتمة حكاية الغول والأٌقزام، وأن أمراً ملكياً مباركيا بذبح المصريين كلهم، ودفنهم في مقبرة واحدة لن يحرك عضلة واحدة في وجه عليه جبهة كانت تسجد لله ثم اكتشفت أنها مشغولة بطاعة الشيطان.
الصورة قاتمة، وسوداء، وظلامية وظالمية ولو أقسم لك كل المصريين أن الصحوة الدينية جعلت الملائكة تحلق فوق وادي النيل الخالد، والحقيقة أن الشياطين هي التي ترقص، وتطرب، وتشكر إبليسها فقد تم نزع الجوهرة .. الروح العظيمة .. نفخة الله في الانسان. القيمة التي تؤكد نسب أبناء شعبنا إلى نسل آدم وليس إلى نار من حمأ مسنون!
إنها روح الغضب والتمرد والحزن والمبالاة والشهامة والنخوة والشجاعة والنبل التي استطاع أعفن نظام فاشي مجرم أن ينتزعها بكل الطرق والوسائل الخسيسة، ومنها التعذيب والمعتقلات واللاقانون والتزييف والتزوير والفساد والنهب والسرقة واحتقار الرعية، ثم صنع روحاً أرنبية، فئرانية تهرب من المسؤوليات الجسام، وترى أن مهمتها لعق حذاء ولي الأمر الواجبة طاعته، وأن جمع حسنات الآخرة شغل المصريين عن خلافة الأرض، وأن السماء مشغولة باحصاء عدد المحجبات والملتحين وزائري القبور ومُشاهدي القنوات الفضائية الدينية، بل إن أحد الضيوف الدائمين على فضائياتنا العرجاء أقسم بأن الملائكة كلها تتبادل التهاني والتبريكات كلما غطت مسلمة رأسها، أما السلوكيات في العمل والاخلاص والأمانة والتسامح وتبادل المحبة مع خلق الله بغض النظرعن معتقداتهم، ومساندة المعذَبين خلف القضبان، ووقف الفاحشة، أعني بالفاحشة هي أن يضع كل مصري يده في جيب الآخر، فلم تعد من اهتمامات أبناء شعبنا.
أريد أن أجدد الدعوة للعصيان المدني، والانتفاضة الشعبية، وأحرّض على انقلاب عسكري، وأستعد لتهنئة الزعيم القادم الخارج من مكان طاهر على أرض مصر، وأهلل غبطةً وسعادة فور استماعي للبيان رقم واحد، لكنني كلما سرّبت أحلامي ظنها الآخرون كوابيس، فالمصريون لا يعتبرون أنهم في معركة ضد الذي يهوي بالسوط على ظهورهم، إنما يكرهون من يقوم بتذكيرهم بدراكيولا و .. أنيابه!
فضاء واسع من الانترنيت، والفيس بوك، والمواقع والمنتديات والرسائل الالكترونية، وصحافة معارضة توزع عشرات الآلاف من النسخ، وشعب يعرف الجنينُ في بطن أمه أنْ مبارك هو صانع الجحيم، وملايين يقرأون كتبهم المقدسة، وتهوي أفئدتهم لله في صلاة الجمعة وقدّاس الأحد، فتتحول شكوكك إلى يقين إيماني بأن المصريين قد تم استبدالهم، وأن هؤلاء الذين يحكمهم مبارك ليسوا أهلنا وأحبابنا وأبناء وطننا وقرة العين التي تغرق وجوهنا دموعاً من أجلهم.
ما أشد الحاجة الآن للبحث عن وسيلة سريعة، وناجعة تعيد إلى مصر مصرييها، وتجعل البيان رقم واحد كأنه رسالة سماوية تحرق رموز عهد مبارك وأسرته وتنهي التوريث النتن الذي تجسد أمام الشعب ولا تزال عيون وقحة تنكر وجوده رغم أن أصابعه تكاد تقلعها!
من ليس له ثأر شخصي مع مبارك فلن يشم ريح الجنة ولو شفع له كل الأنبياء والرسل، ومن لا يبدأ من الآن في التحريض ضد هذا المجرم الطليق فلن يبكيه أحد لو سحقت هامَته أحذيةُ الديكتاتور المستبد.
ومن لا يزال يظن أن مصر بخير فهو إما قاتل مأجور، أو لص يخشى أن يُعيد الشعبُ منه ما نهبه!
إنَّ كل ذرة غضب على ما يحدث في مصر تُعادل ذرة إيمان بالله تعالى، ومن لا ينخرط الآن في تجمع عسكري أو مدني أو طلابي أو فكري مناهض لحكم مبارك فهو كمن يقطع رقاب أولاده وأحفاده.
كل الصلوات الاسلامية والمسيحية، وكل الأدعية والتوسلات والرجاءات لن تصل إلى السماء الأولى أو الثانية أو سدرة المنتهى قبل أن تلتحم روح الغضب بقوة الإيمان، والله لن يقبل صلاة من أي مصري ليس غاضباً على من تسبب في خراب مصر و .. تخريب الشخصية المصرية.
ومع ذلك فهناك بارقة أمل، حقيقية وليست مجازا، عن انقلاب عسكري وشيك سيقوم به أطهار، أبرار، عاشقون لمصر، فالزمن المتبقي ليهيل الرئيس مبارك وابنه التراب على مصر المصريين لم يعد بامكان أي قوة أنْ توقفه إلا أنْ يكون هؤلاء الأبطال، الأحرار، الذين انتظرناهم طويلا .. طويلا!
هذا حوارٌ مختلفٌ تماماً عن الحوارات السابقة، صنعه خيالٌ يفوق الواقعيةَ تجسداً، ووضعته رغبة في أن يصبح محاكمة أدبية لحوار على الهواء شاهده الملايين، وتبرأ إبليس من وسوسته لمايسترو البرنامج، فالشيطان نفسه لو كان قدّم ( الاتجاه المعاكس ) في حلقة الثلاثاء الأسود فربما كان يحاول الظهور بمظهر البراءة أمام ملايين من عُشاقه ومُريديه. ولم يدر الحوار التالي:
فيصل القاسم: لقد ظننتُ أنني قضيت عليك بالضربة الفضائية القاتلة على مشهد من ملايين المتابعين لحوار الديكة الأسبوعي، وتوقعت، ومعي مدراء الأمن والرقابة والاستخبارات في ثلثي العالم العربي أنه لن تقوم لك قائمة بعد التاسع والعشرين من ابريل الماضي، وأنك ستعتزل الكتابة والانتقادَ والاحتجاجَ والدعواتِ المتكررة للعصيان المدني والانتفاضات والتمرد!
محمد عبد المجيد: أعترف أولا بنجاحك الذي تستحق عليه من ذئاب المعتقلات وكلاب القصر وسام السجّان الأمني ليكون بديلا لشعار (الجزيرة) فتغطس الكرة الأرضية في الماء، ويخرج وسامُك منها على هيئة زنزانة معتمة أو حيّة تلتف حول عنق مواطن عربي.
ومع ذلك فقد خسرت في خمس وخمسين دقيقة ما لم تخسره منذ أن احتلت ( الجزيرة) مكانها مع الفضائيات العربية، فذهب بك الظن أن مشاهديك سيصفقون لك وأنت تقطع لساني، وتعطي أذنيك شغفاً لضيفك الآخر فيحدّثك عن أنواع المجرمين المقبوض عليهم.
لم يدر بخلدي للُحَيّظة واحدة أن إعلامياً مرموقاً وأكثر شهرة من رئيس وزراء بلده يمكن أن يلعب ( البيضة والحجر) في أخبث حلقة حوارية بثتها قناة فضائية أو أرضية.
الآن أضمن لك أنك لو وقعت رهينة في أيدي قراصنة البحر الصوماليين فإن وزراء الداخلية العرب سيدفعون الفدية عنك وعليها قبلة لكل من يحمل السلاح في أرض الصومال وبحره.
القاسم: لعلك لم تسمع الحكمة التي تقول: إنما يبكي على الحبِ النساءُ!
حتى لو خسرت ثلث المشاهدين فالآخرون ينتظرون مساء الثلاثاء على أحرّ من الجَمر، ويجلسون قبالة مصارعة الثيران القاسمية كأنهم يتلذذون بقرب انفجار سيارة في سوق مزدحم بالأبرياء.
وأنا لم أتصور مُطلقاً أنك ستكون فريسة سهلة لي، أنهش فيها على الهواء دون مقاومة، وأتهكم ساخرا من كل جملة قبل أن تكملها، وأعطيك ظهري متوجهاً بكامل انتباهي إلى اللواء .. الضيف الآخر.
بدا لي أدَبُك الجَمّ ضعفاً وارتباكاً فساعدني كثيرا على انجاز مهمتي القمعية التي تدرّبت عليها مرات كثيرة فجاء اللواء ليقطف الثمرة، وأحرقتك أمامه في إنجاز إعلامي لم يحدث من قبل.
أوهمك البعضُ بأنك لو كنت قد انسحبت أو غضبت أو قلبت الطاولة علينا لأنقذت نفسَك من المصيدة السوداء في ثلاثاء لن تنساه ماحييت، لكننا كنا مستعدين لكل الاحتمالات، فأجهزة القمع العربية تعرف أنها عملية تصفية على الهواء، وقتل لقلم فضحهم كثيرا، وأمسك في رقاب زعمائهم، بل كتب عدة مقالات عن وقائع محاكمات سيد القصر.
الغريب في الأمر هو أنك كنت تلقي بنفسك إلى التهلكة بانسيابية وسهولة ويُسْرٍ كأنك تنتحر بمحض إراتك.
طلبنا منك أن توافق على البرنامج في خلال ساعات معدودة، وقلت لك قبل البدء بأنني منحاز إليك تماماً، وأنك ينبغي أن ترد الصاع صاعين، وأن لا تنسى الاشارة إلى أجهزة القمع السورية في الوقت الذي قلت فيه للواء الضيف الآخر قبل حضوره من القاهرة بأن البرنامج سيناقش أوضاع السجون في مصر.
كنت تريد أن تتحدث عن المعتقلات في العالم العربي، وهو يحاورك عن السجون في مصر.
أربكتك عندما منعتك من تكملة أي جملة، وظهرتْ على وجهي علائم كراهية وغضب وازدراء لم تشهدها الشاشة الصغيرة منذ أن بدأ أول بث للاتجاه المعاكس لسنوات طويلة خلت.
كانت مسألة حياة أو موت بالنسبة لي، فوزراء الداخلية العرب وأجهزة الأمن والسجّانون وضباط التعذيب يستعدون لشرب نخب انتصاري عليك وانحيازي التام لهم، وتسهيل مهمة اللواء الذي سمحت له بقراءة أوراقه، وتهكمت عليك بقولي: دع هذه الموسوعة التي أمامك.
أعطيتك سبعين إشارة بأنك تسقط في فخ فضائي سينهي عصر (طائر الشمال) إلى الأبد، وكنتُ فظاً غليظاً وقحاً معك حتى أنَّ بعضَ خصومِك أشفقوا لاحقاً عليك وتعاطفوا معك.
عبد المجيد: كل الألسنة معرّضة لعُقدة فجائية غالبا ما تنتهي بعد زوال السبب، أما في حالتي فكان حُسنُ النيةِ هو الساعدَ الأيمن لك، ولو أنني افترضت قبيل البرنامج احتمالات سوء النية بك فربما كنت قد نجوت وحَلَّ الغضبُ والاصرارُ على تكملة حديثي محل الفاجعة.
أدفع أنا ثمن ثقتي العمياء رغم أن الدلائل والقرائن والشواهد السابقة كانت تسير إلى الاتجاه نحو مذبحة جزيرية معاكسة، فالبرنامج جاء بعد ثلاثة أسابيع من توزيعي عشرات النسخ من كتابي الثامن ( وقائع محاكمة سيد القصر) والتاسع ( دعوة إلى التمرد)، فوقعت في أيدي إعلاميين أمنيين، واحتج سفراء وأسيادهم وزعماؤهم.
والبرنامج قبل أيام قليلة من تنفيذ دعوة شباب فيس بوك لانتفاضة في مصر وعصيان مدني، فأحضروا لك على عجل لواءً متخصصا في السجون والمعتقلات، ومساعدا سابقاً لوزير الداخلية، وكذبتم على المشاهدين فقلتم بأنه برنامج عن المعتقلات في العالم العربي، وللواء الضيف أوحيتم له أنها حلقة عن السجون في مصر.
سرقني الوقت القصيرُ، فسجنني في لحظاتٍ الانتظارُ ظناً مني أنك تبدي غلظة لدقائق ثم تعود محايدا بين خصمين يتحاوران.
سمعت اللواءَ يُحدّثك قبيل البرنامج وكأنه يَمُنّ عليك، ثم يعاتبك أنك لم تبلغه ضرورة عدم ارتداء اللون الأزرق قائلا: وأنت على اتصال دائم بي.
لم يخطر بذهني استحالة مجازفتك في مشاكسة حكم الرئيس مبارك، وطلبك التركيز على المعتقلات السورية رغم مصالحك المادية والاجتماعية هناك، فضلا عن معرفتك أن الاقتراب من أجهزة القمع في دمشق تحمل لك مخاطر قد تعجّل في القضاء عليك.
القاسم: كنت أعرف عنك الكثير ونحن نُعِدّ المصيدة، فأنت كاتب عن انتهاكات حقوق الانسان ووضعت محاكمات لزعماء عرب،
وعملت مديرا لإذاعة صوت العرب من أوسلو وقاريء نشرات أخبارها لمدة أربع سنوات، وسيمر بعد شهور قليلة ربع قرن على اصدار مجلة ( طائر الشمال ) في العاصمة النرويجية، واشتركت في ندوات، وصدرت لك تسعة كتب، وألهبت حماس الآلاف في كلمة بقلب بغداد عن السلطة والقلم.
لهذا وضعنا الخطة باحكام شديد، وقلنا لك قبيل وصولك للدوحة أن الضيف الآخر لم يصل، وأنه لا يعرف أنك ستكون الضيف المناهض للسجون والمعتقلات، فلما وصلتَ وسألتَ أحد المرافقين فقال لك بأنه وصل منذ فترة، ويعرف أنك الخصم المحاور!
سألتني في مقال سابق إن كنت قد خلدت إلى نوم عميق بعد احراق زميل لي على الهواء، والحقيقة أنني أنام ملء جفوني مساء كل ثلاثاء فلم أجد أثرا لغضب إثر المصائد الصغيرة التي أحرق فيه جزئياً بعض ضيوفي، أما أنت فكان ثأري معك ثأر كل سجاّن نهش لحم معتقل بريء بعدما أمره بهذا كلاب سيد القصر.
أنت سعيد بمئات الرسائل التي أدخلت الغبطة لنفسك، ومبتهج لكتابات تعاطفت معك من الدكتور أحمد صبحي منصور وصائب خليل وأحمد دومة وأحمد هريدي وعشرات من الكتاب والصحفيين والإعلاميين ورموز الثقافة العربية، وتعليقات على النت وعلى كلمتك المرئية على اليوتيوب، أما أنا فكما كتب لك أحد المتعاطفين معي بأن الدكتور فيصل القاسم هرم إعلامي باق بعد زوال الآخرين.
أين ذهب أصدقاؤك في الدوحة، خاصة وأن زيارتيك الأخيرتين منذ سنوات كانتا بدعوة من الديوان الأميري؟
لماذا لم يدافع عنك من تربطك بهم علاقات وطيدة مثل الشيخ حمد بن سحيم آل ثاني، وأيضا الشيخ حمد بن ثامر آل ثاني رئيس مجلس إدارة ( الجزيرة)؟
لقد ذعرت رعباً أربعُ مكاتب محاماة لجأت أنت إليها لترفع قضية قذف وسب وتشهير ضد (الجزيرة) بعد مذبحة الثلاثاء الأسود، ومنها أكبر مكتب للمحاماة في قطر، فهي مجازفة مادية من المكاتب ضد ما يطلق عليها مبغضونا ( علبة الكبريت الفضائية)، ويراها حاسدوناً عاصمة دولة قطر قبل الدوحة، وربما تراها الإدارة الأمريكية أكبر من الدولة التي تستضيفها ومعها القواعد العسكرية هنا!
لن أبكي على أن ملايين من مشاهدي ( الاتجاه المعاكس) ضاقوا ذرعاً بي بعدما بان وجهي شرساً، كارهاً، بغيضاً لهرمٍ إعلامي كان يجعلهم ملتصقين بمقاعدهم مساء كل ثلاثاء!
ولن أكترث للذين احتقروني بعدما أحرقت زميلا على الهواء لصالح الزنزانة والسوط والتعذيب والسجّان، وزاد احتقارهم بعدما أعلنت في نهاية الحلقة لأول مرة منذ ثلاثة عشر عاماً أنك كنت ضيفاً فاشلا ومرتبكا وغير موفق رغم أن كل دقيقة في البرنامج تخرج لسانها لي وتتهمني بأنني مقدم البرنامج والمضيف والسجان والخصم والحكم والجلاد وممثل كل أجهزة القمع العربية في الفضائية التي يشتمها كل العرب، ويشاهدها كل العرب.
حتى لو انسحبت أو لوّحت بقبضتك أو أسعفتك فكرة سوء النية مني، فقد وضعنا كل البدائل لئلا تخرج من بين أيديناً كما دخلت، وكما يعرفك متابعوك في مقالات قلت أنا عنها بأنها تزلزل الأرض من تحت الأقدام.
لأول مرة أستبدل نفسي بأحد الضيفين، وأتحدث بلسانه، وأعطيه الوقت والمجال والاهتمام حتى لو عبث بعقول المشاهدين وقال بأن لجان مراقبة التعامل مع المعتقلين تزور السجون، وتسأل، وتبحث، وتهتم بكرامة القابعين خلف القضبان، وأنه لم يسمع عن مركز النديم لتأهيل ضحايا التعذيب!
لا يا سيدي، فضميري غاب منذ زمن طويل، وأنا أسبب الصداع لمالكي ( الجزيرة) لكن الأجندة معروفة سلفاً، وقد خانك ذكاؤك عندما تصورت أن المصريين والسوريين غير قادرين على شد أذني لأنني في حماية الديوان الأميري، فقد لقنني القائمون على ( ماسبيرو ) درساً لن أنساه، وأوصلت الداخلية المصرية رسالة لي عن طريق منع أخي من الغناء. أما التحدي لحراس حُكم الأسد فهو الترجمة الفعلية لكلمة التهلكة.
عبد المجيد: أنت تغالط نفسك إذا شربت نخب الانتصار في موضع الهزيمة الأخلاقية، فأنا أزعم أنك تعثر الآن بشق الأنفس على ضيوف لبرنامجك، فأكثرهم باتوا يعرفون أن نيوب الضبع البارزة ليست ابتسامة!
لقد وضعت أنت من حيث لا تدري مسمارا ضخماً في نعش البرنامج الأكثر شهرة، والذي تبحث له عن حناجر فولاذية، وقبضات متورمة، وألسنة حِدْادٍ لا تعرف الفارقَ بين المضغ والنهش!
صحيح أنك أضحيتَ بعد اشعال النار في زميل لك في حماية تامة لممثلي الاستبداد والتسلط والطغيان، لكن خسارتك أيضا فادحة، وكلما أطل على المشاهدين ضيفان تسابق متابعو الحلقة لمعرفة أي الأثنين اتفق معك على مشهد المسرحية قبل البث، وتلقى التهنئة منك بعده!
لا تعرف أنت أو أنا أعداد الذين فقدوا ما كان لديهم من ثقة في ( الجزيرة)، ولعلهم أكثر من نصف عدد الملايين الذين كان الطير يقف على رؤوسهم منذ بداية ترحيبك بضيفيك وحتى مصافحتك لهما إثر غرسك الخنجر للمرة الأخيرة والقاتلة في قلب أحد الثورين الهائجين!
القاسم: أقسم لك أننا لن نتركك حياً أو ميتاً، وأحسب أن تجربة الكتابين ثم لحقت بها تجربة الثلاثاء الأسود أثبتت لك أن الإعلامي العربي، إلا فيما ندر، يكتب المقال وهو يفكر في تقرير أمني، وحبر القلم لديه بلون الدم القاني، وملفه في مكتب مدير الأمن تحدد سوادَه أو بياضه قدرتُه على إيذاء زملائه.
زميلك يصافحك بيد، ويطعنك بالأخري. يعانقك ويخنقك. يزورك في سجنك ثم ينفح السجّان إكرامية لانتهاك كرامتك!
كنتَ ساذجاً حتى البلاهة عندما وضعت ثقتك الكاملة إثر مكالمتي إياك كأننا سننحاز إليك، ونُغضب عشاقَ بناء المعتقلات وقمع المواطنين في أكثر من ثلثي العالم العربي الذي وصفه نزار قباني في قصيدته ( ياتونس الخضراء جئتك عاشقا ..) فقال: ( والعالم العربي إما نعجة مذبوحة أو حاكم قصّاب)!
بل انتصرت عليك، وبامكاني وأنا أجلس في مكتبي الذي لا يبعد كيلومترات معدودة عن القاعدة العسكرية الأمريكية في الدوحة أن أرفع سماعة الهاتف، وأتحدث دون خوف أو فزع مع اللواء المدير نفسه في سجن تدمر السوري أو كوبر السوداني أو الاستئناف المصري أو الأمن العام التونسي أو أبو سليم الليبي أو أبو غريب العراقي أو الفتح اليمني أو وهران الجزائري أو جفرا الأردني أو .. فيؤكد لي أنه وزملاءه يتابعونني بكل الاعجاب والتقدير!
لا تكابر، ولا تأخذك الفرحة بمئات الرسائل الالكترونية التي وصلتك من متعاطفين معك، وغاضبين على مصيدتي الأسبوعية التي أوقع فيها من أشاء أو من تشاء لهم مُدَوّنو أجندتي الخاصة جدا.
استمتع ما بقي لك من عُمْرٍ بحب جارف تفصح عنه رسائل تجعلك تنام قرير العين ولو حاقت بك الأخطار من كل صوب وحدب، أما أنا فشهرتي متعتي، ومن يسبونني تلتصق بعد ذلك أعينهم بالشاشة الصغيرة ليشاهدوا طلعتي البهية، وينصتوا لأضراسي وهي تُكسّر عظامَ من لا يرضى عنهم أسيادي.
عبد المجيد: من سوء حظك أنك لا تستطيع الكذب في حرف واحد، فالحلقة بين اصبعين من أصابع من يضعهما على الكي بورد، ويشاهدها كلما أراد أن يبرر موقفه لصالحي أو لصالحك، والزبد يذهب جفاء ويبقي في الأرض ما ينفع الناس.
غاضب أنت لأنني لم أبتلع هزيمتي في التاسع والعشرين من ابريل الماضي، وأنزوي في ركن قصي أشاهد ضحيتك التالية، وسأنعش الذكرى المريرة لحلقة الغدر كلما اقترب منها النسيان حتى لو تكرر عتاب الكثيرين لي عن أدائي الضعيف، إلا أن الأهم هو التذكير بأهم سقوط أخلاقي على شاشة ( الجزيرة) منذ أن سقطت الكرة الأرضية في الماء وصعد شعار القناة الفضائية إشارة لهيمنتكم على الجميع.
لا يا سيدي، لم تهزم حلقتك قلمي، فالكاتب لا يعتزل الهموم إلا مع صعود الروح، ثم تعود محلقة مرة أخرى. كنت في الأسابيع الأولى أجلد نفسي متألما، ثم أصبحت أجلد ضميرك مستمتعاً. كنت أقول لو أنك اعتذرت فسأصفح عنك، أما الآن فلو قدمت سبعين اعتذاراً فلن يصفح عنك الملايين الذين جعلتهم يكرهون ( الجزيرة) وشعارها فتحولوا إلى ( البي بي سي)و ( روسيا اليوم) و( الدويتش فيللي)و ( الحوار) و ...
لكن حيرتي لا تزال كما هي في معرفة أسباب تلك الكراهية التي مارستها في موضع المزايدة لايصال رسالة لكلاب سيد القصر، فرضوا عنك، وأغضبتَ الشرفاء ومع ذلك فلاتزال تحتفل بانتصارك!
حوارات سابقة للكاتب:
حوار بين سمكتين في قاع البحر حوار بين قملتين في شعر رأس صدام حسين حوار بين الرئيسين حسني مبارك و .. جمال مبارك حوار بين زنزانتين في سجن عربي حوار بين حمار و .. زعيم عربي حوار بين إبليس و .. الرئيس حسني مبارك حوار بين سجين حر و .. حر سجين حوار بين الشيطان و .. وضيوف الرحمن الحوار الأخير بين رئيس يحتضر و.. رئيس يرث حوار بين كلب السلطة و .. كلب الشارع حوار بين زعيمين عربيين في غرفة مغلقة حوار بين منقبتين في أحد الأسواق الشعبية حوار بين وافد و .. كفيل حوار بين مواطن مصري و .. ضابط شرطة حوار بين مواطن خليجي و .. إعلامي عربي حوار بين الرئيسين بشار الأسد و .. جمال مبارك حوار بين جواز سفر عربي و .. جواز سفر أوروبي
12:17 AM
,
Wednesday 19 November 2008
..
0
تعليقات
أوسلو في 3 أكتوبر 2008
ماذا لو أن إبليسَ تراجع الآن عن تحدّيه لرب العزة، وقرر أن يسجد لآدم ( رغم أن عشرات الملايين من نسل آدم أكثر شراً من إبليس نفسه)، وأنْ يتوب قبل يوم القيامة، وأن يستغفر اللهَ، تعالى ،عن عصيانه، وأنْ يقرر التوقفَ عن الوسوسة للإنسان؟ ماذا لو أنَّ اللهَ تعالى رفض توبةَ إبليس، لكن الشيطان نفسه يقرر عدم التراجع عن التوبة والاستغفار والندم، ثم يبدأ في الوسوسة للإنسان بالخير ظنا منه أن الله سيقبل توبته؟ ماذا لو أنَّ (القاعدة) أو أي جماعة دينية متطرفة ضربت ضربة إرهابية تصغر بجانبها تفجيرات لندن ومدريد والبرجين التوأمين، ثم يقرر الغرب والأمريكيون إعلان حرب عالمية ضد العالم الإسلامي، مستخدمين التهديدات النووية، فإما أن يختار المسلمون الإسلامَ والإبادةَ أو الطاعة العمياء للغرب وأمريكا وإسرائيل؟ ماذا لو انهار الاقتصاد الأمريكي، وانتهى الدولار كما انتهى الدينار العراقي، ولم تعد لمئات المليارات من أموال العرب في مصارف الولايات المتحدة قيمة أكثر من الورق ذاته وحبره؟ ماذا لو فرض علينا القطب الأكبر إزالةَ كل ما يتصادم مع الغرب من تراث وتاريخ وقيم وعادات وتقاليد وكتابات وكتب مقدسة وأحاديث نبوية؟ هل سنرفض، ونقاوم، ونتحدى، ونصنع أسلحةً و معدات ونصعد للفضاء، ونهدد بسلاح نووي لم يخرج للنور بعد؟ ماذا لو رَدَّ الغربُ وأمريكا بالحرب الالكترونية، وحجب كل المواقع العربية والإسلامية ومنعها منعا تاما، معتدلة أو متطرفة أو مسالمة أو صديقة، وانهاء أي صلة للعرب بعالم الإنترنيت؟ ماذا لو انهارت الأنظمة المستبدة والديكتاتورية في العالمين العربي والاسلامي، والمدعومة من الغرب وأمريكا وإسرائيل، بفعل غضب شعبي أو عصيان يكتسح القصور والسلطات والزعماء، ويفرج عن عشرات الآلاف من المعتقلين، وينصب المشانق لأعداء الشعوب، ويفضح تآمرهم على شعوبهم، وتَعُمّ الفوضى، ويتم تعبيد الطريق لقوىَ جديدة تماما، قد تكون قوى دينية أكثر تطرفا من القاعدة نفسها، وقد تكون قوى مستنيرة ومعتدلة ومعادية للتطرف والغرب على حد سواء؟ ماذا لو نفخ الحمقى والمتشددون في الخلافات المذهبية والطائفية على مستوى العالمين العربي والإسلامي، وامتد العداء بين كل الطوائف الاسلامية والمسيحية والاقليات وغيرها، فهل لدى علمائنا وزعمائنا ومثقفينا وإعلامينا ومفكرينا القدرة على اخماد نيران الكراهية والبغضاء، أم أننا أضعف من مواجهة تحديات كهذه، قد تبدو ظاهريا كأنها خيال، لكنها ليست بعيدةً تماما عن التجسّد جحيما يمتد على طول وعرض عالمينا العربي والإسلامي؟ ماذا لو تم تفريغ العالم العربي، كما حدث مع العراق، من العلماء والمفكرين والأكاديميين والمتخصصين في علوم دقيقة، سواء بالاغراء المادي، أو بالتهديد، أو بأوضاع إنسانية مزرية تضطر الصفوة بعدها إلى مغادرة العالم العربي نهائيا؟ ماذا لو تم تجنيد عشرات الآلاف على النت لاستخراج الأكاذيب واللامعقوليات والغث والضعيف والمهين من كتب تراثية تنتسب زورا وبهتانا للإسلام الحنيف، ثم شن حرب الكترونية غير عادلة باعتبار أن هذه من صلب الإسلام؟ هل يستطيع ضيوف الفضائيات من علماء التخدير والغيبوبة، ومحتالي المواقع الدينية والمشرفين على آلاف المنتديات المخاصِمة للعقل والمعادية للمنطق أن يتصدوا لتلك الحرب، أم أن الإسلام وًلِدَ غريبا و .. سيعود غريبا؟ ماذا لو بعث الله لشهر أو أقل صحابة رسول الله، صلوات الله وسلامه عليه، ومعهم أهم رواة الأحاديث ومعاصري البعثة المحمدية، وقاموا بالتحاور معنا، ثم نفوا نفيا قاطعا جزءا كبيرا من تراثنا، وأنكروا أن تكون آلاف الأحاديث صدرت عن نبي الله الكريم، وتعجبوا استنكارا من كل المذاهب الاسلامية والطوائف والحكايات؟ ماذا لو حدث تغيير في دوران الكرة الأرضية، وأصبح الشمالُ جنوبا، والجنوبُ شمالا، وشمسُ منتصفِ الليل في الشرق الأوسط، وجبال الجليد تمتد من كينيا إلى فلسطين، وقيظ الصيف في القطب الشمالي، وطائر البطريق في جبال الأردن، والدب القطبي بالقرب من جبل المقطم، ويتجمع في الدمام والمنامة والبصرة؟ هل سيصوم المسلمون في السعودية خلال الصيف حيث لا تختفي الشمس ، ولا يتبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر، أم سيفتي العلماء بما يناسب المشهد الجديد للكرة الأرضية؟ ماذا لو قام المنهزمون بكتابة التاريخ وأصدروا كتبا ووثائق، وسمح لهم المنتصرون أن يكونوا على قدم المساواة في المشاركة بكتابة التاريخ من الحروب الصليبية إلى الحربين العالميتين الأولى والثانية، ومن إبادة السكان الأصليين في أمريكا اللاتينية والشمالية وأستراليا إلى ما حدث خلال مئات الأعوام من حكم البيض في جنوب أفريقيا، وليس انتهاء بتفاصيل قرار البيت الأبيض ضرب هيروشيما وناجازاكي؟ ماذا لو عاد كل طاغية إلى الحياة ووقف أمام شعبه في محاكمة عادلة ومحايدة.. هتلر وموسوليني وستالين وسوموزا وسالازار وجنكيز خان وبول بوت وهولاكو وهتلر ، ترى مَنْ سيحاكم مَنْ: الشعب الذي سيتحمل مسؤولية الصمت والخنوع أم الطاغية الذي أنزل الرعب بمفرده في قلوب أتباعه؟ ماذا لو عاد الأنبياء والرسل لمعاينة أتباعهم لفترة قصيرة، وكتابة تقرير إلى السماء عما شاهدوا بأم أعينهم؟ هل سيتعرف كل نبي على قومه، ويفتخر بهم، ويتباهى بقوتهم وتقدمهم وأخلاقهم ورسالتهم النبيلة في الحياة وعلى الأرض أم سيتبرأ من أكاذيب أكثر أتباعه؟ ماذا لو عثرنا على سر شجرة العائلة صعودا حتى آدم عليه السلام؟ ترى من سيتجرأ على الكذب ويدّعي أنه لا تربطه صلة قربى ورحم بأي إنسان آخر في أي زمان ومكان؟ ماذا لو اختار الإنسان دينه ومذهبه وطائفته فور سقوطه من بطن أمه، هل كانت الطائفية والتعصب والكراهية ستختفي؟ ولا تزال في جعبتي آلاف من ( ماذا لو ..؟) أخشى أن أطرحها كلها!
12:13 AM
,
Wednesday 19 November 2008
..
0
تعليقات
سفارة سورية في بيروت يتساوى بعدها السفير السوري مع سفراء نيبال وسوازيلاند والصومال وربما لاحقا جمهورية محمد عبد العزيز الصحراوية فهو أمر عجب، وحدث خََطَب! جاء حين من الدهر كان السفير السوري في عاصمة فيروز كالسفير الأمريكي في العاصمة الهاشمية، وكانت الدكتورة كونداليزا رايس تهبط سلالم الطائرة الأمريكية برشاقة فيستقبلها رئيس مجلس النواب ورئيس الوزراء ورؤساء الكتل ( هل هناك لبناني لا يعمل رئيساً؟) وترحب هي بكل زعيم لبناني يختلف مع دمشق وطهران وغزة وهراري ، وكأن لبنان دار أبيها ، أو خيمة صديق أمريكا الجديد! الرئيس ميشال سليمان رئيس التوافق اللبناني في الدوحة، وهو رجل نزيه ومحايد وليس طائفيا أو معاديا لأي فرقة أو مذهب أو جهة غير وطنية في لبنان!
لبنان بلد الغرائب، فزعماء الطوائف فيه يتعاملون كأن كل واحد منهم يملك مفتاح الحرب والسلام في الكون كله، ويهددون، ويتوعدون فتظن الحربَ الأهلية على وشك العودة مجدداً. ما يميز لبنان أن كل دولة عربية يوحي جهاز إعلامها بأن لها الفضل الأكبر في الاستقرار والمصالحة وإعادة البناء، وأنه لو تَرَكت اللبنانيين لحال سبيلهم فسيصبحون أيتاماً من بعدها، فيخرج نصف اللبنانيين في استعراض قوة الطائفة وضعف الدولة، لتسمع طهران ودمشق، ويخرج النصف الثاني في استعراض آخر للتذكير بأهميتهم، وعدم اقصائهم! بعد قليل تنفجر سيارة ويذهب ضحيتها أحد المسؤولين الحزبيين، ولا تعلن أي جهة مسؤوليتها أو براءتها، فالمطلوب أن يخاف اللبناني من اللبناني، وإلا فكيف لنظام طائفي أن يعيش عشرات السنوات دون أن يستأنس بنار أو يتدفء بها، ثم يًلَوّح بها جحيماً للشعب إنْ لمْ يتصالح اللبنانيون؟
ليس المطلوب من الرئيس ميشال سليمان أن يحرر لبنان من سطوة السوريين والأمريكيين والمصريين والخليجيين والفلسطينيين والفرنسيين فقط، ولكن أن يحرر اللبنانيين من أنفسهم، ومن انتماءاتهم الضيقة إلى لبنان الأصغر .. الأكبر! الرئيس اللبناني الجديد حالة جديدة من الحياد، وشعبيته أكبر من شعبية كل زعماء الطوائف مجتمعين أو متفرقين، لكنه يقف فوق رمال متحركة من نظام محاصصة طائفي، تم تثبيته وفقا للمسافة بين اللبناني وبين الجنة. مهمة صعبة وشاقة نتمنى أن ينجح فيها رئيس كل اللبنانيين ميشال سليمان، وأن تبسط الدولة سيطرتها على كل شبر في لبنان، وأن يكون حياده قوةً وليس ضعفا، وأن يُنهي عصر مكاتب الاستخبارات العربية والغربية والأمريكية والاسرائيلية التي تعمل من بيروت. وعلى اللبنانيين أن يلتفوا حوله فهو الشرعية الوحيدة الحاكمة في لبنان.
12:11 AM
,
Wednesday 19 November 2008
..
1
تعليقات
الفلسطينيون نزعوا الروحَ من أقلامنا، فهم، كما تَعلّمنا، أصحابُ أطهر قضايا العصر، وأكثرها وضوحاً وجلاءً في معرفةِ الحق من الباطل، لكنهم الشعبُ الوحيد في العالم الذي منحته نسبة الديمقراطية بينهم وارتفاع مستوى التعليم عكس ما تمنحه للآخرين. ستون عاما تعلّم خلالها كل فلسطيني أن الاسرائيليين أعداء شعبه، وسارقو أرضه، ومغتصبو حقوقه، لكنه كلما زادت معرفته عاد إلى نقطة الصفر. كوارث ومصائب ومؤامرات خارجية وداخلية وحروب ومتابعات تجعل كل فلسطيني موسوعة متحركة في حقوق الانسان وقضايا وطنه وطرق العدو للايقاع به، لكنه لا يتعلم من تجاربه، وينشطر في كل حادث، ويتطاير أجزاء مبعثرة في كل مكان. فليتبادل إسماعيل هنية ومحمود عباس موقعيهما، وسنكتشف أم المصائب، أي سيرتدي أهل رام الله الزي الاسلامي، وستنبت لحية كثة، وتظهر زبيبة صلاة في جباه الرجال. أما غزة فسيعود الكازينو الكبير لفتح أبوابه منافساً لاس فيجاس، وربما تقام مسابقة ملكة جمال الشاطيء، ويقوم الرئيس الفلسطيني بتسليمها جائزة كبرى، وتقبيلها كأنها الدكتورة كوندي. الفلسطينيون ينتقدون قادتهم لكنهم في الواقع يطيعونهم أكثر من طاعة الشعوب العربية لأشد زعمائها طغيانا وبغياً وكفراً! ما معنى أن هناك فلسطينيين يشتبكون في شوارع بلدهم، وعلى مبعدة أمتار معدودة من عدوهم، كأن الرصاص الحَيَّ الذي ينطلق بكثافة قد وقّع أصحابُه عَقْداً بتحريم استخدامه ضد القوات الاسرائيلية! إذا تحدثتَ مع الفلسطيني على انفراد وجدت نفسك في مواجهة حالة وعي ويقظة ووطنية كأنك تلميذ في حضرة أستاذه. وإذا اجتمع فلسطينيون في وجود قيادة تحولوا إلى قطيع يهش عليها قائدهم، وتضيع الرؤية، ويُخَيّم سواد قاتم على كل ما يحيط بها! يعتبرك الفلسطيني مناصرا ومؤيدا وحاميا له، ورافعا علم بلاده، وجنديا مجهولا في حرب تحرير الوطن السليب. ولكن نفس الفلسطيني يعتبرك خصما ومناوئا ومنحازا للعدو الصهيوني لو كان في جماعة أو فصيل أو في حكومة مؤقتة أو وطنية أو متمردة! تجارب الفلسطينيين في الكويت والعراق والأردن ولبنان ومصر وليبيا وسوريا لم تضف إلا أصفاراً على الشمال لوعيهم بقضيتهم، ولذكائهم في التعامل في الصراعات الداخلية. ينجح الفلسطيني في سنة أولى سياسة أو يرسب، فسيعود إلى السنة الأولى مرة ثانية وثالثة وعاشرة، وهو على استعداد لأن يطلب من خصومه التوسط، ويثق في زعماء تحالفوا مع عدوه ضده. فلسطينيون لو خرجوا مع عائلاتهم وأطفالهم دون حمل أي سلاح، وتوجهوا بملايينهم ناحية عدوهم المستوطن أمام أنظار العالم لمنحتهم إسرائيل أكثر مما يطلبون، لكنهم يطلبون وساطة مَنْ أغلق في وجوههم المعبر تلبية لرغبة إسرائيلية!
12:09 AM
,
Wednesday 19 November 2008
..
0
تعليقات
هنا في النرويج إذا التقيت جارك أو شخصا لم تره منذ فترة أو صديقا بعد عطلة أو صاحبا ولم تتحدثا عن المناخ والجو والمطر وشعاع الشمس الذي يطل على استحياء أو كثافة الجليد فلابد أن يسأل أحدكما الآخر عن السفر!
إذا تصادف وشاهدت جارتك تركن سيارتها بجانب سيارتك ولم تكن قد رأيتها لعدة أيام فستقفا معا تتحدثان عن آخر رحلة لك أو لها، ثم ينتقل الحديث إلى الخطة المستقبلية للسفر في العطلات الثلاث القادمة!
ستقول لك بأنها قضت أسبوعين في أثينا، واستمتعت بأشعة الشمس ورحلة بحرية وتناولت الطعام اليوناني في جزيرة جميلة، ثم تردف قائلة: أما اليومان الأخيران الرحلة فقد هبت عاصفة خفيفة، فمكثنا في الفندق حتى موعد العودة.
تنتظر حتى تكمل حديثها لتقول لها بأنك قضيت ويك إند في لندن لأنك عثرت مصادفة على تذكرة سفر على الخطوط الجوية الإيرلندية ( رايان إير) بثمن بخس كأنها بطاقة سفر مجانا.
لكنك تفكر في العطلة الخريفية للمدارس في جزيرة مايوركا الإسبانية.
تبتسم جارتك وتقول لك بأنها قضت أسبوعا هناك وقد أصبح المنتجع السياحي الإسباني مستعمرة ألمانية حتى أنك تشتري في الصباح الباكر صحيفة فرانكفورتر تسايتونج في نفس موعد بيعها في أكشاك المدن الألمانية!
تذهب إلى عملك وتسأل عن زميلك في المكتب المجاور فتعرف أنه في رحلة إلى سوسة التونسية أو نيويورك أو يقضي مع أسرته أسبوعين في نيس.
تفتح صحيفة آفتين بوسطن فتطارد الإعلانات عن السفر عينيك بكل الأشكال والألوان والخطوط والأسعار مع صور وضعها متخصصون في فن الإعلان الذي يداعب خيالك ويتسلل إلى جيبك وحسابك ليقنعك بأن ميزانيتك التي أرهقتها ثلاث رحلات هذا العام قادرة على الرابعة والخامسة قبل عطلة الكريسماس!
تتصل بشركة أو مطبعة أو مصنع أو مكتب في الثلث الثاني من يوليو فيقال لك بأن ( العطلة الجماعية بدأت)، وكل العاملين قد سافروا بحثا عن الشمس، ويمكنك إعادة الاتصال في أوائل أغسطس.
ويتعجب محدثك من أنك لست على سفر!
يبدأ اليوم الدراسي الأول في منتصف أغسطس، ومن الصف الأول الابتدائي إلى طلاب الثانوية العامة يكون الحديث كله عن السفر، والعطلة والأماكن الساحرة في العالم.
تدخل المُعَلّمة وقد أشرق وجهها بلمعان لا تخطيء العيون أنه من شمس الجنوب، وبعد دقائق تكون قد بدأت في توجيه الأسئلة للتلاميذ عن الأماكن التي قضوا فيها عطلاتهم، وتختلط الأصوات والمدن والأسماء فتسمع جزيرة كريت اليونانية، إزمير التركية، أغادير المغربية، فينيسيا الايطالية، كوستا دي سول الاسبانية، ولكن هناك من سافر مع والديه، أو مع والدته وصديقها الجديد وأولاد الاثنين إلى تايلاند وجزر الكاريبي ودزني لاند ونيو مكسيكو!
وتقول المُدَرّسة بأنها قضت نصف عطلة الصيف في شاليه فوق الجبال بغرب النرويج أو شمالها، وقامت برحلة صيد، لكنها ستسافر في الخريف لزيارة صديقة لها تقيم في دبي.
الحياة في النرويج لا تستقيم بدون السفر، والطاقة يستمدها النرويجي من رحلتي الصيف والشتاء، لكن الخريف أيضا له عطلته المدرسية التي تستبق عطلة نهاية العام قبل الاستعداد لعطلة الشتاء، ناهيك عن عطلة عيد الفصح والعيد الوطني.
كانت الأسبقية منذ عشر سنوات لليونان وجزرها، كريت ورودس وقبرص وآيا نابا ثم سبقتها إسبانيا وبعض المدن الساحلية الفرنسية وجنوب إيطاليا.
لا يزال الأجانب في النرويج يفضلون عطلاتهم إلى بلادهم مع استثناء طالبي اللجوء السياسي من العراقيين والايرانيين والسوريين والأفغان.
بوجه عام رغم أن الأجنبي الذي يحمل الجنسية النرويجية ولا يقل مستوى معيشته عن نظيره النرويجي يرى في السفر رفاهية أكثر من متعة وراحة وفترة التقاط الأنفاس .
تسير في شوارع منطقة جرنلاند فتظن أن العرب والأفارقة والفيتناميين والأتراك والإيرانيين والهنود والبنغال والسريلانكيين قد احتلوا القسم الشرقي من أوسلو، لكنك تستقل طائرة شارتر متوجهة من أي مدينة نرويجية إلى منتجع سياحي فلا ترى إلا وجوها بيضاء عليها عيون زرقاء ويزين رؤوسها شعر أصفر ذهبي، فالمغتربون السمر يبني الأثرياء منهم بيوتا في بلادهم ويشترون عقارات، أما الفقراء فيعيشون على الضمان الاجتماعي.
فلسفة السفر قائمة على تحسن مستوى معيشة النرويجي في العقدين الأخيرين، واعتبار شدّ الرحال إلى الخارج تقليدا جديدا يتبارى في الحديث عنه كل الناس في كل الأوقات وتحت أي ظروف!
أما متعة التفكير في هدوء ما بعد التقاعد والمعاش والمرحلة الأخيرة من الحياة فغالبا لا تخرج عن تخيل سكن لائق قريب من البحر في جزر الكناري أو يوريت دي مار الإسبانية فالعظام التي أرهقتها فصول الشتاء القارص الطويلة تحتاج إلى ترميم بدفء الشمس، وراحة على الشاطيء مع كتاب انتظر طويلا من يقرأه!
والمعاش الذي يحصل عليه النرويجي من عمله يسمح بمعيشة كريمة في جنوب أوروبا، فهو لا يتأخر يوما واحدا عن حسابك في البنك، ويزداد في كل عام مع زيادة الأسعار وارتفاع مستوى الدخل لدى الذين لم يتقاعدوا بعد.
عندما تسأل طفلا نرويجيا لم يبلغ العاشرة من عمره عن الأماكن التي قام بزيارتها فربما ينتهي العدُّ على أصابع يديه الصغيرتين قبل أن يسرد عليك أسماء المدن والمنتجعات السياحية التي قام بزيارتها مع أسرته، فضلا عن مدن الملاهي والألعاب المائية وسيارات الرالي!
يأتي موزع الصحيفة اليومية ويقذف بها أمام شقة كل مشترك في بيوت المنطقة كلها، ثم يعود في اليوم التالي ومعه صحيفة الصباح فيكتشف أن صحف الأيام السابقة لم تتحرك من مكانها، فالمشترك عثر على تذكرة سفر بثمن زهيد تشمل الاقامة في فندق فاخر على شاطيء البحر في الجنوب!
والنرويجي يحدثك عن أسماء منتجعات سياحية لم تعلمك إياها كتب الجغرافيا وخرائطها، لكن شركات السفر والسياحة اكتشفتها كما اكتشف كولومبوس العالم الجديد!
12:08 AM
,
Wednesday 19 November 2008
..
0
تعليقات
أوسلو في 3 أكتوبر 2008
ستة وعشرون عاما مرّت منذ أن تلقت سفارة مصر في أوسلو فتوى دار الافتاء التي أصدرها الشيخ جاد الحق علي جاد الحق، رحمه الله، ومعه عشرة من العلماء بجواز صوم مسلمي النرويج في المواعيد المتقاربة من العالم الاسلامي. وبعد الفتوى بثلاث سنوات كان لي حديث مطول مع فضيلته عندما أصبح شيخاً للأزهر الشريف، وكان ذلك على هامش المؤتمر العالمي للمساجد بمكة المكرمة، وأكد لي خلال اللقاء تمسكه، رحمه الله، بالفتوى. هل رأيت مسلما ينتظر على أحرّ من الجمر موعد غروب الشمس ليلقي بنفسه على مائدة طعام زيّنها له خياله طوال ساعات الصوم الطويلة؟ وفي الشمال النرويجي يطول النهار هذا العام فلا يتمكن إلا القلة النادرة من صوم شهر رمضان المبارك. العام القادم يطول النهار، وبعد ثلاثة أعوام يأتي شهر البركة في منتصف الصيف، أي على المسلم أن يؤجل العمل إن كان يعمل في المساء، وأن يترنح من التعب والارهاق فتيان وفتيات المسلمين الذين تعلّموا لتوّهِم أهمية الصوم في سن الثانية عشرة، فإذا هو عذاب شهر كامل، لا يستطيع طفل مازال جسده في طور النمو أن ينتظر حتى يتم الصيام إلى الليل فهو لم ير خيطا أبيضَ يتبين من خيط أسود من الفجر. وماذا عن العمل، والمدرسة، وساعات النوم، ونشاطات التلاميذ بعد الفترة الدراسية التي لا يمكن الاستمرار فيها قبل أن يغادرنا رمضان الكريم في زيارته السنوية؟ العقل والنقل يتصارعان، والمسلم يظن أن الأوامر الالهية تتعلق بالكسوف والخسوف والشمس والقمر والضوء حتى يرث الله الأرض ومن عليها، ولا يريد أن يفهم أنها مواقيت في عصرها حتى يكتشف المسلمون مواقيت جديدة تحددها عقارب الساعات والدقائق والثواني! لأول مرة منذ ربع قرن تبدأ الشكوى بصوت مرتفع، فهناك جيل ثالث من المسلمين يعرفون أنهم نرويجيون، وأن عليهم تفسير الصوم لأقرانهم، وأنهم على مسافة زمنية ومكانية طويلة من علماء الاسلام. هل قُدّرَ لك وشاهدت أسرة مسلمة ينظر أفرادها إلى ساعة الحائط في كل دقيقة، ويتضور أطفالها الصغار جوعا وهم الذين بدأوا الصوم صغارا ، وربة البيت تترنح من الارهاق وهي تُعدّ طعام الافطار قبل منتصف الليل بساعتين؟ يتندر أهل البلد هنا علينا، ويتعجبون من شهر تتراجع فيه انتاجية المسلم إلى الربع، وتتوقف الحياة تماما قبيل الافطار بساعتين أو ثلاث! وعندما يهل علينا شهر رمضان المبارك في منتصف الشتاء، ويصبح الصوم كأنه سويعات قليلة بين وجبتين، وفي الشمال تختفي الشمس، ولست بحاجة إلى أن تتم الصيام حتى الليل، فنهارك ليل أيضا! في العام القادم سيحمل هَمّ شهر الصيام كثيرون قبل موعده بوقت طويل، والعقل يتراجع أمام النقل، والاسلام الحنيف يطلب منا أن نفكر، ونتدبر، ونقيس أمورنا وفقا لزمننا، وأن نفهم المعاني السامية للعبادة. لكن المسلم الذي يتناول افطاره في مواعيد متقاربة من العالم الاسلامي يقرع ضميره ويؤنبه وهو يفطر والشـمس ساطعة إن جــاء شهر رمضان في منتصف الصيف، ويفطر والظلام يخيم إن حضر شهر البركة في منتصف الشتاء. حيرة، وتردد، ومشاحنات مع النفس، ومصالحة مع العقل ما تكاد تستكين إلى السلم حتى يباغتها النقل مرة أخرى فلا تعرف أيّ إسلام يريدون؟ تزمت مخيف يلوح بالدين كأنه أمر بالاعتقال أو التعذيب حتى أن أحد الشيوخ هنا قال في فتوى بأن المسلم الذي يضبط منبه الساعة على موعد الذهاب إلى العمل، وليس على موعد صلاة الفجر سيلقي به الله في جهنم إن مات وهو نائم في فترة ما بين صلاة الفجر والذهاب إلى العمل! كيف إذن ستقنع هؤلاء بأن الخيط الأبيض والخيط الأسود والليل كان لزمن لم يعرف دقات الساعات السويسرية، وأن الله العلي القدير العزيز الرحيم لا ينتظر من العبد سجودا وركوعا ودعاء وفقا للنظام الشمسي أو القمري. المسلمون في النرويج في حيرة شديدة وأنا أزعم أنه لن تمر عشر سنوات أو أكثر بقليل حتى ينفصل الجيل القادم تماما عن الاسلام إن لم يسارع عقلاء الأمة بفتح باب الاجتهاد، وبالتوقف عن اهانة العقل والرأي والفكر والنقاش والجدال بالتي هي أحسن. قضيتنا ليست في اقناع المسلم المغترب بالايمان، ولكن في جعله يحب شعائر هذا الدين الذي ما خُيّر رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أمرين، في دينه، إلا اختار أيسرهما، ولا يزال البحث جاريا عن عقلاء الأمة!
12:06 AM
,
Wednesday 19 November 2008
..
0
تعليقات
أوسلو في 9 أكتوبر 2008
أحياناً أمنع نفسي من مشاهدةِ برنامج تلفزيوني حواري خشية أن يصدمني الكبار وهم يتقزمون أمام السلطة، ويحاولون توطيد العلاقة بمزيد من الأغلال في أعناقهم أو في ألسنتهم! في السنوات العشر المنصرمة تملّكني حزنٌ شديدٌ علىَ كبارٍ ما تمنيت أنْ أراهم بمثل هذه الصورة، ووددت أن يعود الزمن بي قبل اللقاء لعلي احتفظ بهم في مكان لا يقترب منه أحد ولا يرتفع فوقه إلا القليل.
شاهدت فيلم (هي فوضى) في سينما أوديون اللندنية بمنطقة ماربل آرش. وكانت القاعة مكتظة بوجوه عربية وإعلاميين ومثقفين وعاشقي الفن السابع. بعد انتهاء العرض تقدم الفنان خالد صالح الذي لعب دور الصول حاتم، وشكر الحاضرين ثم انصرف. على بوابة الخروج تجمع حوله عدد من المعجبين، وأخرجت من حقيبتي كتابي الثامن ( وقائع محاكمة سيد القصر ) لأهديه إياه، ففيه مقالات كثيرة عن الشرطة والأمن والسجون والمعتقلات والفساد. انتظرت دوري، فسألني منْ كان واقفا بجواري: هل تريد أن تهديه هذا الكتاب الذي بين يديك؟ أجبت بالايجاب، فسألني عن عنوانه: قلت ستراه بعد قليل في يد الفنان خالد صالح. قال لي: هل هو كتاب في السياسة؟ قلت: نعم، فرَدَّ ناصحاً: مادام في السياسة، فأرجو أن لا تقدمه هدية له. سألته : من أنت؟ قال: مدير أمن الفنان! قلت له: وماذا لو كانت رواية؟: قال: في هذه الحالة يمكنك أن تقدمها له. غضبت غضبا شديدا، وعاتبته قائلا بأن هذه النصائح تصلح لو كنا خارجين من دار عرض سينمائية في بلد عربي، أما في لندن فأزعم أن الأمر مخجل جدا. تقدمت من الفنان الذي لعب بمهارة شديدة دورا يجسد تجاوز رجال الأمن، وأهديته الكتاب قائلا: ستجد فيه ما جسدته في الفيلم رغم أن مدير أمنك رفض أن تقرأ في السياسة! شكرني مع ابتسامة باهتة، وقبل أن أتركه قام بتسليم الكتاب لمدير أمنه أمامي، وكأنه أراد أن يقول لي بأن ما رأيته على الشاشة يتناقض مع الواقع!
منذ سنوات استعنت بواحدة من أكبر رموز الإعلام المصري لحل مشكلة، حتى أنها قالت لي بأنها تستطيع أن تقلب البلد رأسا على عقب لقناعتها بعدالة القضية. في المكالمة الثانية مع طرف يمثلني هناك، في مصر، سألته الإعلامية عن أوضاعي المادية في النرويج وعن امكانية دفع مبلغ كبير لكي تثير القضية في وسائل الإعلام. ولما علمتْ أنني لن أدفع شيئا، بدأتْ في التهرب، ورفضتْ أن تتسلم مني رسائل بالفاكس، وطلبت مني أن لا أرسل إليها ( طائر الشمال ) فهي لا تقرأ إلا قليلا! قلت لها هاتفياً: لكنني فهت أنكِ تناقشين ضيوفك أحيانا في كتب صدرت لهم! وهنا كانت الصدمة لي فقد نفت نفيا قاطعا وقالت لي بأنها تتفق مسبقا مع الضيف وتقول بأنها قرأت الكتاب، لكن الحقيقة أن الضيف الكاتب هو الذي يلخص لها قبل البرنامج فحوى كتابه!
تقدمتُ بأدب جم إلى نقيب الصحفيين المصريين في بهو فندق عاصمة خليجية، وسألته إنْ كان قد تسلم الكتابين اللذين أرسلتهما إلى غرفته؟ قال لي: لقد أرسلتَ إلي قنبلتين! سألته مازحا: إنها كتابان أحسب أنك الإعلامي القدير ستسعد بهما! قال لي: أنا لا أقرأ هذه الأشياء الخطيرة، ولا أحملها معي في أي مكان، ولن أعود بالكتابين لمطار القاهرة! قلت له: ولكنك إعلامي ومثقف وقاريء ونقيب الصحفيين المصريين، فكيف تخشى قراءة كتابين لصحفي مثلك؟ قال لي بحسم وكأنه يريد أن يهرب خشية أن يراه الاعلاميون الآخرون معي: قلت لك بأنني لا أقرأ هذه القنابل التي أرسلتها إلى!
في عاصمة خليجية أخرى قالت الزميلة مها طه، الاعلامية اللبنانية موجهةً حديثها إلى بعض رؤساء ومحرري الصحف المصرية: لماذا تديرون ظهوركم لزميلكم محمد عبد المجيد كلما رأيتموه قادما؟ رَدَّ أحدهم وقد أحمر وجهه خجلا: لأنه ينتقد بشدة السيد الرئيس! على الغداء كنت أجلس مع مدير تحرير صحيفة نصف معارضة، فحكيت له ما حدث، فكان صريحا جدا معي، وقال بأن كثيرا مِنّا، نحن الصحفيين، يكتبون تقارير أمنية ضد كل من يناهض السلطة، فالصحفي رجلُ أمن قبل أن يكون حاملَ قلم!
اقتربت منها فهي رمز للإعلام الملتزم العتيق، وسلمت عليها، وامتدحت لغتها العربية الرصينة التي أسعدتنا سنوات طويلة. كان وجهها يوشي بطيبة رغم تجاعيد رَسَمَها العمرُ الطويل على وجهها المشرق! بعد أقل من ساعتين كانت قد التقت مجموعة من الاعلاميين، ورفضت بعد ذلك طوال يومين أن تتحدث معي، فقد همسوا في أذنيها، وظهر إثرها شبح السلطة أمامها!
تعجبني الفنانة يسرا في أدوار كثيرة قامت بها، لذا ترددت قبل أن استمع لحوار تلفزيوني معها، ومع ذلك فقد جلست أمام الشاشة الصغيرة. فجأة سمعتها تقول بأن السيد الرئيس هو الوالد العطوف الرحيم المنشغل بنا جميعا، وامتدحتْ فيه حتى ظننتها ستؤمن برسالته كأنه نبي العصر.تخيلت نفسي بُعَيّد حديثها في المعتقل وقد مرت خمس عشرة سنة وأنا خلف القضبان دون محاكمة، وقد كبر أولادي من وراء ظهري دون أن أحتضن أيا منهم ولو لبرهة!
مثقفون وإعلاميون ووطنيون وقضاة ومستشارون ووجوه وطنية شرّفت مصر بأدوارها الرائعة يرفضون جمال مبارك وريثا لعرش مصر، لكن الفنان القدير عادل إمام والزعيم على الشاشة والذي أسعدنا لثلاثة عقود، وأدخل البهجة في نفوسنا، يقف منتصبا ويتحدى مصر كلها مؤيدا ابن الرئيس ليكون الرئيس الابن!
في ذهني عشرات الحكايات عن كبار الكبار وقد تسببوا في صدمات متلاحقة لي، وكلها تقريبا كانت بسبب التقرب من السلطة، والتزلف لسيد القصر، والوقوف مع خصوم الشعب.
تذكرت رئيس تحرير أهم صحيفة مصرية وهو يستفسر من صدام حسين عن حب المصريين له واعتباره محاميهم، وتناسى الاعلامي الكبير جثث 4800 مصري قام رجال طاغية بغداد بتصفيتهم، دون أن يحتج الكبار الصغار خشية الأكبر.. ولعلنا نكتشف أنه الأصغر، وحينئذٍ لن تكون الصدمة كبيرة!
صناعةُ المتفجراتِ ليست فقط في مصانع الأسلحةِ أو معامل خبراءِ الجيشِ، لكنَّ هناك متفجراتٍ أشدّ فتكًا، وأعظم خطرا. إنها مصانعُ الفتاوىَ التي تمكنتْ من صُنع خمسة عشر سعودياً مِنْ تسعة عشر قاموا بتفجير البرجين التوأمين ففتحوا للماردِ المتعطش ِللحرب كلَّ الطرقِ للوصول إلى العالم الاسلامي ولو عن طريق جبل تورا بورا أو من بعقوبة أو من أسطول يُعَكّر صَفْوَّ مياهنا الدافئة. هل سمعت عن العبودية المختارة؟ إنها تلك التي تُسَهّل للطاغية أو الحاكم أو المستبد أو الاقطاعي الوصولَ بسوطه أو حذائه إلى ظهر أو رقبة رقيق سعوّا إليه قبل أن يستعبدهم، ووضعوا جباهَم تحت قدميه دون أن يُلَوّح لهم بقبضته أو عصاه أو كلابه. لكن هناك عبوديةً مختارةً لم يعرف لها تاريخُ الاسترقاقِ مثيلا! عبودية قائمة على البحث عن كل شاردة وواردة واشارة ولمسة ولمحة وسلوك فيستفتي المسلمُ فيها لتأتيه فتوى جاهزة قبل أن يرتد إليه طرفه. علاقة عجيبة ومسحورة تجمع المُفْتّين والذين يستفتون، فإذا هي في واقعها وحقيقتها لذتان سادية ومازوخية ، يستعذب فيها الثاني قسوة الأول، ويستمتع الأول بمسكنة الثاني ومهانته ومذلته! تلك هي عبودية الفتوى! لا أتحدث عن مئات أو آلاف منها، لكنها بعشرات الآلاف إنْ التزمتَ بها فيمكنك أن تخرج من بيتك وتترك رأسك في الدار، ثم تعود دون أن يتغير شيء، فالفتوى تفكر لك، وتسير أنت بها، وتعمل، وتأكل، وتنام، وتخاطب الناس، وتسمع، وتشم، بل تدخل الحمّام أو تجامع زوجتك، أو تسهر ليلا، أو تصلي والشمس ساطعة، أو تقف ذبابة على طبق طعامك، أو تتسلل نغمة خفية إلى أذنيك ( سأل مسلمٌ مفتيًا عن الإثم الذي سيصيبه إنْ تناول الطعامَ في مطعم، ثم فجأة تسللت موسيقى من حيث لا يدري!). لو اجتمع كل المستبدين والطغاة الذين أنجبتهم الأرض منذ بدء الخليقة وقاموا بتقييد المسلم، فلن يفعلوا مثلما تفعل الفتاوى الحديثة التي لا تغادر صغيرة ولا كبيرة ولا حلما ولا كابوسا ولا خيالا إلا طاردته، وقبضت عليه متلبسًا بجريمة الهروب منها. ستقول بأنه ليست هناك فتوى لإختيار الكلية بعد الثانوية العامة، ولا لشراء جهاز فيديو كافر، ولا لإستخدام مفتاح السكن ووالدتك في الداخل، وليست هناك فتوى للبعثة التعليمية، وشراء تذكرة السفر، وارسال حوالة بريدية، والاستماع رغما عنك لنغمة محمولك! معذرة، فهذا ليس صحيحا بالمرة، فقد استفتى المسلمُ فيها كلَّها وفي أكثر منها فالمسلم يسأل عن الخَلّ، وعن شرب حليب الناقة ليلة الدُخلة، وعن وضع جهاز تسجيل في القبر ليسجل فحيح الثعبان الأقرع! كأن فتوى قتل مالكي الفضائيات جديدة، أو أنها مفاجأة للساذجين فالحقيقة أنها خرجت للعلن حديثا مثلما خرجت فتاوى رضاعة الكبير وتحسس أجساد الصغار والزواج من طفلة فضلا عن كل أنواع الزيجات المزاجية والتي تبدأ بزواج عجوز من طفلة في فندق يمني، ولا تنتهي بنصف مليون زيجة عرفية لطلاب الجامعات المصرية في مقابل نصف مليون مدمن مخدرات غيّبتهم أو أيقظتهم الصحوة الدينية الملحَق بها فتاوى أكثر من حبات شواطيء متوسطنا الذي يترأسه نيكولاي ساركوزي! كتبنا .. وكتبنا .. وكتبنا لسنوات أنَّ عالمَََ الفتاوى الفجّة هو الأخطر على المملكة العربية السعودية، بل إنه يحمل في طياته الانفجارَ الكبير، ويُعَبّد الطريقَ لانتفاضة، ويمثل أكبر تهديد لآل سعود منذ تولّيهم حُكم البلاد. الجيل الثالث في طريقه إلى تسلم مقاليد الحكم، وهؤلاء الذين تعلّّموا في الغرب لن يهادنوا المؤسسة الدينية، ولن يحنوا رؤوسهم للمطاوعة، لكنهم ينتظرون ساعة الصفر التي تُنهي عصرَ الكبار .. أبناء المؤسس الأكبر، ويبدأ عهد سعودي جديد، إما أنْ يستمر أباطرة الفتوى بخنق الشعب السعودي فتنفجر الدولة، أو يُلغي الحكامُ الجدد من الجيل الشباب اتفاق الجنتلمان المعقود بين آل سعود وآل الشيخ. اختارت السعوديةُ المنافقين والأفّّاقين والمتزلفين والمؤلفة قلوبهم ليتحدثوا باسمها، ويتولّوا تلميعَ صورتها، ويحللوا بغباءٍ وسطحية ساذجة انتقادات قوى المعارضة فيؤذون موكليهم ويرفعون من شأن كل معارض! أمّا أنْ تصدر فتوى بقتل صالح كامل ووليد بن طلال والابراهيم وقطعًا كل من أسهم في الفضائيات من الأمراء والشيوخ فهي بداية النهاية، ومن المتوقع أن تصدر فتوى بتحريم ركوب الطائرة لأنها تُحَلّق فوق مُدُن كافرة يشرب أهلُها الخمرَ، وتحريم ركوب القطارات لأنها تسير فوق قضبان ثابتة، والثابت هو الله، وفتوى بتغيير اسم مطار الملك خالد بن عبد العزيز، لأن الخالد هو الله، وفتوى بتحريم زيارة المدينة المنوّرة قبل أن يعود إليها اسمها الحقيقي ( يثرب)، وفتوى بتفجير كل محل وبيت وقصر في السعودية يكون به جهاز ستالايت أو فيديو أو مزامير الشيطان( أي آلات موسيقية) أو تلفزيون، وفتوى بتحريم فتح صنبور المياه في البيت قبل صلاة الاستسقاء في كل مرة، وفتوى لا تجيز للمرأة خلع ملابسها لدى الاستحمام لأن الذكور من الجن سيشاهدونها، وفتوى بالتأكد من نسب كل طفل في المملكة خشية أن يكون الوالد جِنّيّاً أو عِفريتاً انزلق في فراش الزوجية ( هذا ليس هراءً فقد سألت احداهُن هذا السؤالَ وتظن أنَّ مَنْ جامعها عفريتٌ من الجِنّ وكان زوجها يغط في نوم عميق). من أراد أن يهز رأسه صعودا وهبوطا فليفعل، أو يمينا ويسارا ( كما يفعل الهنود والبنغال)، ومن أراد أن يبكي دموعا أو دَمَاً فقد تُطَهِره، لكنها لن تُحرك ساكنا، فكل أعاصير وفيضانات وتسوناميات وجوستافيات الدنيا كلها ستصغر بجانب الانفجار الكبير والذي لن يحتاج إلى تخصيب، فقد قام أباطرة الفتوى بتخصيبه أمام أعيننا وبلاهتنا وحماقتنا لأكثر من ثلاثة عقود. من كانت في قلبه ذرة إيمان باقية لهذا الدين الحنيف فليقف أمام أشد أعدائه صلابة وبأسًا.. أمام عالم الفتاوىَ الفجّة والساقطة والمتخلفة. لو أرسلتْ إسرائيلُ مئةَ ألفِ نسخة من إيللي كوهين إلى العالمين العربي والإسلامي لما نجحت مثلما نجح أباطرة الفتوى في هزيمة الإسلام والمسلمين،فهل لا يزال بيننا عاقلٌ واحد؟
12:03 AM
,
Wednesday 19 November 2008
..
0
تعليقات
أوسلو في 29 سبتمبر 2008
العم سام سينافس المَلَكيّن دونما حاجة لأنْ يكون عن اليمين وعن الشمال قعيد! بعد سبع سنواتٍ من حرب الرئيس الأمريكي ضد ما سمّاه الارهاب ، توصّل الأمريكيون إلى اتفاقٍ مع الاتحاد الأوروبي يسمح بالحصول على المعلومات الشخصية لكل فرد في أي مكان يشير إليه جهاز الاستخبارات الأمريكية. وحيث أن النرويجَ عضوٌ في المنظومة الاقتصادية الأوروبية فهي ملتزمة وِفقاً للاتفاق مع الاتحاد الأوروبي بالانصياع لاتفاقات أمنية ومالية وعسكرية يجريها الاتحادُ مع القوى الأخرى. الآن يمكنك أن تقوم بتحويل مبلغ من المال من حسابك في دبي أو الرياض أو جنيف أو الدوحة إلى بنك وستمنستر أو البنك الهولندي العربي أو شركة استضافة لموقعك على الانترنيت أو لشراء أدوية من السويد أو لدفع نفقات علاج والدتك في باريس. ولكن لا تنس أنَّ كلَّ حركةٍ انتقل بها المبلغُ من مكانٍ إلى آخر سقطت المعلوماتُ عنها في كمبيوتر سَيّد العالم حتى لو اشترى مسؤولٌ فلسطيني كبيرٌ ملابسَ داخلية باهظة التكاليفِ لزوجته أو عشيقته من أحد بيوتات الأزياء في تل أبيب. 700 جهة تراقبك في النرويج وتستطيع أن تُحصي أنفاسك وتعرف ما في جيبك، وتتنبأ بمشترواتك صباح يوم السبت، أو بالمواقع التي تقوم بزيارتها على النت، أو بمكالماتك الهاتفية. هل تتذكر عندما قامت السلطات العراقية في عهد صدام حسين باعتقال مواطن استخدم كلمة ( لاسلكي ) في حديث هاتفي بريء؟ هذا المواطن محظوظ لأنه لم يعش عهد ما بعد سقوط البرجين التوأمين وبامكان جهاز الرقابة الأمريكي أن ْيدخل على ( السويفت ) الموجود في بلجيكا والذي يحصي انتقال الأموال لأكثر من ثمانية آلاف مؤسسة مالية تغطي تقريبا 200 دولة وكل مصارفها وحسابات عملائها! هنا في النرويج وبلمسة إصبعٍ رقيقةٍ يصحبك عالَمُ الديجيتال إلى سجنك الأكبر، فالمعلومات تتدفق من كل صوب وحدب، من طبيب الأسنان، ومن عملك حيث تم تحويل مرتبك، ومن سائق التاكسي الذي دفعت له كرديت، ومن شركة السفريات التي تحتفظ بالمعلومات عنك خمسة أشهر، ومن الخطوط الجوية التي تبعث قبل وصولك إلى الجهة المتوجه إليها بكل المعلومات عنك، ومن روشتة الدواء التي تستخدمه، ومن أكثر مواقع النت زيارة، ومن كاميرات المراقبة لسيارتك في أي مكان. جاء حين من الوقت رفضت سفارةُ واشنطون في العاصمة النرويجية منح تأشيرات دخول لكل المشتركين في صحيفة ( كلاس كامبن ) الشيوعية ، فقد تم تسريب أسمائهم إلى السفارة الأمريكية. أما الآن وبعد عقد الاتفاقية ستكون عارياً كما ولدتك أمُّك، فالسلطات النرويجية مضطرة ٌلأنْ تستجيب لطلبِ السفارةِ الأمريكيةِ بمدّها بكل المعلومات عنك حتى لو حجزتَ تذكرةً لزيارة ديزني لاند مع زوجتك وأولادك في مكتب سفريات هندي وعلى الخطوط الجوية المجرية! إذا سقطتَ مرةً واحدةً فإنَّ صحيفةَ سوابقِك ستجعلك تتمنى أنْ تحتضنك حفرةٌ ضيقةٌ لا يتعرف عليها الحانوتي لو عاد إليها مرة أخرى. كل ما فعلته في حياتك ولو كنت متخفياً وأنت في ملهى ليلي في لندن، أو حجزت تذكرة ًفي قطار متهالك من كراتشي إلى بيشاور، أو دخلت على مواقع إنترنت إباحية في غرفتك حيث تظن أن الشيطان الأكبر، كما يسميهم جيراننا على الضفة الأخرى من شط العرب، غافلون عنك. كل ما تفعله حتى لو عبثت أصابعك بالكي بورد في لوبي الفندق الذي تقيم فيه، أو تغيير الكود، أو الرأي الذي كتبتَه في منتدى إسلامي على النت وقلت َفيه بأنك لم تحزن على ضحايا الحادي عشر من سبتمبر، وحتى اللقاء المصادفة الذي جمعَك على مقهى في روتردام مع مصري ويمني كانا يحاربان في كابول، سيخرجه له سيّدُ البيت الأبيض يوم قيامتك الأرضية، ويوم تُعرض أعمالك على السي آي إي! سيدهشك أنَّ أرشيفاً كاملا لقراصنة ِالبحرِ على الساحل الصومالي يقرأه الآن عسكريون لا يعرفون الفارق بين الصومال وإثيوبيا، أو بين مقديشيو ونواكشوط. إنها ليست فيس بوك حيث تكتشف زميلا لك كان يجاورك في الصف الثالث الإبتدائي بمدرسة قاسم أمين، وليس تقريراً صادراً عن المخابرات الأردنية أو السورية أو التونسية باشتراكك في تظاهرة في بروكسل ضد أنظمة الحكم فيها، وليست معلومات خطفها هاكرز من جهازك ووقعت في أيدي أمن الدولة ببلدك، لكنها حسابٌ لا يغادر صغيرةً ولا كبيرةً إلا أحصاها. حسابٌ لا يسجّل فقط ما تنطق، لكنه يدخل إلى قفصك الصدري، وهو يتعرف على بصمتك في جواز سفرِك ولدى مرورك في المطار، واسمك المستعار في كل المنتديات فضلا عن IP لحاسوبك. الحادي عشر من سبتمبر كان يومَ جحيمٍ لم يعرف صانعوه أنهم عجّلوا في غضبٍ لم يحسبوا حسابَه، ولم يفكروا في قياس درجتيه الدنيا والقصوى. يحدثونك عن النصر الاسلامي، وأنَّ الأمريكيين بدأوا يتعرفون على خاتمة الديانات السماوية، وأنَّ هناك عشرات الآلاف من المواقع الدينية تحارب بضراوة الصليبية الحاقدة، وأنَّ رايةَ النصرِ سترتفع فوق كلِّ شبرٍ من الكرة ِالأرضيةِ وربما الكواكب التي لم يكتشفها العلمُ بعد. إنهم كاذبون فهي معركة فرضَتها علينا أجندةٌ متخلفةٌ ووجدتها أجندةٌ منحازةٌ فرصةً تاريخيةً للقضاءِ على الخطرِ الأخضر. وحتى لو انتصرت طالبان المتخلفة المدعومةُ من القاعدةِ الارهابيةِ على قوات الاحتلال القاسية فإننا مهزومون كارازياً، ومهزومون ظواهرياًً! هذا غيضٌ من فيضٍ ستشهد الأيامُ أن َّالقوةَ والدينَ في أيدي المتشددين والمتعصبين، كالمالِ والسلاحِ في أيدي القوى الاستعمارية الطامعة في نفطنا وخيراتنا و .. حفظ أمْنِ إسرائيل.يمكنك أن ْتكتب الآن، باللغة العربيةِ أو الصينيةِ أو المنغوليةِ أو الكتالانية ِأو السواحيليةِ أو الفارسيةِ، ولن يمر وقتٌ طويلٌ حتى تقع كلماتُك بلغةٍ إنجليزيةٍ في جهازٍ ضخمٍ كاخطبوط يَمُدُّ أذرعَه في يونيون دي بنك سويس، ووكالة ناسا الفضائية، وموقع إيرث جوجل، ومضخة البنزين التي شحنت بها تنك سيارتك ودفعت كريديت لشاب بنغالي داخل المحطة. إنها الحرب العالمية الثالثة التي لن يصّدقك أحدٌ لو قلتَ بأنها اشتعلتْ فعلا بعد سقوط البرجين ولم يتم الاعلانُ عنها بعد!
12:01 AM
,
Wednesday 19 November 2008
..
0
تعليقات
أوسلو في 8 أكتوبر 2008
الدكتورة كوندي محظوظة لأنها لا تعمل ممرضةً في مستشفى بلغاري أو حارسةً شخصية، لذلك قامت بزيارة العقيد بعد خمسٍ وخمسين سنة من زيارة جون فوستر دالاس وزير الخارجية الأمريكية الذي استقبله الملك إدريس السنوسي في قصر وليس في خيمة.
كان يومَ عيدٍ لكل السمراوات الأفريقيات اللائي يعملن في الجماهيرية العظمى، ولعل العقيدَ كان ساهماً وغيرَ مصدقٍ أنَّ ضيفتَه لا تبحث عن عملٍ، ولا تقدم شكوى من المعاملة الجافة لرجال أمْنِه!
في عالمنا العربي يبدع زعماؤنا في استقبال مِنْ هُمّْ علىَ وشك ترك مناصبهم الرسمية، من ريتشارد نيكسون إلى توني بلير، وتلك الرشيقة السمراء التي أهداها العقيدُ عوداً، فالأيام في البيت الأبيض باتت معدودة، وأغلب الظن أنَّ رسولَ الصحراء سيستقبل في العام القادم الرئيسَ ( السابق ) جورج بوش الابن، ربما لعقد اتفاقيةٍ نفطيةٍ لشركةٍ قد تجمعهما مع النائب ( السابق ) ديك تشيني!
ليس هناك أصدقاءٌ أو أعداء دائمون، هكذا قالت وزيرة الخارجية قبيل زيارتها للقذافي!
تعريف السياسة:كيف تعمل ساحراً، وتقوم بتحويل سكين في يد عدوك إلى زهرة، ثم اعادة الزهرة لوضعها الطبيعي إنْ لم تتفق مع خصمك؟
تعريف السياسة مرة أخرى: كيف تضحك في جنازة وتجعل المعزّين كلَّهم يستلقون على أقفيتهم من الضحك المتواصل، ثم يرقصون حول نعش الراحل، وبعدها تذهب إلى عُرْسٍ وتقنع الحاضرين بأنَّ العريسَ مات، ثم تتلقى التعازي؟
لا تتعجب فعصرُ المعجزات لا يزال قائماً، والمستحيلُ كلمةٌ لا توجد إلا في قاموس الأحمق أو الذي لا يعمل بالسياسة!
عندما يطير خبرُ استقبال الرئيس الفرنسي أو الأمريكي للدكتور أيمن الظواهري فلا ترفع حاجبيك دهشةً، فقد يأتي الوقتُ الذي تقوم فيه القوات الأمريكية والعراقية مشتركة بالزحف على المملكة العربية السعودية بِحُجّةٍ يمكن العثور عليها لاحقاً، أو قد يأتي يوم تطلب فيه حكومةٌ عربيةٌ من الأصدقاء في تل أبيب أن تقوم إدارةُ الجوازات والجنسية بالدولة العبرية بطبع جوازات السفر للدول الأعضاء في جامعة الدول العربية!
بالقرب من مقر لقاء العقيد ورايس كانت هناك سحابة سوداء قاتمة، وإذا أمعنت النظرَ فيها ستجد أنها أشباحٌ لمئات من الليبيين الذين قام العقيد بتصفيتهم وسحلهم واغتيالهم ككلاب ضالة، ومنهم 1200 ليبي في سجن أبي سليم، ومنهم من لم نقصص عليك.
معذرة فالضيفة الكريمة لا تنظر إلى الأعلى إلا عندما تقابل مسؤولا عربياً لم يخدم سيّدَ البيت الأبيض بما فيه الكفاية، لذا فلم تسمع لعنات أرواح كل المظلومين والأبرياء الذين أرسلهم العقيد إلى العالم الآخر.
كان الرئيس الراحل ياسر عرفات ارهابيا كما وصفته حكومات العالم الحر، ثم تحوّل إلى رجل مسالم وحصل على ثلث جائزة نوبل للسلام بعدما تلقى أسيادُنا البيض اتصالا من تل أبيب بأن أبا عمار يحمل مسدسا في وسطه ولكنه لا يحمل أسلحة في لسانه أو صدره.
بعدها بعدة سنوات عاد أبو عمار إلى الواجهة الارهابية كما تصفها وسائل الاعلام الأمريكية والغربية، ولم يستطع كل الزعماء العرب أن يقنعوا اسرائيل بادخال زجاجات مياه معدنية لرئيس عربي في غرفته بمقره المحاصر في رام الله.
وألقى رئيس السلطة الفلسطينية كلمته في مؤتمر القمة العربية ببيروت عبر الساتلايت، وهي مَكْرَمة صهيونية قدّم من أجلها زعماؤنا الشكرَ لحكومة العدو التي سمحت لطائرات المشتركين في مؤتمر القمة بعبور أجواء الكيان العبري.
لا تتعجب مرة أخرى فقد يلتقي رئيس أمريكي بنظيره الايراني في صحن أحد مساجد قُم أو أصفهان، وربما تُصادِف رئيسَ كوريا الشمالية يتسوق في شوارع مانهاتن ويستبدل ببدلة العمال الماركسية بدلةً من أحدث ما عرضته بيوت الأزياء الرأسمالية.
تعريف السياسة مرة ثالثة: أن يكون حساب رئيس الحزب الاشتراكي اليساري في بنك سويسري عاملا أساسيا في عدم انهيار البنك، ومعذرة لجان زيجلر!
في العام القادم يحتفل العقيد بمرور أربعين عاما على عدم تولّيه أي سلطة، فهي للشعب، وسيقوم بتوزيع أموال النفط مباشرة على أفراد الشعب، وسيلغي كل الوزارات غير السيادية.
وفي هذه الحالة لن يحتار المواطن الليبي فسيحصل على حقه كاملا، ويمكن أن يقوم بسفلتة الرصيف أمام بيته، وأن يشتري سيارة اسعاف، وسيارة مطافيء، ويبني مطاراً فوق سطح منزله، ويكون لديه قطار صغير يمر فوق قضبان خاصة من أمام الدار إلى مدرسة الأولاد ومكتب الزوج.
وبعد الغاء الوزارات وتحمل المواطنين المسؤولية كاملة لن تكون هناك حجة، فيبني المواطنُ صيدليةً في جراج منزله، وفي غرفة نومه هناك شركة سفريات، أما المجاري فيتولى هو وأسرته عمل المواسير وتمريرها تحت الطريق الذي يملكه، وتصب في مياه البحر المتوسط.
يقوم المواطن بزراعة كل ما يحتاجه، فيبيع الأب لابنه الخضروات، وتشتري الأم من ابنتها الفواكه، ولا مانع من ماشية ورعي خلف الدار.
تبقى مشكلة توزيع البريد، وهنا يمكن أن يقوم المواطن بنفسه بتوصيل الرسالة، فإذا أراد ارسال طرد من طرابلس إلى غدامس، وهي مسافة تزيد على الألف كيلومترا، فيجري في الصحراء، ويعود بعد عدة أسابيع، فالبريد ملكية خاصة.
ماذا لو كان المبلغ الذي يتسلمه كل مواطن من أموال النفط لا يكفي طعاما وشرابا لشهر واحد؟
العقيد معمر القذافي يقوم بتفتيت دولة، وازالة كل آثارها، وفتح المجال لحرب أهلية يقوم بها جوعى ومتسولون وغاضبون.
ليس هناك وقت للضحك والتنكيت والصمت حيال زوال دولة عربية من الوجود، فالكارثة الكبرى لم تأت بعد، رعم أن ليبيا في كوارث متلاحقة منذ عام 1969، ومن يظن أن العراق أو السودان أو لبنان أو الصومال أقرب إلى التفتيت فقد جانبه الصواب، فليبيا تقترب من نقطة الصفر، وعندما يرفع العقيدُ يَدَه عن الدولة ويوزع عليهم أرباح النفط ليصنع كل منهم دولته أو جماهيريته، فلنا أنْ نستعد لننتحدث عن ليبيا في الماضي بعدما تصبح بقايا دولة حكمها مجنون لأربعة عقود!
تجاور جوازا سفر عربي وأوروبي على المكتب الملاصق للمدخل الرئيس في المطار الدولي. تخيلتُ الجوازين وقد تناطحا، وتصارعا كما تتصارع الديكة، ثم تحاورا أخيرًا، فكان أنْ سَجّل خيالي الحوارَ التالي:
جواز السفر العربي: ما الذي جاء بك إلى هذا المكان، ثم وضعك بجانبي كأننا نِدّان يتساويان في الورق والقيمة وحامِلَيّنا؟ جواز السفر الأوروبي: أما المكان فحاملي يحمل وجهُه عينين زرقاوتين تفتحان له مغاليقَ مطارات عربية يعرف قسوتَها حاملُك حتى لو كان يعلق على جدران داره شهادة تعادل ما لدى الدكتور أحمد زويل! وأما مجاورتي إياك فهي محض مصادفة لا تقلل من شأني ولا تجعلك نِدّا لي أو نظيرا ولو خرجتَ أنت من مطبعة ألمانية تحتضنها إدارة الجوازات والجنسية في بلدك كأنها ستطبع صور الزعيم لتعليقها فوق رؤوس موظفي الدولة في مكاتبهم.
الجواز العربي: إنني أحمل في أحشائي لغة جميلة، وأنا رغم مهانتي يعرفني أهل قومك على أن حاملي عربي وليس فقط مصريا أو فلسطينيا أو سوريا أو مغربيا أو لبنانيا. إذا قام أحدهم بسرقتي فإن أجهزة أمن بلدي يتم استنفارها، ويصعب على السارق أن يقوم بتزويري، ويتعرض صاحبي لسبعين سؤالا من ضابط أمن المطار بُعَيّد وصوله بوثيقة سفر مؤقتة كبدل جواز ضائع! الجواز الأوروبي: لكن صاحبك ترتعش يداه ، ويكاد يسقط مغشياً عليه لو تفحصّك ضابطُ الجوازات أكثر من دقيقتين. أما أنا فأمرق كلمحِ البصر أو أقل في مطارات برلين وجلاسجو وهيراكليون ولارناكا وأنقرة ومدريد ومارسليا، بل يكتفي أحيانا ضابط الجوازات بالنظر إلى وجه حاملي كأنه يحمل مفتاحَ الجَنّة. أحيانا أنام هانئاً في درج مكتب حاملي دون أنْ يرهقني بالسفر، فيصحب معه بطاقةَ الهويةِ لينتقل بين هولندا وبلجيكا، أو بين السويد والدانمرك، أو يذهب للتبضع من جنيف إلى الحدود الفرنسية وقد لا يحتاج حاملي إلى البطاقة الشخصية إنْ غادر أوسلو إلى الحدود السويدية، أو استقل سيارته من الفارو البرتغالية ليقضي المساء في إسبانيا. أما أنت فما إن تقع عينا ضابطِ أمن المطار العربي على حامِلِك حتى تصيبه نوبةُ غضبٍ، وتبهت ابتسامتُه، ويتفحص وجهَه محاولاً العثور على تُهمةٍ لا أحسب أضعفَهم إلا قادراً على تلفيقِها. قبل أن يتسلمك صاحبُك من إدارة الجوازات والجنسية يقوم بتخليص اجراءاتٍ كأنه سيهرب بك، أو سيلجأ إلى أول بلد أوروبي يستنشق فيه نسمةَ حرية ، ولا يقوم بزيارته زائرُ الفجر ولو قضى بقيةَ حياتِهِ في خيمةِ أمام قصرِ رأسِ الدولة محتجاً ومنتقداً السياسة العليا! الجهات الأمنية في عالمك العربي تتعامل معك على أنك نجسٌ تختبيء في صفحاتِك جرائمُ حامِلك المجهولة منها والمعلومة، أما أنا فكتابٌ مقدسٌ يكاد يرفعه رجلُ الأمن في المطارات الأوروبية ويقوم بتقبيله إنْ كان حاملُه ذهبيَّ الشَعْرِ وأزرقَ العينين أو أخضرَهما!
الجواز العربي: إنَّ قيمتَك ليست فيك أو في صاحبك لكنها نتيجةٌ حتميةٌ لمصالح دولٍ مزقتها حربان عالميتان دفعتا لباطنِ الأرض بسبعين مليونا من البشر. كان من الممكن أنْ أكون مثلَك لو لم تدعم حكوماتُكم طغاتنا فيقللون من شأن مواطنيهم، ويجعلون الوطنَ سجناً، فتنخفض قيمتي كما تنخفض العملةُ الخضراءُ في وول ستريت لو عبث في أيِّ بورصةٍ أحدُ الحيتانِ أو حجبنا عنكم براميلَ ذهبنا الأسّوَد. في منتصف الستينيات عَلِمَ الرئيسُ جمال عبد الناصر بأنَّ مواطنيه يتعاملون من السلطات الألمانية ( الغربية ) آنئذٍ معاملةً غيرَ كريمة. وجاءت توجيهاتٌ من الرئيس نفسه بمعاملةِ الألمان في منافذ مصر كلها معاملة سيئة حتى تصل الرسالةُ إلى السلطات في برلين الغربية. وفجأة ارتفعت قيمتي، ولم تنفعك الدماءُ الزرقاءُ التي تجري في عروقِ صاحبك، أو حمايةُ الغربِ كله لوثيقةِ السفر الراقية! الجواز الأوروبي: هذا هُراءٌ، فأمريكا اللاتينية كانت أحذيةُ العسكرِ تصنع جوازات السفر، والديكتاتور يهين شعبَه في الداخل ويدافع عن مواطنيه في الخارج، أما في عالمِك العربي فحاملُك تطارده سلطاتُ بلدِه ولو كان في مرتع الحرية مشاركاً في مظاهرة بالهايد بارك المحيطة بقصر صاحبة الجلالة. حتى تركيا التي لا يزال الساركوزيون يتعاملون معها على أنها الرجلُ المريضُ قدّمتْ منذ سنوات احتجاجاً شديدَ اللهجةِ إلى السلطات الألمانية التي هددت بطردِ فتىً تركيٍ يبلغ الرابعةَ عشرة من عمره. فهل هناك زعيمٌ عربيٌّ، إلا قليلاً، يدافع عن حامِلِك وكأن كرامتَهما واحدة؟ يحملني جندي أمريكي وهو متوجّه إلى العراقِ في حماية الاحتلال، ولا يستطيع وزيرُ الداخليةِ العراقيِّ أن يلمسني، ولو شاهدني المالكي نفسُه فستتسع ابتسامتُه حتى لو كان حاملي قد قتل لتَوّهِ من العراقيين نصفَ سكانِ قريةٍ آمنةٍ مطمئنة. يسلّمُك صاحبُك إلى كفيلٍ خشيةَ أنْ تهرب، أو تعود إلى بلدِك أو تبحث عن كفيلٍ آخر أقل جشعاً وطمعاً، ورغم أنه عربيٌ مثل حاملك إلا أنه يعاملك كوثيقةِ سفرٍ دنَّسَها الفقرُ، وتحمل بين طياتِها كرامةً تماثل قيمةَ حامليها العرب!
الجواز العربي: تُحَدّثني عن أمريكا اللاتينية ولعلك نسيت جوازَ السفر الأمريكي الدبلوماسي الذي يحمله سفيرُ البيتِ الأبيضِ في فنزويلا ولم تنفعه كل الأعراف الدبلوماسية فغادر البلادَ مطروداً، حتى سفير القطب الواحد في بوليفيا عجز جوازُ سفره أنْ يعطيه قيمةً أكثر من تلك التي ترفع مقامَ شابٍ ثائرٍ يعلق صورةَ جيفارا على الحائط فوق فراشه، فبكى السفيرُ مُلْكاً رأسمالياً ثرياً لم يحافظ عليه حفاظَ فقيرٍ ماركسيٍّ لا يجد قيمةَ بطاقةِ سفرً بين تشيلي وكولومبيا. وهل نسيت جوازات السفر الخليجية الشقيقة وهي تتفتح لها قاعاتُ كبار الزوار في مطارات دمشق وتونس والقاهرة وبيروت والرباط و ..؟ إنك تعيش أوهامَ الحلم الأوروبي فتظن مساحةَ جيبِ حامِلِك الكبيرة والتي يدفع منها إكراميات للعاملين في منتجع شرم الشيخ وفنادق سوسة والحمّامات ومطاعم الدار البيضاء وسماسرة العقارات في بيروت واللاذقية تمنحك بياضاً ناصعاً، وترفع مقامَك لتَسْخَر بعدها من جوازِ السفر العربي. الجواز الأوروبي: ومع ذلك فسأظل أنا الممثلَ الشرّعيَّ والوحيدَ لأحلامِ حامليكم، ولو تم استخراجُ جواز سفر سويسري أو ايطالي أو نمساوي أو برتغالي أو حتى مالطي لملياردير عربي لما تأخر في قبوله وتقبيله، وربما تعليقه مع خرز خشية الحسد والحاسدين! إنَّ القيمةَ الكبرى في جواز السفر هي في كيفية تعامل أبناءِ بلدِ حامله معه، وفي المقدمةِ منهم رجال الأمن. يستطيع حاملي إذا سرقني لصٌّ أن يتصل بقنصل بلده، فيفتح له بابَ السفارةِ من جديد إنْ كان في وقتٍ متأخر، ولا يطرح عليه سؤالاً أمنياً أو يعاتبه أو ينتقده، لكنه يستخرج له وثيقةَ سفرٍ في اللحظة نفسِها، ويكمل فترةَ اقامتِه، ثم يعود إلى بلده دون أن تفتح الجهةُ الأمنيةُ تحقيقاً مخيفاً معه. في مطار أوسلو الدولي تكتشف عائلاتٌ كثيرة مسافرة أنها نسيت جوازات السفر بعد وصولها، والوقت لا يسمح بالعودة إلى البيت، وزحام السفر شديد في فترة العطلات المدرسية، ومع ذلك فسلطات المطار لا تعيد تلك العائلات والأفراد من حيث جاءوا، وتستكمل اجراءات السفر ببدل فاقد أو بالهوية الشخصية. في معظم جوازات السفر الأوروبية والأمريكية والكندية تم الغاءُ خانة الوظيفة، فهي لا تعطيني قيمةَ أكثر من جنسيةِ حاملي، ولا يكترث ضابطُ الأمن في المطار إن كان حاملي وزيرا أو عاطلا عن العمل، أما أنت، جواز السفر العربي، فيبحث ضابطُ الأمن في صفحاتِك عن وظيفةِ صاحبِك ليعرف درجتَه في حرارة الاستقبال أو برودته، وفي اتساع ابتسامته أو تكشيرة وجهه! أنت مترَقَب للوصول أو ممنوع من المغادرة بسبب أيّ هفوة يرتكبها حاملُك ولو كانت حُكْماً غيابياً في جنحةٍ لا تستحق ضياعَ وقتِ القاضي والمحكمة، أما أنا فجزءٌ من منظومة قررت مع العالمِ الغني أن يحمل كرامةَ الغرب كله بمجرد أن تقع عليّ عينا ضابط أمن الحدود. صحيح أنَّ خانة الوظيفة تم حذفُها والاستغناءُ عنها، ويشرّفني أنَّ صفحاتي ليست بها أختامٌ إلا إذا سافرت إلى عالمِكم العربي أو الأفريقي أو دول جمهوريات الموز.
الجواز العربي: وهل تظن أن فخري لأن عالمي العربي يقع بين أغادير وطنب الكبرى، وبين مقديشيو والمحمرة لا يجعلني انخرط في البكاء بين ألفينة والأخرى متمنّياً أنْ أمرق مثلك كالريح في مطارات صنعاء والرياض وعَمّان وبغداد ودمشق وتونس والجزائر والقاهرة والدوحة ودبي وجدة ونواكشوط والمنامة؟ لقد أتى علينا حين من الوقت تَمَنّىَ فيه حاملونا أن يكون الوطنُ العربي واحداً، وأنْ لا يحتاج المواطنُ لأكثر من هويةٍ شخصيةٍ وهو يجلس في قطارٍ سريعٍ يستقله في أغادير ويمر عبر مراكش فالرباط ثم يتوجه إلى الجزائر، ومنها تمتد قضبانُه إلى وهران ليشمّ الركابُ رياحاً قادمةً من تونس الخضراء، ولا يمر وقت طويلٌ حتى يعلن الوصولَ إلى طرابلس الغرب. وينزل ركابٌ، ويصعد آخرون فالقطار متوجّه إلى طبرق فالسلوم فمرسى مطروح فالاسكندرية ، ولا يزال الطريق طويلا وممتعا ووحدوياُ، وسيمر عبر فلسطين ومنها إلى العاصمة الأردنية ليُسْرع بعدها إلى بغداد فيتجه إلى سورية أو الكويت أو تركيا! لكنَّ حامليك هم الذين تسببوا في جعل قيمتي لا تساوي صفحاتي، فوقفوا مع الطغاة، وساندوا الزعماءَ الارهابيين، وغضّوا الطرفَ عن لصوصِ الشعوب، وتعاونت مخابراتُهم مع أسيادِ القصر، وصنعوا منذ ستين عاما كياناً استيطانياً في فلسطين ليمزق عالَماً عربياً كان يحلم بخروج المستعمِر المؤقت فاستبدلتم به استعماراً دائما. الجواز الأوروبي: أشفق عليك من هول ما رأيت، فحاملُك إنْ ثقلت عليه الدنيا بما خَفّتْ ورحبت لعَنَك كأنك سببُ تعاستِه، وإنْ استبدل بك جوازَ سفرٍ من بلادنا كان يومَ عيدٍ له ولكل الحالمين معه. أراك وقد اعتصرَك العَرَقُ، وهَلكتْ صفحاتُك من كثرةِ التقليبِ فيها والختم عليها بغضبٍ وقسوةٍ، واسوَدَّتْ حوافُك مِنْ طول الامساك بها والعبث فيها بأصابع في كفٍ اعتاد أن يصفع المواطنَ على وجهِه أو قفاه! ليس لك أملٌ أنْ تصبح مثلي قبل أنْ يَعْصي حاملوك مُهينيك، فكرامتُك من كرامةِ من تنتسب إليه.
الجواز العربي: لو عشتَ يوماً واحداً مثلي في يدِ كفيلٍ أو ضابطِ أمنٍ عسكريٍّ على الحدودِ لتخيلتَ المشهدَ بِرُمَته، فهو كارثةٌ لا يعرف أحدٌّ إلىَ أيّن تذهب بالوطن العربي!
حوارات أخرى للكاتب: حوار بين سمكتين في قاع البحر حوار بين قملتين في شعر رأس صدام حسين حوار بين الرئيسين حسني مبارك و .. جمال مبارك حوار بين زنزانتين في سجن عربي حوار بين حمار و .. زعيم عربي حوار بين إبليس و .. الرئيس حسني مبارك حوار بين سجين حر و .. حر سجين حوار بين الشيطان و .. وضيوف الرحمن الحوار الأخير بين رئيس يحتضر و.. رئيس يرث حوار بين كلب السلطة و .. كلب الشارع حوار بين زعيمين عربيين في غرفة مغلقة حوار بين منقبتين في أحد الأسواق الشعبية حوار بين وافد و .. كفيل حوار بين مواطن مصري و .. ضابط شرطة حوار بين مواطن خليجي و .. إعلامي عربي حوار بين الرئيسين بشار الأسد و .. جمال مبارك
شهران بالسجن فقط يقضيهما رئيس تحرير ( الدستور ) الذي تجرّأ وكتب عن صحة الرئيس ؟ أي معلومات تلك التي أمدّه بها مغرضون لا يعرفون أنَّ صحة الرئيس زي الفل، وأن عزرائيل لا يقترب منه في ميونيخ أو في القاهرة ولا يستطيع أن يمر عبر أجهزة الأمن المصرية والأمريكية والاسرائيلية التي تحمي سيد المصريين في شرم الشيخ. زميلنا العزيز ، للأسف الشديد، لا يعرف أن الرئيس لا يمرض، ولا يموت، ولا يتبول، ولا يذهب إلى الحمام، ولا تستطيع أي قوة أن تنزع منه فحولته وذكورته وقواه الجنسية. رئيسنا أكبر من المرض، ولو اجتمعت ميكروبات وفيروسات وسرطانات الدنيا كلها فإنها تمر على الفقراء ، ثم فقراء الأغنياء، فإذا علمتْ أن طريقها يؤدي إلى الرئيس مبارك، تراجعت فورا ودخلت جسد قروي مسكين لا يستطيع جيبه المثقوب أن يتحمل عدة جنيهات لمراجعة طبيب لمدة دقيقتين. القاضي يعرف أكثر من الزميل إبراهيم عيسى، فالمرض قرار سياسي لا علاقة للقضاء والقدر به، والرئيس مبارك ليس كهؤلاء الذين صنعت بطونَهم ورممت أجسادَهم مزروعاتُ يوسف والي. صحة الرئيس خط أحمر، فهو ليس بشرا مثلنا، وبوله ليس أصفر اللون، ورائحة غائطه مثل بارفان كريستيان ديور، ويستخرجه الأطباء بالحقن المعقمة بدلا من أن يجلس في المرحاض مثلنا .. نحن الغوغاء المتخلفين. ومرارة الرئيس تتحمل الظلط، ودماؤه زرقاء نقية، وعمره سيزيد عن عمر نوح، عليه السلام، دونما حاجة لصناعة الفُلك، ولن يحتاج جمال مبارك أن يأوي إلى جبل يعصمه من الماء. رئيسنا ليس مخلوقا مثلنا من طين أو زفت أو نفط ولو ارتفعت أسعاره لتصبح أكثر من سعر الذهب، إنما هو حالة خاصة فريدة من نوعها، أينما أتيتها وجدت فيها مخلوقا عجيبا، ومعجزة لا مثيل لها. رئيسنا، الذي كتب عنه الزميل إبراهيم عيسى، لن يموت قبل أن يدفن بنفسه كل المصريين، وربما يترحم على أولادنا وأحفادنا. رئيسنا فوق الطب والمرض والارهاق والتعب والنَصَب، ودقات قلبه كساعة سويسرية، ويدخل رئتيه هواء ملوث، فيخرج منها روائح أزكى من كل زهور هولندا. وأمعاء الرئيس جدارها من حرير، وأنفه يتحول المخاط فيه إلى بابا غنوج لبناني لا تجد مثله في كل مطاعم شارع الحمرا، أو عسل أبيض بدون ملكة نحل أو ملكة جمال. وإذا عطس الرئيس أمامك فكأنك استنشقت رحيقا لم تقترب منه نسمة هواء من قبل. ابراهيم عيسى يستحق الاعدام في ساحة مواجهة لمكتب أمين لجنة السياسة الخارجية، أو على شاطيء مجاور لقصر الرئيس في شرم الشيخ ويشاهده كل السائحين، وكان على الزميل الصحفي الكبير أن يجدف في حق الله، وأن ينكر كل الكتب المقدسة والأنبياء، فهذا أخف كثيرا من الحديث عن صحة الرئيس والتشكيك في الفل! والرئيس لم يمس جسدَه دواءٌ طوال أكثر من ربع قرن، وليس في أي من قصوره واستراحاته دورة مياه أو مرحاض أو سافون. إنها أم الجرائم التي يستحق كل من يظن بأن الموت أو المرض أو الارهاق يقترب من الرئيس عقوبة الاعدام ، ويمنعوا عنه البيجاما الحمراء حتى يكون حبل المشنقة مفاجأة. إما إذا أعلن القصر بعد شهر أو عام أو عقد أو قرن أن الرئيس مات فلا تصدقوا هذه الأكاذيب والهراء والخرافات، فالرئيس حسني مبارك حي لا يموت!
مَرَّ تقريباً شهرٌ ونصفُ الشهرِ علىَ الثلاثاءِ الأسّوَد الذي اصطدتني فيه، وحاولتَ احراقي واغتيالي على الهواء، ثم سعيتَ إلى دفني في نهاية الحلقة، في رسالة واضحة وصريحة لكل أجهزة القمع والقهر في العالم العربي بأنك أديّتَ إليهم خدمة ستكون لصالحك في أعناقهم، أفرادا ومجتمعين. أعترفُ لك بأن الأسبوعين الأوليّن بعد جريمة برنامجك مَرّا كأن جبلا من الحزن والهَمِّ والغضب كان يضغط على قفصي الصدري، ومن عادتي أن أجد لمن يُسيء إلى مِنْ عذرٍ واحدٍ إلى سبعين عذرا، أما في الثلاثاء الأسود فلم أعثر لك إلا على سبعين ذنبا لا يستطيع الزمن أن يُحَرّكها من مكانها قيد شعرة. أستعيد كل دقائق اليوم المشؤوم، فتزداد علاماتُ الاستفهام أضعافا مضاعفة! كيف تحوّلتَ من شخص وديع قبل البرنامج إلى مساعد أول طاغية أو جلاد لمستبد أو مفترس لصالح سيد القصر؟ كأنك ذاكرتَ الدرس مئات المرات، وحفظته عن ظهر قلب، وتم اجراء امتحان في جهاز أمن الدولة عن كيفية ارباك ضيفك، وقطع حديثه، واقتطاع كلمات في نهايات الجمل الاستئنافية قبل أن يكملها، والاستهزاء به، والسخرية مما لديه، وحجب أي فرصة على توثيق وإذاعة معلومات وبيانات وأسماء و .... أتذكر تعبيرات وجهك بعد البرنامج وأنت تريد إيصال رسالة أمامي ليسمعها اللواء .. الضيف الآخر، وكأنها شهادة وفاة لينقلها عنك إليهم، حيث استلقوا جميعا على ظهورهم، في مكاتب الاستخبارات، ضحكا وفرحا وغبطة من مصر إلى ليبيا، ومن تونس إلى الأردن، ومن سورية إلى العراق، ومن السودان إلى الجزائر، فقد ضمنتَ لنفسك قاعات كبار الزوار، ونياشين تستقبلك، ونجوما تتراقص فوق أكتاف مضيفيك. ولكن كيف كانت ليلتك الأولى بعد عودتك إلى فراشك الدافيء في عاصمة المصالحة اللبنانية؟ ألم يقرعك ضميرُك؟ ألم يؤنّبك ولو للحظات خاطفة عن عملية بيع إعلامي زميل على الهواء؟ المفاجأة التي لم تكن أنت تتوقعها جاءت من هؤلاء الأشراف، وحتى ممن يلمسون الشرف بأطراف ضمائرهم، فقد غضبوا عليك، ونزعوا ثقتهم عنك، ورأى كثيرون منهم أنك كنت كمن أخطأ الرصاصة فلم يقتل ضيفه، لكنه أصاب ( الاتجاه المعاكس)، فأعطوك ظهورهم، وتغيرت ملامحك في أذهانهم وفي مخيلاتهم. كيف طاوعتك نفسك أن تختار زميلا لك، وتمارس معه أمام الملايين ما يفعله ضابط الأمن ومرشد السلطة وسجّان الرأي، فتقطع لساني ثم تطلب مني الحديث، وتكتم فمي لتصيح مستهزئا بأن ضيفك صَكَّ وجهه، وتلعثم لسانه، وفقد القدرة على الحديث؟ أين كانت أخلاق الإعلامي المتمرس، والمثقف المستنير، خاصة وأنك لا تحتاج لمزيد من المال أو السلطة أو الحماية، ولا يقترب منك سوط، ولا يتوعدك كرباج، ولا تتهددك قائمة بالمترقب وصولهم إلى مطار بلد عربي؟ بقدر ما كان جبل الحزن وجلد الذات والغضب عاليا وثقيلا، بقدر ما فتحتَ لي كوة صغيرة، كبرت مع الوقت لتستخرج تحديات كانت كامنة داخلي، وأفكارا لم تدر بذهني، واصرارا أن الهزيمة بداية الوقوف من جديد. وانتهيت من عدد جديد من (طائر الشمال)، وخرجتُ إلى فضائية في بلجيكا أتحدث عن السجون والمعتقلات، وفتحتُ لنفسي نافذة على النت في شرائط مصورة لتكملة رسالتي عن عالم الأبرياء المنسيين والمختفين والمعذبين في أقبية تحت الأرض (التي تتكلم عربي)! وفي ذهني عشرات من الأفكار التي تتزاحم لتفوز كل منها بالخروج إلى النور، وتعافيت تماما من الثلاثاء الأسود، لكن حيرتي عن رد فعل ضميرك لا تزال كما هي. صحيح أن الوجع كان شديدا ومحرجا لأحبابي وأصدقائي ومعارفي وأهلي. وصحيح أن البعض عاتبني عتابا شديدا، وبعض البعض تهكّم وسَخَرَ، واعتبر الحلقةَ اختبارا يرسب فيه من لا يصيح، ويقاطع الآخر، ويسابق لسانُه فكرَه، وتلوّح قبضة يده في الهواء، ويهددك بالانسحاب على الهواء. لكن سعادتي كانت تحملها مفاجأة المفاجآت، فقد تلقيت رسائل دعم ومحبة وتعاطف وتأييد، رغم أدائي الذي قارب الصفر أو أدنى، فلم تكن لتنطلي عملية الذبح البارعة على أكثر مشاهديك، بل ومحبيك أيضا. اتصل بي مثقف كبير، وسياسي محنك قائلا: أمْا أن الدكتور فيصل القاسم باعك على الهواء، فهذا لا يشك فيه حتى من يملك من الفكر ذرة، ومن الفهم أقل منها! لكن لمصلحة مَنْ قام بعملية البيع والقتل والحرق، بل والدفن التي أعلنها في نهاية الحلقة، فذلك ما لم يحط به صديقي علما؟ اكتشفت عالما رائعا وجميلا من المحبين الطيبين الذين ناصروني، وساندوني، وشدّوا من أزري، ومنحوني كلمات دافئة لو أنك، المنتصر، تلقيتَ قليلا منها لأسعَدَتْك ما بقيّ لك مِنْ عُمْر. هل تصدق أنني لم أشاهد (الجزيرة) بعد عودتي إلا كلمح البصر أو أقل، فحتى شعارها اختلط في ذهني بالثلاثاء الكاذب، والغريب أن كثيرين أبلغوني أنها نفس مشاعرهم، وأنهم لم يعودوا قادرين على تصديقك. لم أتمكن من الاجابة على سؤال متكرر طرحه كثيرون: لماذا ظهر الدكتور فيصل القاسم بعد أقل من خمس دقائق كأنه يحمل لك كراهية دفينة، أو كأنه يتوعدك بمصير لا يختلف عن مصير كل من جئت تدافع عنه؟ ترى هل سيأتي الوقت الذي يجبرك فيه ضميرك، ربما في لحظات نادرة من السمو الروحي، أن تقف في اتجاهك المعاكس، وتعتذر عن تلك الجريمة، ولا تأخذك العزة بالإثم؟ بين الحين والآخر، ولو طال الزمن، وعندما أشعر أن الجريمة في طيّ النسيان، ساقوم بتذكيرك مطاردا ضميرك وأخلاقك لعلها تصادف مِرّة واحدة أسمى قيم الحياة .. الاعتذار عن أم الجرائم، عندها قد أسامحك. أما الثلاثاء الكاذب فغير قابل للنسيان!
خبران صغيران يفصل بينهما عالمان مختلفان تماما، لكن يمكن اعتبارهما صلب القضية التي نتحدث عنها. الأول عن اضراب موظفي 12 مطارا نرويجيا، مما اضطر الملك هارالد الخامس والملكة سونيا إلى ركوب قطار الليل بعد العثور على تذاكر سفر بصعوبة، وذلك للوصول قبل الموعد في صباح اليوم التالي. وللمواطن العربي أن يتخيل موظفا في القصر الملكي النرويجي يرجو مكتب الحجز أن يجد تذاكر سفر للملك والملكة وبعض موظفي الديوان. أما أن تخرج طائرة خاصة ليستقلها العاهل النرويجي فهو الأمر غير الطبيعي، تماما كما حدث مع والده الملك أولاف عندما قطع العرب بترولهم عن الغرب خلال حرب أكتوبر 73، فجلس الملك في المترو، واشترى تذكرة من المحصل كأي مواطن آخر. وكان يركب دراجته في التنقل من مكان إلى آخر. المشهد المقابل تظهر فيه صورة رجل استخبارات سوري غاضب إثر ابلاغه بأن إمام أحد المساجد لم يتوجه إلى الله تعالى في نهاية الخطبة بأن يطيل عمر فخامة الرئيس بشار الأسد. أما الحديث عن أن سكرتير الرئيس لم يجد تذكرة سفر لفخامته من دمشق إلى اللاذقية فقد يصيب مستمع الخبر وناقله بهوس ضحك متواصل أو بكاء مستمر! شمرت أجهزة صناعة الكلمة عن سواعدها، وتلقى مثقفو السلطة أوامر ذاتية مبرمجة منذ أربعين عاما بأن تمتدح شجاعة الرئيس الذي سيجعل المفاوض الإسرائيلي يتبول في ملابسه رعبا وفزعا وهو يجلس على مائدة المفاوضات مثلما جلس جنرالات صدام حسين في خيمة صفوان، والجنرال شوارتسكوف يهمس في أذن الجنرال خالد بن سلطان بن عبد العزيز! أجهزة الاستخبارات والتي تهمس في أذن الرئيس بأنها تقوم بحمايته تقرر في عملية بطولية خارقة اعتقال فاطمة مصطفى أحمد وهي في الثانية والعشرين من عمرها وكانت حاملا في الشهر الخامس، واختفت مع زوجها عمر بن أحمد خطاب ، فالشمس لم يخلقها الله لتسطع على قلب العروبة النابض، ولكن لكي يختفي المواطن السوري وراءها دون محاكمة، فوجود السلطة القضائية إهانة للسلطة التنفيذية، أما السلطة التشريعية فينتخب الشعب أعضاءها للتعبير عن رغبات سيد القصر. أنت سوري، وتحب وطنك حبا جما، وتذوب عشقا في كل نسمة هواء تلفح رجلا أو إمرأة’ أو حجرا أو شجرة أو قطة متشردة أو طفلا يطل برأسه من نافذة حافلة مسرعة ، لكن حبك ينبغي أن لا يقترب من إثارة غضب حماة الرئيس، وإلا فقد ثكلتك أمك قبل أن تعود إلى دارك، فالاختفاء القسري ممهور بتوقيع الرئيس الشاب حتى لو لم يمسك القلم أو يخط حرفا فيه. النكتة الوحيدة في الإقليم الشمالي للجمهورية العربية المتحدة التي تبكي وتضحك في الوقت عينه سامعها تتعلق بحقوق الإنسان. يصل المهندس راسم السيد سليمان الأتاسي رئيس المنظمة العربية لحقوق الإنسان في سوريا إلى مطار دمشق الدولي، فالمهمومون بقيمة الإنسان العربي في إنتظاره بالعاصمة البحرينية، لكن أجهزة الأمن تكتشف في صدره أحلاما تهز هيبة الدولة، وهي أخطر من الإحتلال الصهيوني لهضبة الجولان، وأغلب الظن أنها عن كرامة المواطن. يبصق مدير أمن المطار على الشرعة الدولية لحقوق الإنسان، ثم يعيد المواطن إلى المعتقل .. أعني الوطن حيث لا تستطيع أن تميز بينهما. تستطيع محكمة أمن الدولة في سوريا أن تحجز لك مكانا في زنزانة ستكون من أسعد مخلوقات الله لو أن فتحة التهوية فيها كانت أكبر من قبضة يدك، والتهمة محاولة إضعاف الشعور القومي! لكن هناك تهمة جديدة هي القيام بأعمال لم تجزها الحكومة! ترى هل سيأتي الوقت الذي يتم فيه إعتقال مواطن لأنه مر بجوار كلب، ولم يرفع يده بالتحية، باعتبار أن الكلاب تتعاون مع السجانين في نهش لحوم المعارضين، ومن لا يحترمها يقلل من هيبة الدولة؟ الشاب عبد الله البحر بن سمير لم يبلغ الحادية والعشرين من عمره، وقد ارتكب جريمة بشعة في حق الدولة وهي أنه كان يبحث عن والده وشقيقه المفقوديّن منذ فترة، فتم اعتقاله. التهمة ليست مشكلة فهي تأتي لاحقا، بل يمكن للمتهم أن يختار التهمة التي سيمثل بها أمام القضاء، فالمهم أن الخوف يسري في كيانه، وأن تقتله حيرة التفكير في مصير لا يعرفه، وأن يعرف أن التجديف في حق الله واحدة من الصغائر التي لا تقارن بجريمة حب الوطن والاهتمام بشؤونه ومشاكله وقضاياه. أما أن تظن بأن الله أعطاك من نفخة الروح فيك كرامة تصحبك من المهد إلى اللحد، فأنت قد حفرت قبرك بيدك، وحجزت زنزانتك قبل أن تغسل دورات مياه سجنها بوقت طويل. عضو المنظمة السورية لحقوق الإنسان وديع دك الباب هز هيبة الدولة أكثر مما فعلت طائرات إسرائيلية حلقت فوق القصر الجمهوري بدمشق، ونشر مقالا عن ( دمشق عاصمة للثقافة العربية ) وطالب بأن تكون الكرامة قبل الثقافة. لو أنه اشترك مع المقاتلات الإسرائيلية في ضرب مشروع المفاعل النووي السلمي لكانت جريمته مخففة وبسيطة، أما أن تلعب الشياطين برأسه، ويظن أن حبه لبلده ولشعبه ولأرضه الطيبة يمنحه حق الحديث عن أهمية الكرامة، فالرئيس الشاب لا يتسامح مع الخيانة العظمى للدولة. هل تحب سوريا حقا، ومع ذلك فأنت تصمت على عشرات من الجوانتانامو المتفرقة في قلب العروبة؟ عليك إذن أن تعيد النظر في حبك، فهو كراهية ولو ظنها البلهاء غزَلا صامتا!
أكثر السرقات دناءة وخسة وحقارة تلك التي تدخل عنوة على الإنسان الحر، وتقتطع من عمره يوما أو عاما أو عدة أعوام يقضيها المظلوم في أقبية السجون حيث يمارس الساديون القساة باسم السلطة أحط السبل والوسائل التي يتأكد بعدها الحيوان أنه أكثر رقيا وتحضرا من البشر. في ( السجينة ) وصفت مليكة أوفقير مشاهد من عشرين عاما قضتها في مكان لا ينتسب إلى السجون أو المعتقلات، ولا يتشرف بأن يكون قطعة مهجورة في الصحراء، لكنه عزلة تأديبية لأسرة حملت اسم أوفقير، وقرر الملك الحسن الثاني أن يعاقب الرجل في قبره بوضع أسرته، ومنهم طفل لم يكن قد بلغ الثالثة من عمره، في أكثر الظروف حشراتية، وإمعانا في مضاعفة عذاباتهم، قام بتقسيم الأسرة إلى قسمين في نفس المكان لمدة ثمان سنوات لا ترى الأم وابنها الصغير أولادها وبناتها رغم أن جدارا واحدا يفصل بينهم، وتلك كانت متعة الملك وهو يجلس في الدروس الحسنية يسبح بحمد الله، وينصت بشغف لعلماء من العالم الاسلامي كله جاءوا في حضرته ليباركهم كرمه معهم، أما الملك فكان مشغولا وهو يسمع آيات الله البينات بكل أنواع التعذيب التي يمارسها زبانيته مع المنسيين في سجون ومعتقلات المغرب.
مليكة أوفقير تحدّتْ الموت وغيابات السجن والحرمان والتعذيب والاذلال لعشرين عاما من شبابها، وعندما خرجت رغم أنف أمير المؤمنين عرف العالم أنَّ عيون مسؤوليه ومثقفيه وإعلامييه كانت معصوبة بالجهل لِما كان يحدث في مملكة الصمت المخيفة.
في كتابها ( الغريبة ) تصف رفاهية الحرية، وتحاول أن تعيد رتق ما تم اقتطاعه من عمرها، وتلصقه مرة أخرى فتنجح أحيانا وتفشل أحايين أخرى. إنها في باريس حيث تستطيع أن تسير دون أن تنظر خلفها، وأن تمارس حرية الكلمة، وتختار طعامها، وكتابها، وتركب المترو، وتقود السيارة، وتتحدث مع رجل شرطة دون أن يرفع صوته أو سوطه وينهال على ظهرها. تصف مليكة أوفقير يوم أن حصلت على حريتها في 26 فبراير 1991 بعد عشرين عاما، أو عشرين قرنا في أعتى سجون الحسن الثاني. تقارن بين سنوات كانت وأفراد أسرتها يتعفنون في السجن الذي أراده الملك انتقاما لروح والدها، وبين تدفق الأحلام فجأة رغم أن سنوات الحصار في الحرية كانت خمساً، وكانت أجهزة المخابرات المغربية تستجوب كل من يقترب من الأسرة، أو يصافح احد أفرادها، أو يبتسم في وجه أحدهم. بدأت حياتها في سن الثالثة والأربعين عندما استنفر فرار أختها ماريا وسائل الإعلام الفرنسية، وخضع الملك لأول مرة، ولن يستطيع أن يختطف مليكة أوفقير ويذيبها في حامض الأسيد كما حدث مع بن بركة. السلطة في العالم العربي عبقرية في مواجهة المواطن، ومبدعة في فن التعذيب، أما الاختطاف فمخابراتها تستطيع أن تفعل ما تعجز عنه كل أجهزة الأمن المحترفة، فالاختطاف قد يتم في فندق ببلد شقيق، أو من خلال دعوة رقيقة يتسلمها الضحية ثم يختفي بعدها، أو عملية تخدير يشرف عليها دبلوماسيون في الخارج، وأحيانا يتولى كاتم الصوت احالة روح الكلب الضال ( وفقا لأدبيات المخابرات الليبية ) إلى عزرائيل. في حياة الحرية تكتب مليكة أوفقير بمرارة ممزوجة بتهكم لا نظير له عن الحياة اليومية الباريسية، وعن التبضع في السوبر ماركت وجنون الشراء، وحُمّىَ الاستهلاك، والمصارف، والسحب الآلي، والمطاعم الفاخرة التي تقدم لك أطباقا تتوسطها شرائح متفرقة من الطعام لا تراها العين المجردة. مليكة تحمل معها عشرين عاما كانت مفقودة، وكلما استعادت مشهدا قديما، حتى لو كان مقاسمة الحشرات والفئران لهم كسرات الخبز التي كانوا يدفنونها تحت الأرض خشية مصادرتها، يصطدم المشهد بعالم الحرية، ويختلط الأمر عليها فلا تفرق بين السجن الحقيقي والسجن الكبير. لا تصدق مليكة أنها يمكن أن تستدعي الشرطة لموقف أو لحمايتها فقد تعلمت أن الشرطة هي التي تستدعي الأشخاص، وأن الحديث مع رجل الأمن له أصوله وقواعده، والنظرات المتراخية، وأحيانا تقليد المتذللين والمساكين والخائفين فهي الطريقة الأكثر أمنا لتجنب غضب رجال السلطة. في ( الغريبة ) تكتب مليكة بقلمها أو بقلبها أو بمرارة ذكرياتها، وتتحول إلى حكمة متحركة ساخرة للحياة ومن الحياة، لكن آلامها التي تجترها تصيب كلها كبد الطغاة، وتغرس أنيابها في وجوههم القبيحة. في ( الغريبة ) تحاول أن تصف الحرية، ولكن ماذا عن الشخص الذي لم يعايش تجربة مثلها، هل هو قادر على الاستمتاع بالعالم خارج السجن؟ في ( الغريبة ) تدين مليكة الطاغية الذي سرق من عمرها وأعمار أفراد أسرتها عقدين من الزمان، لكن خلف الحديث عن الحرية يختفي شيء رهيب. إنه عالم المنسيين الذي قضى كثيرون منهم نحبهم، وبقي كثيرون لا نعرف عنهم شيئا، فالمثقفون يكتبون عن عبقرية الزعيم، وخطباء الجمعة يتحدثون بعيدا عن المنطقة الحمراء، والإعلام تم تخديره وتدجينه، وسجون العالم العربي أقامها الطغاة لاثبات أن السخرة والعبودية والإذلال مرادفة لحقوق الإنسان في عرف سيد القصر.
في أحد فنادق عاصمة دولة عربية خليجية التقى مواطنٌ خليجي بأحدّ المثقفين الإعلاميين الذي كان قد صاحبه في سنوات الدراسة الجامعية بعاصمة مشرقية ثورية. دار بين الرجلين حوارٌ على مائدة العشاء في المطعم الأنيق بالطابق الأرضي، والتقطنا شطرا منه ..
المواطن الخليجي: أرى ملامحك قد تغيّرت قليلا، وبدأتَ تميل ناحية السمنة، وفقدت بعضا من رشاقتك التي عرفناك بها خلال سنوات الزمن الجميل في الجامعة! الإعلامي العربي: وأنا كدت لا أعرفك بعقالك ودشداشتك، ولا أدرى إنْ كان الشيب قد غزا مفرقك وترك خصلات بيضاء تمتد بطول شعر رأسك، ولكن ما أراه أن طفرة البترول، التي أطلق عليها نزار قباني زيت الكاز، قد بدت على المشهد برمته.
المواطن الخليجي: هل قابلتَ أحدا من زملائنا القدامى؟ الإعلامي العربي: لا أرى أكثرهم إلا في مناسبات متفرقة، فمنهم من شدَّ رحاله إلى دول الخليج العربية، ومنهم من هاجر إلى أوروبا وأمريكا، أما منْ بقيَّّ في البلد فهو يصارع الحياة اليومية فتصرعه تارة، ويتحداها من جديد فيصبر على الغبن، ويصمت على الظلم، ويهادن السلطة، فهي في بلدنا تتحكم في مأكله ومشربه وحريته ومستقبله، فإذا تحرك لسانه بغير هواها، تحرك سوطها على غير رضاه.
المواطن الخليجي: هل ستقضي معنا عدة أيام لعلنا نلتقي على مائدة خليجية في منزلي الجديد القريب من الشاطيء؟ الإعلامي العربي: إنني هنا في مؤتمر ثقافي يناقش قضايا الحرية الإعلامية في العالم العربي ، وبعد إنتهاء جلسات المؤتمر أختطف ساعة أو بعض الساعة للتسوق في المول الجديد.
المواطن الخليجي: وماذا ستفعلون بنتائج المؤتمر؟ الإعلامي العربي: سيتم وضعها في أرشيف داخل مجلدات ضخمة عليها أتربة، ولن يستفيد منها أحد!
المواطن الخليجي: لماذا إذاً قبلت الدعوة لحضور مؤتمر لن يضيف إلى بلاط صاحبة الجلالة السلطة الرابعة قوة، بل قد ينتقص مما لديها؟ الإعلامي العربي: لقد أصبح الخليج العربي قِبْلَتنا، وفنادقُه نحلم بالاقامة فيها كأننا نعتمر، ونستنشق رائحة الحرية رغم أننا في بلادنا الثورية نسخر من الخليجيين، ونتهمهم بأنهم من نسل أبي جهل الذي اشترى فليت ستريت. إذا لم نذهب إليكم زائرين وعاملين وإعلاميين، فنحن ننتظركم سائحين أو داعمين لمؤسسات خيرية.
المواطن الخليجي: ولكنكم تنتسبون لدول تعاقبت على أرضها حضارات رائعة، ولديكم كثافة سكانية هائلة، وجامعاتكم ومعاهدكم العلمية وطلابكم وأطباؤكم وخبراؤكم يستطيعون أن يحققوا المعجزات، والنفط ليس مقتصرا علينا، ولديكم الماء والأنهار والأرض الزراعية، بل يمكنكم أن تجعلوا بلادكم حلما يهاجر إليها المواطن الخليجي! الإعلامي العربي: لأننا نأكل شعارات، ونقيم مصانع للطغاة في بيوتنا ومدارسنا وجامعاتنا وشوارعنا. في بلادنا الثورية نحارب طواحين الهواء، ونكتم الأنفاس باسم إزالة آثار العدوان، ونقطع الألسن دفاعا عن الفلسطينيين، لكننا نلقي بهم في سجوننا الممتدة من الحدود إلى الحدود، ونعاملهم في مطاراتنا كأنهم جرب نجس جاء يدنس أرض الثورة المباركة. في بلادنا ملوك يحملون أسماء ثورية، وورثة من أولادهم تتحرك سطور الدستور وفقا لأهوائهم، ولو أراد الزعيم أن يورث ابنه الحكم وهو حيوان منوي لم يُخَصّب بويضةً بعد فإن رؤساء تحرير الصحف الكبرى قادرون على وضع التاج على رأسه والحديث عن عبقريته قبل أن يولد بتسعة اشهر. إنني هنا أستنشق عبير الحرية لعدة أيام قبل أن أعود إلى السجن!
المواطن الخليجي: ومن قال لك بأن خليجنا تجري من تحته الأنهار، ويسكنه ملائكة فقط، وتحكمه عبقريات تجري فيها جينات آينشتانية؟ إننا أيضا نعاني من مشاكل، ولدينا تركيبة سكانية تجعلك أحيانا لا تعرف إن كنت في كلكتا أو دلهي الجديدة أو لاهور أو مدينة خليجية تنتصب فيها الأبراج كأنها تناطح السحاب أو تهرب من الأرض. ولدينا أيضا أحاديث في الخفاء والعلن عن الطائفية، ويعمل على أرضنا طابور خامس طويل من شرق الخليج وغربه، ومن شمال البحر المتوسط وجنوبه، ومن مريدي بن لادن وحجاج البيت الأبيض، ومن نسل إيللي كوهين وموظفي السفارات العربية والفنادق الكبرى وجواسيسها. ونحن سنهاجر إلى بلادكم إن تم فجأة اكتشاف بديل للنفط، فَقِلةٌ من دول الخليج مَنْ صنعت للذهب الأسود بدائل ولو على استحياء، وأكثر سياسيينا لم يتبينوا بعد خطورة الطرح الطائفي. لكنني أعترف لك بأن القمع والقهر والتعذيب ومطاردة المعارضين وتصفيتهم لم تستطيعوا أن تصدّروها لنا إلا بكمية تسمح فقط لهيبة السلطة أن ترفع صوتها أو تلوح بسوطها! في بلادنا ملوك وأمراء قضوا مئات السنوات يحكموننا وهم ليسوا غرباء عنا، وبيننا وبينهم ميثاق وعهد، وفي بلادكم ملوك في قصور الرؤساء، وأمراء يرتدون الجينس، وسلاطين بربطة عنق أنيقة. أنا أضمن لنفسي أن لا يستدعيني رجل استخبارات في مطار بلدي ليسألني عمن قابلت في ملتقى إعلامي بعاصمة أخرى، أما أنت فمضطر، في كثير من الأحيان، أن تضمن لنفسك كفاف يومها بكتابة تقرير لجهاز الأمن عن زملائك الذين يعارضون الملك الرئيس، أو الذين التقوا بمعارضين ولو كان اللقاء على مائدة طعام كبيرة لا يسمع فيها أحد أحدا! أنا أبتسم في وجه ضابط أمن المطار لدى العودة وأقول له: حياك الله، فيرد التحية! أما أنت فترتعش يداك، وتنفصل مفاصل ركبتيك، ويرتفع الكولسترول في دمك عندما تقوم بتسليم جواز سفرك لضابط أمن المطار، فأنت متهم حتى يعيده إليك، وتشكره لأنه لا يشكرك، بل قد يلقى في وجهك بوثيقة سفرك كأنه يتوعدك بيوم آخر ! الإعلامي العربي: ولكن لا يمكن غض الطرف عن الدور الذي قامت به دولنا العربية المشرقية في تطور الخليج، وتقدمه، وحتى في إعلامه المسموع والمرئي، وصحافته، وأحسب أنني لا أسبب لك حرجا إن قلت وحتى في تحرير دوله إنْ جاءها خطر خارجي.
المواطن الخليجي: ونحن لم ننكر مطلقا الدور الايجابي الذي لعبه أشقاؤنا، ومع ذلك فهي لم تكن علاقة أخذ وعطاء، لكن حقيقتها تكمن في كونها تبادل مصالح ومنافع ولو غلّفتها دغدغة مشاعر الجماهير عن الأُخُوّة والعروبة والتواصل الديني. هل سمعت عن بعثة عربية مشرقية جاءت للعمل تطوعا ومجانا ودون أي أجر مباشر أو غير مباشر؟ أما تحرير الكويت، إن كنت تقصد الإشارة إلى هذا الحدث، فكل من ساهم فيه حصل على أجره، وقامت الكويت باسقاط مليارات من الديون التي كانت تثقل اقتصاد ( الأشقاء ) الذين ساهموا في تحريرها، ولكن صعوبة أوضاعهم المادية ترجع إلى الفساد والنهب المنظم ولصوص السلطة. لا نستطيع أن نقيم علاقات صحية بيننا وبين أشقائنا في المشرق العربي مادامت لغة المخاطبة تنطلق من هذا الاستعلاء السخيف الذي يقوم بتذكيرنا سبعين مرة في اليوم أن نهضتنا ستظل مدينة لسواعدكم وعقولكم وعلومكم، وأننا بدونكم كان مصيرنا سيصبح في ذمة هامش التاريخ والجغرافيا معا. أنت هنا في مؤتمر إعلامي تستفيد بقدر ما تفيد، ولو لم تقم بحساب الربح والخسارة قبل سفرك، لما ترددت في أن تبقى في بلدك لا تغادرها إلا قبل التأكد من أن الربح يفوق الخسارة. الإعلامي العربي: ولكنني هنا من أجلك، والملتقيات الفنية والعلمية والأدبية والإعلامية في الخليج لا تستقيم بدون الوجوه المشرقية والمغربية التي تمنح المؤتمر هويته العربية، وتتأصل فيه رموز الثقافة والتقدم في العالم العربي.
المواطن الخليجي: أنانية لا ينفع معها أحيانا حياؤنا وأدبنا ومراعاة مشاعركم. وأنت هنا في يومك الثالث لم تكلف نفسك عناء الذهاب إلى مكتبة وشراء الصحف الخليجية اليومية، وربما لا تعرف أسماء أعضاء الحكومة في بلدي، ولن أطرح عليك سؤالا عن أدبائنا وشعرائنا ومراكز البحث العلمي والدراسات الخليجية. أنت تقرأ الصحيفة التي تجدها معلقة على باب غرفتك في الفندق، وربما تبحث فيها عن أسماء مشرقية يتهلل لها وجهك، وتمر مَرّ الكرام على أخبارنا المحلية كأنها أحاديث عن الحياة اليومية لقبائل مهددة بالانقراض. هل لك أن تذكر لي أسماء قارئي نشرات الأخبار الخليجيين في إذاعات وفضائيات الدول العربية المشرقية والمغربية؟ ستقول بأن الأجور لا تناسب الخليجي، لذا فهو يرفض العمل هناك! والحقيقة أنها سياسة منهجية مغرورة تظن أننا لا نصلح للعمل لديكم. لقد فرضنا اللهجة الخليجية بعد سنوات من العمل الشاق، والصبر الشديد. الإعلامي العربي: لماذا لا تقيمون مؤتمرات خليجية بحتة، وتقتصر الدعوات فيها على العقال والدشداشة والشعر النبطي؟
المواطن الخليجي: يا سيدي، يمكنك أن تدلف إلى أرشيف أي مؤسسة إعلامية أو فكرية أو علمية أو جامعية أو صحيفة أو شركة وستجد طلبات العمل والالتحاق بها تزيد أضعافا مضاعفة عن عدد سكان الخليج برمته، وكلها قادمة من الدول العربية المشرقية والمغربية. إن استقامة العلاقة لن تصل إلى درجة الشفافية دون الاعتراف بأنها تبادل مصالح ومنافع، ولا مانع مع ذلك من مشاعر الود والاحساس بالاستقرار والراحة. نحن لسنا نفطا وصحراء وبدوا وجِمالا تبرك أمام ضيوفها الأعزاء المتحضرين. ونحن نتحمل اضطرابات وقلاقل تأتون بها إلينا، وترسلون جواسيسكم للعمل في المؤسسات والفنادق، وأنت تظن أنه يخفى علينا ما يقوم به الطابور الخامس من تسريب أسرار الدولة وضيوفها ونشاطاتهم مباشرة لسفارات دول عربية مشرقية ومغربية، تحتل فيها الدبابة مكان القلم، والزنزانة محل الديوانية. هل يستطيع زعيم دولة عربية مشرقية أو مغربية أن يغادر ومعه كل أعضاء حكومته لتقديم واجب خارج البلاد لعدة ساعات؟ أظن أن مبنى الإذاعة والتلفزيون سيتم احتلاله من المعارضة قبل أن تحلق طائرة زعيمكم في الأجواء المحلية! الإعلامي العربي: أنت تحدثني كأن قصور حكامكم الفاخرة مقرات لجمعيات خيرية، وأن بيت مال الخليج لا يعرف من المتسولين غير أشقائكم في الدول العربية الثورية. نحن أيضا نفقد حريتنا على أعتاب بلادكم، ويقيم الواحد منا عشرين عاما ويظن أنه أصبح واحدا منكم، فإذا جاء موعد تجديد الإقامة اكتشف أنه لو كان في الغرب لأصبح واحدا منهم دونما حاجة لعيون زرقاء وشعر ذهبي. إن الواحد منا الذي يخيفه زائر الفجر في بلده، يفزعه تهديد الكفيل في بلادكم، وتهديد ضابط الأمن لدينا يعادل كلمة ( التفنيش ) عندكم.
المواطن الخليجي: ومع ذلك فلو منحت فرص عمل في الخليج لكل مواطني أقطارنا العربية الثورية لما بقي في بلادكم غير المنتفعين بالحكم الفاسد ولصوص الوطن. وبلادنا لا تعرف المقابر الجماعية، ولا يتخلص فيها زعيم الدولة من عدة مئات من المعارضين دون أن يرتفع حاجب في وجه أحد صناع الكلمة والحرية. إنكم تنظرون إلينا بنفس نظرة الأوروبي الجاهل بعاداتنا وتقاليدنا رغم أننا ننتمي لوطن واحد وأمة ذات رسالة خالدة، كما تقول أدبياتكم الثورية. صحفكم مليئة بالتهكم علينا، ولو ظهر في عاصمة ثورية سفيه خليجي فإنكم تنهشون لحومنا قبل أن تتحرك تروس المطابع بجرائدكم الأكثر عددا من جمعيات حقوق الإنسان. أتفق معك بأن قضايا الجنسية والتجديد والإقامة المهددة بالتفنيش وعدم المساواة في الأجور وجشع الكفيل تؤرق الشرفاء منا، وتقوم بتشويه صورة المواطن الخليجي، لكنها قضايا محلية نناضل من أجل وضع حلول متحضرة لها. لم نقل بأننا صنعنا مجتمعات مثالية، لكننا غاضبون على مشاعركم المتأرجحة بين التعاطف إن رفع بئر النفط لدينا مستويات معيشتكم، وبين حجارة تلقونها علينا إن دافعنا عن كرامتنا في مواجهة يقينكم بأننا بدو استبدلوا بالجمل مرسيدس، وبالخيمة قصرا، وبالضيافة العربية الأصيلة كفيلا يلوح بالسوط وفي يده الأخرى حزمة من العملة الخضراء. ثرائي ليس مرتبطا بالجهل، وقلمك ليس ملتصقا بالفقر. إننا في مركب واحد لو ثقبته في مسقط لغرق في أغادير، ولو احترق في اللاذقية لأبتلعه خليج هرمز. لو تعلّم كل منا قبول الآخر لكان لهذا الحوار شأن آخر.
حوارات أخرى للكاتب
حوار بين سمكتين في قاع البحر حوار بين قملتين في شعر رأس صدام حسين حوار بين الرئيسين حسني مبارك و .. جمال مبارك حوار بين زنزانتين في سجن عربي حوار بين حمار و .. زعيم عربي حوار بين إبليس و .. الرئيس حسني مبارك حوار بين سجين حر و .. حر سجين حوار بين الشيطان و .. وضيوف الرحمن الحوار الأخير بين رئيس يحتضر و.. رئيس يرث حوار بين كلب السلطة و .. كلب الشارع حوار بين زعيمين عربيين في غرفة مغلقة حوار بين منقبتين في أحد الأسواق الشعبية حوار بين وافد و .. كفيل حوار بين مواطن مصري و .. ضابط شرطة
مشهد قبيح لا تميّز فيه بين إنسان يتعاطى القات، وبين حمار يلتهم حزمة برسيم. يتميز الحمارُ بأنه ينشط بعد تناول وجبة دسمة من البرسيم، ويستطيع حَمْل أضعاف ما يرهقه به صاحبه. أما الإنسان فهو يستلقي على ظهره بعد فترة تخزين، ثم تهرب من جسده كل الخلايا النشطة، ويحل محلها خمود وكُمون وكسَل وبلاهة، وأنا لا أفهم كيف يقوم الحمار، أعني الإنسان الذي يُخَزّن القات من مكانه ليتوجه إلى العلي القدير بالصلاة، ويقرأ قرآنا لو نزل على جبل لرأيته خاشعا باكيا؟ أنا أفهم أن المخدرات جريمة تطارد عدالةُ الدولة مرتكبيها، أما أن تكون تلك المخدرات الخضراء التي تساوي تماما بين الإنسان والحمار منهج دولة، وأسلوب حياة، وثقافة شعب، و( تابو ) لا يقترب منه الدين، ولا يقوم إمام المسجد في خطبة الجمعة بتحريمه واعتباره أم الجرائم في حق متعاطيه والمجتمع وأهله فهو لغز الألغاز. هل رأيت جلسة تخزين جماعية وقد أحاطت بها من كل مكان حزم من القات، واسترخت أجساد مخزنيه، وانتفخت وجوههم كأنهم مرضى على فراش الموت؟ هل رأيت حمارا، أعني إنسانا في نهاية جلسة التخزين القبيحة وهو يبتسم لك فيختلط اللون الأخضر الباهت مع أسنان صفراء فاقع لونها، وقد خرجت من الفم روائح كريهة لا تدري إن كان صاحبها نام قيلولته في حظيرة حيوانات، أو أنه استنساخ جديد لحيوان هجين يترك عائلته وزوجته وأطفاله ليحتضن بدلا منهم أعشابا سامة وقذرة تتولى تغييبه عن العالم، ورفضه إنسانيته التي كرمها الله عز وجل؟
ترى هل يخاف الرئيس من القضاء على الشجرة الخبيئة لئلا يستيقظ الشعب من سباته؟ أي إهانة تلك التي أقنعت شعبا بكامله أن هذا المخدر لا يصطدم بالدين والأخلاق والانسانية؟ هنا يأتي علماء السلطة وهم أكثر من الهمّ على القلب؟ يمسكون المصحف الكريم باليد اليسرى، ويصافحون الطاغية باليد اليمنى. يقرأون القرآن الكريم، ويعبدون الشيطان بعده. تجدهم ملتصقين بالمستبدين واللصوص وجزّاري الشعوب. عندما استدعاهم صدام حسين لتبرير غزوه الكويت، كانوا حاضرين بين يديه قبل أن يقوم من مقامه. وكان الحسن الثاني يبني لشعبه زنزانات تحت الأرض المغربية الطيبة، وينهب خيراته، ويحتقر أبناء المغرب، وعندما يأتي موعد الدروس الحسنية في رمضان من كل عام، يأتيه علماء السلاطين ليقنعوه، وهو غير مقتنع، أن السماء أصدرت عفوها عنه قبل أن تقوم أصغر دابة بزيارة سجن تزمامارت. واجتمع علماء السلاطين بُعَيّد اتفاق وادي عربة ليقولوا لشعبنا الأردني بأن الله يبارك التفريط في الوطن والاستقلال!
وكلما دخلت السجنَ دُفعةٌ جديدة من المعتقلين في مصر وتونس واليمن والسودان وسوريا وليبيا و ... رفع علماء السلاطين أيديهم بالدعاء للسجان الأكبر أن يًثَبّت الله قدميه فوق رؤوس العباد، ويلهب سوطه على ظهورهم. القات أشد ضررا من الحروب، وبعدما كان الحكم الموالي لموسكو في الجنوب على وشك النجاح في القضاء على المخدرات الخضراء، أصبح اليمنان يمنا واحدا، والحظيرة تتسع لكل جلسات تخزين البرسيم، أقصد القات! يطلب المسؤول رشوة لكي يتمكن من تسديد نفقات السموم، ويلغي القات الزمن من مُخَزّنيه، وتتسع دائرة العجز الجنسي، ويكتشف الأطباء أمراضا في الجسد النحيل لم يعرفوا عنها من قبل.
في منتصف النهار يبدأ الجسد في إثارة كل الخلايا، فيحث صاحبه على الاسراع للبحث عن أم الكوارث، فالعادة تجعل كل المحرمات طبيعية، ورجال الدين لا علاقة لهم بما يغضب السلطة، والسلطة ترفض أي محاولة لايقاظ الشعب، فالجماهير المغيَّبة والمخدَّرَة والنائمة هي شعوب بلهاء، اختارت العبودية عن سبق اصرار، ورفض دورها الانساني، وجعلت بهجتها الكبرى في الاستلقاء جماعة في حظيرة أبقار أو حمير، فهذا هو الحل الوحيد للهروب من التكليف الإلهي بالعمل والشرف والعبادة وتعمير الأرض وخلافتها.
صمتُنا على انتحار شعب بالعشب الأخضر مشاركة منا في إبادة جماعية لدولة عربية همَّشَها الاستبداد والقات.
الإحتلال أمر واقع، وجامعة الدول العربية تبعث مندوبيها، وتستقبل أعضاء الحكومة العراقية الذين ينقلون رغبات اليانكي كأنها ألسنة الوطنيين. قوات الإحتلال أعطتها أجهزة الإعلام العربية اسما جديدا، وهو القوات الدولية أو الأمريكية وكأنها تتدرب في قواعد بشيكاجو أو هيوستون أو ميتشجان. الطائفية صنعت فعلا مجتمعا تجزيئيا تتقاسمه الهويات القاتلة، ويحدد اسمك السني أو الشيعي أو المسيحي عمرك الإفتراضي. يهرب العراقيون من جحيم الوطن الأم، وتتحدث حكومة المنطقة الخضراء عن الأمن والسلام بعد مطاردة فلول القوى الارهابية. التطرف الديني بلغ حده الأقصى، وكرامة المرأة في حدها الأدنى، وتصفية الأكاديميين وأساتذة الجامعات والعلماء تجري على قدم وساق، فتخليص العراق منهم رغبة إسرائيلية تحققها قوات الإحتلال، ويغض المالكي الطرف عنها. صحيح أن العنف الظاهري وصل إلى مرحلة متدنية، وعمليات المقاومة التي للأسف الشديد اختلط على الناس بها الإرهاب الأعمى تراجعت كثيرا، لكن حكومة فيشي العراقية وقوات الاحتلال لايزالون يحتمون بالمنطقة الخضراء، فالاستعمار لا يصنع سلاما، والمتعاونون معه لا يمكنهم أن يخلقوا أمنا، أو يطورا سلوكيات، أو يقدموا مشروعا أخلاقيا. تراجعت المقاومة عندما رفضت طوال خمس سنوات أن تكشف الجانب القبيح من الإرهاب، وتركت الأوغاد يقتلون، ويدمرون، ويفجرون أنفسهم في مساجد ومستشفيات، ويذبحون جرحى، ويجزون رؤوس أبناء بلدهم. المقاومة العراقية الشريفة كانت تستطيع أن تجمع حولها الشعب كله لو أنها قاومت الإرهابيين، وكشفت أسماءهم، وطاردت مخابئهم، وقامت بتصفيتهم على قدم المساواة مع أعداء الوطن. رغم بشاعة جرائم الاحتلال وقوات فيشي العراقية المتعاونة معها، ورغم أن سجون العهد الجديد لا تختلف عن سجون جمهورية الرعب في عهد صدام حسين، إلا أن مقاومة شريفة مرادفة لغباء سياسي تساوي نصرا لعدو خائف يتعاون معه وطني أحمق. الطائفية التي صنعها الوجود الأمريكي ليست أزمة يمكن حلها بنظام المحاصصة، لكنها كراهية تم تثبيتها في الصدور، وقام المدافعون عنها باستدعاء الأدلة والشواهد من تاريخ السلف، وكل عراقي يظن أنه يملك مفاتيح الجنة والحق، وأن ابن وطنه المختلف معه في تربية دينية تلقاها منذ الطفولة لن يشم ريح الجنة أبداً. آلاف المواقع على النت، وعشرات الآلاف من الشباب المهووسين بجنون الجدال الأجوف نقلوا الحرب إلى الشاشة الصغيرة، ويستطيع كل طرف عراقي الآن بعد خمس سنوات من تدنيس أرض الرافدين أن يقحمك المهالك، وأن يحدد لك موقعك في جحيم الآخرة وفقا لأدبيات الطائفية الجديدة. لن يقيم العراقيون سلاما في وطنهم بحملات المداهمة والاعتقال والمطاردة وفتح المعتقلات وتعذيب المناهضين واغتصاب العراقيات واتهام كل مناهض للحكومة الوطنية الأمريكية بأنه ارهابي أو بعثي أو قاعدي. العراقيون في حاجة إلى ما لم تستطع أن تأتي به قوات الاحتلال وهي رسالة المحبة والوطنية والتسامح تجاه الآخر ونبذ الطائفية واعتبار توسعة الخلافات المذهبية وصمة عار في تاريخ العراق. الشياطين تضحك ملء وجوهها وهي ترى العراقيين يتربصون بأبناء وطنهم في حماية قوات الغزو الأمريكي، فالمعادلة الوطنية لم تعد ترى الأولوية في طرد الاحتلال، لكن في ازاحة المخالفين عن الطريق حتى لو كانوا مسيحيين عراقيين تشهد أنسجة أجسادهم أنهم ينحدرون من أجداد لم يعرفوا وطنا لهم غير ما تروي أرضَه مياهُ دجلة والفرات. العراقيون يفترشون الأراضي السورية والأردنية والتركية والإيرانية، ثم يقولون بأن تدخل الجيران هو الذي يحول بينهم وبين السلام في بلادهم. تفريغ العراق كأن طاعونا أصابه سياسة منهجية يشترك فيها خصوم الوطن والشعب، فإذا أضفنا إليها تصفية العلماء والمثقفين والإعلاميين والأكاديميين والأطباء وأصحاب التخصصات النادرة، فهمنا على الفور أن العراق يتعرض لعملية تقسيم بدأ يوم أن تم تقسيم مجاله الجوي، ثم ظهر الحديث الطائفي الذي انتهى إلى القتل على الهوية. في أزمنة سابقة كانت كلمة التعاون مع الاحتلال تقرع ضمير أي عربي، ويحتقر الانسان البسيط أي اسم يعرف عنه أنه ابتسم في وجه جندي محتل أو أحد أذناب الاستعمار. والتاريخ يحتقر أيضا المتعاونين، وفيشي رمز للعار الفرنسي، وكفيسلنج نموذج للعار النرويجي، وحتى السفير المصري في إسرائيل يعتبره الوطنيون المصريون ايللي كوهين بلسان مصري وقلب عبري. صنع صدام حسين جمهورية الرعب، وقتل نصف مليون شخص من ابناء بلده، وجعل الجحيم في أسماء السجون والمعتقلات، ولم يكن العراقي يتنفس في عهده إلا بأمره، ومع ذلك فملايين العراقيين يتحسرون على عهد دراكيولا العرب، ويعتبرونه رمزا لنضالهم وجهادهم وعزتهم وكرامتهم ( التي مرغها لهم في التراب لثلاثة عقود )، وهذا يدل على أن العصر الأمريكي الذي تتحدث باسمه حكومة طائفية متعاونة مع خصوم الوطن أكثر سوادا وذلا ورعبا من جمهورية الخوف في عهد الطاغية السابق. العنف تدنى، لكن الأمن لم يعرف طريقه للعراق رغم وجود مئة وخمسين ألف جندي أمريكي طوال خمس سنوات، ورغم عمليات التعذيب في أبو غريب التي تنافس فيها رجال صدام حسين وبوش في عهدين مختلفين، ولم يتأخر المالكي وعلاوي والجلبي عن الحفاظ على السجون العراقية كرمز لاذلال المواطن. العراق يشهد تفريغا لسكانه، ولن يمر وقت طويل حتى يفاجئنا نشر خبر عن العثور على عراقيين في وطنهم! الخبر العادي الآن عن تفاؤل الكثيرين في مستقبل العراق، لكن لم يقل لنا أحد أن المستقبل سيكون مع أو بدون الشعب العراقي! ربما سيحتفل الاحتلال والحكومة بجعل العراقيين في المنافي أكثر عددا من سكان الوطن البائس!
لم يعد أسامة بن لادن يخيف الأمريكيين والأوروبيين فقط، لكن الخوف انسحب علينا جميعا، خاصة في المطارات حيث ترصدك العيون التي في الوجوه، والعيون التي في الكاميرات، ولو أرادت جهة أمنية أن تستدعي كل حركاتك ولفتاتك وايماءاتك وما بداخل فمك وأنت تتثاءب فلن يكون الأمر عليها عصيّا! سيقول قائل: ولكن في المطارات العربية أنت متهم حتى تقلع بك الطائرة، وفي عودتك يطاردك الاتهام حتى تخرج من المطار وتمنحك فرحة مستقبليك من الأهل مشاعر الأمان وكأنك نجوت من حبل المشنقة. قبل أن تهبط الطائرة مطار دمشق الدولي تسمع صوتا يوقظك من أحلامك لتزداد نبضات قلبك: الرجاء عدم استخدام آلات التصوير في المطار! ترى هل يحتاج الجاسوس الديجتالي الجديد إلى تصوير أرضية المطار من نافذة الطائرة؟ في مطار العاصمة الهاشمية تستطيع أن تتعرف على شجرة عائلتك، وربما تفاجئك معلومة كنت قد نسيتها تماما، فأنت نشرت مقالا عن الراحل الحسين بن طلال في صحيفة خليجية لعشرين عاما خلت. في مطار عاصمة تونس الخضراء لن يلقي على مسامعك ضابط الأمن بيتين لأبي القاسم الشابي، لكن عينيه ستخترقان قفصك الصدري للبحث عن جريمة في عهد الرئيس زين العابدين بن علي، وإذا لم تكن أمك قد دعت لك في صلاة الفجر سبعين مرة فربما يُخرج لك ضابط الأمن صحيفة سوابق لم تتعرف عليها من قبل، وفيها صورة لك وأنت تتقدم مظاهرة في باريس أو بروكسل أو جنيف تندد بحقوق الإنسان في عهد بطل حركة التصحيح. شركة أسامة بن لادن وجورج بوش لصناعة الخوف وتعليبه وتصديره تنتقل للعمل في مطارات كانت قبل الحادي عشر من سبتمبر نموذجا للتسامح والتساهل وتوزيع الابتسامات بنفس القدر على البيض والصفر والسود والهنود الحمر. منذ ثلاث عشرة سنة كنت في طريق العودة من استنبول التركية إلى أوسلو، وكان ابني في العاشرة من عمره. اشتريت له كمية كبيرة من الصواريخ النارية التي يطلقها الشباب والصغار في أعياد الكريسماس في النرويج. اكتشفها جهاز أمن المطار، وشرحت للضابط التركي الأسباب وفي ذهني فيلم ( قطار منتصف الليل) الذي يرتجف له الجسد كله إن مر على الذهن مشهد واحد من الفيلم. بعد عشر دقائق كان الموضوع قد انتهى، واستولى الضابط على الصواريخ النارية قائلا بأنه سيعطيها لابنه. الآن يمكن لمعجون الأسنان أن يجعلك تقف متهما في المطار، ولك أن تتخيل الرئيس جورج بوش ينظر إليك بعينين حمراوتين وهو يتوعد قوى الإرهاب بالويل والثبور. قداسة البابا شنودة الثالث تعرض هو أيضا للتفتيش في أعرق مواطن الديمقراطيات التي يركع أمامها ليبراليونا في عالمنا العربي الحالم بحقوق مرتادي المطارات الأوروبية. عندما أوقفني رجل أمن في مطار هيثرو لأكثر من ساعة ونصف الساعة( فبراير 2008)، سألني عن كل شيء، وقرأ مقدمة كتابي قبل الأخير(الثامن) وهي بالانجليزية، وقلت له بأنني أحمل الجنسية النرويجية منذ سبعة وعشرين عاما، وعضو اتحاد الصحفيين النرويجيين، ولم يحدث مرة واحدة في أكثر من ثلاثين عاما في زياراتي السنوية الكثيرة للعاصمة البريطانية أن وقفت أمام ضابط الجوازات لأكثر من نصف دقيقة، كان رده الآتي: استوقفتك عندما علمت بأنك صحفي، وتركني لنصف ساعة، وبعد عودته تأسف بشدة وتمنى لي اقامة طيبة، وكانت يومين فقط . قام ابني الكبير بزيارة كندا بدعوة من القسم الفني الثقافي بالأمم المتحدة للغناء باللغة النرويجية مع فرقته، فهي أغاني هادفة وحصل ألبومه على المركز الثالث على مستوى النرويج. في المطار تم توقيفه واستجوابه فترة طويلة، كانت في حقيبته أدوات الجريمة ، مصحف صغير، وسجادة صلاة وبوصلة. وكانت الأسئلة: هل سافرت إلى الأردن؟ هل أنت شيعي أم سني؟ هل سافرت إلى مصر؟ على الرغم من أنه نرويجي الجنسية والمولد. ثم اعتذار مع نصف ابتسامة. كنت دائما أشعر بأن مطار هيثرو هو الأقرب إلى قلبي، وعندما أسافر إلى بلد عربي، أفضل أن يكون الترانزيت في مطار صاحبة الجلالة. أما الآن فكل شيء قابل للحدوث، وكل مفاجأة تختفي خلف ابتسامة ضابط الجوازات والتفتيش. وعندما اشتريت من لندن كتابا عن قصة حياة أسامة بن لادن، وضعته في الحقيبة الكبيرة، ولو كان في حقيبة اليد وقرأت فيه في صالة الانتظار فربما تغير اتجاه سفري! في الطائرة المتجهة من أوسلو إلى أمستردام كنت ثاني اثنين في درجة رجال الأعمال، وخافت المضيفة الهولندية الجميلة. بعد دقائق كان الكابتن الطيار يجلس بجواري، ويتعرف علي، ثم يطلب مني أن أكتب انطباعاتي عن شركة الخطوط الجوية الهولندية، وانصرف! كان الهدف أن أنشغل طوال الرحلة وهي أقل من ساعتين. عندما كان ضابط الأسكوتلانديارد في مطار هيثرو يستجوبني مزحت معه قائلا: لقد تخطيت الستين من عمري، ولو أنني قمت بعملية ارهابية فسألهث من التعب بعد ثلاث دقائق، فضحك كثيرا، ولم أفهم إن كان خجلا من مزاحي، أم غير مصدق أنني لست ارهابيا! منذ سنوات طويلة كنت من أوائل من كتب محذرا من حركة طالبان المتخلفة ومن أسامة بن لادن ومن الدعم السعودي لأباطرة الحروب في أفغانستان، ومع ذلك فأنا وغيري ممن ناهضوا كل صور التخلف والتشدد والغلو .. والارهاب ندفع ثمنه، وأحيانا يختلط الأمر في المطارات التي كانت مثالا للتسامح، فيتصورون أن سبب البشرة السمراء الـ (dnt)، وليس شمس العرب التي لوّحت وجوهنا، وبدا أننا جميعا مشتركون في جريمة عدم تهنئة اسرائيل بعيدها الستين، ومأتمنا الستين أيضا!
السنوات الأخيرة قبل العد التنازلي لأم الدنيا، وقد فشلت كل المحاولات للاطاحة بطاغية مصر .. حسني مبارك، ولم تعد هناك بارقة أمل في مظاهرة أو انتفاضة عمّالية أو ثورة طلابية أو دعوة للعصيان المدني ، فقبضة الأمن لا تعادلها أو تنافسها قبضة أخرى تمسك بخناق أي شعب في العالم. مِصْرُنا تحولت إلى معتقل كبير يستطيع رجال الرئيس فيه الوصول إلى فراش المواطن، وأحلامه، ويتابعون بريده الالكتروني، ويمنعونه من السفر، أو يضعونه في المترقب وصولهم. يستطيعون أيضا أن يتحكموا في مأكله ومشربه وعمله، وأن يتم الايحاء لرب العمل بطرده، وأن يقوم ضباط أو عساكر أو مخبرون بتعليمه آداب العبودية وقواعد الطاعة في تخشيبة أو مكتب المأمور أو يعلقون أطرافه في السقف أو يدخلون العصا في موضع العفة منه. مئات الآلاف يقرأون مقالات مفزعة عن المشهد المصري فضلا عن الملايين الذين يعرفون تفاصيله كما يعرفون أبناءهم، وكل مصري من الثمانين مليونا، باستثناء قلة منتفعة أو غبية أو جاهلة أو ساذجة ، يستطيع أن يقص عليك ما يزلزل الأرض غضبا ويجعل الشيطان يحتفل بانتصاره على أبناء آدم في وادي النيل العظيم. وبالرغم من ذلك فالأمور تجري كأن المصريين وقّعوا عقدا مع القدر أن يطيعوا، ويسمعوا ولو صنع لهم الطاغية زنزانة لكل مواطن. حتى ثورة الخبز..غضب الجياع انتهت إلى قبضة الأمن، والرجل يُعِدّ ابنه كأنه أقسم أن لا تترك أسرة مبارك مصر للمصريين قبل أن تجتث حضارتها وتاريخها وخيراتها وطيبة أبنائها، وتنهي هذه الأسرة الباغية إلى غير رجعة أحلام المصريين في زمن جميل. وسقط المصريون في المصيدة، وتفرقوا شيعا وأحزابا وطوائف وجماعات يخاصم بعضها بعضا أكثر من كراهيتهم لعدو الشعب وهو على مبعدة كيلومترات معدودة ، أو في ثكنته العسكرية الأمنية بشرم الشيخ استعدادا لهروب قد لا يأتي أبدا إذا استمر الوضع ساكنا وهادئا وبليدا. خصوم الشعب المصري ليسوا فقط أسرة مبارك وزبانية الحكم وضباط التعذيب وبلطجية العنف ولصوص الوطن، لكن الخصوم الحقيقيين هم الذين يتحكمون في صناعة الكلمة والصورة والخبر والتعليق، ويحصلون على أجورهم من بيع دماء أبناء الشعب وكتابة التقارير والتغزل في أعتى وأشرس وأعفن أنظمة الحكم الارهابية في قاهرة المعز. ولكن ماذا عن الفضائيات؟ خطوط حمراء كثيرة كأن لونها القاني من سفك دماء الشعب ، واتفاقات سرية مع أجهزة الأمن والقمع والقهر في أحط صور التعاون بين الإعلام والزنزانة، وباستثناء ثلاث أو أقل من الفضائيات فإن استقلالية القرار على الهواء لصالح المظلومين غير وارد اطلاقا، وليس أمام المصريين إلا فضائية مصرية معارضة في عاصمة أوروبية ، لا تكون لها هوية أخرى غير حقوق الانسان وتحرير مصر من الطاغية ورفض كل صور التحزب والطائفية والفتنة والتفرقة بين المسلمين والأقباط . فضائية مصرية تنشر وثائق وشواهد وقرائن عما يحدث في مصر من نهب وسلب واستحمار واستنعاج واستئفار وسُخرة وعبودية وهبر وتهريب وفساد. فضائية مصرية تُحدث المصريين عن كرامتهم، وعن حقوقهم في السكن اللائق والعمل والحياة الحرة الكريمة ولقمة العيش ، وتحذرهم من خصوصهم في السلطة وفي الصحافة وفي القنوات التلفزيونية المصرية التي تضربنا على أقفيتنا مع( صباح الخير يا مصر) وتعيد صفعنا على نفس القفا مع (البيت بيتك). فضائية مصرية معارضة يعلم العرب بعدها، وأشقاؤنا في الخليج الذين يدعمون بالمال عدو المصريين الأول وابنه وسارقي اللقمة من أفواه هذا الشعب الطيب، أن اطالة عمر هذا النظام البائس المتوحش والنتن هي جريمة في حق مصر والمصريين. فضائية مصرية معارضة تستقطب وجوها سمراء طيبة وجميلة لوّحتها شمس دافئة من أسوان إلى الاسكندرية، ولا تعرف في ضيوفها إن كانوا مسلمين أو أقباطا أو ناصريين أو يساريين أو يمينيين أو وفديين أو إخوانا مسلمين أو سلفيين أو مستقلين.
فضائية مصرية ليس فيها خطوط حمراء، ولا علاقة لها بالأمن، ولا تتلقى التوجيهات من صاحب رأس المال وهو جالس في مكتب أمن الدولة يُملي عليه الباشا ما يرغب فيه الرجل الكبير. فضائية مصرية تعيد الروح للمصريين، وتحرّض على الانتفاضة، وتشرح للناس ثقافة العصيان المدني، ويشاهدها جنرالات وقادة الجيش المصري العظيم فيكتشفون أن دعمهم للطاغية اعلان حرب ضد أهلهم وأبنائهم ونسائهم وأجيال تأتي من بعدها يبحثون عن العبور الحقيقي فلا يعثرون عليه. فضائية مصرية معارضة يبكي فيها المصريون على أحوالهم، ويصرخ المتوجعون من شدة الألم، ويلعن الغاضبون طاغيتهم، ويتحرر أبناء الوطن من الخوف، ويخجل المنافقون من زيفهم، وربما تتحرك ضمائر ضباط الأمن لصالح المصريين بعيدا عن بطش اليد والضرب بالحذاء. فضائية مصرية معارضة تنهي حالة التناغم والتوافق والمساومة بين الفضائيات الأخرى وأجهزة القمع التي تعز من تشاء وتذل من تشاء، والتي تعتمد أيضا على أصحاب ضمائر ميتة وأقلامٍ حيّةٍ كأنها حَيّةٌ تسعىَ بنابها وسُمّها.
فضائية مصرية معارضة يأتيها الأشقاء والأصدقاء معتذرين ، من كل دول العالم، أنهم لم يكونوا على علم مسبق بجحيم المصريين تحت قبضة مبارك، وأنَّ كل حر لا يقف مع تحرير مصر من هذه الأسرة المتسلطة والارهابية هو في حالة عداء ضد الشعب المصري. فضائية مصرية معارضة تحتضن حتى الخائفين والذين صمتوا ردحا طويلا من الزمن، وبعد وقت قصير من انطلاقها ربما تنهمر دموع كل ذي ضمير إنساني، كان قد اشترك في تأييد مبارك أو دعمه أو الدفاع عنه أو ايجاد مبررات لطغيانه وجبروته ودراكيوليته. فضائية مصرية معارضة لن تستغرق وقتا طويلا بعد بثها حتى يتهاوى النظام الهش الكرتوني الديكتاتوري ، ويحتفل المصريون بأسّمىَ وأجمل وأطهر أعيادهم .. يوم تنتهي كلمة مبارك من فضاء مصر، ويبقى تاريخه الأسود شاهدا على حقبة مظلمة تحالف فيها جبروته مع صمتنا، ودفعت أم الحضارات الثمن غاليا. فضائية مصرية معارضة تستعد لاعلان البيان الأول الذي طال انتظارنا له، وانتظاره لنا كثيراً .. كثيرا.
الأيديولوجيات لا تموت بموت أصحابها، والمجرمون كالمصلحين يتركون خلفهم بعد رحيلهم مؤمنين بقناعاتهم. عندما دخلت القوات السوفيتية والحلفاء برلين بعد هزيمة المشروع النازي العنصري، تم اغتصاب مليون امرأة وفتاة ألمانية، فهنا تساوت قسوة تلاميذ ستالين مع أتباع هتلر مع منتصرين من الناحية الغربية. صدام حسين الذي شنقوه بعد محاكمة أمريكية بلسان عراقي غير مُبْين، لم يصنع ملائكةً، ولم يَقُم بانشاء مدارس لتعليم السلوك القويم، وجعل كلَّ اثنيّن من العراقيين جاسوسيّن على الثالث حتى لو كانوا في عائلة واحدة، بل في أسرة واحدة، وربما من رحم أم واحدة. صدام حسين لا يزال حيّاً في السجون والمعتقلات والانتهاكات، وروحه تراقب المقابرَ الجماعيةَ في عالمنا العربي، وهي تُحلّق فوق قصور سادتنا، وأحيانا تنزل لتلقينهم دروسا في الطغيان، وتقوم بتعليمهم سفك الدماء وتربية العبيد من رجال الأمن وكلاب السلطة. صدام حسين لا يزال حيّاً بيننا، فأنا أراه في آلاف الصفحات على النت، ثم أدير مؤشر التلفاز فيُخرج لي لسانه من وجه أحد ضيوف الفضائيات التي كانت تدعمه حيا، ويرزقها بعد موته. قضى ثلاثين عاما أو أكثر في الحكم وأصبحت له مدرسته الخاصة في تعليم الطغاة، فقد كان بحق طاغية تشهد له كل الشياطين أنه تفوق على أقرانه من هيلاسلاسي إلى منجستو هيلا مريم، ومن فرانكو إلى سالازار، ومن سوموزا إلى ستالين، ومن القذافي إلى مبارك، ومن الأسد إلى زين العابدين بن علي، ولعل هتلر وستالين هما اللذان تفوقا عليه. في طريق السلطة لم يكن لأحد أن يُحرك لسانه بغير مشيئة القائد المهيب، فقام بتصفية الدكتور إبراهيم رياض وزير الصحة، والدكتور هشام السمان، والدكتور إسماعيل التاتار، وكذلك أمر بقتل والديّ أحفاده، وزوجيي ابنتيه رنا ورغد بعد أن وعدهما بالعفو، وهل يعرف صدام الرحمة؟ تاريخ طويل من المذابح والقسوة والوحشية، وضرب أبناء شعبه بالأسلحة الكيماوية، والتسبب في حربين مجنونتين خرج من الأولى بنصف مليون قتيل ومعاق، ومن الثانية بعشرات الآلاف من جنوده المنهزمين في الصحراء يرفعون ملابس داخلية بيضاء لعل القوات الأمريكية تكون أرحم عليهم من رئيسهم وعدوهم. صدام حسين لا يزال حياً، فالانتخابات التونسية حصل فيها الرئيس على نسبة 99%، والمصرية في ولاية خامسة دفع فيها منافس الرئيس ثمنا غاليا بين جدران السجن، وضحك الرئيس علي عبد الله صالح على شعبه، وأقسم أنه لن يجدد بعد ثمانية وعشرين عاما من الحكم، فلما جلس اليمنيون يمضغون القات ويخزنون السُمَّ الجماعي، لم يستوعبوا مزحة الرئيس فجدد لنفسه ولاية أخرى. صدام حسين لا يزال حيا، فالإعلاميون الذين كان يُطعمهم ويأويهم، ويشتري لهم سيارات مرسيدس سوداء يعملون بجد ونشاط في خدمة أسياد آخرين، وأصبحوا الآن جماهيريين أكثر شهرة من نجوم كرة القدم، ويُطِلّون علينا من الشاشة الصغيرة، ويمتدحون أسيادهم على الانترنيت، ويفتتحون مانشيتات صحفهم بأحاديث مقززة ومقرفة عن البطل المغوار الذي تنكمش أمامه إسرائيل، ويتدارس العالمُ نهجه وعبقريته، وهو الأب الحنون الذي لا ينام الليل من أجل رعاية مصالح شعبه. صدام حسين لا يزال حيَاّ، فكوبونات النفط صنعت وجوها احتضنتها فضائيات، فظلّوا على الوفاء بالعهد، وهم طابور ساتلايتي خامس، جندتهم أجهزة الأمن لتلميع القادة والزعماء، واستدراج من أرادوا احراقه، فلا فرق بين الاستديو في أهم فضائية عربية وبين مكتب مدير الأمن، أو بين الاحراق على الهواء ومثيله في التخشيبة. صدام حسين لا يزال حيّاً، وأتباعه جعلوا منه شهيدا مع الصِدّيقين والأنبياء والرسل والمبَشَرين بالجنة. إذا كانت المقابر الجماعية وحكايات ملايين من العراقيين لعَنوه حيّاً وميّتاً، ووثائق ومستندات وأحياء تشهد أن جرائم صدام حسين لو ضمتها مجلدات فإن صفحاتها تمتد بطول نصف الكرة الأرضية، ومع ذلك فعالَمُنا العربي يضم بين بَحْرّيّه ملايين من الأسياد والعبيد، من الحكام والشعوب، من الاسلاميين والعلمانيين واليساريين والبعثيين وحتى خصوم الأمس الذين يؤمنون بمباديء الطاغية، ويعيدون تلميعه وتأهيله، وتزييف تاريخه. هذا يعني أن هناك خللا في تركيبة الإنسان العربي، وأننا نحتاج فعلا إلى علاج نفسي قبل أي نهضة أو تقدم، وأننا صنعنا صدام حسين حيا، وأعدنا الروحَ إليه بعد موته. لهذا لم يجد الطغاة في عالمنا العربي الممتد من صنعاء إلى أغادير، ومن اللاذقية إلى مقديشيو أي حرج في ادخال العصا في مؤخرة المواطن، أو في التجديد لولاية غير أخيرة قبل زيارة عزرائيل أو زيارة إسرائيل! صدام حسين لا يزال حيّاً، ويضحك علينا ملء فمه، فأكثر من ثلاثة عقود لم تصنع جمهورية رعب واحدة، لكنها صنعت أمة رعب واحدة ذات رسالة خالدة! إذا لم تصدق أن صدام حسين لا يزال حيّاً، فعليك بمتابعة الخطاب القادم للزعيم، وأن تقرأ بتمعن الاتهامات الموجهة لآخر جماعة تم القبض عليها، وأن تقارن بين غرف التعذيب في عهد قائد الجبهة الشرقية، وغرف التحقيق في أمن الدولة من صيدنايا إلى معتقل القلعة، مرورا بسجون كل أسيادنا، وحينئذ ستتأكد بأن نفخة روح الله في الإنسان العربي، والطاغية بوجه خاص، قد تم استبدالها. لعلك لا تصدق هذا الكلام وتعتبره أدبيات تسقط من الذاكرة بعد هنيهة أو لحظتين، وما عليك سوى أن تنتظر زائر الفجر فهو القادر على ايصال الرسالة إليك بأنَّ سَيّدَه لا يزال حيّاً. الذين يقومون بتكذيب الأحاديث عن الطغاة، ويشكّكون في حكايات وروايات وحقائق وقرائن لدى كل منظمات حقوق الإنسان، إما أنهم حمقى ينبغي الحَجْر عليهم، أو أنهم مشتركون، فَعليّاً أو خياليا، في جرائم الطغاة والمستبدين ومصاصي دمائنا. صدام حسين لا يزال حيّاً، ويمكنك أن تراه سبعين مرة في اليوم لو منحك الله نعمة الضمير اليقظ، ونُبْل الخُلُق الرفيع!
عندما يقرأ لي قبطي، ثم يشكك في موقفي المبدئي من همومه، فهو إما أن يكون أحمقا لا يستطيع التمييز بين الأصدقاء والأعداء، أو أنه حاقد يعيش على الكراهية ويزايد في الدفاع عن قضايا ليس مقتنعا بها إلا قناعة القطيع في الحماية الجماعية والالتصاق خوفا من عصا لا يهش بها راعيها إلا قليلا. هموم الأٌقباط هي واجبات وطنية ودينية وإنسانية أحملها كأنها جزء من ثقافتي لا ينفصل أو ينقطع أو يحيد عن مساره تحت أي ظروف. وقضايا أقباط بلدي، في مجملها ومعظمها إلا ما ندر، عادلة وواضحة وتضع أصابعها في عيون من يجحدها أو يتنكر لها أو يناهضها أو ينفي وجودها. ليست القضية بالنسبة لي أن أغوص في مباحث الدين للإتيان بشواهد على أهمية العدل والمساواة، أو بقراءة شرعة حقوق الإنسان، أو بالبحث في ثنايا الدستور المصري، أو باستخراج قوانين تشهد مع العدل بالمساواة الكاملة بين أقباط ومسلمي أرض الكنانة. لكنني أملك ما تعجز عن الإتيان بمثله كل النقاشات والجدال والأدلة والقرائن والتفسيرات وهي قناعاتي اليقينية بأن التمييز بين مواطن وآخر في أدنى الصور ، وفي الشعور واللاشعور، وفي الفكر اليقظ أو الغضب السريع أو بين أربعة جدران ليست لها آذان بأن لحظة واحدة عابرة تشعرني كمسلم بأنني أفضل من أخي القبطي تدخل بدون ريب في دائرة التمييز المقيت والمقزز والعفن. لا يحتاج الأمر مني إلى الوقوف على منصة الاستجواب أمام مسلم آخر مثلي يحاول أن يقنعني بأن أبناء بلدي الذين سقطوا من بطون أمهاتهم على غير ديني هم أقل مني قيمة، ومأواهم النار، وأنهم أهل ذمة أو أنهم ( الآخرون ) الذين ينبغي أن تكون لهم قوانين مفصّلة على قدر عقائدهم. هزل لا أجد لدي دقيقة واحدة لمناقشته، ولست على استعداد للوقوف أمام مجموعة من الأقباط والمسلمين، ثم أدعو الله أن يرحم المسلمين فقط، أو أن يفسح في جنة الخلد مكانا لشهداء المسلمين في حروبهم ضد إسرائيل، ثم يرسل الأبطال الوطنيين من أقباطنا .. شركاء الوطن إلى جحيم أبدي. أنا أرى أن حل المشكلة القبطية دائما في يد صاحب السلطة الأولى في مصر الفرعونية منذ أن تقبط وادي النيل لأكثر من ألف وتسعمئة عام. إذا صلح الحاكم وكان عادلا وعاشقا لبلده ومؤمنا بقيمة الإنسان بغض النظر عن دينه، فقد صلحت الرعية واكتشف أهل البلد مساحات واسعة من التسامح كانت خافية عليهم. وإذا وقعت مصر في قبضة طاغية ومجنون ونيرون يحكمها بالحديد والنار والاغتصاب وأجهزة أمن ذئبية، فإن مساحات الخوف تتحول إلى عالم الكراهية، والتطرف ينعكس على الجميع، والأكثر يهضم حقوق الأقل. مطالب أقباطنا لا تحتاج لنقاش أو إثبات حقوق المساواة، وأن أي منصب في الدولة يجب أن لا يكون حقا إسلاميا فقط، وأن من حق القبطي أن يكون رئيس جهاز المخابرات أو قائدا للجيش أو وزيرا للدفاع أو رئيسا للوزراء أو رئيسا للجمهورية. وأن التردد ساعة واحدة في ترميم كنيسة( لغير الأسباب المالية) هو تمييز ضد شركاء الوطن. وأن استخدام تعبير قتلى لوصف شهداء الكشح هو تمييز، بل وصف غير أخلاقي أو إنساني، وأزعم أن التمييز هنا مناهض لأوامر الله، تعالى، ومن يرى أن رب الكون العظيم سينحاز إليه وحده وإلى قومه فقط وإلى أصحاب دينه أو مذهبه أو طائفته ضد الآخرين فقد دخل دائرة الكراهية البعيدة تماما عن رحمة الله. في الجانب الآخر فقد سقط أقباطنا في أهم اختبارات المدافعين عن أطهر وأعدل القضايا عندما انحاز كثيرون منهم ضد دين الأغلبية المصرية، وبحثوا، ونقَّبوا في كتب صفراء قديمة عن أحاديث وحكايات واساءات وخرافات ثم أقاموا عليها فهما جديدا لخاتمة الديانات السماوية. أنا أفهم أن المعركة لو كانت بين المسلمين وبين القوى الاستعمارية أو الغزاة لاختلف الأمر، أما أن تتحول المعركة إلى كثير من أقباطنا في جانب، وديننا الإسلامي في الجانب الآخر فالأديان لا تنهزم . ايها الأقباط .. شركاء المسلمين في كل شبر من مصر الطاهرة.. لا تشغلوا أنفسكم بمعارك هي من صلب دفاعاتنا، فأحاديث بول الرسول ورضاع الكبير ونجاسة المرأة ومئات وآلاف غيرها مما ضمته كتب تعفرت في المخازن وفوق الرفوف تمثل معركتنا، نحن المسلمين، ضد قوى التطرف والغلو والتشدد والتخلف التي خرجت من أحشائنا، ويعيشون بيننا، ويقومون بتكفيرنا قبل أن يحكموا عليكم بالكفر. لا تضموننا إليهم، وابحثوا في الاسلام كما فعل مئات الآلاف من المفكرين والمنصفين والعلماء والمؤرخين فعثروا بسهولة ويسر على مساحات من التسامح تكفي لأن تجعلنا جميعا متساويين في كل شيء. فانساي مونتاي وروجيه جارودي وجوستاف لوبون( محمد أسد ) ومراد هوفمان وتوماس كارليل وول ديورانت وعباقرة التاريخ الأوروبي عثروا في الاسلام على كنوز لا تفنى، فمنهم من اعتنقه، ومنهم من اكتفى باحترامه. لا تؤذوننا في ديننا، رحمكم الله، فما يتم نشره من الغث والدميم والقبيح نسعى نحن لاستئصاله، ويعمل المتشددون على تثبيته، فلا تقفوا معهم ضدنا، فنحن حاملو همومكم. معركتكم الحقيقية هي اقناع المسلمين في مصر بأن حقوقكم واجباتهم، وليس اثبات أن دينكم أفضل من دينهم!
بعد عدة أعوام سيدعو رئيس وزراء إسرائيل إلى ( الإتحاد من أجل البحر الميت)، فتردّ إيرانُ بمشروع ( إتحاد الدول المطلّة على خليج هرمز)، فيقوم الرئيس اليمني القادم أحمد علي عبد الله صالح بعرض فكرة مشروع ( التجمع الموحّد من أجل جزيرة حنيش)، وهنا يغضب الزعيم الليبي القادم سيف الإسلام القذافي فيعقد مؤتمرا في خليج سرت حول مشروع ( مَدّ النهر الاصطناعي العظيم للدول المجاورة)!
نابليون بونابارت الجديد لن يحتاج إلى خيل يقتحم بها الأزهر الشريف، ولن يوحي لمستشاريه في مصر بأنه بصدد اعتناق الإسلام، لكنه سيقتحم أوروبا والعالم العربي برفقة زوجته الحسناء، وسيرفع راية النصر في كل مكان، من الجزائر إلى العاصمة البُلغارية صوفيا مع دموع الممرضات، ومن بروكسل حيث يأتيه الأوروبيون أفرادا وجماعات، إلى خيمة العقيد.. رسول الصحراء.
عندما كتبتُ بأنه قد يأتي الوقت الذي يصبح فيه أمين عام جامعة الدول العربية إسرائيلياً، لم يكن التندر أكثر من وجع في القلب، ودموع في العينين، وحسرة على عالم عربي تقوم سياساته على ردّ الفعل، وليس المبادرة.
ساركوزي يريد من العرب والإسرائيليين أن يَسْبَحوا في البحر المتوسط فهو مِلكية مشتركة بين أصحاب المنطقة وسكانها وبين المهاجرين الذين اضطهدتهم أوروبا لمئات السنوات فانتهى بهم الاضطهاد إلى الهولوكوست، ثم اعتذرت القارة البيضاء بهدية متواضعة تقرّ بها أعيُّن شعب الله المختار، وأعطى من لا يملك لمن لا يستحق أرضا باركها أنبياءُ الله ليتسلمها جيش الدفاع الإسرائيلي بوعد ممهور باسم الرب!
نابليون ساركوزي يرفض رفضا قاطعا أن يعتذر للعرب عن جرائم قرن ونصف القرن من الاستعمار الهمجي الوحشي، ومن مذابح طالت المغرب العربي برمته، وعن مليون ونصف المليون روح جزائرية صعدت إلى بارئها لينسحب دعاة الجزائر فرنسية بعد ثلاثة عشر عقدا.
ويرفض أنْ ينبس ببنت شفة عن جرائم التجارب النووية في صحراء الجزائر، فالعرب فئران تجارب لا يستحقون دمعة فرنسية رقيقة ولو تمساحية.
الرئيس الفرنسي يعرف أنه عندما يحتضن زعيما عربيا ويعانقه، فربما يقدم له الأخير صفقة العمر عربون محبة سمراء لعيون زرقاء!
سيداتي سادتي،
يقوم رئس الوزراء الإسرائيلي بتمثيل أشقائه قادة الدول العربية المطلة على البحر الأبيض المتوسط نظرا لانشغالهم خلال فترة عقد المؤتمر.. هذا ما ستعلنه فضائية عربية بعد بضعة سنوات.
مع ملوحة المتوسط تصبح فرنسا عملاقة من جديد، فالأزرق الكبير تمر به أكثر من ثلاثة ارباع امدادات البترول، وهو المركز الرئيس للأساطيل البحرية في استعراض القوة الأوروبي والأمريكي، وفرنسا تأمن على مستقبلها من ثورتي الجياع والتكفير في شمال أفريقيا، وتجعل تركيا تنزلق إلى الأسفل العربي بدلا من أن ترفع عنقها إلى الأعلى الأوروبي.
اليورو سيحاصر العملة الخضراء حتى لو جعلها أوباما تلمع مرة أخرى، والقارة السوداء ستصبح امتدادا للاتحاد الأوروبي العربي الاسرائيلي، والجمهورية الإسلامية ستنحشر تحت ذراع روسيا وشقيقاتها المنفصلات بعد أن فسخ جورباتشوف عقد الزواج الستاليني!
وفرنسا ستسحب البساط من تحت أقدام برلين، فلا يمكن لأوروبا أن تُسَلّم الزعامة لألمانيا مرة أخرى.
الزعماء العرب الذين حضروا مراسم تتويج ساركوزي قبطانا يدير الدفة في البحر المتوسط وفقا لرياح الإمبراطورية الفرنسية لم يستشيروا شعوبهم، فرفضُ العقيد أو قبولُ بوتفليقة يتساويان، فالقذافي الذي هدد مرة بالانضمام لحلف وارسو يقرر للمرة الخامسة بعد الألف لعب دور البطولة، ونجاح أي مشروح يقوم دائما على معارضة بطل من ورق لتزداد ثقة الناس بأنَّ السُمَّ في العسل أقل من النسبة التي تَضُرّ.
قد ينجح المشروع ويلتصق الشمال بالجنوب، ويعم بعض الرخاء دولا يحلم سكانها بالهروب في زوارق متهالكة متمنّين أنْ يقبض عليهم خفر السواحل في مارسليا أو برشلونة أو مالطا أو رودس أو كريت لعلها تكون أرحم عليهم من فاقة الوطن، وغربة الداخل.
وقد ينجح أوروبياً ونقرأ عن مناورة عسكرية إسرائيلية/سورية في المياه الإقليمية للجزائر بمشاركة تونسية ومغربية!
لكن أغلب الظن أن الكعكة تسع الجميع، وأن الإمبراطور ساركوزي قادر على أن يجعل من حقوق الإنسان قضايا هامشية، ولن يهمس في أذن الطغاة العرب بكلمة واحدة عن المقابر الجماعية والسجون والمعتقلات وانتهاك الكرامة، بل يقوم بتعيين أطولهم عمرا وكرسيّاً للعرش الرجل الثاني إذا غاب القبطان أدار الدفة أو أمسك الشراع ولو انزلق غضروفه واحتاج للأيام الأخيرة في مستشفى ميونيخ.
ترى من سيكون صاحب المبادرة القادمة للاتحاد من أجل بحر الغزال أو خليج العقبة أو قناة السويس أو بحيرة فيكتوريا أو جزيرة ليلى؟
لم يتحرج أحد من الزعماء العرب المتوسطين بحراً، والأطول عُمراً عندما شاهد ساركوزي وهو يتردد في طرح سؤاله: هل ستقومون، يا طويل العمر، باستشارة شعبكم العظيم قبل الانضمام للعملاق المالح الجديد، فلسان الرئيس الفرنسي كقلم إميل زولا، وقبلاته تُذكرّني بالرئيس جورج بوش الابن وهو يوزعها على كل مستقبليه العرب قبل أن يتعرف على مناصبهم.
ولا عزاء لكل الذين تمنوا الخروجَ من أقبية السجون العربية بفضل أبناء محطمي الباستيل، فأجنحة الملائكة وقرون الشياطين تتم صناعتها في مصانع أسيادنا .. هناك!
ثلاثون عاما مرّت على بدء تصدير الثورة الإسلامية من طهران وقُم إلى الدول المجاورة، وفي خلال هذه العقود الثلاثة تغير وجه إيران عدة مرات، وفي كل مرة من زاوية مختلفة فلا يدري المرءُ إنْ كان الوجه القادم مقطبا الجبين، أو مهددا ومتوعدا بجحيم خليجي، أو مبتسما ومتحدثا عن علاقة الأخوّة الإسلامية، أو متوعدا بقوة نووية تسحق أعداء الثورة، أو بزيارة وديّة حميمية يعانق فيها الرئيسُ الإيراني اخوانَه قادة الخليج.
لغز يظن كل باحث أنه وضع يده على الحل، فإذا هو أمام مفاجأة غير متوقعة.
العرب طيبون حتى السذاجة المفرطة، ومن أراد أن يكسب قلوبهم فعليه أن يقوم بتهديد إسرائيل ولو بصواريخ من التي يطلقها الأطفال ليلة الكريسماس، وأن يطلق الوعيد، ولا مانع من تطعيم التهديدات بإرادة السماء، وبكلمات مقدسة حتى لو كان قائلها أكثر بُعدا من تعاليم الله عن الناكرين للألوهية.
الطموحات الإيرانية، علمانية شاهنشاهية، أو إسلامية خومينية لا تختلف إلا لكي تلتصق ببعضها، وأحلام إيران في عهد محمد رضا بهلوي كأحلامها في عهد محمود أحمدي نجاد.. إمبراطورية فارسية يستعرض فيها حرّاس الثورة قوتهم في كل شبر من دول مجلس التعاون الخلجي، وفي العراق وعلى حدود سوريا، وفي لبنان ولا بأس من أفغانستان بين الحين والآخر.
قوة لا يُستهان بها، وأصحاب حضارة سبقت العرب بزمن طويل، لكن الإيرانيين لا يفهمون أن حمايتهم للعالم العربي يزيد الجمهورية الإسلامية قوة ومنعة وبأسا، فتبدأ الأطماع كأن الخليج انفصل عن إيران بطلاق غير بائن.
استعراض للعضلات في منطق أقرب إلى التهور، ورفض للانسحاب من الجزر الإماراتية الثلاث، تماما كما تفعل إسرائيل مع الأراضي الفلسطينية، ثم عين على البحرين لا تتغير بتغير الحكام وقربهم أو بعدهم عن تعاليم السماء.
أليس هذا ما يحدث أيضا في العراق؟
ألم تكن أوهام صدام حسين في عراقية الكويت تعبيرا عن رغبة توسعية انتقلت لمن أتى بهم الأمريكيون بعده، ولكن انسحبت الأوهام إلى الداخل واللاوعي، فإذا همس في أذنك مسؤول عراقي فكأنه يشمر عن ساعديه لعودة جديدة للمحافظة التاسعة عشرة!
غباء السياسة الأمريكية هو الذي يتحكم في المنطقة كلها، فالأمريكيون كانوا يدعمون طالبان، وحرّضوا السعودية والإمارات على الاعتراف بالحكم المتخلف في كابول، وانتقموا من طهران بدفع صدام حسين لشن حرب مجنونة انتقاما من احتلال السفارة الأمريكية في العاصمة الإيرانية، وأغمض الأمريكيون أعينهم عن جمهورية الرعب، وعاتبوا بغداد على استحياء عما حدث للأكراد، وأنهكوا القوتين الخليجيتين، ثم ناهضوا الإتحاد السوفيتي بحراس الثورة الإسلامية.
هل ما يحدث هو صراع أمريكي/إيراني على خيرات المنطقة، أم هو هوس الجمهورية الاسلامية وأحلام فارسية مضت عليها مئات الأعوام؟
اعترف رافسنجاني بأنه لولا إيران لما تمكنت أمريكا من احتلال العراق، ومثل هذا التصريح قد صدر عن القيادة الإيرانية لعدة سنوات خلت بزعم تسهيل ضرب أفغانستان إيرانيا!
العرب منقسمون حيال إيران، فمنهم من يرى أولوية التصدي للجمهورية الإسلامية انطلاقا من مخاوف غربية وأمريكية وإسرائيلية، ومنهم من ينطلق من خلافات دينية فيلجأ إلى الطائفية والمذهبية، ثم يبحث في بطون الكتب القديمة لعله يعثر على شواهد تؤكد العداء التاريخي !
ومنهم من يرى إيران بعيون فلسطينية فقط، ومن كان ظاهريا ضد الدولة العبرية فهو في الصف العربي حتى لو احتل أرضا أو جزرا عربية، ويطمع في المزيد!
إيران لديها أجندتها، وطابورها الخامس في الخليج العربي، وتكاد تتقاسم العراق مع قوات الاحتلال الأمريكية، وسطوتها على القرار الدمشقي لا ينكره إلا غير متابع.
لابد أن أعترف أن في نفسي كراهية شديدة لاستخدام تعبيرات طائفية مثل شيعة وسُنّة أو المقارنة بين المذهبين الكبيرين، فلا يستطيع السنة أن يقضوا على الشيعة مهما أوتوا من قوة، ولا يمكن للشيعة أن يقللوا من شأن الأغلبية المذهبية والتي تصل إلى 92% من مسلمي العالم.
كل مقال أو كلمة أو ندوة تزيد الفجوة بين السنة والشيعة، وتحاول اقناع المسلم أن المذهب الآخر باطل منذ ألف وأربعمئة عام هي هزيمة للمسلمين كلهم.
أي محاولة لاعتبار أبناء دول الخليج من الشيعة موالين لايران قبل بلادهم الأصلية ينبغي أن نتصدى لها، فهي بداية صناعة الولاء المضطر، أو الأمل الكاذب في الدولة الأم الواقعة في الناحية الأخرى.
في المقابل آمل من كل مواطن شيعي أن يتعامل مع إيران بعيدا عن أنها الممثل الشرعي والوحيد للشيعة في العالم، فتلك لعمري فكرة الاضطهاد التي آمن بها اليهود فظنوا الكيان الصهيوني هو مركز التوراة، وأن قوة إسرائيل العنصرية للدفاع عن التلمود.
دول الخليج تتحرك ناحية الرخاء والرفاهية، رغم كل الأخطاء والسلبيات، وربما بعد أقل من عقد تصبح دولة خليجية واحدة، وعلى إيران أن تبدي حسن النية، وأن تنسحب من الجزر الإماراتية، وأن تنهي إلى غير رجعة الوهم الفارسي في مملكة البحرين.
حماقات كثيرة يمكن أن تشعل الخليج، ومنها استعراض العضلات الأمريكي والإيراني، والصراعات المذهبية، والحوارات الطائفية، وتصدير الثورة الإسلامية، وأخطاء العرب الذين يظنون أن الدولة العبرية أقرب إليهم من طهران، وأيضا الذين يتوهمون أن واشنطون ستحميهم من قوة إيرانية لو أشعلها الأمريكيون حربا فربما تنتهي أحلام الرخاء الخليجي، ويتفكك عقد دول مجلس التعاون الخليجي.
الحوار الإيراني العربي بغير شروط، وبغير تأثير أمريكي أو أحاديث طائفية يمكن أن يكون المدخل لتهدئة خليج يكاد يشتعل من جديد!
لا يتغير كثيرا الاختبارُ الذي تعقده السماءُ لأهل الأرض، فهو مكون من سؤال واحد، سهل وبسيط ومنطقي وعقلاني، تعثر على اجابته في الدين وفي المنطق وفي تاريخ الشعوب وفي مفردات الوطنية، وإذا بحثت داخلك في أي ركن من أركان تلك النفس اللوّامة فستعثر عليه حتى لو كانت الاجابةُ مختبئةً خلف الشرف أو الكرامة أو الجوع أو الفقر أو حب الوطن أو حتى روح الله الني نفخ منها فيك فجعلك خليفتَه في الأرض. سؤال واحد تنجح في اجابته الصحيحة شعوبٌ كثيرة، لكننا، نحن المصريين، كلما سمعناه وضعنا أصابعَنا في آذاننا، وكلما جلسنا أمام ورقة الامتحان المكوّنة من هذا السؤال فقط، ضحكنا حتى الثمالة، أو ألقينا النكات، أو بحثنا عن لبن العصفور قبل الاجابة، أو تحدثنا عن القضاء والقدر وأهمية طاعة ولي الأمر. سؤال واحد لأكثر من ربع قرن، وكلما دخلنا قاعةَ الامتحان، ووقفت شعوب الأرض كلها تشاهدنا ونحن نحُكّ رؤوسَنا، ونقطب جبيننا، ونستعين بالتاريخ والجغرافيا والعقل والدين والوطن والحب والارتباط بالأرض وعيون أولادنا ومستقبل أجيال من بعدنا، نخرج من قاعة الامتحان، وقد فغر كل منا فاه، وعاد إلى بيته لينتظر الموعد التالي للامتحان، فالتوقيت مفاجأة، والسؤال لا يتغير! سؤال ينتهي بعلامة استفهام تغطي كل شبر في أرض مصر، ثم تطير لتحلق فوق كل مصري في أي مكان في العالم! سؤال يأتيك محمولا على الكرامة، فتزيحها جانبا! ويقترب منك مغلّفا بحب الوطن فلا تراه .. ولا تراها، لكنك تتغنى بها في مباريات كرة القدم فقط! ينحشر في طوابير الخبز، ويتقاتل المصريون للوصول إلى حافة المخبز، فيختفي السؤال أو يحترق في لهب الفرن. يقفز السؤال وأنت تستعرض في صحف يومية، غير راض عنها سيد القصر، فتراه في مئات المقالات والتحقيقات والحقائق، فتُنحي الصحيفةَ جانباً، ولا تجيب عليه. يقف مَْنْ كان ممثلا للعدالة يوما ما، ويحدّق في عينيك السابلتين والمتعبتين، ثم يحشر لك السؤال في حُكم البراءة لمالك (العبّارة سلام 98 )التي ألقت لأسماك القرش في البحر الأحمر بمئات من أبناء بلدك وربما بعض أهلك وأحبابك، فتعطيه ظهرك، وترفض أن تجيب على السؤال. يقف أمامك فيروس الكبد الوبائي شامخا، معتزا بقوته وقدرته على الاطاحة بربع سكان مصر، ومنهم بعض أفراد أسرتك أو حتى فلذات كبدك، ثم فجأة يُلقي الفيروس في وجهك بالسؤال نفسه، فترفض الاجابة عليه بحجة أن هراوة رجل الأمن، وطاعة ولي الأمر تقفان حاجزين متينين لمنعك من الاجابة على السؤال. هل سمعت عن تلك التلميذة التي كانت تترنح في فناء المدرسة، فلما سألتها حضرة الناظرة عن سبب التعب والارهاق الباديين على وجهها النحيل، فتجيب بحشرجة، تحمل لك نفس السؤال: لأنني لم أتناول طعام الافطار اليوم، فهو دور أخي الصغير، وغدا سيذهب إلى المدرسة بدون افطار، أما أنا فموعدي مع الطعام صباح الغد؟ هل سمعت عن مصري واحد .. واحد فقط لا غير، في قلبه ذرة شرف أو جُزيء حُبّ، أو روح مَنْ كرمه الله، لم يلعن أسرة مبارك وعهده ونظامه وعصابته ولصوص الوطن وابن الرئيس وأصدقاء ابن الرئيس سبعين مرة في اليوم ومثلها في المسجد أو الكنيسة أو حتى فوق وسادته المبلله بدموعه على المستقبل الأسود لكل من جاء من صُلبه وسيعيش عهد نسل مبارك؟ سؤال أتحدى من يقول بأنه لم يره، أو يسمعه، أو يَشُمّه في أي مشهد على أرض مصر مهما صغر .. في الشارع، وفي عيادة الطبيب، ومع سائق سيارة الأجرة، وفوق سعر كيلو اللحم، وفي كل رشفة مياه ملوثة، ومع صرخات طفل أصابه سرطان من مزروعات عهد الرئيس، ومع ربة بيت تنزلق دموعها وهي تحاول أن تنظم في عملية اقتصادية معجزة البقاء حتى نهاية الشهر دون أن يتضور أولادها جوعا! سؤال رسب في الاجابة عليه الإخوان المسلمون والشيوعيون واليساريون والقوميون والدينيون واللادينيون والأقباط والناصريون والمستقلون والقضاة والمحامون وأساتذة الجامعات والطلاب ورجال الدين، الإسلامي والمسيحي، والإعلاميون والمقيمون والمهاجرون! سؤال عجز عن الاجابة عليه العاطلون عن العمل بملايينهم، والجوعى، والمرضى، ورجال الجيش وشرفاء الوطن من أجهزة الأمن، ورجال السياسة والمعارضة وأصحاب القلم، وأهالي منكوبي (العبّارة) الغارقة ومسرح بني سويف وقطار الصعيد. سؤال وضعه رجال مبارك في كل عصا تدخل دبر مواطن مصري، وأحيانا يستبدلون بها في قسم الشرطة سلكا كهربائيا لعله يساعد على الاجابة عن السؤال، ولكن مصر .. أم الدنيا القادرة على حمل كل رسائل السماء لأهل الأرض لم تستطع أن تجيب عليه، ولا يزال أهلها كلما سمعوا السؤال صكّوا وجوههم وقالوا: عجوز عقيم. سؤال بعد حريق مجلس الشورى، وأكل النيران وثائق ومستندات يستعد لأن يقفز في وجوهنا قريبا، وسيجلس نيرون في شرفة قصره بشرم الشيخ وهو يقرأ، ويضحك، ثم يستلقي على غضروفه الذي آلمه طويلا، فالتقرير من وزير الداخلية عن تفاصيل عملية قادمة لاحراق القاهرة، واشعال النيران في المحاكم والجامعات والمكتبات ودور العبادة والشهر العقاري وكل تاريخ مصر، ومع ذلك فلم يتمكن المصريون من الاجابة عليه. كان السؤال: ما هو الحد الأقصى لما يحدث لك ولبلدك ولأهلك حتى تغضب؟ ولأننا جميعا رسبنا في الامتحان مئات المرات في أعفن وأنتن وأحط عهود حكم مصر منذ بناة الأهرام، فقد تم استبدال السؤال ليصبح: هل يحرقنا مبارك قبل أن نحرقه؟ أرى في الأفق من بعيد ألسنة لهب مصحوبة بضحكات لا أدري إن كانت للملائكة أم للشياطين، وأكاد أتبين فيها صوت مبارك، الأب أو الابن، لكنني لا أعرف إن كانت ستلتهم مصر أم قصر الرئيس!
الأنبياء والرسل والمصلحون والكبار فقط هم القادرون على التواضع، أما الذين سرقوا مقاعد البطولة فليسوا أكثر من عبيد في ملابس الأسياد، وصغار يمدون رقابهم ليظهورا أطول من الحقيقة. نيلسون مانديلا رسول لم تتنزل عليه من السماء رسالة، وإنسان رائع لو قابلته مرة واحدة فسيحزنك فراقك إياه ولو استغرق اللقاءُ عدةَ دقائق. قالت لي امرأة من جنوب أفريقيا بأنها التقته مصادفة في الشارع ومعها طفلها الصغير، فاحتضنه، ثم انتهى اللقاء في لمح البصر أو أقل.
وبعد عام كانت في احتفال كبير في كيب تاون، وكان هناك آلاف من العائلات والأطفال، السمر والبيض، والجميع يتسابقون لتحية مانديلا، ولمح طفلها الصغير من مسافة قريبة، فتذكر اسمه وصافح والدته، رغم أن الزعيم الأفريقي كان في الثمانين من عمره!
في مؤتمر الكراهية الذي نظمه الكاتب الفرنسي إيللي فيسيل بالعاصمة النرويجية، كان الحاضرون من أهم الشخصيات العالمية، وتمنّى منظمو المؤتمر أن يخرجوا بادانة للكراهية في الشرق الأوسط، وكان التركيز على الفلسطينيين.
كان هناك الرئيس التشيكي فاكلاف هافل، والأمريكي الأسبق جيمي كارتر، ورئيسة وزراء النرويج جرو هارلم برنتلاند، والكاتبة من جنوب أفريقيا نادين جورديمر، وأكثر من عشرين يهوديا وإسرائيليا.
أما العرب فمَثَّلَهم حنا سنيورة من فلسطين، والدكتور منصف المرزوقي من تونس، واعتذر الدكتور بطرس غالي عن الحضور.
نيلسون مانديلا كان حاضرا بوعي وذكاء ودهاء، واكتشف اللعبة منذ الدقائق الأولى، وأدان إسرائيل، فهو لا ينسى التعاون الوثيق بين نظام الأبارتهايد العنصري وبين حكام تل أبيب.
واكتشف اللعبةَ أيضا الدكتور منصف المرزوقي، فالقى كلمة عن اشراقات الحضارة العربية جعلتني أكاد أطير فرحا فهذا المفكر والطبيب والأستاذ والأكاديمي والحقوقي التونسي يجعلني أشعر بفخر شديد وسط هذا الحشد.
وانسحب المرزوقي بعدما تبين له أن هناك اشارات لدعم إسرائيل، والغريب أن إعلام الرئيس زين العابدين بن علي فتح وصلة ردح وذم واستهجان، وكشف عن وجه قبيح عندما أمره سيده بأن يتهم الدكتور منصف المرزوقي بحضور مؤتمر صهيوني، وهو نفس الإعلام الذي أرسل تهنئة لطاغية بغداد بانضمام الكويت إلى الوطن الأم، أي جمهورية الرعب العراقية.
السبب أن الدكتور منصف المرزوقي كان قد وجه إدانة شديدة لغزو العراق جارته الصغيرة، مما اعتبره الرئيس التونسي مناهضا لرأيه، فزين العابدين بن علي كان النسخة الثالثة من البشير وعلي عبد الله صالح الداعمين لتقاسم الكعكة الكويتية مع صدام حسين.
أجريت لقاءً سريعا مع المناضل الكبير، وفيه عرض الوساطة، وقال لي بأنه قادر على اقناع صدام حسين بالانسحاب من الكويت.
جريت بعد الحديث، وصُغْتُه كتابةً، وأرسلته للزميل ناصر العثمان المشرف العام على صحيفة ( الشرق ) القطرية، والذي نشره في الصفحة الأولى، ولكن لم يستجب أحد لا في بغداد ولا في عالمنا العربي، تماما كما فعلت جامعة الدول العربية عندما أهملت مبادرة الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، رحمه الله، وانتفخ طاغية بغداد حتى ظن أنه قادر على احتلال الكون كله بفضل المنافقين والأفاقين والجبناء والمسؤولين وأصحاب القلم.
كان احراجي شديدا من تواضع نيلسون مانديلا، وكانت تبرق في عينيه معان لمشاعر دافئة وهو يقول لي بانه يحب العرب حبا شديدا.
المصادفة الغريبة أن القنصل العام المصري سليمان عواد ( سفير مصر لاحقا لدى الإتحاد الأوروبي في بروكسل، ثم المتحدث الحالي باسم رئيس الجمهورية في القاهرة)، كان قد عرض على مانديلا نفس السؤال، فاستحسن بشدة، وأكد أن بامكانه اقناع صدام حسين بالانسحاب من الكويت.
لم يكن سجينا عاديا، كان يقاوم العنصرية وسجانيه بشتى الطرق، حتى عندما كان يعمل في الأشغال الشاقة ويريد أن يرفع حجرا، فتأتي حركاته البطيئة جدا كنوع من الاحتجاج، فهو يرى أن ادخال السرور على السجّان نوع من المهانة والاستكانة.
كيف أقنع مانديلا البيض بأن يبكوا، ويلطموا وجوههم، ويستخرجوا من أعماقهم ذكريات كادت تتلاشى عندما عاملوا السود معاملة الحيوانات أو أقل.
كان رائعا عندما انتزع الغل من نفوس السود المضطهَدين، ووقف في وجه أحقاد وكراهية وبغضاء لو انتشرت وخرجت إلى العلن بعد سقوط النظام العنصري فكانت حاجزا وجدارا سميكا منع مذابح لو قامت لأبيد البيض عن بكرة أبيهم. صحيح أنه لم يكن يملك حلولا اقتصادية واجتماعية وأمنية، ووقف عاجزا أمام الجريمة، ولم يفعل الكثير للقضاء على الفقر والمرض، ربما نجح في نصف الطريق ضد الإيدز، لكنه أنقذ دولة من براثن أحط وأعفن الأنظمة العنصرية في العالم، وأتذكر الآن طبيبا أبيضا من جنوب أفريقيا حكى لي بأنه اضطر لمصاحبة رجل أسود إلى طبيب أسنان وهو صديق منذ الطفولة، فغضب الأخير وقطع علاقته به نهائيا لأن دخول رجل أسود إلى عيادته تدنيس لها واهانة لم يقبلها ( الصديق )!
عيد ميلاد سعيد للمناضل الكبير .. رسول أفريقيا للسلام والمحبة والمقاومة والمساواة بين البشر.
أخيرا سيتشرف التونسيون ويضعوا رؤوسهم تحت قدميّ السيد الرئيس لفترة رئاسية خامسة، ولكن هذه المرة ربما يعزّ على زين العابدين بن علي أن يجعل نسبة النجاح أقل من 100% وهي النسبة التي وضعها صدام حسين لتصل المهانة للشعب إلى ذروتها. موعدنا العام القادم، 2009، فهي السنة التي سيحتفل فيها العقيد بمرور أربعة عقود على الفاتح من سبتمبر، وتكون قد مرت ثلاثون سنة على قبضة الرئيس اليمني حول عنق المواطن اليمني. مبروك مقدما للهدايا التي ستنهال على المحررين وأصحاب القلم وعلى الصحافة الفرنسية والبلجيكية وغيرها في اعلانات دفع قيمتها شعبُنا التونسي. الشيء الذي يدهشني في الطاغية أنه يستطيع أن يحملق في عينيك، ثم يبتسم كالذئب في رواية ذات الرداء الأحمر، ويقول لك بأنه لا يوجد لدينا سجين سياسي واحد، فهل لك أن تذكر لي اسماً واحداً؟ الطغاة مُدَرَّبون تدريبا جيدا على الانتقال السريع من الأنياب إلى الأسنان، ومن اغتصاب المواطن إلى مصافحة عامل فقير في حفل جماعي أمام وكالات الأنباء،ومن بناء سجون جديدة إلى افتتاح مشروع لدعم الطبقة الكادحة، ومن أوامر حاسمة بالقاء المعارضين في مقبرة جماعية إلى حضور حفل خيري لصالح المعاقين. نظام بوليسي مخيف يرفض كلمة نقد صغيرة في كتاب ضخم بالفرنسية لن يقرأه من التونسيين إلا حفنة تُعَدّ على أصابع اليد الواحدة. عندما نشر جان دانييل رئيس تحرير لو نوفيل أوبسرفاتير سطرين عن الثقافة البوليسية في تونس، تحولت الدولة كلها التي كانت تقف معه طوال سنوات مديحه لزين العابدين بن علي إلى الناحية المضادة، وألغيت المواعيد مع الأصدقاء، واتصل به وزير الثقافة مبلغا إياه استياءه الشديد، وقررت الحكومة التونسية أن تبيع مكتبة واحدة فقط كتاب ( جان دانييل) فهو لن يصبح في متناول أيدي التونسيين، لكن الرئيس يستطيع أن يضع أصابعه في عيون من يدَّعي أنَّ الكتابَ تَمَّتّْ مصادرتُه. وتلقىَ جان دانييل دعوة مجددة لزيارة تونس لحضور معرض صور فوتوغرافية لزوجته بمناسبة ( ايام ميشيل فوكو) التي يُنظمها المركز الثقافي بقرطاج. لكن أجهزة أمن بن علي لا تضاهيها أو تتحداها أجهزة أمنية أخرى في العالم العربي، فلم يرُق لها أن ينحشر كتاب جان دانييل في فعاليات ثقافية، فقام رجال الرئيس بالغاء المهرجان برمته، واعتذرت السفارة الفرنسية عن دعوة جان دانييل، أما السيدة جليلة حفصية مديرة المهرجان الثقافي فقد احيلت إلى التقاعد! ديكتاتور لا تنفع معه كل المساومات، ويقضي المرءُ في خدمته سنوات طويلة يكاد يلعق فيها حذاءه، فإذا أخطأ مرة واحدة عن غير قصد فعليه أن يجلس بعدها في بيته يبكي زمنا كان فتاتُ السُلطةِ في فمه، وقبضتُها يبطش بها من يشاء. الدبلوماسيون التونسيون في الخارج يخشوّنه أكثر من خشيتهم رب السماء والأرض، وإذا علمتْ استخباراتُه أنَّ أحدهم رفض معاقرة الخمرَ في حفل بهيج، فربما يتم استدعاؤه إلى تونس، فالدبلوماسي تتحرك داخله بذرةُ التَدَيًُّن. رئيس الوزراء الفرنسي الأسبق جوسبان أبلغ الرئيس التونسي بأن خياره الأوروبي يعني التمسك ببعض القيم الديمقراطية وحقوق الإنسان، ولكن لفخامته أذُناً من طين وأذناً من عجين! في المؤتمرات الصحفية يتم اختيارُ الصحفيين الذين يستطيعون تنميق أكثر عدد من الأكاذيب، وهنا يشترك مع بن علي كل الطغاة، فليس المهم ما يقوله الطاغية، ولكن الأهم ما يكتبه المتزلفون والأفاقون القادرون على جعل الهراء والخرافات والتدليس عبقرية، والذين يصفون القيود الحديدية بكل أوصاف الحرية والديمقراطية والكرامة. فيه غطرسة وعنجهية وكبرياء تلتصق بكل صفاته المستبدة، وعندما بدأ التجهيز لدعوة أمريكية لعلها تكون خرزة في عيون الفرنسيين الذين لم يُقَدّروا بطلَ التغيير، طلب بن علي أن يكون هناك حفل عشاء على شرفه في البيت الأبيض، لكن الرئيس الأمريكي بيل كلينتون عرض غداء عمل للضيف الذي رفض الحضور،( هذا ما أكده نيكولاي بو وجان بيير توكوا في كتاب صديقنا الجنرال )،سخافة تقرأ فيها مختصرا لقيمة الرجل في مرآة نفسه. زين العابدين بن علي في طبعته الجديدة مختلف تماما، فهو النموذج الذي تراه أوروبا أقدر على محاربة القوى الإسلامية، وتناسى الجميع أن الرئيس التونسي عدو لكل من يناهضه وليس للإسلاميين فقط، حتى الممثل الذي قام بتقليده، تعرّض لمحاكمة ظالمة ثم زُجَّ به إلى سجن للتأديب. كان قد كذب على شعبه وطالب بأن تكون ولاية حكم الرئيس مرتين فقط ( تماما كما فعل الرئيس حسني مبارك في نهاية ولايته الثانية)، ثم بعدما ذاق شهد السلطة قرر تعديل الدستور ( ألم يكن مجلس الشعب السوري نموذجا للتزييف والتزوير في إرادة الأمة فقام بتعديل الدستور في ربع ساعة ليناسب فخامة ابن الرئيس؟ )، فجعل زين العابدين بن علي الولايات لا نهائية، أي أنه الرئيس مدى الحياة، وليشكر التونسيون ربهم لأن فخامته سيدوس على رقابهم حتى يمسك عزرائيل رقبته! في سجون تونس وتحت أقبيتها عالم مَنْسيٌّ تعجز عن وصفه حكايات مليكة أوفقير المغربية، أو نزلاء سجن أبو غريب العراقي. لكننا في عالم من الأنانية والنفاق والخوف والجُبن والجشع، وأي تقرير ضد سيد قصر قرطاج سيجد مئات المدافعين عن سوط الرئيس، وأضعافهم سيهللون لانجازاته، والغرب سيغمض عينيه مادام الرئيس التونسي يؤكد لهم نظرته الثاقبة في التخلص من الإسلاميين، فتخلص من كل عاشقي الحرية ولو كانوا في الجانب المناهض للقوى الإسلامية. كيف نقيم سرادق عزاء لشعبنا التونسي، وبعض الحمقى لن يفهموا أن موت الكرامة يستحق العزاء، فهم يحتفلون بالسياحة وحرية المرأة ورصف الطرق، أما صرخات آلاف المعذبين تحت الأرض، وكلمات أبي القاسم الشابي، فلن يسمعها من يعطي أذنيه فقط لضحكات وقهقهات السياح الفرحين بالشمس الدافئة لتونس الخضراء!!
كل طاغية يؤمن أنَّ يوم الحساب الشعبي لن يأتيه قبل أن يلج الجَمل في سمّ الخِيْاط، وكل الذين يراقبون من بعد أو عن كثب هراوة الطاغية وقبضته وطريقة حكمه وعلاقته بشعبه يؤكدون عن يقين أن أيامه أصبحت معدودة، وأن ساعات قليلة تفصل الشعب عن الاحتفال بيوم رحيل الديكتاتور.
والطغاة في عالمنا العربي كالسرطان في جسد الأمة المسجى منذ سنوات طويلة، يعيث فيه فسادا الكثيرون، ولاتوقظه قومية أو دين أو ثقافة أو انقلاب أو مال.
ليس الطغاة كلهم في سلة واحدة، فمنهم من يستطيع أن يدفن شعبه كله في حفرة واحدة، ومنهم من يختار المشاغبين فقط، ومنهم من يجعل كل ثلاثة مواطنين جواسيس على رابعهم، أو كل خمسة طابورا خامسا على سادسهم!
المشهد الطاغوتي لا يخطئه من يعرف ألف باء السياسة، ويستدر الدموع ممن في قلبه ذرة من إنسانية وشرف وكرامة، وصناعة السجن هي الحماية الأكبر للديكتاتور، ولكن ماذا عن الدعم المعنوي والمالي الذي يمنح الشرعية للسوط والزنزانة والتزوير والتزييف والفساد والنهب؟
هذا هو السؤال الذي لم يُجب عنه زعماءُ خليجنا العربي الواقع على مرمى حجر من صواريخ إيران، واضطرابات العراق، وجنرالات الجيش الأمريكي!
بيني وبين خليجنا العربي الدافيء علاقة أكثر دفئا تمتد لثلاثة عقود، وقد أبتعد عن مكان فيه فأعود إليه، وقد أقترب كثيرا من مكان آخر فيزيحني الوشاة وهم كُثْر.
وأرى أن أموال نفط دُوَله ينبغي أن تذهب أولا لشعوبه، ثم يأتي آخرون فيغرفوا منها ما فاض عن حاجة شعوب عاشت مئات السنوات في أرض غير ذي زرع، قبل أن يطل الذهب الأسود برأسه من تحت أقدامهم، ويتحول إلى ذهب أصفر يُسِرّ الناظرين.
دعم مالي لا يذهب إلى الفقراء والمحتاجين في مصر وسورية وتونس والأردن والعراق والجزائر والصومال وغيرها، ولكن يطيل أرواحَ الطغاة، وتزداد السجون، وتكثر المعتقلات، ويتم اغتصابُ أبناء الوطن المسكين في أقبية تحت الأرض.
دعم مالي غير مشروط باحترام حقوق الانسان، وباغلاق سلخانات يقوم عليها سفاحون وجزارون، والحجة القائمة غير المقنعة بأن هناك علاقات طيبة وأخوية تربط زعماء دول الخليج بقتلة شعوبهم في دول ثورية تأكل شعارات الوطنية ويهوي على ظهورها سوط الجلاد من قصره المعمور بالكلاب والذئاب والارهابيين.
إنها أموال أعطاها الله لمن صبروا قرونا طويلة في صحراء قاحلة، لذا فهي حق لشعوب دول مجلس التعاون الخليجي أولا، وواجب عليهم أن يمدوا يد العون للآخرين شريطة أن لا تساهم تلك الأموال في مزيد من العذاب والمهانة والاذلال لشعوب ترزح تحت أقدام مصاصي دماء من قتلة الشعوب.
معادلة صعبة وقاسية وغير عادلة لو تم الحجبُ نهائياً عن شعوب محتاجة، ولكن الحقيقة المُرّة أن المستقبل لن يحمل خيرا من مشاعر الود لمن أطالوا في أعمار الطغاة، وتلك مهمة أخلاقية سامية أحسب أن زعماءنا أو أكثرهم في دول مجلس التعاون الخليجي قادرون على التمسك بها والضغط على الطغاة لتخفيف قبضاتهم من على رقاب شعوبهم.
ألم تكن المصالحة اللبنانية في الدوحة مالية بالدرجة الأولى، أم أن اللبنانيين كان لديهم خيار للاجتماع في موريتانيا أو الصومال أو كازخستان أو أوغندا لتصفية قلوبهم بالقرب من طوابير الفقراء؟
لماذا لا تشترط دول الخليج، همسا وعلى استحياء، أن ينهي من يمُدّ يدَه إليها حالةَ القمع والقهر والتعذيب والاغتصاب التي يمارسها ضد شعبه، وهي شروط انسانية وراقية ومتحضرة، ولا أحسب أن زعيما عربيا سيرفض مليارات من الدعم الخليجي لمجرد التلميح أو التصريح بأن هذه الأموال يجب أن لا تذهب لبناء سجون ومعتقلات واستيراد أدوات تعذيب وتزوير انتخابات.
إن من يساهم في نهب أموال مصارف بلده لن يتوانى عن الاحتيال على دول خليجنا العربي ، فرؤوس الفساد في الأنظمة المستبدة أكثر ثراء من الخليجيين الأثرياء.
هؤلاء الطغاة أيامهم معدودة، لكنها تطول بفضل الدعم المعنوي والمالي، وإنقاذ اقتصاد هش يقوم عليه لصوص.
ومع ذلك وبالرغم من حقن بعض الأنظمة المستبدة بمليارات من أموال خليجنا العربي فإن طوابير الخبز تشهد على وقاحة اللصوص، وبناء السجون والمعتقلات ودفع الآلاف لجوفها من أبرياء ظنوا كأس الوطن ليس علقما فإذا به مشروب سام قدمه الطغاة، وابتسم في وجوههم من يدعمونهم بالمال والمواقف والسياحة وحجب أصوات العرب في بلادهم عن الاحتجاج.
لابد أن تكون هناك طريقة للدعم المالي لا تؤذي شعوبا عربية في أشدّ الحاجة إليه، لكن لا يدخل منها ريال واحد أو دينار أو درهم في جيب المنتفعين بالطاغية.
أنا أرى أن الإعلام لو تلقى توجيهات حاسمة من دول مجلس التعاون الخليجي بأن يفتح أبوابه وشاشاته وفضائياته وصحفه لكشف جوانب الفساد والتعذيب والنهب في دول تتلقى دعما ماليا خليجيا فإن هذه الخطوة ستنزل الرعب في قلوب من أطال النفط في أعمارهم وهم بعيدون عنه.
لماذا لا تحدثنا فضائيات الخليج عن السجون والمعتقلات والتصفيات الجسدية والاغتصاب والمقابر الجماعية في دول عربية أخرى؟
لقد آن الوقت الذي يتحول فيه الدعم الخليجي إلى عمل إنساني شامل، وأن يحمل الدينار والريال والدرهم قيمة أخلاقية فيدخل في جيب الشقيق العربي المحتاج، ولا يتسلل إلى حساب سيد القصر وذئابه.
قبل أن توجه شعوب ترزح تحت الطغاة اللوم والعتاب لزعماء دول مجلس التعاون الخليجي، يجب أن تكون قيمة برميل النفط الأخلاقية أكبر من القيمة المالية.
تُرَى أيّ زعيم طاغية نام ليلةً هانئة بعد قرار اتهام الرئيس السوداني عمر حسن البشير بارتكاب جرائم حرب؟ عندما بثت وكالات الأنباء صورة للرئيس العراقي صدام حسين في سجنه الأمريكي العراقي وهو ينشر ملابسه، كانت الرسالةُ واضحةً وضوح شمس بغداد، وموجهة لكل مَنْ يهمه الأمر. أمّا هذه المرة فليست قوات جورج بوش هي التي تُعدّ عريضةَ الاتهام، إنما محكمة جنايات دولية تملك مئات الوثائق والمستندات والأدلة، فهذا رئيس بلد يتمتع بالحصانة، ولديه آلة إعلامية ستجعل منه بطلا ولو نافس دراكيولا في مصّ الدماء. لسنا بصدد بحث الازدواجية والعين العوراء في التعامل مع قضايا العالم، فأولمرت ومَنْ قبله ومن سيأتي بعده منخرطون حتى الحلق في انتهاكات حقوق الانسان. قضيتنا هي هيبة الطاغية، فإذا تم الانتقاصُ منها، ثم أصبح مطلوبا للعدالة الدولية فأغلب الظن أن أيامه أضحت معدودة. كان هناك رجل اسمه موسى هلال، وهو أحد قادة الجنجويد الذين سلّطهم عمر حسن البشير على السكان في دارفور، وارتكب المجرمون جرائم حرب تنافس النازية، واغتصبوا عشرات الآلاف من الفتيات. وكعادة الطغاة فقد تلقى مكافأة من البشير، وأصبح مستشاراً له ليبصق على أرواح عشرات الآلاف من الضحايا الأبرياء، فالبشير هو أمير بيوت الأشباح التي ورثها عن جعفر النميري .. عرّاب الفلاشا، فتفوّق عليه في جعل السودان جحيما لا يفيد معه صبر السودانيين المرتوين من نهر النيل العظيم. إذا أردنا أن نتضامن مع شعبنا السوداني، فعلينا الموافقة على تسليم البشير فهذا ليس تقليلا من شأن العرب أو امتهاناً لكرامتهم، إنما هو إعلاءٌ لشأننا، ودرس لكل ديكتاتور بأنه عندما يقف خلف قفص الاتهام سيكون شعبه كله مع عدالة المحكمة. مئات من الأطفال انْتُزِعوا من أحضان أمهاتهم ليخوضوا الحرب في دارفور دفاعا عن حكم عمر البشير.
في أقل من خمس سنوات قُتل 200 ألف سوداني في دارفور، ونزح عن الأرض مليونان ونصف المليون من سكان المنطقة المنكوبة بفعل عصابات قاسية ومتوحشة تتلقى الدعم من الحاكم العسكري في الخرطوم. بعد قتل الرجال كانت عصابات الجنجويد تتجول كذئاب مفترسة حول الأنهار في انتظار ضحايا من الفتيات الصغيرات اللائي اضطررن للخروج والبحث عن المياه. في منتصف عام 2007 حذرت الأمم المتحدة بعد عودة لجنة تقصي الحقائق من كارثة الوضع الذي تسبب فيه البشير، واللجنة كانت مكونة من 18 خبيرا محايدا، لكن الرجل الذي كان تاريخه كله ملوثا بالدماء لم يُعِر التقريرَ أدنى اهتمام. وبحث أكثر من 100 ألف شخص عن المأوى على الحدود مع تشاد، لكن قوات الحكومة السودانية الارهابية كانت تطاردهم بالطائرات. هذا الرجل مجرم بكل المقاييس، وفي العام القادم، الذي يحتفل فيه العقيد معمر القذافي بمرور أربعين عاما على حكم ليبيا، ويجدد فيه الرئيس التونسي لنفسه لولاية خامسة، وربما يلقي جمال مبارك خطبته الأولى كوريث لعرش مصر، يكون الرئيس السوداني قد أمضى في الحكم عشرين عاما بعد انقلاب عسكري على حكومة منتخبة من الشعب في يونيو عام 1989. قام باحراق أراض سودانية في الجنوب على طريقة صدام حسين في الأهوار، وخطط لاغتيال الرئيس المصري في أديس أبابا، وكذلك وضع الخطوط العريضة لاغتيال الرئيس الارتيري أسياس أفورقي، وربما نكتشف أن تحطم طائرة نائبه جون جارانج كانت من وحي تصفيات صديقه صدام حسين الذي كان اسقاط الهليكوبتر هو آخر الحلول، ثم السير في جنازة القتيل. استخدم الدين مع تنظير من حسن الترابي ليخيف به الفقراء، ويدغدغ مشاعر الجماعات الدينية، فالحاكم هو خليفة الله، وطاعته واجبه، وسوطه الذي يلهب به الظهر مدعوم من السماء. ساند صدام حسين في غزوه الكويت، وتلقى من طاغية بغداد مكافأة سخية من البنك المركزي الكويتي الذي نهبه عدي وحثالة حزب البعث العربي الاشتراكي، فرع بغداد. وبعد الاتفاق الذي عقده مع الجنوبيين اقتربت ساعة الاستفتاء الحُرّ في الجنوب، أي عام 2011، والذي سيؤدي غالبا إلى انفصال جنوب الوطن بثرواته وخيراته ونفطه ومياهه، ومن يدري ماذا تخطط إسرائيل لتوجع العربَ مائياً! بعدما أساء للاسلام في فترة حكمه الارهابي، وقتله الأبرياء بغير حق، وفتح بيوت الأشباح منافساً سجون الوطن العربي كله، وقطع، بحجة السرقة، أيدي بعض الفقراء في بلدٍ لا يجد ثلثُ سكانه طعامَ العشاءِ ضمن كراهية جنوبية شديدة لدين ظنوا أنه منعهم حقوقهم. رفض رفضاً قاطعاً رفع الظلمِ عن آلاف المعتقلين الأبرياء، وشهد سجن كوبر السوداني نماذج من التعذيب كادت ترقى إلى معتقلات أبو سليم الليبية، والاستئناف المصري، وجفرا الأردني، وتدمر السوري، وأبو غريب العراقي، وتزمامارت المغربي، ووهران الجزائري، والأمن العام في تونس .. الخضراء! قضى على عدد كبير من محاولات الانقلاب، ونجا بمعجزة في انقلاب مايو عام 1990 الذي قاده اللواء عبد الله الكدرو، واللواء طيار محمد عثمان حامد، وانتهت رقاب 28 ضابطا إلى حبل المشنقة، وتولّت كتيبة التبرير الدينية من مثقفي السلطة وضع اللمسات الأخيرة على تزييف إرادة السماء بأنها إنقاذ الله لبشيره. وفي عام 1992 فشل أحمد خالد البعثي في محاولة انقلاب، ويعرف السودانيون أن رئيسهم لا يمزح، فالمشنقة وبيوت الأشباح والاغتصاب والابادة الجماعية والضرب بالطائرات والاغتيال والتصفية أمور يقوم بها كما يلوح بعصاه في الهواء. المفترض أن محاكمة البشير تكون يوم عيد لكل عربي حر وشريف، فتحرير السودان مرهون بقفص الاتهام لطاغيته.
في مهمة سرية وعاجلة أرسل الرئيس المصري ابنَه جمال مبارك للقاء الرئيس السوري في عاصمة الأمويين. وفي جلسة خاصة بمنزل طبيب العيون الشاب كان لهما حوار لم تستطع آذان الجدران أن تلتقط شطرا منه، لكننا تخيلناه كالتالي:
بشار الأسد: أرى بينك وبين بلوغ نصف قرن من عمرك أقل من نصف عقد، ومع ذلك فلا تزال في مكانك لا تبرحه إلى القصر الجمهوري لتصبح السيد الأوحد والمطاع وفرعون مصر! أما أنا فقد قام مجلس الشعب في ربع الساعة بتغيير الدستور لأجد نفسي الرئيس الابن بعد أن كنت ابن الرئيس، وصفق ممثلو الشعب حتى تورمت أيديهم. في دقائق معدودة تحول استحمار العبقرية إلى عبقرية الاستحمار. جمال مبارك: ومن قال لك بأنني لست سيد القصر؟ الفارق بيننا أنك تحكم وروح والدك الراحل تحلق قريبا من السوريين، فإذا رفعوا رؤوسهم لمشاهدتها رأوها في صورة (حماة ) أو سجن ( تدمر)، وإذا خفضوا رؤوسهم صفعتهم أسواط أجهزة قمع تجعل الإسرائيليين يقولون بأن هذه شعوب لا خطر منها علينا. أنت توليت الحكم كأن ستالين كان حاضرا الجلسة، أما أنا فلي أجندة أمريكية لتزيين نقل السلطة، وتخدير الشعب بفرح الديمقراطية الظاهرة. أنت تنصب المشنقة لمن يعترض على توليك السلطة، أما أنا فصناعة الرِقّ لديَّ أهم وأبقىَ، ووضعُ صورتي في إطار مستقبل مصر كخيار وحيد هو نتاج توجيهات البيت الأبيض. الواقفون في طوابير الخبز ليس لديهم وقت لرفاهية البحث عن غيري، أما في سورية فقد كانت معروفة بأن من يستيقظ باكرا يتولى الحكم، والآن لم يعد أحد يستيقظ مطلقا إلا أن يهرب إلى عاصمة النور.. الأم الحنون لجارتكم الباحثة عن رئيس .. ثم الحائرة في تشكيل حكومة محاصصة يظن كل وزير فيها أنه الرئيس! أنت استبدلك والدك الراحل بشقيقك الراحل، فهو يعرف أن ختم الموافقة تم لصقه في ألسنة وأكف أعضاء مجلس الشعب، ولو رحل وأنت في العشرين من عمرك لتولى أحد أعمامك وصاية العرش حتى تبلغ أشدك. أما أنا فوالدي صانع للكذب، وماهر في مسح ذاكرة المصريين. يقول لهم بأنه لم يجد الرجل الثاني بينهم، فهو يقوم باعدادي على نار هادئة، ويحتقر صانعي أولى حضارات الأرض، ويقْسِم لهم بأنه لن يجدد لولاية ثالثة، فلما جدد لنفسه الخامسة كانت ذاكرة صانعي الفهلوة وداهني الهواء دوكو قد انشغلت بعدد المسامير في رغيف الخبز لو توفر بعض منه. لقد قمنا بتخدير المصريين عندما أقنعنا صانعي الكلمة فيهم بأن جمال مبارك لن يصل إلى الحكم، رغم أنني فعلا وقولا الزعيم الشاب الذي يجلس على يمين الزعيم المريض.
بشار الأسد: في كل الأحوال فنحن في الإقليم الشمالي للجمهورية العربية المتحدة نتفوق عليكم في صناعة الرعب، ونجعل السوري يخشى الحديث عنا في فراش الزوجية، وقوتنا في أجهزة الأمن التي يستطيع الضابط فيها أن يحصي عدد الأسنان المسوّسة لأي مواطن دون أن يرفع الأول حذاءه من فوق مكتبه، وقبل أن يَمْثُل الثاني بشحمه ولحمه ورعشة ركبتيه معتذرا في مكتب ضابط الأمن عن أشياء لم يرتكبها قبل أن يصبح في عداد المفقودين. نحن نستطيع أن ندفن عدة مئات من السوريين في حفرة واحدة نصف قطرها يعادل أحزان قلب العروبة كلها، ولن ينبس سوري ببنت شفة. في سجوننا ومعتقلاتنا آلاف لا يعرف الجن الأزرق مكانهم، ولو حفيت أقدام أمهاتهم وآبائهم في جميع أقسام الشرطة بحثا عن رائحة فلذات أكبادهم لَما كلف أحدٌ نفسَه الرد عليهم إلا أن يسيل لعابه لما تم دفعه من إتاوة بلطجة، تماما كما كان النصابون والوسطاء يفعلون إبان احتجاز الرهائن الكويتيين، فيدّعي كل محتال أن له قريبا شاهد كويتياً في زنزانة بقبو في عاصمة الرشيد، فيبتز أمّاً جفت عيناها وأبيضت من الحزن والكمد! نحن نُطعم شعبنا مفردات وطنية تكفي لتحرير العالم كله من ربقة الاحتلال والاستعمار، لكننا نحجر على عقولهم أنْ تفكر في ضرب إسرائيل للبنة المشروع النووي السلمي أو التحليق فوق القصر الجمهوري بدمشق. جمال مبارك: أنتم تلاميذ في القمع مقارنة بوالدي وأستاذي ومعلمي في ربع قرن قادم بعدما يقع المصريون بين براثني. نحن نحكم بالحديد والنار ومساحة ظاهرة من الديمقراطية المزيفة والمصنوعة في المكتب البيضاوي بتوجيهات سيد الكون ، لكن ضباط الأمن وزبانية التعذيب لديهم أوامر صارمة وحازمة من والدي بأن يفعلوا بالمصريين ما لم تتجرأ أن تفكر فيه كل قوى الاستعمار القاسية في تاريخ مصر مع المحتل الأجنبي. هل سمعت عن مواطن يتم تهديده إذا حاول كلب أن يفترسه في الزنزانة، واصاب الكلبَ مكروه؟ طبعا لم تصل إليكم، صديقي الرئيس الشاب، هذه الحكاية، فالمواطن المصري لم يصدق أن عالم الذئاب يمكن أن يصل انحطاطه إلى هذه الدرجة، ودخل الكلبُ عليه، وحاول المسكين أن يخفي وجهه لئلا ينهش أنفه أو عينيه، وكان خوفه الأكبر أن يصيب الكلبَ مكروه، فتتم مضاعفة العقوبة. هل سمعت عن تهديد مواطن لأنه يضم فخذيه ورجال أمننا يغتصبونه، ويعتبرون عمله هذا مقاومة غير مشروعة لجهاز أمن الدولة؟ نحن نحكم ثمانين مليونا، وزعيمنا مريض، وكل مصري يحمل في جوفه كراهية لنا ولحُكمنا ولأسرتنا لو تفجرت في مظاهرة أو عصيان مدني أو انتفاضة لسحلونا مثلما كان العراقيون يفعلون في كل زعيم يزيحه انقلاب عسكري، وكل عراقي يغضب عليه سيد القصر. أجهزة أمنكم في سورية تلامذة ضعاف وساذجون لو قارنتهم بأحفاد الفراعنة. لو استمعت لنبضات قلب مصري عائد لمطار القاهرة، وسوري يسلم جواز سفره في مطار دمشق لفاق رعبُ مواطننا على خوف مواطنكم أضعافا كثيرة.
بشار الأسد: يبدو أنك، أخي الرئيس وابن أخي الرئيس، لا تعرف عن صور القمع في سورية إلا النزر اليسير، أو ما طاف منها على السطح! هل سمعت عن مواطن يتم تحديد دقيقيتن ونصف الدقيقة لكي يقضي حاجته، ويقوم السجّان بالطَرق المستمر على باب المرحاض حتى يشتت فكره، فإذا عاد إلى الزنزانة ولم تطعه معدته، فعلى زملائه أن يساعدوه في التبرز في كيس بلاستيك أو زجاجة فارغة! هل سمعت عن زوجة تتلقى في الغربة رسالة من أجهزة أمننا تعطيها الأمن والأمان إنْ عادت إلى الوطن، فالمطلوب زوجها فقط، فإذا عادت فقد وقعت في براثننا رهينة حتى يقوم زوجها الهارب بتسليم نفسه، تماما كما تفعل السلطات اليمنية عندما تحتجز أطفالا لم يبلغوا الثانية عشرة من العمر، ويقضي الأبرياء شهورا أو سنوات مع المجرمين والشاذين فيضطر الأب لتسليم نفسه. إننا لسنا تلامذتك، أيها الفرعون الصغير، فيمكننا ضرب مدينة بسلاح الطيران، ومحو آثارها من الوجود، ودفن أهلها تحت الأرض، فيكتب صانعو الكلمة وأطراف أصابعهم ترتعش بأن أسدهم يزأر في وجوه الإرهابيين، حتى لو كان هؤلاء الإرهابيون أطفالا لم يتخلصوا بعد من حفاظاتهم؟ يختفي عشرات أو مئات في مصركم فتصم آذانَكم لجانُ حقوق الإنسان، أما نحن في سورية الأسد فيختفي عدة آلاف ولا تستطيع جهة واحدة أن ترفع سبابتها أو إبهامها احتجاجا أو تذمرا أو عتابا خفيفا. صحيح أنه بفضل قسوة والدك وتحَجًر قلبه ودموية فكره ترسل الولايات المتحدة الأمريكية متهمين لأرض الكنانة لكي ينتزع رجال أمنكم منهم الاعترافات التي يعجز عن فعل مثلها متمرسو التعذيب في جوانتانامو أو أبي غريب. لكننا لو أردنا حفر مقبرة جماعية تتسع لكل أبناء سورية فسيعترف مرشدو الأمن ومخبروه وزبانية القهر في مصر بأنهم تلاميذ يتعلمون من نظرائهم السوريين. سترتد الروح إلى صدام حسين ، ويظهر في دمشق معتذرا بأنه وافق على تتويجه رائد المقابر الجماعية بعدما دفن ربع مليون عراقي تحت أرض الرافدين. جمال مبارك: أنت تعترف بنفسك بأن الأمريكيين يرسلون متهمين لنزع اعترافاتهم في أقبية تحت الأرض، وكان هذا في عهد والدي الرئيس حسني مبارك بطل الضربة الجوية الأولى، أما في عهدي فسيأتينا رجال أمنك ركّعاً سُجَّداً يبتغون دروسا في فنون التعذيب وصنوف القمع لم تعرفها سورية في تاريخها الحديث. هل سمعت عن ضابط أمن يجبر مواطنا مصريا في قسم الشرطة أن يلعق عضوه التناسلي؟ هل تناهى إلى سمعك أو بصرك مشهد مواطن مصري يقوم مأمور القسم بصب الكيروسين على جسده وهو نائم في التخشيبة ليشعل فيه النار؟ ربما تكون حكاية المصري الذي أجبرناه على ارتداء ملابس نسائية، وأخرجناه في الحارة ليعرف قيمة نفسه وقيمة كل مواطن في عهد أسرة مبارك، فأصاب شلل والدته بعدما شاهدت ما تمنت أن تموت قبل أن تقع عيناها عليه. إنني ووالدي نتحدى كل الطغاة أن يمارسوا ربع أو خُمس أو عُشر ما نقوم به ضد أبناء الشعب المصري، ومع ذلك فكل ضابط أمن ( تقريبا ) في مصر على استعداد لأن يقف أمام جمعية حقوق الإنسان أو وفد من منظمة العفو الدولية أو حتى في فضائية عربية ليتحدث عن المن والسلوى والشهد في السجون والمعتقلات المصرية، وربما يقول أيضا بأن الطعام يأتيهم ساخنا كل يوم من مطعم مكسيم الباريسي. إننا، أخي الرئيس بشار الأسد، نهدد، ونتوعد دولا خليجية لها أفضال علينا إذا سمحت لمعارضي نظامنا أن يطلوا من الشاشة الصغيرة في فضائية مدعومة خليجيا. ونحن نشتمهم، ونسبّهم، ونسلط عليهم قبضايات الصحافة وبلطجية القلم ، فإذا انتقد صحفي خليجي أو عربي في صحيفة نفطية الشقيقة الكبرى مصر، فإن القصر الجمهوري يهتز كأنه جان، ويتحول بعض إعلاميي السلطة إلى قردة ترقص لصاحبها، ويتحول الإعلام إلى ردح، بل يقف الدكتور زكريا عزمي رئيس ديوان رئيس الجمهورية في مجلس الشعب مطالبا دولة خليجية بالاعتذار عن مسابقة بريئة ظنها إساءة لنا. إن والدي أكثر القادة قدرة على ابتزاز دول الخليج العربية، وهو صاحب عبارة الفتنة الكبرى عندما وصف شيعة الخليج بأن هواهم مع طهران، وحتى عندما علم بالحشود العراقية قبيل الثاني من أغسطس، وهو قائد طيران محنك، رفض أن يصرح للكويتيين بمخاوفه، فالكعكة كبيرة وتتسع لكل الوسطاء والمتباكين على احتلال الكويت.
بشار الأسد: حديثك عن ابتزازكم لدول الخليج رغم مليارات الدولارات التي تنهال عليكم فتدعم اقتصادا فاسدا ولصوصيا يجعلني أضحك على أشياء غير حقيقية بالمرة. فنحن الذين صنعنا الخوف الخليجي منا، وجواسيسنا في كل فندق خليجي، وحتى ساقو سيارات الضيوف يعملون متبرعين لدى السفارات السورية، ونعرف كل ضيف عربي أو أجنبي، ورقم غرفته، وأسماء مضيفيه، وموعد الوصول والمغادرة. ونحن نلعب مع وضد في الوقت عينه، وكل طرف يظن أننا ندعم طائفته، ونحميها في سورية أو لبنان، ولنا دلال على الجمهورية الإسلامية قبل أن تقلب الطاولة على جميع اللاعبين، ولو تجرأ معد برنامج في فضائية خليجية وأساء لسورية فقد ثكلته أمه قبل أن تدخل معدته كبسة عشائه الأخير! إن طابورنا الخامس في دول مجلس التعاون الخليجي أكثر قوة وعددا من كل أجهزة أمن الخليج الدافيء! جمال مبارك: ونحن نهدد بالفنون والآداب والإعلام ، وعندما ظن إعلامي سوري في الخليج أنه أكبر من أي مخبر لدينا منعنا شقيقه من الغناء في أم الدنيا! نحن نمسك ألسنتهم في النايل سات، ويتصل سفيرنا بأكبر مسؤول خليجي يعاتبه، بل ويهدد بالويل والثبور، وبأن العلاقات الأخوية بين البلدين أضحت على شفا حفرة ، وعلى مرمى حجر من الانفصال. أما سعادَتُك في تفوق صناعة العبودية فهي سعادة غير مكتملة لأننا متخصصون في فن انتهاك الكرامة، وعندما هاجم رجالنا عزبة محرم، قمنا باختيار بعض القرويين المساكين ليكونوا كبش فداء أمام الآخرين، وأمرنا بادخال العصا في مؤخراتهم. السلطة القضائية في كل بلاد الدنيا لها كل الاحترام والتقدير إلا ما ندر، أما في عهد والدي فقد محونا المهابة منها، وأوحينا إلى أجهزة الأمن أن تبصق على أحكام ممثلي السماء على الأرض، وأن تختطف من يقوم القاضي بتبرئته فور صدور الحكم العادل، لتعيده إلى السجن مرة أخرى. كان استحسان والدي رسالة واضحة إلى السلطة القضائية وأكثر من عشرين ألف قاض ومستشار بعدما ضرب ضابط الأمن أحدهم بالحذاء. كان الضابط الصغير الذي قال لسكان العمارة : يا ولاد الكلب أستطيع أن أضعكم جميعا في السجن، وذلك في معرض عتاب زوجته على إحدى جاراتها رسالة واضحة من السلطة الأمنية بأن المصريين كلهم ولاد كلب. نحن في مصر مبارك نستطيع أن نُعِدّ زيارة لأجهزة القمع السورية، وحينئذ ستعرفون أن أحفاد الفراعنة مازلوا بارعين في تحنيط المواطن وهو حي يرزق أو لا يرزق.
بشار الأسد: كل الدلائل تقطع بأنك، يا صديقي العزيز رئيس مصر القادم، لا تعرف عن خوف السوريين شيئا، ولو قرأت افتتاحيات الصحف اليومية لهالك الفزع يتراقص من المانيشتات العريضة، أما المَذَلّة اليومية فهي في الصورة الإجبارية لطلعتي البهية. لو أنني وقفت في شرفة القصر الجمهوري بدمشق وبصقت في الهواء على الحشود الملايينية فإن رؤساء تحرير صحفنا القومية سيهللون لعبقرية الخطبة، ولآليء الكلام، وبليغ الفصاحة! لو أن هذا الحوار بيننا تم نشره في المنتديات والمواقع الإنترنتية فإن عيون مرشدينا ومعها عيون الجبناء قادرة على اتهام ناشره بأنه يريد تشويه صورة الحكم الوطني في دمشق، وبأنه يعمل لصالح القوى المعادية والصهيونية. نحن نراقب كل شاب يجلس في مقهي للإنترنيت، ويتبرع في أحيان أخرى صاحب المقهى بمعلومات عن زبائنه لعل ضابطا في الأمن يشكره ويبتسم في وجهه. والآن قل لي بربك ماذا تفعلون مع إسرائيل؟ نحن لدينا جبهة هادئة مر على احتلالها أربعة عقود، وطيران العدو يحلق فوق رأسي دون أن أرفع حاجبي دهشة واستنكارا، ويضرب العمق في المشروع النووي السلمي، وتخرج من تروس المطابع صحفنا تشيد بالموقف البطولي لي رغم أنني كنت أرتعش وأنا اسمع أزيز الطائرات الإسرائيلية يخترق جداريّ الصمت والصوت معا. جمال مبارك: في هذه النقطة بالذات لا تستطيع أي قوة صديقة لإسرائيل الادعاء بأنها خدمت الكيان أكثر من أسرة مبارك! نحن نُصَدّر الغاز للعدو ليستخدمه في كسر عظام إخواننا الفلسطينيين، ونبيع البترول للدولة العبرية بثمن بخس ثم نرفع سعر الوقود في مصر، ونرسل إليهم رئيس جهاز المخابرات بنفسه وسيطا بين القاتل والقتيل في خطة عبقرية وضعها والدي لكي يهين منصب رئاسة المخابرات، ويمسح من ذاكرة الشعب حكايات وبطولات هذا الجهاز الوطني الكبير. وعندما أضرَب عمال الشحن والتفريغ في ميناء إيلات، ساعدنا حكومة تل أبيب بأن فتحنا ميناء بورسعيد الصامدة. ونحن نتعاون أمنيا مع العدو، ولو أن جنرالات وقادة من جيش العبور اجتمعوا لانقاذ شعبهم من براثن أسرتنا فإن الموساد قادرة على إبلاغنا فورا. بعد عودة ضيوف الرحمن الفرحين بثواب الحج وهدايا حملوها لأهلهم وأحبابهم، منعهم والدي من العبور إلى غزة إلا أن يمروا على معبر بين أيدي أجهزة الأمن الصهيونية لتختار من بينهم من ترغب بالقائه في غيابات السجن. وظل المساكين يفترشون الأرض، ولا يعرفون أن التعاون بيننا وبين المخابرات الإسرائيلية كأنه حالة غرام أو توأمة تجتمع على إذلال أصحاب الأرض المنهوبة والمحتلة. نحن نستأذن إسرائيل قبل السماح لفلسطينية حامل أن تضع مولودها في الجانب المصري. إننا، أخي الرئيس بشار الأسد، أكثر قربا لتل أبيب من إيللي كوهين لو عاد حيا. إن إسرائيل تحمي أسرتنا، ونحن نحمي حدودها. الفارق بيننا أنكم أكثر قدرة على استخدام مصطلحات ومفردات وطنية كأنكم في ساحة الوغى، أو كأن جنودكم ترابط على أبواب القدس وتزيل آثار القدم الهمجية.
بشار الأسد: ومع كل ما ذكرت فقد يصاب جندي مصري بجنون الوطنية ويطلق النار على الجانب الإسرائيلي، أما هنا فإن الهضبة السورية المحتلة أكثر هدوءا من حدائق العشاق، ولا يستطيع جندي حدود سوري أن يصاب بجنون الوطنية ولو في أحلامه. قد لا تشعر إسرائيل بالأمن في أي مكان حتى لو كان حافلة قديمة تسير في شوارع القدس العتيقة، لكن الكيان العبري يعرف أن جبهة الجولان كأمواج البحر الميت، وأن أبطالنا على الحدود لا يعرفون إن كانوا يقومون بحماية دمشق أم تل أبيب! جمال مبارك: فتح السجون والمعتقلات لتلتهم أبناء البلد لا يختلف كثيرا عن التعاون مع العدو، ونحن الفراعنة نستطيع من مكتب في القصر الجمهوري بعاصمة وادي النيل أن نقوم بصناعة المومياءات التي أجادها أجدادنا بناة الأهرام. لدينا مومياءات في المكاتب الفاخرة لكبار محرري الصحف القومية، ومثلهم في الفضائية المصرية، وأكثر منهم على مقاعد مجلسي الشعب والشورى. أبو الهول لم يصمت لأنه من أحجار، ولكن لأنه يرهف السمع في انتظار قرب هدير المصريين وهم غاضبون، فظل آلاف الأعوام لا يسمع إلا همساً. هل تريد مني أن أعدد لك بعض وسائل التعذيب التي نلجأ إليها بفضل عبقرية والدي؟ لدينا شتم الأم والأب، ومنع الدواء، والحرمان من الطعام، والسماح بزيارة الأهل للسجين بعد عدة ساعات من الوقوف في الشمس الحارقة، ثم إنهاء الزيارة بعد ثلاث دقائق إمعانا في التنكيل بالسجين وتعذيب أهله، ولدينا أيضا التعليق من اليدين أو من القدمين، والحرمان من مقابلة المحامين، وعدم السماح بالتبول، والعزل في زنزانة مع الكلاب، وتوصيل اسلاك كهربية بالأعضاء التناسلية، وقضاء الحاجة أمام السجناء الآخرين لمزيد من المهانة، والتهديد بأن نغتصب له أمه وأخته وزوجته أو ابنته، وكنا قد أبدعنا منذ عشر سنوات عندما جمعنا رهطا من الفلاحين وزوجاتهم، وقمنا بخلع ملابس كل زوجة أمام زوجها وباقي سكان القرية، وأدخل بواسلنا الأبطال زجاجات في مواضع العفة منهن، حتى يتساوى الشعور بالمهانة والعار لدى كل السكان! إننا على أتم الاستعداد لتلقين إبليس نفسه دروسا لم يتعلمها منذ أن رفض طاعة الله. وأستطيع أن أقص عليك ساعات طويلة ما نفعله مع المصريين، ومع ذلك فكثيرون يرفعون لنا آيات الشكر وموفور الثناء، بل ربما تجد بعد نشر حوارنا من سيدافع عني وعن والدي ، وربما يطلب من الله أن يكون شاهدا على حسن تديّنهم بطاعة ولي الأمر.
بشار الأسد ضاحكا: هذه الوسائل التي تحكي عنها لتعليم المصريين الخنوع والعبودية وأداب السخرة يقوم بها أصغر تلاميذ الأمن من اللاذقية إلى حلب، ومن تدمر إلى صيدنايا، ومن حمص إلى دمشق! لدينا مبدعون في كل فنون التعذيب ولو لم تكن علاقتنا سيئة بالولايات المتحدة الأمريكية لأرسل الأمريكيون المتهمين لنزع الاعترافات منهم في واحد من سجوننا ومعتقلاتنا. في أقبيتنا وزنزاناتنا وسائل تعذيب تجعل الشيطان نفسه يخجل من وسوسته، ويرفع قبعته معترفا بتفوق أجهزة أمننا على كل الأشرار. هناك الحرمان من الهواء إلا عبر فتحة صغيرة لا تكفي لتنفس فأر، والضغط على الخصيتين، والالزام بشتم الرموز الدينية والوطنية، والوقوف فوق المصحف سائلين السجناء أن يأتوا لنا بربهم إن استطاعوا، وخلع الذراع من مفصل الكتف، والحرمان من النوم، والوقوف لساعات طويلة عراة تحت شمس حارقة، ووضع الوجه في بول السجناء الآخرين! جمال مبارك: لو تنافسنا في وصف وسائل تعذيب شعبينا فإننا لن ننتهي قبل انبلاج فجر جديد، وأنا أعدك أن أقص عليك ما لم يدر بذهن كل طغاة العالم في التاريخ الحديث، من السافاك الإيرانية إلى ستاسي الألمانية الشرقية، ومن فرع بعثكم في بغداد في عهد صدام حسين إلى الفرع الأمريكي في بغداد أيضا في عهد حكومة فيشي العراقية، ومن سجون تونس إلى معتقلات ليبيا، ومن جحيم الحسن الثاني إلى مخيمات البوليزاريو، ومن ذئاب بيوت الأشباح السودانية إلى سجون الأسرة الهاشمية في الأردن. عليك فقط أن تنتظرني بعضا من الوقت وسيقوم والدي بتخطيط ماهر وعبقري لوصولي رسميا إلى سدة الرئاسة ولو شج ثمانون مليونا من المصريين رؤوسهم في الحائط. ربما يأمر بعدة عمليات إرهابية حتى يفزع الناس ويلتصقون بكرباجي فهو أرحم بهم من المجهول، وربما تكون لدى المخابرات الأمريكية والإسرائيلية خطط جديدة لجعل شعبنا ينفجر سعادة بقبولي سجّاناً جديدا وحيئنذ لن يتمكن مصري واحد أن يتنفس إلا بإذني، ولو همس لنفسه في صحراء قاحلة فستصل همساته إلى رجال أمني. سيسلمني والدي طوابير الخبز، ومرشدي الأمن من صانعي الكلمة، وكلاب السلطة، ومعتقلات تكفي لتبتلع في جوفها كل المصريين المشاغبين، وستنهال المساعدات المالية علينا من أوروبا وأمريكا ودول الخليج، وسيدبج الأفاقون والمنافقون والغوغاء مقالات وافتتاحيات عن عبقريتي، وستسمع فنانين وأدباء وشعراء يمتدحون في قدراتي، وسيجمع الناس في النهاية على اعطاء الرئيس الشاب فرصة لمعرفة نهجه، وكأن لهم الكلمة الفصل بعد الاختبار.
بشار الأسد: ألا تخشى انفجارا أو عصيانا مدنيا أو انتفاضة تطيح بك فور انزلاق نعش والدك تحت التراب؟ جمال مبارك: الانتفاضة العمالية سقطت بعد رشوة الثلاثين بالمئة، التي أعيدت لنا برفع أسعار المحروقات، وأنا ورجالي وربع مليون من شبيبة الحزب الوطني والفنانون وكبار الصحفيين والأدباء والسياسيون والفضائيات العربية مستعدون تماما ليوم رحيل والدي، وسنجعل المصريين يلطمون وجوههم لربع قرن قادم.
بشار الأسد: كنت أريد أن أقص عليك ما حدث في سجن صيدنايا، وعن أشياء لو سمعتها أنت ووالدك لخجلتما من منافستنا! جمال مبارك: عائد إليك رئيسا، وساقص عليك حينئذ ما سيجعل إبليس يرجوني أن أعطيه دروسا خصوصية بأي ثمن!
حوارات أخرى للكاتب:
حوار بين سمكتين في قاع البحر حوار بين قملتين في شعر رأس صدام حسين حوار بين الرئيسين حسني مبارك و .. جمال مبارك حوار بين زنزانتين في سجن عربي حوار بين حمار و .. زعيم عربي حوار بين إبليس و .. الرئيس حسني مبارك حوار بين سجين حر و .. حر سجين حوار بين الشيطان و .. وضيوف الرحمن الحوار الأخير بين رئيس يحتضر و.. رئيس يرث حوار بين كلب السلطة و .. كلب الشارع حوار بين زعيمين عربيين في غرفة مغلقة حوار بين منقبتين في أحد الأسواق الشعبية حوار بين وافد و .. كفيل حوار بين مواطن مصري و .. ضابط شرطة حوار بين مواطن خليجي و .. إعلامي عربي
كان شاباً في الرابعة والثلاثين من عمره تم تغييرُ الدستور في دقائق معدودة ليناسب عمرَه العرشي، فتدخل اللغةَ العربيةَ كلمةٌ جديدةٌ هي قَصْري ( نسبة إلى سيّد القصر ) لكنها مشتقة من قاصر وفقاً للدستور قبل تعديله. كان السباق على أشدّه، فــ( أعمامُه)، أي رجال الوالد الراحل، رحمه الله، يريدون الاحتفاظَ بالوصاية. وجنرالات الاستخبارات يملكون ورقة التخويف من غضب وتمرد الشعب، لذلك فكعكتهم في الوصاية أكبر من كعكة الأعمام. والشعب الطيب الذي كان كلُّ بيتٍ فيه مشروع انقلاب، يقوم بكتابة وثيقة تمليك من زعيم راحل إلى زعيم قادم دون المرور على ربيع دمشق. تكبر صُوَر الرئيس الشاب في الميادين والشوارع وعلى نوافذ السيارات وفوق رأس كل صاحب محل، فتكبر رهبة السلطةُ في عيون أبناء الشعب. المعادلة الطبيعيةُ في العلاقة بين الحاكم والمحكوم يتحدد لها وقتٌ معيّن، فإما أن يصنع الشعبُ الزعيمَ، أو يتولى الزعيمُ اعادةَ صناعةِ الشعب. إما أنْ يقنع الشعبُ قائدَه أنه يعمل في خدمتهم، أو يقتنع أبناءُ البلدِ بأنهم في خدمة السيد. وظهرت النتيجة في أقبية السجون والمعتقلات، وأقنعت أجهزةُ الاستخبارات السورية طبيبَ العيون الشاب أنَّ السوريين أخطر عليه من قوات الاحتلال في الجولان، وأن السلطة المُطلقة لزائر الفجر هي لحماية النظام، وأنَّ مجلس الشعب الذي وافق بالاجماع على نضوج فخامة ابن الرئيس ليصبح الرئيس الابن لم يوافق بالاجماع أيضا(!!) على أن الشعب السوري ناضح ويستحق الكرامة والحرية والاستقلال. السلطة في سوريا أصبحت موزعة بالتساوي بين الحرس القديم والرئيس الشاب وأسرة الرئيس وأجهزة الاستخبارات، وكل طرف يدّعي أنه صاحب الحق الأوحد في امتلاك رقبة الشعب السوري. لا مانع من تقسيم أحلام القادة المغتربين، فأن يعود عبد الحليم خدام أو رفعت الأسد أو يهرب فاروق الشرع ثم يحلم بالعودة زعيما فلن يغير من الأمر شيئا، بل قد يَمُدّ في عمر النظام لأنَّ أحلامَ الذين لا يخاطبون كرامةَ شعوبهم لا تختلف عن أحلام من يدوسون بأحذيتهم عليها، ومن اشترك في السلطة ثم غادر القصرَ وأراد العودةَ إليه مُحَرّراً يساهم في الواقع في اطالة عُمْر النظام. الرهان هنا على غضب الشعب السوري، فالرئيس الشاب والرؤساء الفرعيون لممتلكات وأصول شركة سوريا لصناعة الاستبداد، وأجهزة الاستخبارات يؤكدون أن السوريين غير قادرين على الغضب، فقبضة السيد تُلَوّح من شرفة قصره ليتحول من ربيع دمشق إلى خريفها، ووسائل التعذيب أكثر ديجيتالية من قبل، ومن كان قادرا على تصفح موقع للمعارضة السورية على النت في مقهى بقلب عاصمة الأمويين فليتبوأ مقعده لدى ضابط أقرب أو أبعد مخفر شرطة تمهيدا لاضافة صفحة جديدة في فصل البحث عن المفقودين في تاريخ سورية الحبيبة. الاختفاء القسري لغة لا تنتهي مفرداتها فهي ليست في كتب النحو والصرف والقواميس، إنما هي تخرج من أي فرع من فروع أجهزة الأمن، ليلا أو نهارا، فتصطدم بالمواطن الطيب الباحث عن مكان لبلده تحت الشمس فيتم نقله فورا إلى ما وراء الشمس. المواطن عبد المجيد مجبور يتم اعتقاله من أمام محله في مدينة اللاذقية. لعله لم يعترف بأي تهمة وجهها إليه ضابط الأمن، وبعد أيام يتم اعتقال والده عبد القادر مجبور وهو من مواليد 1950. المواطن عبد اللطيف بن سمير البحر من مواليد 1984 ولم يكن قد بلغ عامه الثاني والعشرين عندما اعتقلته أجهزة الأمن دون دون توجيه تهمة إليه! فالمواطن المسكين الذي ظن أن حياته المليئة بالبؤس والمرض وآلام العظام والعجز في الأجزاء السفلى قد تنتهي إلى شفاء في يوم ما، لكن سلطات الأمن قد تحاول اقناعه أن أقبية سجونها هي العلاج الطبيعي. يبحث عنه أهله، وبكل الأدب والاحترام والابتسامة المخابراتية الشهيرة تأتي الجملة الأكثر شهرة: لا نعرف أين هو، ولكننا سنبذل الجهد للعثور عليه! إنها الجملة التوأم لما يقوله زائر الفجر: نحتاج إليك في زيارة قصيرة لمخفر الأمن وستعود بإذن الله بعد ساعتين! مع ملاحظة أن (بإذن الله) هنا ليست دينية لكنها استخباراتية، ويمكن أيضا استخدامها في أي موقف، حتى تاجر المخدرات يقول بأن البضاعة ستصل بإذن الله! الاعتقال التعسفي هو الدرس الأول الذي يتلقاه المواطن ليتقوص ظهره قبل أن يلهبه السوط، لكنه الدرس الأخير الذي لا تتعلمه السلطة عندما يقوم مواطن بتكسير صورة السيد الرئيس في أحد الميادين الكبرى في ربيع دمشق الذي لم يأت بعد، وتنشر افتتاحيات الصحف خبر تحرير الوطن، ونَصّ البيان رقم واحد. اللبنانيون يفشلون في اختيارهم الرئيس، والسوريون ينجحون في اختيار الرئيس إياهم. مواد الدستور السوري كلها تُحَرّم وتمنع امتهان كرامة المواطن لكنها مثل قرارات الأمم المتحدة بالنسبة لاسرائيل.. لا أسمع .. لا أرى! مطالب السوريين متواضعة إلى درجة الملهاة الكوميدية، فهم لا يطلبون أكثر من خوف أقل، وأجهزة الاستخبارات لا تطلب منهم أقل من خوف أكثر. أما نحن فنطالب بتحرير الشعب والرئيس والمواطن والعقل والقلب، أعني قلب العروبة النابض. تبّاً للصمت فهو الاحتلال الثاني للوطن السجن.
انقطت صلتي منذ ستة وأربعين عاما بالكشّافة، لذا فإن معلوماتي عن كيفية نصب خيمة، وتثبيت الأوتاد وغيرها ضئيلة وتكاد تكون صفرا. ومع ذلك فتطاردني تساؤلات كثيرة عندما أقرأ عن رحلات العقيد معمر القذافي الذي أضحى هو وخيمته توأمين لا ينفصلان. طائرات الزعيم التي تُقل على متنها الخيمةَ واثاثها وأدوات تثبيتها، وكذلك أعضاء الوفد الجماهيري المصاحب للعقيد، وكان الزعيم الليبي الذي تقترب التصاقة مؤخرته بكرسي العرش من أربعين عاما قد اعتاد على أن تصحبه أيضا ناقتان لأهمية أن يشرب مع اشراقة كل صباح حليبهما النقي والمنعش ، لكن يبدو أنه توقف عن تلك العادة العجيبة. لماذا لا تُقِلّ طائرات العقيد مع الخيمة أطنانا من رمال الصحراء حتى تقترب الصورة أكثر من المشهد الصحراوي، فتأتي حاملات الأتربة والرافعات لوضعها في مكان نَصْب الخيمة حول قصر الاليزيه مثلا ، أو بالقرب من قصر العروبة بقاهرة المعز أو حول المقر البابوي في الفاتيكان لو قام قائد ثورة الفاتح بزيارة الحبر الأعظم؟ تبقى مشكلة كبيرة لو قام الزعيم العربي الكبير بزيارة العاصمة النرويجية في فصل الشتاء عندما تهبط درجة البرودة إلى ما تحت الصفر ، ولا يستطيع عمال نصب الخيمة تثبيتها فوق الجليد بالقرب من قصر الملك هارالد.
كيف يمكن وضع الحمامات والمراحيض داخل الخيمة التي تم نصبها حول قصر الاليزيه أو بالقرب من قاعة المؤتمرات للاتحاد الأوروبي؟ هل يستبق العمالُ زيارة الزعيم بعمل شبكة مجاري جماهيرية في باريس، وكذلك توصيلات كهربية ومياه ساخنة وباردة، ثم يأتي الوفد العملاق المصاحب للقائد والمكون من عدة مئات من المسؤولين وحارسات العقيد السمراوات القصيرات ورجال أجهزة الاستخبارات والأمن وبعض الذين سيعاينون مواقع الانفجارات اللاحقة أو يقومون بتصفية الكلاب الضالة من المعارضة الليبية في الخارج؟ وإذا لم تسمح سلطات البلد المضيف بالحفر لعمل شبكة المجاري الجماهيرية فماذا يفعل أعضاء الوفد الذين يستيقظون ليلا ويريدون أن ( يطرطروا ) قبل العودة للنوم في الخيمة؟ هل الخيمة للاستقبالات فقط، أم للاقامة الكاملة والنوم والساونا ومكان اقامة الناقتين اللتين تمدان قائد الفاتح بحليب طازج ينعشه قبل اطلاق مشروع جديد أو دفع تعويضات لضحايا أوامر العقيد؟ ماذا لو لم تسمح سلطات البلد المضيف بالحفر لانشاء شبكة المجاري الخاصة بخيمة العقيد، فهل هناك مثلا مراحيض متنقلة يتم اغلاقها بعد ذلك باحكام، ثم العودة ببول وغائط أعضاء الوفد والحارسات لصبها في شبكة المجاري الجماهيرية؟ معذرة للقراء الأفاضل فكما قلت بأن صلتي بالكشافة انقطت منذ أن كان عمري أربعة عشر عاما، وكنا ونحن صغار نترك الخيمة لــ ( نطرطر ) بجوار نخلة أو خلف تلة ترابية. في زيارة العقيد الأخيرة لباريس التي اكتفى الغرب منها بوعد هلامي لذر الرماد في العيون بأن نظام الفاتح سيقوم بتحسين ملف حقوق الانسان قفزت إلى ذهني أضعاف التساؤلات التي لم أجد على أي منها جوابا من قبل. ما معنى تحسين ملف حقوق الانسان؟ هل هذا يعني أنه بدلا من تصفية عدة آلاف يتفضل القائد بتصفية مئات فقط؟ هل يعني أنه بدلا من سبعين سجنا تكتفي أجهزة أمن العقيد بخمسين فقط؟ أتذكر قصيدة مظفر النواب التي يقول فيها:
شارك في الحل السلمي قليلا أولاد القحبة كيف قليل نصف لواط يعني؟
نعود إلى موضوع المراحيض والحمامات في خيمة العقيد, وأحاول العثور على حل عبقري لعله لم يطرق ذهن رجال القائد وناصبي خيمته، أو قبل أن يتوصل العلم إلى اختراع مراحيض ديجيتال تسمح لعصو الوفد أن يطرطر في أرضية الخيمة مخلفات البطن لتظهر على أرض الجماهيرية، بل يمكن أن تظهر في أي بقعة على القارة السمراء بحكم قيادة طرابلس الغرب للولايات المتحدة الأفريقية! لي رغبة شديدة أن ألطم وجهي وأبكي بحرقة على شعبنا الليبي الذي لم يعرف أربعة أخماسه زعيما آخر غير القذافي، ولا يزال الليبيون يحتفلون كل يوم تقريبا بمناسبة تحقيق انجازات ومكتسبات، ويخرجون في مظاهرات تجوب شوارع المدن والقرى حتى لو باعهم العقيدُ مقابل رضا الغرب وأمريكا عنه أو رفع العقوبات في أي جريمة تم اتهام النظام بارتكابها؟! ماذا لو قام عباقرة الحاجة أمّ الاختراع بانشاء مشروع مثل النهر الاصطناعي العظيم لتصبح المجاري الاصطناعية العظيمة ويتم مَدّ مواسير إلى كل شبر تطأه قدما العقيد الطاهرتان، فيخفف الحِمْلَ على ناصبي الخيمة ويتم جمعُ فضلات كل من يقوم بزيارة الخيمة دونما حاجة إلى انشاء شبكات متحركة؟ ملايين من الدولارات يتم انفاقها سنويا على نَصْبِ وحَلّ الخيمة، ونقل الأثاث، وانتقال مئات من الأشخاص كل في تخصصه حتى يشعر العقيد أنه في الصحراء. أموال انتقال الخيمة في أكثر من ثلاثة عقود تعادل تعويضات لوكربي ثلاثة أضعاف أو أكثر، والكارثة أن يطلب العقيد سماءً صافية ونجوما تتلألأ كما في الجماهيرية، ففي هذه الحالة سيكون من الصعب على محققي أحلام ورغبات وأوامر القائد رسم سماء في سقف الخيمة تتغير من الأزرق إلى الأسود لتوحي إلى فخامته بتعاقب الليل والنهار لو كان في زيارة لبلد يختلف مناخه عن مناخ ليبيا الخضراء. في العالم المتقدم يسعى الزعيمُ لتحقيق رغبات الشعب، وفي عالمنا العربي يلهث الشعبُ من أجل تحقيق أحلام الزعيمِ. ورغم ذلك فنادرا ما يرضى الزعيمُ عن خدمات الملايين الذين تسحق هاماتهم أحذيةُ زبانيته، وتظل معضلةُ مراحيض خيمة العقيد تؤرقني أكثر من ناقتيه وعمليات نقل الخيمة والأوتدة والعمال. كل هذا ولم أفترض بعد أنَّ اسهالا قد يصيب بعضَ الأعضاء المصاحبين للعقيد، أو أنهم من الخوف والرعب يضطرون للتبوّل عدة مرات خشية أن يغضب العقيد عليهم. ألا تشعرون معي بنفس الرغبة في اللطم على الوجوه شفقةً على شعبنا الليبي؟
لم يكتف سياسيونا في التفرق والتشرذم في مؤتمرات القمة والقرارات السياسية، ولكن هلالا صغيرا قد يراه طفل رضيع فوق سطح أحد المنازل التي تدّثرها سماء صافية يجعل العالم الاسلامي كله حائرا في الصوم والاحتفال بالعيدين، وإذا استمر الوضع هكذا خمسين عاما أخرى، فسيكون لكل بلد اسلامي هلالها الخاص، وستكون وقفة عرفات ،مثلا، مرة في كل يوم لمدة 43 يوما هي عدد البلدان الاسلامية. تمسك وردةً وتقطف أوراقها قائلا: يحبني .. لايحبني، العيد الخميس، العيد الأربعاء، نصوم الجمعة .. نصوم السبت! لماذا لا نحيل رؤيةَ الهلال إلى رجل حكيم وكفيف فربما يستطيع أن يبصر أكثر مما يفعل زعماؤنا الكبار؟ المسلمون الطيبون الذين يثقون في تليسكوبات أصحاب السماحة والفضيلة يضربون كفا بكف، فالذين يقيمون في الغرب يُبلغون رؤساءهم قبل العيد بوقت طويل للحصول على يوم عطلة، ثم يعيدون ابلاغهم بأن العيد يبدأ في ثلاثة ايام متفرقة، الأول يوم ملكي، والثاني جمهوري، والثالث جماهيري شعبي! المسكين هو خروف العيد الذي يريد أن يطيل عمره يوما أو اثنين، فإذا شاء حظه العاثر أن يكون أضحية في بلد زعيمه غير راض عن الآخرين، فقد يتم ذبحه قبل زملائه الأضحيات في بلاد اسلامية أخرى، أو قد يمتد به العمر يومين إن جاء القرار السياسي الديني بتأخير الاحتفال يومين آخرين. هل تصدق جماهيرُنا الغفيرةُ والغافلةُ أن هناك من يرى الهلالَ حقاً وتلتزم به الجهتان السياسية والدينية في بلدها؟ الحقيقة أنه قرار سياسي بحت ولو أراد سيد القصر أن يجعل من عيد الأضحى ستين يوما فإن علماء السلطة قادرون على استخراج تفسير شرعي منطقى وغير قابل للنقاش. أتعجب أحيانا فلا أعرف مَنْ الضحية: الخروف أم المسلم الطيب؟ كلنا خراف، جاء هذا في بيان سيد القصر الذي لم ولن ينشره! من حسن الحظ أنه لا يستطيع أحد أن يصعد على سطح أحد المنازل في النرويج لمشاهدة الهلال لسببين: البرد الشديد الذي تهبط درجته إلى ما تحت الصفر، ثم كثافة السحب التي تسقط على رؤوسنا جليدا يحيل الظلام الدامس إلى ظلام أبيض أو بياض مظلم. تنزع وردة جديدة ثم تعيد قطف أوراقها: يحبني .. لا يحبني، نصوم غدا أم بعد غد، العيد الأحد .. العيد الاثنين. رجال الدين يبررون للقصرِ قَصْرَه الهلالَ على عيون السياسيين. السياسيون يطلبون من رجال الدين الاعتراف بأن كل زعيم في عالمنا الاسلامي الممتد من جبل تورا بورا إلى البيت الأبيض يبصر أفضل من زرقاء اليمامة، ولا بأس أن تكون عينا ابنه الوارث للعرش مثل عيون الصقر ( وهو تعبير تراثي وليس استخباراتيا ) . ماذا لو كانت الخراف تفهم أبجديات السياسة في العالمين العربي والاسلامي؟ الحمد لله أن الهلال ليس خصيبا وإلا تم اتهامنا بالطائفية. أقترح أن تتم ضم رؤية الهلال إلى برنامج من سيربح المليون، ففي هذه الحالة نضمن وحدة العالم الاسلامي. معذرة فهذا التهكم من شدة الحُرقة، وتلك السخرية خارجة من عمق البكاء على أمة المليار ونصف المليار مسلم. ماذا لو قال اللبنانيون بأن من يشاهد الهلال من فوق سطح بيته يدخل قصر بعبدا منتصرا؟ أغلب الظن أن الأزمة اللبنانية سيتم حلها، ولكن كيف تقنع الخراف على الطريقة اللبنانية بيوم ذبحها؟ أقترح أن نتفق جميعا على أن يكون المسؤول الوحيد عن رؤية الهلال هو العقيد معمر القذافي، فنضمن على الأقل تعويضات من أموال الشعب الليبي لكل من تضرر من الهلال الليبي، بل يمكننا طلب تعويضات لخرافنا!
محمد عبد المجيد رئيس تحرير طائر الشمال أوسلو في مساء السبت 15 ديسمبر 2007
* الخطوة الأولى التي لا تستقيم بدونها أي خطوات أخرى هي حَملة شاملة ومكثّفة في محاولة إعادة إيمان المصريين بأنَّ مصرَ بلدهم، وأنها ليست مِلْكية خاصة للحاكم ولأسرته ولزبانيته. لقد فشلتْ كل الدعوات للتمرد والانتفاضة والعصيان المدني لهذا السبب وليس فقط خوفا من قَبضة الأمن الذي كان سيقف عاجزا أمام عدة آلاف متظاهر في انتفاضة أو عصيان أو تمرد. ينبغي أيضا أنْ يتوقف رجال الدين عن استخدام المقدس في حماية الطاغية،فالذين يقولون بأن طاعة ولي الأمر واجبة حتى لو كان ديكتاتورا ومستبدا وجزارا وسفّاحاً وابن ستين ألف كلب سيحشرهم الله يوم القيامة مع الطغاة.
* إعلان حكومة إنتقالية في الخارج بعيدا عن قبضة الأمن وعيون رجال الرئيس وزائر الفجر، على أن تعلن الحكومةُ الانتقالية أنْ لا أحد من أفرادها تحت أي ظرف سيتولى منصبا رسميا في مصر بعد القضاء على مبارك أو تقديمه للمحاكمة أو هروبه.
* كل أعضاء حكومة المنفى غير منتمين لأي حزب سياسي أو ديني أو اجتماعي أو جماعة، وليسوا منحازين، علنيا، لأي أيديولوجية باستثناء إعادة مصر للمصريين بدون أسرة مبارك الطاغية والفاسدة والارهابية.
* تتوجه حكومة المنفى إلى العمل على محورين: الأول هو نداء إلى قادة الجيش، والثاني إلى العصيان المدني الايجابى في الشوارع، وليس السلبي الذي يطلب من المصريين المكوث في بيوتهم.
* إعداد ملف بكل الجرائم التي ارتكبها مبارك في خلال فترة حُكمة وخاصة الفساد والسرقة وأموال أسرته وقوانين الطواريء وتزوير الانتخابات وعدم استقلالية القرار المصري والاعلام وسرقة أراضي الدولة وأمراض المصريين والتلوث والتعذيب( آخر جريمة يقشعر لها بدن أي مصري شريف هي استخدام ضابط شرطة عصا كهربائية ووضعها في فتحة شرج مواطن مصري ثم وضع قليل من الشَطّة في مؤخرته بعد جرحها ).
*اعتبار كل من يؤيد استمرار هذا الطاغية معاديا لشعبنا المصري حتى لو كان التبرير هو الخوف على مستقبل مصر من الفوضى أو من مصير عراقي، فالمستقبل المظلم الكارثي والجحيمي هو في وجود مبارك وابنه.
* توسعة قاعدة احتقار وازدراء الرأي المؤيد لمبارك الذي يتعلل بالعقلانية، وبأن الزلزال المصري يحتمل الرأيين معا، وبأن الديمقراطية تشمل أيضا تأييد قبضة الأمن في تعذيب المصريين والاعتقال العشوائي، واعادة اعتقال مَنْ تُبرّئهم المَحاكم، فالحقيقة أن دعم مبارك لا علاقة له بديمقراطية الرأي الآخر، لكن بالعداء السافر والوقح لأماني شعبنا، وكما أن الحديث عن هتلر وستالين وسالازار وسوموزا وموسوليني وبينوشيه وبول بوت وصدام حسين والقذافي وبن علي وهيلاسلاسي وعيدي أمين دادا وجان بيدل بوكاسا لا يحتمل إلا رأيا واحدا وشريفا وهو مناهضة الظلم، فإن الحديث عن مبارك يجب أن يكون كراهية ومناهضة ومعارضة، وأي مشاعر أخرى حتى لو كانت محايدة فهي في خدمة الاستبداد والفساد ومصادرة مصر لحساب الطغمة الحاكمة.
* لا تقبل حكومة المنفى دعما ماديا أو تنسيقيا مع أي دولة لها جيش في العراق أو أفغانستان، وطبعا أي تعاون مباشر أو غير مباشر مع إسرائيل مرفوض رفضا قاطعا.
* العمل على إنشاء قناة فضائية مصرية يقوم عليها محترفون في الإعلام، وتكون مهمتها الوحيدة تحريض المصريين والجيش لتحويل غضبهم إلى حالة فعل موجِع لسلطة الطاغية.
* إعداد قائمة بأسماء الكُتّاب والإعلاميين والمثقفين والفنانين والشعراء وضيوف الفضائيات الذين يتولوّن تلميعَ وتأهيلَ نظام الطاغية، فهؤلاء في الجانب المعادي لأماني شعبنا، وهم أداة قمع وتزييف وتزوير في أوراق الوطن.
* مصر وطن للجميع، وأي تفرّقة بين مصري وآخر على أساس الدين والمذهب والعقيدة والطائفة والحزب والفرقة والأيديولوجية مرفوض تماما، وهذا يتعلق بكل الوظائف والمناصب، فالولاء لمصر يسبق كل شيء.
* إعداد قائمة باسماء كل ضباط الأمن الذين تورّطوا في عمليات تعذيب واهانة وظلم للمصريين، ويجب اعلانها ليعلموا أنهم سيُقَدّمون إلى محاكمة عادلة بعد تحرير مصر من مبارك.
* توجيه نداء إلى كل القوى المحبة للسلام وإلى الدول التي تدعم الطاغية، وشرح خطورة تأييد طاغية ستؤدي أعماله الاجرامية إلى انهيار مصر وانحدارها واختفاء دورها وجعلها في ذيل رَكب الأمم، بل وانهائها كدولة ذات سيادة.
* الدعوة إلى عقد مؤتمر مصري موَسّع تحضره القوى الشريفة المعادية لمبارك، ومن الأفضل أن يكون في بريطانيا أو أي دولة اسكندنافية ينصهر فيه المصريون تحت عنوان واحد فقط وهو تحرير الوطن من أسرة مبارك، ويخرج المؤتمر بتوصيات عملية، ويتم فيه توثيق جرائم مبارك، ومن لا يستطيع الحضورَ من شرفاء مصر يتولى عنه معارضٌ سياسي مقيم في الخارج.
* اعتبار جميع حالات التعذيب والحرق والاغتصاب في أقسام الشرطة والسجون وهي بالآلاف لأكثر من ربع قرن نتيجة لأوامر مباشرة من مبارك وليست من وراء ظهره، فهو المسؤول الأول، ويقرأ التقارير، ويوقّع على السماح باستمرارها، أي أن توجيه النقد لرجاله مع استثنائه من الجريمة هي محاولة للالتفاف حول أم الجرائم لتبرئة المجرم الأول.
* نزع القداسة والهالة والاحترام عن مبارك فالذين يطالبون باستخدام ألفاظ مخففة وغير مباشرة واحترام منصب رئيس الجمهورية أو رمز الدولة يقومون في الواقع بمَدّ الروح في الطاغية بأسباب استمرارها، فحرية المصريين تبدأ من هنا .. من نزع كل صفة لاحترام الطاغية، بل اعتبار الولاء وحب مصر مرادف لنزع كل صور الاحترام والقداسة عن الديكتاتور.
* كل معتقَل رأي وضمير مهما كان الحزب الذي ينتمي إليه مسؤوليتنا جميعا، وعذابات أهله الذين ينتظرونه سنوات طويلة نتحمل نحن تبعاتها، وأي يوم يمر على معتقل رأي وضمير وهو خلف القضبان يتحمل وزرَه المصريون الصامتون عن تلك الجريمة البشعة التي تصادر كرامة وحرية الانسان، وتُنهي وجوده الآدمي ورباطه المقدس مع العائلة وحقه في الحياة مع أسرته وأولاده. كل يوم يمر وأشقاؤنا في السجون والمعتقلات ونحن نمارس حياتنا العادية هو وصمة عار في جبين كل مصري حتى لو كان خائفا وجبانا ولا حيلة له.
* الإنترنيت هو العصا السحرية التي يمكن أن نلتف حولها، وننشر فيه وثائق كل جرائم مبارك، وندعو للعصيان المدني، ونوجه رسائل عديدة إلى الشرفاء في قواتنا المسلحة، وننشر أسماء ضباط الأمن المعادين لشعبنا، ولكن الإنترنيت مليء أيضا بدعاة الظلم والتفرقة والمرشدين والمخبرين والمخرّبين وأعداء الوطن، وأيضا الذين يجعلون من مواقعهم ومنتدياتهم، بحجة الخوف، أداة ضد شعبنا. هناك آلاف من المرشدين وهم عيون الطاغية ينتشرون تحت أسماء مستعارة، وينبغي كشف وفضح محاولاتهم الرخيصة لتخريب الموضوعات الجادة والوطنية، أو شخصنتها، أو تحويل مساراتها.
* نشر ( قائمة العار ) في كل المواقع والمنتديات وهي تضم المثقفين والكُتّاب والفنانين والإعلاميين والشعراء والشخصيات العامة ورجال الأعمال الذين يؤيدون الطاغية، ويدعمونه بالمال والقلم وتزييف الحقائق.
* البدء في حملة اعادة الثقة بالمصريين، وبأن لهم حقا في الحياة الحرة الكريمة، وبأنهم ليسوا أقل من شعوب العالم الذين يثورون ضد الحاكم الظالم لأسباب قَبِل بأضعافها، وصمت عن أكبر منها المصريون لأكثر من ربع قرن. التفريط في تحرير مصر من مبارك تفريط في العِرض والشرف والكرامة والدين والوطنية. المصير العراقي في الاحتلال الأمريكي كان لطول فترة بقاء الطاغية صدام حسين، ومصير مصر الجحيمي، لا قدر الله، في استمرار مبارك ثم ابنه، والحل الوحيد للحفاظ على استقلالية وكرامة وحرية مصر في المستقبل تبدا من هنا .. من الثورة ضد مبارك. ونعود للخطوة الأولى التي لا تستقيم بغيرها أي محاولات لانقاذ مصر وهي اقناع المصريين بأن مصر بلدنا جميعا وليست تِركة مملوكة للمجرمين، أو أرضا بدون شعب، أو عبيدا يتم توريثهم من مستبد كبير لمستبد صغير. لم يعد يكفي أن تقول بأنك تكره الطاغية مبارك، ولكن عليك أن تؤمن بأن مصر بلدك، وحينئذ ستندفع كل قوى الخير في داخلك لتخلق حالة حب وانصهار مع الوطن، ويبدأ المصريون رحلة استعادة بلدهم، وتحريرها. عندما تزيح هذه الورقة جانبا، وتبتسم يأساً أو تهَكُما أو ضَعفا أو ثقةً بأنْ لا فائدة، فستشكرك كل قوى الشر في القصر الجمهوري، وستساهم أنت في التوقيع على وثيقة استعباد واستحمار واستغفال لربع قرن قادم. وسلام الله على مصر.
سؤال ما أنفك يطارد لساني ردحا طويلا من الزمن، وأخشى طرحه لئلا يؤدي عدمُ فهمه إلى نتائج عكسية! لكن في الأعوام القليلة المنصرمة أصبح السؤالُ جواباً، وأضحى الاستفهامُ حالةً من الواقع إنْ احتجتَ لشهود عليها آتيك بآلاف منها قبل أن تقوم من مقامك، وبأضعاف ذلك قبل أن يرتد إليك طرْفُك!
لماذا يرتبط التديّن ارتباطا عضويا لصيقا، في معظم الأحوال، بحالة كراهية لكل شيء .. للنفس والناس والمرأة والحرية والجمال والآخر والدنيا؟ تكاد تتنازل الشمس لها إن أردت أن تضرب مثلا بالوضوح، وأي انكار لتلك الظاهرة كأنه تثبيت واثبات. في المنتديات الإسلامية على النت، وفي الأقسام الدينية لمنتديات عامة لن تحتاج لأكثر من بضع دقائق حتى تظن نفسك في ساحة الوغى، وترى أناسا، يبدأون بالسملة وينتهون بذكر اسم رب العالمين، يفترسون الخصوم، ويخلقون من الحوارات سيوفا مُسَلّطة على من يخالفهم، ويستخرجون من آيات التسامح أوامر للقتل، ويُخفون تحت ألسنتهم قواميس للشتائم والسباب واللعنات كأن أصحابها سقطوا من بطون أمهاتهم في غرزة مخدرات أو في مصلحة أحداث بأحد السجون العربية.
حاول أن تجتهد في فكرك، وتستخدم عقلك، وتعرض رؤيتك الجديدة في قضايا مثل النقاب والحور العين والفروقات بين الارهاب والمقاومة، أو شارك بمداخلة أو مقال عن المساواة بين المرأة والرجل أو قيادة السيارة أو عدم أهلية أحد الشيوخ الفضائيين أو هاجم عالَم الفتاوى الفجّة والساقطة أو قُمْ بالمطالبة بمساواة المسلمين بغيرهم أو اطلب الرحمة من الله لشخصية مسيحية أو شكك في حديث أحادي وضعيف قيل بأنه ورد عن رسول الله، صلى الله عليه وسلم. انتقد الإخوان المسلمين أو أسامة بن لادن أو الظواهري أو الشيخ عمر عبد الرحمن، أو اكتب بأن من قاموا بتفجير البرجين التوأمين لا يعبرون عن روح الاسلام إنما هم إرهابيون، ولا تنس أن تقول بأن غير المسلمين ممن أتوا اللهَ بقلوب سليمة ومتسامحة وطيبة سيدخلهم اللهُ في رحمته. فَنّدْ الفهمَ الديني لعمرو خالد أو الدكتور عمر عبد الكافي، ويمكنك أن تعرج على حياة أبي هريرة، وعارض بعض أفكار ابن تيمية، وقلّ بأن فتاوى الشيخ عبد العزيز بن باز لم تصالح العصر، ويمكنك رفض فتاوى العثيمين أو آل الشيخ. قُلّ بأن صوت المرأة ليس حراما، وأن الغناء والموسيقى ترقق الطباع، وأن الفنون ضرورية للمجتمع، وأن من حق غير المسلمين بناء دور العبادة في أي مكان في العالم الاسلامي مادام المسلمون يمارسون نفس الحق في أركان الأرض الأربعة. لن يترك لك معارضوك ومخالفوك فرصةً لالتقاط الأنفاس. ستكتشف حينئذ أنَّ ممارسة الدعوة الدينية كما يفهمونها هي لسان سليط، وشتائم بذيئة، وسباب سافل وقبيح. سيدهشك هذا الكم الهائل من البغضاء، ولن يقرأوا دفاعك، ولن يصل أي منهم للسطر الثالث من تعقيبك ثم تنفجر في وجهك براكين الحقد، والتكفير واتهامك في شرفك وأهلك وعِرْضِك. سيقولون عنك جاهل وكافر أو مُوال للكفار والمشركين، أو تضع السم في العسل، أو عميل صهيوني. ستقف حائرا ومندهشا وفاغرا فاك وغير مصدق أن هؤلاء هم المدافعون الجدد عن خاتمة الرسالات السماوية، وأنهم يقرأون القرآن الكريم، ويقفون أمام الله عز وجل في كل يوم طالبين أن يهديهم الصراط المستقيم. قنابل موقوتة من البغضاء التدميرية، وسيارات مفخخة من كراهية مفترسة. جوعى جنسيون خلطوا الحرمان بطاقة تفجير داخلية لا تفرّق بين اللسان الذي يطلق شظايا نارية، وبين قلب أتحدى أحدا أن يجد فيه نقطة بيضاء لا تراها العين المجردة. كيف جمع هؤلاء بين التديّن الذي يرقق الطباع، ويلين النفس، ويلطف حشا الفؤاد، ويقترب من أسمى لحظات تحليق الروح في سماء الإيمان، وبين عشق مَرَضي لرؤية الدماء تسيل من وجوه خصومهم ومخالفيهم وأي مجتهد يستخدم رخصة إلهية باستعمال العقل والتدبر والتفكير؟ سيقول قائل بأنهم أقلية لا ينبغي أن نكترث لها، وأرَدُّ عن تجربة في الانترنيت والبريد الالكتروني ومتفرقات وكتب ونشرات ونقاشات وغيرها بأنهم كثيرون، ويمنعني الحياء والخوف على ديني من أن أقول بأنهم الأكثرية المتدينة. ولكن الدين حالة حب وتسامح وانسجام مع الطبيعة، ورحمة تسكن القلب فيتسع للجار والمخالف والآخر بل وكل من لا يدين بالاسلام . إنه دين يأمرك أن تأخذ بالعفو، وتقول للناس قولا ليّنا، وتعرِض عن الجاهلين، ولا تجعل أحدا ينفضّ من حولك إنْ كنت فظا غليظ القلب. إنه دين الحرية في الاعتقاد، وشرط اسلامك أن يسلم من لسانك ويدك الآخرون، وإذا خاطبك أشد الناس كراهية لك فقل: سلاما! إنه دين يضع لك في ميزان حسناتك الابتسامة، والكلمة الطيبة. ومع ذلك فقد ظهر جيل من المسلمين كأنه تربى في أحضان تجار المخدرات، ورضع حليبا مخلوطا بتوابل مُرّة، وهو جيل تعرّف على الشاشة الصغيرة قبل أن يتلقى تربية منزلية، وأصبح عضوا في عدة منتديات على النت قبل أن يقرأ كتابا واحدا. وصفتهم من قبل في مقال لي بأنهم ( صعاليك الإنترنيت) وأعتذر الآن عن هذا الوصف اللطيف والمخفف فهم شياطين النت وتلامذة إبليس. لم يتعلموا من القرآن الكريم حرفا واحدا، إنما قرأوا فيه وعيونهم مُثَبّتة على نفوسهم المحشورة بين قرني الشيطان. إنهم الطابور الخامس الجديد الذي سيجعل العالم كله يبغض الاسلام ، ويكره المسلمين، ويعيدنا قرونا إلى الخلف. إنهم يقدمون على طبق من ذهب لخصوم المسلمين هدايا لم يحلموا بها، وتبريرات لكي يقوم الآخرون بعمليات شحن جماعية وسلطوية تساهم في العنصرية بكل صورها. إنهم أشد خطرا على المسلمين والاسلام من المنافقين ومن قوى الاحتلال ومن الجهل والأمية والفساد. إنهم أعداء الدين الجدد الذين يدافعون عن الدين ظاهرا، ويكيلون له ضربات قاضية بحقدهم وجهلهم. صغار وشباب وطلاب جامعة وبلطجية ومسجلون خطرون وجهلة وأنصاف أميين لكنهم جراد انتشر على الانترنيت، وتعامل مع الكي بورد، ويُحصون مشاركاتهم كما يحصي البخيل أمواله صبحا ومساء. يعرفون بعضهم باسماء حركية تتمسح بالدين وبشخصيات اسلامية، ويحشرون آيات قرآنية سامية في غير موضعها، ثم يدسون سمومهم من ألسنة حداد. إنهم الأعداء الجدد الذين آذوا الاسلامَ كما لم تؤذه كل الحروب والغزوات والاستعمار الفكري والعسكري في تاريخه. إنهم الصورة الالكترونية الجديدة التي يختبيء خلفها إبليس.
لو كان هناك عدل في هذا العالم لوقف الرئيس حسني مبارك أمام القضاء بتهمة نشر شائعة موت الشعب المصري بدلا من وقوف صحفيين واعلاميين نشروا خبرا دون أن يتأكدوا من عزرائيل نفسه أنه لم يقم بعد بزيارة سيد القصر في ميونيخ أو باريس أو القاهرة أو شرم الشيخّ!
الرئيس حسني مبارك مسؤول مسؤولية كاملة طوال ربع قرن عن ترويج شائعة موت الشعب المصري، واصدار شهادة موثقة من كل زبانيته ولصوص قصره وكلاب أمنه أن المصريين ماتوا عام 1981، وتم دفنهم ، وخرج الرئيس والرئيسة ووولداهما في الجنازة، وقاموا جميعا باهالة التراب على أعرق شعوب الأرض.
الرئيس مبارك نثر شائعة موت شعبه عندما أمر بأن يضرب ضابط أمن أحد القضاة بالحذاء، ويسبه على مسمع من عشرين ألف قاض قائلا: حتى لو كنت مستشارا فأنت ابن كلب.
وتأكدت الشائعة لديه عندما تحرش رجال أمنه بفتيات مصر العفيفات، وشاهد الملايين على الشاشة الصغيرة كرامتهم وحرمتهم يتم انتهاكها، ثم أكملوا مشاهدة بقية المسلسل التلفزيوني، وخلدوا إلى نوم عميق.
وكان واثقا ثقة اليقين من أن شائعته بموت الشعب المصري أضحت حقيقة واقعة، بعد صمت جيش العبور والأبطال، ومئات الآلاف من أفراده يرتعدون خوفا وهم يراقبون من ثكناتهم أبناءهم واخوانهم وأحبابهم يتعرضون للمهانة والضرب والتعذيب والحرق والاغتصاب، ثم تتم سرقة ونهب أموال الشعب، وكأن نياشين الأبطال تبخرت في سماء مصر فتكونت سحابة سوداء لا يدري المرء إن كانت تحمل غازات سامة أو تستعد لتُسقط دموعَ المصريين فوق النيل الخالد.
ولم يخالج الرئيسَ أدنى شك في أن المصريين بكل ما يحملون من شهامة ونجدة الملهوف والحفاظ على الكرامة ماتوا مع وصوله إلى الحكم، فقررتْ السيدة الرئيسة في مواجهة حق الصحافة التي نشرت بأن صحة الرئيس ليست ( زي الفل )، أن تقدم الأحرار والشرفاء إلى محكمة تم ارسال الحُكم الذي ستصدره من مكتب الرئيس أو مكتب رئيس لجنة السياسات لكي يثبت الطاغية أن حذاء الضابط كان يمثل أوامر السلطة التنفيذية للسلطة القضائية، أما السلطة التشريعية فهي في أغلبها موزعة بين خدم الرئيس من الحزب الوطني، ودعاة ( الاسلام هو الحل )، الذين يلعب أكثرهم الثلاث ورقات المقدسة.
حزب الغد الذي منح نصف مليون من أتباعه أصواتهم لزعيمهم، صمت كل أعضائه رغم أن الدكتور أيمن نور يتعرض لأحط عملية موت بطيء تقوم بها سلطة طاغية.
الاخوان المسلمون لا يزالون في حيرة من أمرهم منذ عام 1928، فهم يعطون الأولوية لتربية الفرد المسلم ، ثم امتدت العدوى إلى كل قطاعات الشعب، وأصبح كل المسلمين دعاة وقضاة ومبشرين ومنذرين ومنتظري شهادة، ولكن نسبة الأمية ارتفعت، والادمان على المخدرات تمكن من جسد نصف مليون مصري، والفساد اليومي أصبح نصيبُ الفرد منه أكثر من عدد صلواته.
الناصريون يعلمون أن إرث الزعيم الراحل لم يتبخر في الهواء، وأن مشروعا قوميا ووطنيا يستطيع أن يصمد، ويجابه الطاغية، لكنهم قاموا بتغيير الناصرية عدة مرات.
الوفديون منشغلون بحروب داخلية، وبسباق على الزعامة بدون طربوش.
الآن كشّرت المباركية عن أنيابها أكثر من أي وقت مضى، في الوقت الذي لا تستطيع قوى المعارضة الوطنية أن تتوحد على كلمة سواء للوطن وليس لغيره.
العصيان المدني .. تلك الدعوة النبيلة للاطاحة بمبارك قتلها حزب الكرامة عندما قام بتحويلها إلى عمل سلبي في 23 يوليو الماضي، والجلوس في البيت في يوم عطلة لمشاهدة التلفزيون.
كلنا على قائمة الاصطياد، كما وصفها الكاتب الوطني الكبير محمد عبد الحكم دياب، وسيقوم الطاغية المستبد بتصفيتنا واحدا تلو الآخر، والتصفية هنا قد تكون أدبية أو جسدية أو اتهامات مزورة، أو تخصيص زنزانة تحت الأرض لكل من يعارض توريث عرش مصر من مستبد إلى مستبد، ومن ارهابي يحتضر إلى ارهابي شاب.
العدالة تقتضي أن يقف حسني مبارك أمام ممثليها، ويخفي وجهه بيديه من الخجل والعار، وأن يوجه له القاضي دون أن يُلَوّح ضابط أمن بجزمته أمامه سؤالا عن صحة شائعة موت الشعب المصري.
ولكن قبل المحاكمة ينبغي أن ينفي الشعب العظيم عن نفسه تهمةَ الموت وذلك بالتمسك بالحياة والكرامة والعزة، وأنه المالك الحقيقي لمصر وليس عصابة الأربعة.
أيها الصحفيون والاعلاميون والمثقفون والوطنيون والأكاديميون والعلماء ورجال الدين الاسلامي والمسيحي وكل الأحرار والشرفاء من مقيمين على أرضها أو مهاجرين بعيدا عنا...
الطاغية لا يختلف عن نيرون، وسيحرقنا جميعا ومعنا مصرنا إن لم نسارع بازالة كل الفوارق الحزبية والعقائدية والمذهبية والايديولوجية والاجتماعية، وتبقى مصر .. مصر فقط هي التي نسمع صراخها ونحيبها وأوجاعها وآلامها، واستصراخها إيانا.
مرة واحدة نلبي نداء مصر في أكثر من ربع قرن ..
مرة واحدة نقول بصوت مشترك وعال كما قالت كل شعوب الدنيا: إن مصر بلدنا وليست ملكية خاصة لهؤلاء اللصوص القساة.
مرة واحدة يقول المصريون بأنهم لا يقلون شجاعة عن الرهبان البوذيين المسالمين في رانجون.
مرة واحدة نقف أمام الطاغية ونصرخ في وجهه بأن شهادة وفاة الشعب المصري التي استخرجها مزيفة، وأن فينا نفخة من روح الله،
مرة واحدة نغضب، وحينئذ ستبتهج السماء والأرض، وسيقول أحفادنا بأن أجدادنا مروا من هنا، وحرروا مصرهم، وتركوا لنا بلدا حرا كريما.
سيبكيه القليلون، وسيفرح لرحيله الكثيرون. أما أنا فلن أستطيع حبسَ دموع دافئة ستنزلق رغماً عني فوق وجهي، ليس لأنَّ عزرائيل قام أخيراً بزيارته دون أنْ يصطحب في طريقه سيدةَ مصر الأولى أو ابنَه الوريث أو الابن البكر الذي يملك أربعين مليار دولار من أموال شعب يذهب بعض تلاميذه إلى المدارس بدون طعام إفطار. ولن أبكي لأن مصر أصبحت يتيمة بعد أقل قليلا من ثلاثة عقود كانت كأنها ثلاثة قرون سوداء تشبه ظلمات في بحر لُجّيٍ يغشاه موج. لكنني سأبكي لأن أمنيتي لم تتحقق في أنْ أتابع وقائع محاكمة الطاغية وهو يطرق خجلا، ويتجنب عيون الحاضرين في قاعة المحكمة، ثم يجيب على أسئلة القاضي التي ربما تستغرق عدة شهور فجرائم مبارك منذ تولّيه السلطة تعجز عنها شياطين كل طغاة منطقتنا العربية. تمنيت أن أسمعه يجيب على أسئلة عدالة المحكمة، والقاضي يسأله بصوت جهوري غاضب وحزين وغير مُصَدّق لِما يسمع: ماذا فعلتَ في تقارير التعذيب التي كانت تصلك بالآلاف، وتتكدس على مكتبك، وتقرأ عن الذين قام رجالك باغتصابهم، وانتهاك حرماتهم، وادخال الورق المقوى أو العصا في مواضع العفة منهم؟ كيف كان شعورك عندما قرأت عن مواطنك المصري الذي آمنك الله على كرامته، فقرر ضباط أمنك لادخال البهجة إلى نفسك الحقيرة أن يجبروه على ارتداء ملابس نوم حريمي، ويخرج إلى الشارع أمام الجيران ورجال الحي وكل الذين كانوا يبجلونه ويوقرونه ويحترمونه، حتى أصيبت والدته بالشلل بعد هذا الحادث؟ كنت تعلم أن ابنك البكر يحصل على نسبة مئوية تصل أحيانا إلى خمسين بالمئة من مشروعات تبدو ناجحة قبل أن تتم الموافقة عليها، وإلا فلن يحصل أصحابها على موافقة الدولة. فكيف قمت باسكات ضميرك كل تلك السنوات على أم الجرائم؟ تعرف أن نفايات الحديد تحت الأرض الزراعية في محافظة البحيرة أدت إلى كوارث صحية في عهدك المشؤوم، فلماذا وافقت عليها؟ كنت تحمي يوسف والي بعدما قرأت مئات الوثائق الحيّة وغير القابلة للانكار عما قام به من تخريب للزراعة، واستيراد مواد مسرطنة، فقمت بنفسك بالتجديد له، والاحتفاظ به حتى تنتقم من أكبر عدد من مواطنيك، وكانت النتيجة الآن أن ثلث سكان بلدك أصيبوا بأمراض من مزروعات أرض السموم. ألم تفكر في التخفيف عن آلام شعبك؟ أكثر من ربع مليون مصري مروا على معتقلاتك، ومن شهرتها وقسوتها وسادية القائمين عليها ليُسعدوك، كنت تتسلم من أمريكا متهمين في قضايا تتعلق بالارهاب لانتزاع الاعترافات منهم، فرجالك أصبحوا أكثر شهرة من كل زبانية التعذيب في العالم. ألم تخجل مرة واحدة وأنت تقف أمام الله؟ قمت بتزييف كل الانتخابات والاستفتاءات، وكانت الصناديق الجديدة مُعَدّة سلفا بمعرفتك، ألم تخجل من مرآتك وأنت تنظر إلى وجهك كمزيف ومخادع وكاذب، حتى عندما وعدت شعبك بأن لا تجدد لولاية ثالثة، ففرضت عليهم الخامسة؟ ما هو دورك في اسقاط طائرة مصرية في سماء أمريكية بها 33 من خيرة خبراء مصر العسكريين؟ بعدما أرسل إليك صدام حسين جثث 4800 من مواطنيك المقيمين في العراق ، وكنت تعلم أنه تَمّتْ تصفيتهم بأوامر من طاغية بغداد، ثم طلبت تقريرا بعدما فاحت رائحة عفنة عن صمتك، فهل لك دور في تصفية المصريين، ودور فيما يحدث لهم في ليبيا بين الحين والآخر؟ كان لي صديق وهو قاض مثلي، ومستشار يحترمه ويقدّره كل جهاز العدالة. خرج مع زملائنا ممثلي السماء على الأرض للاحتجاج على ظلمك، فأوحيت لكلاب أمنك أن يُعَلّموه أن القضاء تحت حذاء السلطة التنفيذية، فركله الضابط بحذائه القذر على وجهه قائلا: أنت مستشار وابن كلب. طبعا الرسالة وصلتك، والحادث تم عرضه عليك من وزير الداخلية والصحافة ووكالات الأنباء، فماذا كان شعورك وقتها بعدما قام زبانيتك بتنفيذ أوامرك؟ كنت تكره المصريين كراهية شديدة، وتزدريهم، وتحتقرهم، وتتلذذ بسماع أخبار تعذيبهم، وقمت بمنح ثلاثة من ضباط التعذيب أوسمة ليفهم الجميع كمية البغضاء التي تحملها لشعبك. فمن أين أتيت بكل تلك القسوة والمرارة والحقد على شعب منحك رقابه، وأطاعك طاعة عمياء، وتمنى عليك أن تنصفه، فزادت كراهيتك له. ألم تكن لك روح من نفخة الله، ونفس قد تمر عليها أوقات تصبح سوية ووديعة، أم أن كل حياتك كانت طاعة للشياطين ، بل تحديا لابليس لعلك تكون أكثر منه عصيانا لله عز وجل؟ قمت بتخريب مصر سياسيا واجتماعيا ورياضيا واقتصاديا ، وقزّمت دورها، وعبثت في نفوس المصريين الطيبين فقفزتْ في عهدك على السطح سلوكيات مُشينة وفهلوة وبلطجة واستغلال، ولم تكن أنت بحجم أقل المصريين شأنا، فقمت بالانتقام منهم في أنظمة التعليم والثقافة واللغة، ورفضت القضاء على الأمية أو وضع مشروع قومي للقضاء على البلهارسيا، فهل كراهيتك للثقافة والفنون والآداب والكِتاب هي التي جعلتك تحاول ما وسعك الجهد جعل مصر تتراجع في كل تلك المجالات؟
هذا غيض من فيض، وقليل من كثير، ونقطة ماء من بحر واسع لو كان مدادا لنفد قبل أن يكتب القاضي جرائم الطاغية محمد حسني مبارك. عندما يموت الرئيس، وكل زعيم ذائق الموت، فستكون دموعي غزيرة على محكمة لم تُعقد ليشهد كل الذين صمتوا، أو برروا جرائمه، أو امتدحوا في ظلمه كأنه عدل، أن مصر العظيمة كانت كلها في قبضة حكم شيطاني لا يعرف الرحمة... ستبقى دمعتان على وجهي تشير الأولى إلى عجز كل القوى الوطنية والمعارضة والمستنيرة والعاشقة لمصر والمثقفة وأساتذة الجامعات والكُتّاب والاعلاميين والنقابيين والفنانين وغيرهم عن التوحد حول فكرة حب الوطن، وحول التعجيل في تحرير مصر من طاغيتها، فظلتْ أم الدنيا تتوجع وتصرخ وتستصرخ فلذات كبدها وأرضها الطاهرة. والدمعة الثانية على عجز كل القوى الدينية الاسلامية والمسيحية التي تقف أمام الله، عز وجل، في مساجد وكنائس مصر، وتقرأ عن مناهضة الشر والطغيان والاستبداد وممثلي الشيطان، ثم لا تفهم أن صمتها كان انحيازا لكلمات لابليس، ومناهضة لروح الله، ومعصية لأوامر الخالق، ونقصا في العبادة، وتجميعا لسيئات ستحسب على كل رجال الدين المسلمين والأقباط يوم يقفون أمام الله فيسألهم عن صمتهم أمام جرائم الطاغية حسني مبارك.
تلك هي خلجاتي، وأنا لا أعرف إن كان عزرائيل قد قام فعلا بزيارة الرئيس حسني مبارك، أم ينتظر قريبا من فراشه، أم أن صعود روح الرئيس مؤجلة إلى أجل قريب أو بعيد! نشرت منذ عدة سنوات مقالا تحت عنوان ( وقائع محاكمة الرئيس حسني مبارك) واكتشفت أنها لم تكن أمنيتي فقط، إنما عبّرْت في المقال المحاكمة عن تمنيات الملايين من الصامتين أو المضطرين إلى الصمت ، ولو قام انقلاب عسكري مصري خالص ووطني ليس لأي من قياداته علاقة بقوىَ خارجية فسأرقص في شوارع أوسلو ولو غطّاها جليد كثيف، وهبطت برودتها إلى ثلاثين تحت الصفر. سأكون أول من يبعث تهنئة إلى البطل المنتظر .. قائد الانقلاب العسكري فقد أنتظرته طويلا .. طويلا .
مر على الخليج العربي زمن كان الخليجيون يحسدون الكويتيين على ديمقراطيتهم، وكانت الكويت تمثل الحُلم الأكبر للمثقف والتاجر والاعلامي ومن أراد أن ينشر كتابا بعيدا عن رقابة سلطة بلده حتى أنني عندما التقيت الشيخ محمد الغزالي، رحمه الله، في أوائل السبعينيات قال لي بأنه قام بتهريب كتاب ( الاسلام في وجه الزحف الأحمر ) ليتم طبعه في الكويت.
كانت السلطة التشريعية تحت قبة البرلمان تعرف حدودها، وتحترم الفصل بين السلطات، وتقُدر المسؤولية الملقاة على السلطة التنفيذية.
لهذا عندما حمل آل الصباح الكرام مسؤولية تحرير الوطن الصغير من براثن الاحتلال العراقي الآثم كانت السلطة التنفيذية حاسمة، وهي أن تتولى بمفردها مهمة طرد المحتل العراقي بكل الطرق الممكنه، بما فيها الأصدقاء والمال والاعلام والكلمة المسموعة لأمير البلاد الراحل الشيخ جابر الأحمد الجابر الصباح، رحمه الله، والتي التف المجتمع الدولي حوله إثر القاء الكلمة على منصة الأمم المتحدة.
الآن تسرع، بل تلهث دول خليجية مجاورة للحاق بركب الحضارة والتقدم والتطور، فالكلمة العليا للسلطة التنفيذية.
لا أحد يعترض على عبقرية الفكر الاداري للشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، ولا ينبس مواطن ببنت شفة إن أصدر السلطان قابوس أمرا ساميا بتعيين امرأة وزيرة للتعليم العالي، وتتكدس الدوحة بمؤتمرات علمية واقتصادية وحفلات غناء وترفيه، ونفس الأمر ينسحب على مملكة البحرين.
الكويت .. هذا البلد الطيب صاحب أول تجربة ديمقراطية في المنطقة، والذي قاد الفكر التسامحي والحر عبر ديوانياته، والذي التف كل أفراد شعبه حول آل الصباح الكرام منذ أكثر من قرنين فكان الأمن والأمان ، وكان الوعد الحق بالتحرير بعد غدر الثاني من أغسطس عام تسعين، وأوفى آل الصباح بعهدهم .
هذه الكويت الجميلة .. العروس الخليجية الرائعة تتراجع تحت مطرقة السلطة التشريعية، والتقسيمات القبلية والطائفية، فرياح التشدد الديني القادم من المملكة العربية السعودية لم يتمكن من اختراق الحدود القطرية، ووقف على أبواب الامارات، وعجز عن شم هواء سلطنة عمان، وتدحرج على جسر الملك فهد قبل الوصول للبحرين.
لكنه وصل إلى أقدس بقعة في الكويت وهي الحرم الديمقراطي لممثلي ونواب الشعب.
هل الحصانة البرلمانية سيارة مفخخة؟
كيف يقف عضو محصن برلمانيا ليهدد بالاستجواب إن لم يتول أحد جماعته حقيبة وزارية؟
صراع سلطة أم تمثيل شعب؟
هل المطلوب أن تصاب الدولة كلها بالشلل خشية أن يبادر مسؤول بمشروع أو فكرة أو احتفال أو معرض للكتاب أو استقبال ضيف فتنزل مطرقة العضو المحصن برلمانيا وتكسر الرأس؟
لا أفهم حتى الآن معنى التكتل أو القبلية أو الطائفة أو التجمع المعبر عن اتجاه معين!
لماذا لا يترك أعضاء السلطة التشريعية مذاهبهم وتوجهاتهم وجماعاتهم وانتماءاتهم خارج القاعة لتصبح الكويت فقط هي المهيمنة على الفكر والرأي والنقاش والحوار والنقد والرفض والقبول؟
ما معنى هذا التقسيم للمواطنيين بين اسلاميين وغير اسلاميين؟
هل هي دعوة لاقناع أهل البلد بأن الله، تعالى، منحاز إلى فئة دون أخرى في الكويت؟
حذر عبد الرحمن الكواكبي في ( طبائع الاستبداد ) من الاستبداد الديني فهو الأخطر، لأنه بكل بساطة يتحرك داخل دائرة المقدس، ويدّعي أن الله يقف معه هو فقط، وأن حساب الآخرة سيكون عسيرا على من يخالفون أصحابه الرأي والفكر والاجماع.
في نفسي حزن شديد على ما آلت إليه أوضاع الكويت من استعراض قوة السلطة التشريعية في مواجهة السلطة التنفيذية.
الغريب أن هذا يحدث، ويتفاقم في نفس الوقت الذي يشعر الشعب كله بالتفاؤل من وجود أكبر تناغم وانسجام بين رجال الصف الأول الثلاثة، الأمير وولي العهد ورئيس مجلس الوزراء.
كان العقل والمنطق والموضوعية والخوف على الكويت والثقة برئيس وزراء تعرفه كل دار في الكويت يؤدي بالتالي إلى أن يذهب كل أعضاء مجلس الأمة إليه طالبين منه أن يختار من يشاء، وأن لا يكترث لتجمع أو طائفة أو قبيلة أو توجه لجماعة، وأنه السياسي المُحنك والاداري الذكي والمثقف المُطّلِع والعارف بهموم وقضايا الكويت، والمسؤول الذي لا يجامل في الحق أحدا ، فلا حاجة لاستشارات جانبية، وعرض التوازنات، وحساب قوة كل طرف.
الشيخ ناصر محمد الأحمد الجابر الصباح لا يحتاج لتعريف، واختيار الأمير له للمرة الثالثة لتشكيل الحكومة كان رسالة واضحة بتلك الثقة اللامتناهية من أمير البلاد ورمز الوطن.
استعراض القوة البرلمانية مخلوطة بالدين، ومغلفة بالدروس الأخلاقية، وواضعة المقدس مع المحصن تحت قبة البرلمان سيؤدي إلى شلل البلاد، وتراجع ثقة المواطن، وازدياد الجذب والشد، واعتبار حكم وطن كأنه صراع قوة واستعراض تمثيل شعب.
السلطة التنفيذية هي المسؤولة أمام الشعب، وعندما يفشل مشروع أو تتراجع الدولة فإن أفراد الشعب يحاسبون الحكومة ، أما السلطة التشريعية فلن يعبأ الكثيرون بتوجيه اتهامات لأي منهم.
الديمقراطية الكويتية ينبغي أن تكون بدون أنياب، ولكن بحسابات منطقية وعادلة وموثقة وأن لا تقيد المسؤول والوزير، وأن لا يظن عضو مجلس الأمة أنه مدير الرقابة على المصنفات الفنية أو أحد المطاوعة الذين يخربطون أغلفة المجلات لئلا تبدو سيقان النساء ظاهرة للمحرومين.
خوفي على الكويت من هذا الخلط العجيب بين رياح المطاوعة القادمة من السعودية، والتقسيمات الطائفية القبلية بين أفراد المجتمع، وعدم قياس سرعة التطور مقارنة بالدول الخليجية المجاورة، فنكتشف فجأة أن المسافة الزمنية بين الكويت والامارات أصبحت عدة عقود، وبين التسامح الكويتي ومثيله العُماني حقبة طويلة، وبين الأمر التنفيذي الكويتي والقطري بُعد المشرقين.
ليس أمام الكويتيين حل إلا بخفض درجة تسخين النقاش والجدال لينزل من درجة الهوس والصراع تحت قبة البرلمان إلى مساءلات في أهم قضايا الوطن تقوم بها السلطة التشريعية دون شروط مسبقة.
آل الصباح الكرام حملوا عبء مسيرة الديمقراطية، ولا يزال الشعب الكويتي كله يمنح الأسرة الحاكمة الولاء التام، لذا فإن تقييد السلطة التنفيذية بتهديدات الاستجواب بحجة أنه عمل دستوري تقوم به السلطة التشريعية سيدفع بالأوضاع إلى منعطف خطر، وسيجعل حل مجلس الأمة عملية روتينية تؤدي في النهاية إلى شلل القوانين، وتراجع الابداع.
عندما يأتي الوقت الذي تكون فيه شروط عضوية مجلس الأمة أكثر عدلا، ومرتبطة بالثقافة والفكر وأن يكون نصف الأعضاء أساتذة جامعيين وأكاديميين، وأن يكون الثلث على الأقل من النساء، وأن تصبح الكويت دائرة انتخابية واحدة يترشح المرء وفقا لعمله الوطني والسياسي والثقافي والفكري، وأن يقدم برنامجه الكترونيا، وأن لا يكون تاجرا أو زعيم قبيلة أو محسوبا على طائفة معينة، فإن فرص التعاون بين السلطتين التشريعية والتنفيذية تصبح عادلة وصحية وخالصة لوجه الوطن.
الوزير الكويتي مشغول بالنجاة من الاستجواب والتساؤلات والتهديدات والأسئلة المفَصّلة، ويستتبع ذلك بالتالي خوف وتراجع في قوى الابداع، وتردد في اتخاذ القرار.
لو تقدم أحدهم باقتراح لانشاء وزارة للسياحة مستقلة، وتقديم مشروعات سياحية وقرى على الشواطيء وحملات دعاية في العالم كله، فإن القوى الدينية البرلمانية ستجد سبعين ثغرة، وكلها متعلقة بالنساء والملابس والجنس وتقديم الخمور في الفنادق وانهيار الأخلاق.
كل ما يرفه على النفس الكويتية، ويدخل البهجة إلى قلوب الكويتين والوافدين، والغناء والموسيقى وهلا فبراير تَعَرّض لحملات ضغط حتى الكتاب الأكاديمي الذي يصعب فهمه لكثيرين من أعضاء البرلمان كان له نصيب من القمع الفكري.
نعود مرة أخرى ونؤكد أن السلطة التنفيذية هي المسؤولة أمام الشعب، وأن آل الصباح الكرام شرعية شعبية ودستورية، وأن سباق التطور والتقدم الذي يجري على قدم وساق ستتحمل مسؤوليته السلطة التنفيذية التي يمثلها آل الصباح الكرام، ولن يبحث المواطنون بعد عشرين عاما أو ثلاثين عن اسم عضو مجلس الأمة الذي عرقل مشروعا للسياحة أو للكتاب أو للاعلام أو لتكافؤ الفرص، أو لمنع الحديث عن الطائفة والمذهب، لكنه يُحَمّل آل الصباح الكرام تلك المسؤولية.اللعب بالحصانة البرلمانية يُعَطّل مُقدرات الوطن،والكويتيون في مشهدهم الحاضر محظوظون برئيس وزراء لو تركتْ القوى الأخرى له كل الحرية لتحول المشهد الكويتي إلى خلية نحل، وإلى حالة من الفخر تسري بين أفراده.
يتعامل المسؤولون في عالمنا العربي مع التكنولوجيا والتقدم العلمي تعاملهم مع الأمراض المعدية، فهم يخشونها، ويفضلون أن تمر أولا على جهاز رقابة وغربلة وتصفية قبل أن تقترب من مكاتبهم.
زعيم عربي كان في زيارة لمعرض علوم حديثة، ووقف مشدوها أمام جهاز كمبيوتر، وحاول أن يستعرض معلوماته فبحث عن كلمة ( طَبّاعة ) فلم يجدها في ذاكرته، لكنه كان يصر على افهام مهندس الكمبيوتر أن الزعماء أيضا لا يخافون التكنولوجيا، فسأله قائلا: إذن من أين يخرج الورق عندما تصلك رسالة؟
ليس الزعماء فقط هم الذين تفصلهم عن الجماهير مسافات شاسعة، لكن المسؤولين الكبار والوزراء والمحافظين أيضا تركوا مهمة تحديد العلاقة مع الجماهير في يد السكرتير أو مدير المكتب. وفي معظم الأحيان يصبح مدير المكتب من حيث لا يشعر الوزير قوة لا يستهان بها، فهو يحدد نوعية البريد، ويستطيع أن يرفض طلبا عاجلا، ويختار الضيوف، ويعتذر لآخرين، ويحدد للضيف الوقت، ويوحي للوزير بأهمية اللقاء.
بعد فترة من الوقت في الوزارة يتراجع دور الرجل الأول فيها لصالح سكرتيره أو مدير مكتبه.
في إحدى المرات قال لي مدير مكتب الدكتور حسين كامل بهاء الدين وزير التربية والتعليم في مصر، وكنت أتصل به من النرويج، إن معالي الوزير يأتي في الحادية عشرة مساء في كل يوم!
وكثيرون من الوزراء منشغلون في الخارج، يصطحبون رئيس الوزراء، أو يودعون رئيس الدولة، ومنهم من هو رئيس بعثة شرف لعدة أيام.
بريد يثقل، ويتراكم، ويفقد القديم أهميته بسبب مروره على مدير المكتب أولا.
الفاكس هو الجهاز السحري الذي لم يستفد منه معظم المسؤولين العرب لتكوين علاقة مباشرة مع أصحاب الشأن والجماهير والاحتفاظ بخصوصيات لا تمر على مدير المكتب.
السبب بكل بساطة هو أن جهاز الفاكس في الدوائر الجكومية الرسمية في عالمنا العربي لا يمكن أن يكون موجودا في مكتب الوزير شخصيا، والسبب غير معروف على الاطلاق.
قد يخشى الوزير أن يبعث له شخص رسالة غير لائقة، أو نقدا جارحا، أو لعله يظن أن في الأمر صعوبة بالغة، لكنني أرى أن الحل يبدأ من هنا ..
من جهاز فاكس أو اثنين في مكتب الوزير والمحافظ والمسؤول الكبير، ولن يستغرق الأمر بضع ثوان لتمر عينا الوزير على الرسالة فيضمها إلى بريده الخاص، أو يهتم بها اهتماما شخصيا، أو يَطّلع على أسرار لا يحب أن يطلع عليها مدير مكتبه أو سكرتيره الخاص، أو يحيلها إلى وكيل الوزارة أو الوكيل المساعد أو أي شخص مختص بالأمر.
سيتم اختصار مئات من الساعات في كل كل عام كانت تضيع مع عرض مساعد الوزير أو السكرتير الخاص أو مدير المكتب للبريد وأهميته وفقا لرؤيته هو، وستتكون علاقة دافئة وصحية مع الوزير، وسيعرض عليه الآخرون خصوصيات واسرار وسلبيات العمل، وستصله شكاوى وانتقادات لم تكن تدور بذهنه قط.
إنها دعوة لنقل السلطة والقوة من مدير المكتب والمساعد والسكرتير إلى الوزير نفسه، وهو ليس مطالبا بأن يجلس أمام الكمبيوتر ويكتب رسالة، أو يقرأ البريد الالكتروني، أو يقرأ الرسالة كاملة المهم أن العمل بهذه الفكرة سيسقط الحواجز التي أقامتها بيروقراطية متجمدة في عالمنا العربي، فإذا أعلن الوزير في الصحف بشجاعة أدبية وثقة بالنفس عن رقم الفاكس في مكتبه والذي لا يطلع عليه أحد آخر إلا أن يأذن له، فستتغير وجه العلاقة مع الوزير، وتنتقل القوة إليه، ويحدد هو أهمية الرسائل والخطابات واللقاءات والموضوعات والشكاوى.
نفس الأمر ينسحب على الشيوخ والأمراء الكبار في كل مكان،وكذلك الصف الأول من صناع القرار السياسي في العالم العربي.
إنها ليست دعوة فقط لردم الهوة، أو تقريب المسافات، لكنها فكرة لو تم تنفيذها على كل المستويات فسيكتشف أي وزير أنه فعلا لم يكن صاحب القرار الأول في وزارته، وأن علاقاته الاجتماعية والوظيفية تم تحديدها مسبقا في مكتب مساعده أو سكرتيره أو المدير العام أو حتى وكيل الوزارة المساعد.
كم من المشروعات توقفت، ومن الضيوف المهمين من تملكه اليأس من لقاء الوزير، ومن أموال أنفقت فيما لا طائل من ورائه، ومن تطورات كان ينبغي أن تحظى بالأهمية لولا عدم إدراك الرجل الثاني في الوزارة لما يدور في فكر الوزير.
المفترض أن مدير المكتب هو صناعة الوزير، لكن الذي يحدث في عالمنا العربي عكس ذلك تماما، فالوزير يضع رقبته في يد مدير مكتبه، يحدد له ضيوفه، ويهمل ما لايرى له أهمية، ويدخل بالبريد على الوزير في أوقات محددة، ولا يعرض عليه ما يغضبه، وقد لا يستريح لطالب موعد فيعتذر بحجة انشغال رئيسه.
جهاز فاكس أو أكثر بجوار الوزير في كل وزارة عربية من البحر إلى النهر قد تصبح طريقا سهلا وميسرا لتجديد العلاقة مع القضايا والموضوعات والجماهير، وتسحب البساط من تحت أقدام مدير المكتب.
لن يكون الأمر صعبا أو معقدا، فكما ذكرنا بأن الوزير هو الذي يحدد أهمية الرسالة، ويقرأها أو ينتظر، أو يؤجل النظر فيها.
قد لا تحتمل التأجيل ولو بعض الساعة فيأمر بما يراه الأصلح بدلا من عرضها على مدير المكتب ثم انتظار ايصالها للوزير نفسه.
لقد عرفت مدراء مكاتب يستشرفون أهمية الرسالة قبل عرضها على الوزير، ويعملون بجد واخلاص وشفافية ولكن هناك مئات غيرهم ينحدرون بعمل الوزير إلى الهاوية، ويكوّنون ثروات من وراء ذلك، ويشوهون صورة الوزير نفسه.
مدير مكتب وزير في دولة مشرقية اتصل بي منذ عدة سنوات، وطلب مني التوسط لدى وزارة الاعلام في دولة خليجية لعلها تستطيع أن تشتري له مطبعة بعدة ملايين أو تشترك معه في البزنس الذي أقامه!
مدير المكتب قوة لا يستهان بها، وهو في معظم الأحوال أكبر من الوزير، ويكاد يكون الرجل الأول حتى لو ظهر ذليلا منكسرا في تواضع عجيب أمام معالي الوزير !
نقل السلطة والقوة من مكتب السكرتير أو مدير إدارة المكتب إلى الوزير نفسه ستسحب البساط من تحت أقدام الكثيرين، وستعيد للوزير دوره الذي سُرق منه، وستجعل المياه تجري في الاتجاه الصحيح، وستعيد المعادلة إلى وضعها الصائب، ويصبح مدير المكتب أو السكرتير أو مدير الادارة في خدمة الوزير وليس العكس.
إنها دعوة آمل أن لا يقتلونها بالصمت، وأن يتبناها زملاء آخرون في صحف ومجلات عربية، وأن نتلقى شخصيا من وزراء عرب رسائل بالموافقة على الفكرة، وخروجها إلى حيز التنفيذ.
عندئذ سيكتشف الوزير أنه كان سجينا لدى مدير مكتبه، وأن فرصا عظيمة ضاعت منه، وأنه كان غائبا عن وزارته رغم حضوره اليومي، وأنه أصبح صاحب القرار الأول والأخير في تحديد الضيوف، واللقاءات، والموضوعات، والردود، وأنه أضحى الرجل الأول في الوزارة حقيقة وفعلا. ّ
تصور المتفائلون بالتقدم العلمي أن الإنترنيت سيفتح الأبواب للشبكة العنكبوتية لشحن رؤوس المتصفحين بما لا عين عين ولا أذن سمعت، وأن الوعي سيزيح جانبا أكثر صنوف الجهالة توغلا والتصاقا بالعقل والنفس معا. وكانت المفاجأة عندما تم تطويع هذا الانجاز الحضاري العملاق لخدمة التطرف والأميّة وتخدير العقل، وتم افساح المجال لخصوم التقدم والاجتهاد والعصرّنة والتمدّن والعقلانية لشن هجوم واسع وتدشين عشرات الآلاف من المواقع لخدمة الرِدّة العقلية. تسللت في الشهور الماضية إلى عدد كبير من المواقع لنشر مقالاتي في محاولة لكسب قراء جدد غير الذي يعرفون طائر الشمال المطبوعة من أكثر من عشرين عاما فصدمني الواقع المرير وبدا لي أن الجهل يضرب بحذوره في أكثر مواطن العلم تقدما، وأن الانتصار على الأمية الثقافية في معركة الحضارة ليس أمرا هينا أو سهلا مضمون النجاح أو نصفه ! * رسائل عدة من ( السلفي المصري ) يتوعدني فيها بمصير أسود لأنني انتقدت الرئيس حسني مبارك، ثم يدفع بكم من السباب والشتائم لينتهي بدعاء إلى الله أن يدخلني جحيم الآخرة لأنني على حد قوله مسلم يقيم في بلاد الكفر! * موقع ( ... ) الذي يستقطب فكر كبار قيادات الاخوان المسلمين يلغي فورا كل مقالاتي عن الاستبداد والطغيان والسجون والمعتقلات بعدما ثار قراء ومتصفحو الموقع باعتبار أن كتاباتي تصب في صالح أعداء الأمة وهي لا ترتفع لمستوى عبقرية أطروحات الموقع مثل ( هل يمكن أن يكون هناك دعم من الجن للاخوان المسلمين؟ وحكاية الفتاة التي ماتت فخرج مسك من أنفها لأنها لم تكن تشاهد التلفزيون أو تسمع الموسيقى، والمنقبة السعودية التي حضرت ندوة في الغرب فلما رأتها الحاضرات وهي ترتدي العباءة السوداء ولا يظهر منها الوجه أو العينان أو الكفان اعتنقت ست نساء منهن الاسلام في نصف ساعة !!، ودعوة لتجمع اسلامي ضخم ليتوجه إلى الله، عز وجل، ويطلب منه أن يكسر رقبة جورج بوش، وعشرات غيرها من الموضوعات المتشابهة) وتم الغاء كلمة المرور فكتاباتي عن قوانين الطواريء والمظلومين في المعتقلات وتوريث الحكم وكرامة المواطن لا يكترث لها الاخوان المسلمون لأن حديثا عن اخراج عفريت من الجن من جسد مسلم واقناعه بدعوة الاخوان المسلمين يفوق في أهميته كل مقالاتي. * موقع ( منتدى المحامين ) وافق على مقالاتي ( وقائع محاكمة الرئيس حسني مبارك، وقائع محاكمة العقيد معمر القذافي، سنوات الذل والقهر في المغرب، رسالة مفتوحة إلى الأمير عبد الله بن عبد العزيز ) ثم قام بحذفها فورا، وألغى كلمة المرور، وسمح بشتائم ضد كاتب هذه السطور لأن مقالاتي عن حقوق الانسان في المعتقلات والسجون لا تناسب أصحاب السعادة المحامين، وهم يريدون موضوعات لا تُذكرّهم بحقوق الآخرين والمعذَبين في السجون وانتهاكات كرامة المواطن. عدد لا حصر له من المواقع والمنتديات التي تتفجر فيها طاقات شبابية ليخرج عفن فكري مخدرّ وينذر بقرب انتهاء أمة لتتحول إلى هنود حمر، فحملات الكراهية والتعصب والطائفية تسيطر على تلك المواقع، ومنها ما هو متخصص في اثبات أن الشيعة كفار، وآخرون يؤكدون أن أهل السُنة على ضلال، وبيانات عن العلويين والجعفريين والأكراد والبهائيين والتركمان والقاديين وغيرهم، وكل فئة تدعي نسبها الشريف وتحاول الاتيان بقرائن وأدلة أن الله تعالى منحاز إليها فقط، وأنه، سبحانه وتعالى، طرف في معاركهم وينتظر نتيجة انتصار الفئة التي يناصرها حتى يبعث إليها برسالة تهنئة. تتسلل إلى المنتديات وتشارك في حوار أو تتابعه فيصيبك غم وهَمٌّ وكَمَدٌ ما بقي من يومك ، بل لعلك لاتصدق أن المشتركين قضوا عام أو بعض العام في مدرسة ابتدائية، ثم تعرج على منتديات اسلامية فلا تخرج منها إلا مصافحا روح كارل ماركس التي قال صاحبها بأن الدين أفيون الشعب، فأكثرهم يتحدثون عن قضايا فقهية مضى عليها ألف ونيف من الأعوام، ويستفتون في كل شيء، ويخلطون الجن بالجنس والعنف بالحور العين والجهاد بقطع الرؤوس. فتاة في موقع ( ... ) التابع لجماعة الاخوان المسلمين تطالب المسلمين بالاستعداد لفتح العالم واجبار كل سكان الكرة الأرضية على اعتناق الاسلام أو دفع الجزية وهم صاغرون ( لعلها لم تقرأ أن أكثر من مليار مسلم لا يستطيعون فتح زجاجة مياه معدنية لأبي عمار في مقر اقامته برام الله )، وآخر يحيره ممارسة الجماع مع اثنتين وسبعين من الحور العين في الجنة ثم يهدأ عندما يعلم أن قدرته الجنسية ستكون فائقة بدون فياجرا! ازدراء واحتقار لأصحاب الديانات الأخرى، وتحقير للمخالفين مذهبيا أو طائفيا، وتكفير لو تم تجميعه من الشبكة العنكبوتية لكان نصيب كل فرد في العالم ضربة سيف تتدحرج بعدها رأسه لسبعين ذراعا. تدمير مواقع الآخرين بحجة أنها تروّج لفكر مخالف فتظهر فجأة عبقرية الهاكرز والتي تبيت في سُبات عميق لو تعلق الأمر بالحقوق والكرامة وهموم الوطن، وتنطلق كالجراد المجنون وتختار المواقع الدينية أو السياسية التي تخالف الزعامات العربية فأجهزة المخابرات العربية لها أيضا هاكرز يبحثون عن أي اساءة للزعيم مدى الحياة. تسعة من كل عشرة مواقع ومنتديات تخشى قبول ونشر مقالات تفضح الذل والمهانة وامتهان كرامة المواطن في السجون العربية، والسبب يعود إلى أن الخوف دخل مسامات أجسادنا، وعبث بوجداننا ، وسيطر على عقولنا، وأوهمنا أن أجهزة مخابرات الزعيم العربي قادرة على فك الشفرة، واستبدال كلمة المرور في البريد الالكتروني، والتعرف على اسم المشترك، وايذاء أهله وأصدقائه واقاربه. إنهم يذكرونني بمواطن مغربي كان يتردد على ( المكتبة العالمية ) في أوسلو في منتصف الثمانينيات، واستمع مصادفة إلى شريط كاسيت سياسي حاد ولما أردت أن أعيره إياه ارتعدت أوصاله، وتحجرت عيناه لبرهة ثم قال لي بأنه يخشى أن تعرف أجهزة أمن الملك الحسن الثاني أنه استمع للشريط بمفرده داخل سيارته، فالملك قادر، كما ظن صاحبنا، على أن يتنصت على مواطن مغترب في شمال الشمال ولو كان بمفرده في سيارة مغلقة تسير في مكان ناء لا يعرفه إنس ولا جان! التحريض على القتل والتكفير والبغضاء خرج من رحم عشرات الالاف من الفتاوى الفجة والمتخلفة التي وجدت طريقها إلى الانترنيت، وأسرع المهووسون دينيا وجنسيا بجعلها تتحكم في حياة وممات المسلم، فهو مقيد ومكبل ومستعبد لبعض كبار العلماء الذين توفاهم الله منذ مئات السنين. ما عليك إلا أن تدلف إلى أحد المنتديات العربية والاسلامية وتطرح موضوعا خاصا بالمرأة أو الجنس أو الاختطاف أو كراهية الغرب فيتدافع المشتركون في الموقع ليزيدوك حزنا وأسفا على أمة تناهض العقل، وتهجو الاستنارة، وترسم صورة مشوهة وانسانية وأرضية لرب السماوات والأرض العزيز الجبار. العرب والمسلمون لم يعرفوا بعد قيمة هذا الانجاز الحضاري الرائع والعملاق.
هذا المقال مرت عليه أربع سنوات، وأعيد نشره الآن لوضع تساؤلي من جديد: هل تغير شيء؟
أوسلو في 27 أكتوبر 2003
من رحم المخاض والآم المبرحة والأوجاع يخرج جنين يصرخ فرحا بالحياة الجديدة, وتبدأ معه رحلة الأمل في السعادة والبهجة والأمن والسلام. الذين ذهب الظن بهم في ثنائية العرش السعودي أنهم سيتقاسمون السلطة مع آل سعود, ولن تستطيع قوة في الأرض أن تجعلهم يتخلون عن سطوتهم وارهابهم وصكوك الغفران التي بين أيديهم والفتاوى الفجة التي كبلّوا بها عقول وأفئدة معظم أفراد شعبنا السعودي يعلمون الآن أنهم سيجنون قريبا جزاء ما أقترفت أيديهم وألسنتهم في محاولاتهم لفرض السطوة والسيطرة والقوة والارهاب باسم الاسلام الحنيف, ولي عنق النصوص المقدسة, فسحروا أعين الناس واسترهبوها, وجاءوا بسحر عظيم, أعني به اسقاط قداسة النصوص الدينية عليهم. التطرف الديني تَرَبّى على نار هادئة لعشرات من السنوات كان الصمت في المملكة سنده الرئيس, وكان الظن بحق القوى الدينية في تقاسم عرش الوطن دافعا لثبات الموقف التعصبي المتشدد, بل وجعله سمة أساسية لنظام الحكم. وكانت السعودية تُخرج من أرضها الآمنة أعدادا هائلة من المستنيرين والمثقفين والعقلانيين والعلماء الذين تعلموا قيمة التسامح, لكنهم للأسف الشديد لم يتمكنوا من تطبيقها في وطنهم, فثنائية العرش مقسمة تقسيما غير عادل بالمرة, يعطي القوى الدينية السطوة, ويمنح آل سعود السلطة! ظلت القوى الدينية معادية تماما لقيم الحياة والجمال والخير والتسامح, وتستمد شرعيتها من الموت والقبر وعذابه, وتمسك سوطا لاذعا من الادعاء بأنها تملك تفسير النصوص المقدسة, وأن رجالها يملكون مفاتيح الجنة والنار, وتحارب الشعب السعودي الكريم متخذة جانب الكراهية والبغضاء وتضييق فسح الحياة ومعاداة الفنون في مناخ يخاصم كلية الانسان الذي كرمه الله, عز وجل, ويصالح القبور والجن والسحر والشعوذة وكراهية المرأة والكتب الصفراء التي مضت عليها قرون طويلة فُصِلت أكثرها عن العصر. كانت القوى الدينية تصالح أحيانا, أو تصمت في أحايين أخرى عندما يتعلق الأمر برؤيتها لآل سعود الكرام, لكن الدلائل والشواهد تثبت أنها لا تحمل أي ود لأبناء المغفور له المؤسس الأكبر. وقدمت الأسرة السعودية الحاكمة تنازلات كثيرة للقوى الدينية من أجل استمرار حالة اللاسلم واللاحرب مع المعادين للوطن والحياة, حتى قرار قيادة المرأة السعودية لسيارتها لاصطحاب أولادها وحمايتهم من الغرباء لم تستطع السلطة الشرعية أن تبت فيه, فهو مع صغره وضآلته قرار يعتبر المحك في استعراض القوة. وقوى التخلف تفضل أن يقود السيارةَ سائقٌ آسيوي عازب ومحروم جنسيا, فيعتدي على الأطفال , أو يمارس أي صورة من صور الفاحشة وهي كثيرة, لكن قيادة المرأة للسيارة حرام في مفهوم نصوص وهمية داخل عقول عفنة ومتحجرة وقاسية وغير متسامحة. وسقطت السلطة الشرعية في فخ نصبه لها ماسحو الأفكار لسحق المواطنة السعودية الممثلة في إيمان يقيني لدى المواطن بالاسلام الحنيف, فكبلته في طول البلاد وعرضها بعالم من الفتاوى الفجة, والنتنة, والمتخلفة, والمعادية للانسان وفطرته وكرامته وحريته واختياره المستقل, ولم يعد هناك شيء غير قابل للفتوى, فتسللت إلى الأحلام والفراش والضمير والفكر والثقافة والتعليم والصحة وكل ذرة عمل يمكن أن يقوم بها المرء, فسجنتها, وحولتها إلى آلة صماء يحركها روموت كونترول تلعب وتلهو به قوى التخلف. حتى كروية الأرض نفاها نفيا تاما المرحوم المفتي العام للمملكة في الوقت الذي صمت المستنيرون من آل سعود ومنهم رواد فضاء وعلماء في الفلك. عندما كان المطاوعة يجوبون شوارع المملكة ويطاردون المواطنين الأبرياء, ويجبرون الآمنين على الدخول إلى المساجد لأداء الصلاة حتى لو كانوا جُنُبا, أو جاء أحد منهم من الغائط, أو لامسوا النساء, أو أرادوا العودة لبيوتهم لأداء الصلاة مع عائلاتهم , كان هناك صمت ضعيف وحزين ومكتوم يخيم على الوطن, فثنائية العرش في واقعها العملي تمنح قوى التخلف أضعافا مضاعفة من السلطة والسطوة, وتترك للشرعية الممثلة بآل سعود الكرام ومثقفيهم ومستنيريهم قشورا دنيوية لا تخرج عن المال والمظاهر والألقاب. وحل المطاوعة محل الشرطة, وخرجوا في سيارات تحمل أجهزة لاسلكي, وسمحت لهم الدولة ووزارة الداخلية بتوقيف المواطنين, واصطحاب من يخالفونهم إلى أقسام الشرطة, وربما ضربهم في الطريق أو سحب بطاقات الهوية. من منا لا يتذكر تلميذات المدرسة اللائي احترقن لأن المطاوعة رفضوا هروبهن من الحريق الذي اشتعل بالمدرسة الداخلية, فتغطية الوجه والشعر كانت شرطا مهما للنجاة من الموت حرقا, فاضطررن للعودة إلى نار مستعرة في مشهد جاهلي قاس لم يعرف التاريخ له مثيلا. وخيم صمت رهيب على المملكة, وكنت أمني النفس بأن تكون تلك الفاجعة فرصة لخادم الحرمين الشريفين لاعلان فك الاتباط مع السلطة الدينية. الذي حدث في الرياض جريمة قتل جماعية لا تحتاج لكل هذه الضجة من التفسيرات الساذجة , ومحاولات التوسط بين الدولة وبين القتلة, لكن الذي لا تريد السلطة الشرعية أن تسمعه من أصدقائها حقيقة مُرّة وهي أننا جميعا مشتركون بنسب متفاوتة في تلك الجريمة. سنوات طويلة والمسؤولون في المملكة العربية السعودية يرفضون رفضا قاطعا الانصات لعتاب أصدقاء المملكة, ويهملون النقد, ويناهضون النصيحة, ويعتبرون أصدقاء الرياض الحقيقيين من المداحين والمنافقين والأفاقين والمرتزقة الذين يزينون لهذا البلد الطيب كل توجيهات قادته, ويجعلون من الأخطاء فكرا عبقريا, ومن الخطايا طريقا إلى الجنة. جريمة مجمع المحيا كان من السهل التنبؤ بها, ومن تابع وراقب عن كثب حصاد العفن الناتج عن مئات الالاف من الفجاوى الفجة في كل مناحي الحياة والموت وما بعدهما لا يداخله أدنى شك بأن الاعلام ورجال الدين والجمعيات السرية والعلنية والخيرية والمثقفين كانوا جميعا يمهدون لطوفان لا يبقي ولا يذر. لازلت أذكر كأنه بالأمس يوم تم القاء القبض على قيادات الاخوان المسلمين في مصر, فلم يمر يوم أو بعض يوم حتى كانت الاذاعة السعودية تذيع في كل مساء برنامجا عن فكر سيد قطب. وبعد تعاطف امتد لأكثر من أربعين عاما اكتشف السعوديون أن الاخوان المسلمين يبطنون كراهية شديدة للنظام السعودي وشرعيته!
والسعودية واحدة من الدول القليلة التي تعتبر النقد موقفا معاديا, والعتاب مناهضة لنظام الحكم, والأصدقاء مؤلفة قلوبهم ويمنع عليهم توجيه نصائح أو انتقادات وإلا فقدوا المميزات المادية التي يتمتعون بها في ظل الرضاء الرسمي عليهم. لهذا لم تجد السعودية أصدقاء ناصحين مخلصين عندما ظلت سنوات طويلة تقف موقفا معاديا من القوة العالمية الثانية مستخدمة تعبيرات القوى الدينية في أن السوفييت ملحدون وكفار( وكأن فرق الاغتيالات في السي آي إيه الأمريكية مكونة من مؤمنين أتقياء ). ودفعت مليارات للأفغان وقوى التطرف في بيشاور في حربهم ضد الغزو السوفيتي, لكن التطرف كان يأكل معه الشعب المسكين, ويقوم بصناعة عشرات الالاف من نسخ أسامة بن لادن. ووجه المخلصون نصائح للمملكة بعدم الاعتراف بأكثر الأنظمة الدينية عفنا وسفالة وانحدارا, أعني نظام طالبان البغيض, ولكن لم ينصت أحد, وحتى أئمة المساجد ألقوا خطبهم في مدح الفهم الطالباني للاسلام انطلاقا من تدمير المعابد البوذية التي كانت آمنة لمئات الأعوام ولا تؤثر قيد شعرة في إيمان الشعب الأفغاني بالاسلام الحنيف. وآوى السعوديون جماعة الاخوان المسلمين التي ثبت تورطها بعد ذلك في أعمال معادية للمملكة. بعدما قامت القوى الدينية بمساعدة المساجد والصحف والمجلات والدوريات والقنوات التلفزيونية والاذاعية والمطبوعات الاسلامية باغتيال براءة الفكر الحر بسهام الفتاوى الفجة وصنعت المسلم الخائف من الثعبان الأقرع في القبر, ومن وجود عفريت من الجن في فراش الزوجية, ومن جنية مهووسة بالجنس تطارده في الفراش, ومن رؤية وجه ابنة عمه المريضة في المستشفى لأن وجهها عورة وسيحاسبه رب العزة يوم الحشر حسابا عسيرا, ومن الاستماع إلى قطعة موسيقية هادئة تهديء النفس, وتسكن الروح, وتنعش القلب لأن الموسيقى حرام ... وبعدما أصبحت حياة المسلم في يومه وليله خاضعة لمقياس القوى الدينية وصكوك الغفران الجديدة, كان لابد أن يبدأ تفريخ الارهاب, ويخرج المارد من الزجاجة, وينفجر الكبت كراهية وبغضاء وقسوة ودموية, ويصبح أمل الشاب اليائس من بؤس الحياة وظلمتها وكآبتها في عملية انتحارية تضمن له مكانا في جنة الشهداء قريبا من مصب أنهارها وفي بيت وصفه عمرو خالد بأن مساحته ألف عام ! العمليات الارهابية الدموية في السعودية نتيجة طبيعية لمعاداة الحياة, وكراهة الجمال, والغاء الآخر, ونحن لا نظن أن الضرب الأمني بيد من حديد هو الحل النهائي والحاسم, فالأمن السعودي يراقب كل صغيرة وكبيرة, ومع ذلك فإن تهريب الأسلحة يجري على قدم وساق, والحدود مع اليمن السعيد تفتح ذراعيها للمهربين المحترفين, ونفس الأمر ينسحب على المخدرات وحتى على عشرات الالاف من الذين يقيمون في المملكة بغير ترخيص اقامة أو عقود عمل . الحل الوحيد الذي نراه من منطلق محبتنا للمملكة, ودعمنا وتعاطفنا مع آل سعود الكرام هو في تحرير المواطن من الخوف, ومن مسرور السياف الذي يمكن أن يقطع رأس المواطن في لحظة واحدة, ومن كهنة التفسيرات الدينية وعبدة النصوص الذين يوهمون شعبنا السعودي أنهم والاسلام العظيم شيء واحد. ولن يتحرر المواطن من الخوف ما لم يفك آل سعود الكرام الاتفاق الجنتلماني الظالم الذي يقسم السلطة بين أبناء المغفور له المؤسس الأكبر وبين آل الشيخ من علماء وفقهاء ورجال دين, أعني المتحدثين باسم الدين. كان من الممكن أن تصبح السعودية التي تذخر بمئات الآلاف من المثقفين والعلماء والأكاديميين والعباقرة جنة الخليج, لكن الذي حدث هو أن قامت القوى الدينية برسم مشهد مقلوب وباهت وعديم الجدوى لحياة كان من المفترض أن تكون بهيجة, ومليئة بالسعادة والاقبال على الحياة التي أهداها رب العزة لعباده. والمجتمع لا يزال يغمض عينيه عن كوارث شتى تسبب فيها التفسير الأحمق لأكثر أديان الأرض انفتاحا واستنارة واقبالا على الحياة, وإلا فليذكر لنا عالم اجتماعي واحد سبب وجود عدة ملايين من الفتيات السعوديات والنساء عوانس محرومات من دفء الحياة الزوجية, وحقهن في زوج وأولاد وحياة جنسية طبيعية ؟ السبب الوحيد الذي نراه هو الرؤية الرجعية والقاسية واللادينية للعلاقة بين الرجل والمرأة, فتم وضع المرأة في سجن أسود من ملابس سميكة في قيظ صيف حارق, وتم اخفاء وجهها, واعتبار صوتها عورة, وخروجها والتقائها بأبناء شعبها من الجنسين معصية للخالق, واظهار وجهها تحديا لأوامر الله العلي القدير. لا يمكن بأي حال من الأحوال أن تستقيم الحياة وتؤدي إلى الصورة المطلوبة ربانيا بغير لقاء المرأة بالرجل في مجتمع نظيف ومتحضر وعفيف ويثق رجاله بنسائه, وتحصل فيه المرأة على كامل حقوقها المشروعة والمواطنية بعيدا عن عصا المطاوعة, وتهديدات المهووسين بالتدين الجنسي. جريمة وجود عدة ملايين من الفتيات والنساء عوانس في المملكة لا يجدن حبا ودفئا أسريا وحقوقا جنسية في الفراش نتيجة زواج حر ومستقل وعفيف وطاهر تتحمل وزرها قسوة المجتمع الذي ينحني أمام تفسيرات غليظة لدين يسير وسهل, ثم يعتبر حرمان ملايين النساء من الحياة الزوجية الطبيعية مشكلة بسيطة تسببت بها مطالب أولياء الأمور في مهور مرتفعة. وبدلا من مد يد العون, والضرب على اليد الآثمة التي تكبل المرأة بفكر طالباني وراء ستار من حديد في عالم من الصمت المخيف, يعتبر المسؤولون هذه القضية ثانوية رغم أنها من منطلق انساني واسلامي وعدلي أخطر على الوطن من كل المشاكل والكوارث الأخرى. المرأة السعودية التي تحاصرها من كل مكان الفتاوى الفجة, والاحتقار الشديد, واعتبارها ناقصة عقل ودين, ووضع حلول ذكورية لمشاكلها الانثوية فيتحدثون عن أهمية تعدد الزوجات, وعن أهل النار وأكثرهم من النساء, وعن حرمانها من الجنة لو نامت وزوجها غاضب عليها( لكن الرجل لا يحرم من الجنة وهي غاضبة عليه لقسوته ومكوثه خارج بيته بعيدا عن أهله وأولاده ), بل يكذبون علانية على الرحيم الجبار وهم يدعون أنها ستحرم من غفرانه وجنة الخلد لو دعاها زوجها للفراش فأبت وتمنعت, أما الرجل فله كل الحق في أن يتدلل ويرفض ويهجر فراش الزوجية. تفريخ مجرمي مجمع المحيا كان يجري أمام أعيننا, وبأيدينا, وبغبائنا, وكلنا نشترك بمقاييس متفاوتة في التخطيط الارهابي لهذا العمل القذر. ومع ذلك فلم نتعلم الدرس, كعهدنا بأنفسنا, وخرج علينا في الصحف والقنوات التلفزيونية عدد هائل من العلماء الذين لا يقنعون فأرا صغيرا بوجهة نظر واحدة, وجعلوا يصبون جم غضبهم على الارهابيين, أو يدعونهم إلى التوبة في قوالب مجمدة وغير حية, أو ينظرون في كل مكان بعيدا عن أصل المشكلة, وجذور الطوفان الذي قد لا يبقي ولا يذر. نختلف تماما مع الأمير نايف بن عبد العزيز وزير الداخلية الذي يقول بأنه لن يحاور الارهابين إلا بالبندقية أو بالسيف! إن حوار السيف لم يصنع المواطن الشجاع, ولم يمنع تهريب السلاح من اليمن وغيره, ولم يقلل من سموم المخدرات التي تغتال شباب الأراضي المقدسة وهم يسمعون الآذان خمس مرات في كل يوم وليلة, وتحيط بهم المواعظ والحكم والخطب والوصايا, فتطاردهم حتى في أحلامهم. أما البندقية بمفردها فستخيف الارهابيين, وتطارد القتل, لكنها لن نصنع مجتمعا آمنا ومسالما وعادلا, وسيظل الخطر يداهم المملكة مالم تقم ثورة جديدة بقيادة الشرعية الحاكمة لآل سعود الكرام, وتعيد ترتيب البيت الداخلي, واعادة صياغة مجتمع حر وصريح ومستقل. في خضم معركة حياة أو موت بين مجتمع يبحث عن سلام , وبين متشددين وارهابيين يبحثون عن الطريق إلى الجنة من خلال القتل وسفك الدماء, وقفت وسائل الاعلام في حيرة بين توجيهات رسمية مضي عليها نصف قرن بالاحتكام لرجال الآخرة في أمور الدنيا, وبين انقاذ الوطن من براثن خصومه الذين يحملون جنسيته , ويعيشون فوق ترابه, ويرضعون من دفء محبته. ووسائل الاعلام التي تعرض على المواطنين ساعة كاملة في نشرة أخبار هامة استقبال أمير وتتوقع من المشاهد الكريم أن يجلس ستين دقيقة دون حراك متمتعا أو مندهشا أو مهتما بصف طويل من المهنئين يقبلون كتف الأمير, لن تستطيع أن تعرض هموم المواطن, أو تقنع ارهابيا واحدا بأنه مخطيء أو مجرم. والانسان المكبل والخائف الذي يشعر بدونية أمام السلطة لا يعرض إلا قضايا العبيد, ولا يتنفس بعمق أو ينظر في عيني محدثه أو يعاتب أو يحمل الدولة مسؤولية خطأ أو يبحث عن التغيير من الأعلى. إذا أراد حقا آل سعود الكرام النجاة بالوطن فليس أمامهم غير الانصات لأصدقائهم وعشاق المملكة والخائفين على الأراضي المقدسة والمتعاطفين صدقا مع أبناء المغفور له المؤسس الأكبر. البندقية والسيف لن يتمكنا من القضاء على الارهاب, واستضافة كل علماء المملكة وفقهائها لتوجيه نصائح للشباب الانتحاري, من المجرمين أو من المغرر بهم, لن يحرك شعرة واحدة من إيمان أي منهم أنه يحسن صنعا بالقتل, فهؤلاء كالروموت كونترول تمت برمجتهم على أيدي أباطرة المزايدة الدينية. انفتاح المجتمع وحريته في اختيار نمط حياته وفي اطار السهل والمتيسر والممكن من التطبيقات الدينية يمكن أن يكون مقدمة لوضع حل لقضايا ومشاكل المملكة. ينبغي سحب البساط من تحت أقدام قوى التدين الجنسي, وذلك بفتح الأبواب أمام المبدعين في الآداب والفنون والسينما والمسرح والفلسفة والمنطق والنقد والاحتجاج, عندئذ لن تجد قوى الارهاب الاجرامي متنفسا لها إلا بين الحين والآخر في عمليات صعود الروح التي يقوم بها اليائسون أو الباحثون عن موقع في الجنة لن يشموا ريحه أبدا. إن التدوير في المناصب الكبرى سيمنح نفسا جديدا للحكم, وسيقضي على شللية تكونت بالفعل بحكم السنوات الطويلة جدا في المنصب فجعلت من السهل أن يغيب الأمير المسؤول عن موقعه عدة أشهر دون أن يتغير شيء, فقد تأسس جدار سميك من الرجل الثاني والثالث والرابع والخمسين والمئة, وكل منهم يعتبر نفسه امتدادا لسلطة الأمير! لو نجحت حملة الابتزاز الأمريكية لاجبار السعودية على دفع تعويضات لضحايا مركز التجارة العالمي فربما كانت النتيجة افلاس دولة, وحجز ارهابي أمريكي على مليارات من أموال المملكة وخيرات الشعب السعودي وممتلكات أجيال قادمة. لذا فإن الحنكة والذكاء والحكمة تستدعي الاسراع في تغيير يطال كل ما على الأرض في المملكة, الأنظمة, القوانين, القضاء, الفتاوى, الصحافة, سطوة المؤسسة الدينية, حقوق المرأة, المعتقلات والسجون, شركاء الوطن من الاخوة الشيعة, حرية السعودية في سحب أموالها من المصارف الأمريكية متى شاءت وكيفما أرادت, بيع نصف النفط باليورو, السياحة كمصدر مالي, السعودة في كل المجالات, حقوق الوافدين والغاء نظام الكفيل المسيء لصورة الخليج
حرية اطلاق الصحف والمجلات, تجاوز صحافة استقبال الأمراء القائمة على خوف وجزع ورعب من الصحفيين أو تملق من بعضهم, مساواة المرأة بالرجل في الحقوق والواجبات مالم يكن هناك نص مقدس يخالف ذلك, انشاء لجنة عليا للتحقق في كل مظالم الوافدين الذين سرقهم الكفيل, الغاء كامل لأي سلطة مهما صغرت لأجلاف المطاوعة, تنظيف الفكر الديني من عشرات الالاف من الفتاوى الفجة والمتخلفة والعفنة التي سجنت المسلم السعودي في اطارها, ومنعت عنه جمال الحياة ويسرها وسهولتها التي أنعم الله بها على البشر, البدء بانشاء مسارح ودور سينما لعرض الفنون المسرحية والجيد والهادف من الفن السابع, توزيع عادل للثروة فلا يعقل أن يأمر أمير ببناء قصر كلفته أكثر من مئتي مليون دولار في الوقت الذي يتحدث فيه المختصون والأكاديميون عن مساحة كبيرة من الفقر في واحدة من أغنى دول الشرق الأوسط والعالم العربي, إعادة النظر في العلاقة بين الرجل والمرأة لتصبح قائمة على عفة واختلاط نظيف وثقة بالرجل, اعتبار النظام الصارم والمتحجر الذي صنعته المؤسسة الدينية هو المسبب لكارثة وجود عدة ملايين من الفتيات والنساء السعوديات العوانس, والمحرومات من حق الحياة في حب وأسرة وعلاقة جنسية جميلة ودافئة وعفيفة بين زوج وزوجته في حدود ما أحل الله تعالى, تكوين جيش سعودي قوي في اطار تجنيد الزامي لا يستثني ابن ملك أو أمير, استثمار أموال وطنية في صناعة سلاح بأيد سعودية وعربية بدلا من صفقات تقدر بعشرات المليارات تنتهي دائما باللجوء إلى قوات أجنبية لتظلل حمايتها على المملكة, خروج المرأة للعمل لتحل محل العمالة الوافدة ويدور رأس المال في الوطن بدلا من تحويله للخارج في استنزاف مخيف من ملايين الوافدين, الغاء أي سلطة تمتلكها جهة دينية, فالدين معاملة وسلوك وعلاقات طيبة وليس سوطا لاذعا على ظهور المخالفين, السماح لغير المسلمين باقامة شعائرهم في حرية تامة, وبعرض أفكارهم مهما بلغت من مخالفة للاسلام, فهذا الدين الحنيف الذي يسابق الريح في جذب الآخرين لاعتناقه منذ قرون قادر على الاستمرار إلى يوم القيامة ولو تضاعف خصومه ومخالفوه ومحاربوه أضعافا كثيرة. هذا قليل من كثير يجب أن يكون في مقدمة خطوات التغيير القادمة, ولا يتسع المجال هنا للحديث عن مئات الأشياء الأخرى التي , للأسف الشديد, استغلتها المعارضة السعودية, وكتب عنها محمد المسعري, وأهاج بها الدكتور سعد الفقيه في قناته ( الاصلاح ) الرأي العام السعودي, وانحشرت في عشرات الكتب المتراصة في مكتبات الغرب, خاصة لندن, ولم تجد آذانا صاغية باستثناء تقارير معدة سلفا في اليوم الوطني للمملكة العربية السعودية تنشرها مطبوعات تدعي صداقتها للمملكة وتعاطفها مع همومها وقضاياها, لكن الحقيقة أن الصداقة الحقيقية والخالصة مرتبطة بالصدق ولا تخلو من عتاب ونصائح وتوصيات ومخالفة في الرأي ونقد شديد بَنّاء. أين ذهبت بصمات مئات الالاف من الشباب السعودي الذين تعلموا, وتثقفوا, وحصلوا على أعلى الدرجات الجامعية في الغرب وأمريكا وكندا وغيرها؟ الحوار الوطني فكرة رائعة, وعمل يصب في صالح دعوتنا للتغيير, خاصة وأن الدكتور عبد الله عمر نصيف الذي عهد إليه مع غيره واحد من المفكرين المثقفين القادرين على إدارة حوار وطني ينبه صانع القرار السياسي إلى مقاصد وآمال شعبنا السعودي, وما يعتمل في نفوس أفراده. مرة أخرى, وليست أخيرة نعيد التذكير بأن العقبة الكبرى في طريق الاصلاح هي الفكر الاستعلائي الذي يرفض النقد والعتاب, ولا يميز بين الصديق والمنافق, ويضع عرض قضاياه في أيدي المؤلفة قلوبهم من المنافقين والمتملقين من كتاب وصحفيين واعلاميين ومثقفين لا يرون السعودية إلا نفطا ومالا وصحراء ورمال فإذا انقطع المال أداروا ظهورهم وولوا وجوههم شطر من يدفع أكثر! حرية المخالفين في الدين جزء هام من صلب العقيدة الاسلامية ( من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر), والتقسيم الذي وضعته المؤسسة الدينية للناس على أساس دينهم هو تقسيم طائفي وعنصري وليس من الاسلام في شيء, فالانسان الذي أكرمه الله أكبر من كل التقسيمات التي ترى كل فئة فيها أن الله منحاز لها فقط, ولكن الله أكبر من كل هذا. لماذا لا يعترف الاخوة في السعودية بأن تغطية وجه المرأة تسبب في كوارث وظلم وارهاب وجرائم وتهريب وفساد, ولعل تصريح أحد القتلة بأن ارتداء ملابس نسائية يدخل في أولويات تخطيط أمراء القتل, وقد حدث نفس الشيء منذ عام لكن القرار السياسي مرتبط بالمؤسسة الدينية التي تفصل الجنسين, وتعزل المرأة, وتسجن الفتاة في ملابس طالبانية وتطلب منها أن لا يراها غير أبيها وأخواتها, وتملك المؤسسة قوة مفزعة تستمدها من الايحاء بأنها صاحبة تفسير النصوص الدينية, حتى قرار قيادة المرأة للسيارة وهو أمر فيه حرية المرأة واستقلاليتها وعفتها وابتعادها وأولادها عن خطر الهوس الجنسي للسائق المحروم, حرمته المؤسسة الدينية وخضعت له السلطة الشرعية. إنني أتحدى أي مسؤول أو اعلامي سعودي أن يستخرج من مقالي هذا ذرة كراهية أو خصومة أو عداء أو عدم تعاطف مع شرعية آل سعود الكرام وهموم ومصلحة شعبنا السعودي, ومع ذلك فلا أتوقع إلا مصادرة المجلة, وموقفا سلبيا معاتبا من وزارة الاعلام, وغضبا من الكثيرين.ولكن يشفع لي أن المسؤولين السعوديين يكتشفون بعد فوات الأوان في كل مرة أننا نكتب لهم بعصارة محبة يهتز لها القلب من فرط الخوف على طوفان لا تراه العين المجردة, ولن توقفه أي قوة أخرى غير فك الارتباط مع المؤسسة الدينية الظالمة, وسلام الله على المملكة.
أوسلو في 15 يناير 2005 قال لي صديقي نائبُ رئيس تحرير الصحيفة الخليجية الواسعة الانتشار بأنه على يقين تام من أن التغييرَ في سوريا قادمٌ لا محالة، وأن طبيبَ العيون الشاب جادٌ في تحرير الوطن من القبضة الحديدية التي تمسك بخناقه، وأنّ الخوفَ في سوريا في عهد بشار الأسد سيكون من مخلفات الماضي بعد رأب الصَدْع، وإعادة الأمن والأمان للمواطن. كان صديقي واثقاً ثقة إيمانية، فقلت له بأنني أشاركك جزءا لا بأس به من هذا التفاؤل، ولعلك لاحظت أنني لم أقطع الأمل أو أنسف الجسور أو يتحول قلمي إلى مُحَرّض كما فعلتُ مثلا مع الرئيس حسني مبارك والعقيد معمر القذافي والرئيس التونسي زين العابدين بن علي والرئيس السوداني عمر حسن البشير فهؤلاء ليس هناك أيُّ أمل على أيديهم حتى لو ساندتهم الملائكةُ رغم أنها لم تقترب من قَبْل من قصورهم أو خيامهم! وعدتُ إلى قلمي فوجدته أشدَّ حيرة مني! أريد أن أمُدّ يدي، ثم أهتف للرئيس، وأجد له مئة عذر في كل منها مئة تبرير بأن الرئيس يطبخ التغيير المرتقب على نار هادئة، وأنه لا يصدق عاقل أن بشار الأسد هو مركز القوة في الدولة فكل من حوله من الحرس القديم كانوا في أوج السلطة عندما كان طفلا يزور والده في القصر الجمهوري.
كيف يمكن أن يطيح بنواب سابقين للرئيس الوالد ووزراء وجنرالات تثقل أكتافَهُم وصدورَهم نياشينٌ لو تم تعليقُها على حائط لسقط على الفور؟
كيف تطيعه يده فتُوَّقع على قرار عزل أو نقل أو إنهاء خدمات أصدقاء والده الذين كان يسبق لقب واسم كل منهم: عمي العزيز؟ هل سيطيعه الجيش؟ هل ستأتمر بأوامره أجهزة الأمن والاستخبارات وهي التي تستطيع أن تحصي أنفاس المواطن السوري وهو في فراشه في غرفة نوم مغلقة ببيت فوق ربوة عالية؟ نشرت مقالي المعنون بــ ( رسالة مفتوحة إلى الرئيس بشار الأسد .. تحرير المواطن قبل تحرير الجولان ) في أحد المواقع السورية الواسعة الزيارة على الانترنيت، فقرأه المئات وعقب عليه ثلاثة فقط زادوا إلى خمسة بعدما نشرت نداء للمشاركة الوطنية.وكنت قد كتبت في هذا المقال الرسالة: **كل القوانين الجديدة والإصلاحات الاقتصادية والسباق العلمي لن تجدي نفعا ما لم يتم القضاء على دولة الاستخبارات والإفراج عن جميع المعتقلين السياسيين وعمل مصالحة وطنية مع كل فئات الشعب من اليمين واليسار والشيوعيين والإخوان المسلمين، وإنهاء أى أثر ظلم وقع على مواطن سوري فى أى مكان.
ولن تحقق سوريا أى تقدم أو تطور أو تنمية حقيقية قبل أن تزيل أنت وحدك وسلطتك وشبابك وحب السوريين لك كل مظاهر الظلم الواقع من أجهزة الأمن السورية على أبناء الشعب. هل تعرف، سيدي الرئيس الشاب، أن السوريين فى الخارج لا يزالون يرتعدون رعبا من أجهزة الأمن ويبتهلون إلى الله قبل الوصول إلى أرض الوطن مع كل زيارة بأن لا تمتد إليهم يد الأمن، ولا يغضب على أحدهم ضابط، ولا يوشى بأي منهم مخبرٌ صغير يتلقى التوجيهات من مكتب الأمن بالقسوة والعنف والظلم. الفساد الذى تسعى جاهدا للقضاء عليه تربى فى أحضان أجهزة الأمن وحماية الاستخبارات ورعاية أقسام الشرطة تماما كما فعل رجال عمك من سرايا الدفاع الذين مزجوا التجارة والتهريب والاستيلاء على الموانئ والبضائع بالتحكم فى سراديب الخوف فى زنزانات بسجون مظلمة تصب فى صالح إسرائيل. لن أحدثك عن الاقتصاد والتجارة الحرة والعلوم والتكنولوجيا والتطور الإنترنيتي كما فعل زملائي فى عشرات من المطبوعات بطول الوطن العربى وعرضه، ولكنني مهموم بشئ واحد لن تستطيع سوريا أن تحقق انتصارا فى أى مجال بدونه، وهو الحقوق الكاملة للمواطن السوري والإفراج الفوري عن آخر سجين للرأي فى السجون السورية**.
** حرر شعبك من الخوف، وقم بنفسك بزيارات لكل السجون والمعتقلات، وتحدث مع المظلومين، واستمع إلى المعارضين والخصوم قبل مؤيديك، واجعل جهاز الأمن فى مواجهة الكيان الصهيوني والطابور الخامس والجواسيس، ولكن بعيدا. . . . . . بعيدا عن أى مواطن سوري برئ.
لا تصدق رجال أمنك ومستشاريك عندما يبلغونك بنبأ اكتشاف مؤامرة لقتلك أو تخطيط لاغتيالك، أو خصوم يتربصون بك، فهذه هي البداية الحقيقية للإيقاع بك سجينا خلف حراسك، ومعتقلا بين أيدي مستشاريك، وقائدا يتحكم فيه التقرير الأمني ليلا ونهارا. وستظل شرعيتك الشعبية غائبة إن حجبك عن شعبك جدار سميك من الأمن والمستشارين والاستخبارات ** ماذا كانت الردود المتواضعة والخجولة والمترددة؟ كانت تعتذر عن الخوف الذي دخل نسيجَ الشخصية السورية، وعبثَ بمشاعرها، وحاول أن يُكمم القلوبَ التي هي في الصدور بعدما لجم الألسنة. منذ أن تولى الدكتور بشار الأسد وأنا أحتفظ بخط العودة عن ثقة أدعو الله تعالى أن لا تكون وَهْمَا وأضغاثَ أحلام وهلوسات ساذج يعلم مُسبقا أن الأمور أفلتت من يد الرئيس، وأنه هو أيضا سجينٌ كمواطنيه في أيدي أجهزة الأمن حتى لو كان ظاهريا صاحب الكلمة الأولى والأخيرة. ومع مرور الوقت تزداد قوةُ سيد القصر الجمهوري بدمشق، وكما هي للشعب فهي عليه أيضا، فالزعيمُ لا يعرف بعد مرور فترة طويلة من الزمن أنه قام بصناعة جدار عازل وفاصل بينه وبين الشعب، وأن حُمَاتَه وحُرّاسه هم ساجنوه، يراقبونه بنفس القدر الذي يراقبون فيه أبناء الشعب.
أخشى أن يظن الرئيس الشاب أنه أكثر حرية من أقل المواطنين شأنا، وأكثرهم ضعفا ووَهَنَاً وربما .. خوفا!
أعود إلى صديقي العزيز نائب رئيس تحرير الصحيفة الخليجية الذي استقبلني كعادته بدفء ومحبة وصدق قبيل سفره لأداء العمرة وأبسط أمامه حيرتي، فقلمي لا يطاوعني لأنه يحمل الاثنين معا: ثقة بالرئيس بشار الأسد، وتصديقا لكل تقارير منظمات العفو وحقوق الانسان التي تؤكد أن التجاوزات والانتهاكات والرقابة والسجون والمعتقلات والتعذيب وإمتهان كرامة المواطن لا تزال شاهدة على تجميد حلم التغيير وربما استبدال كابوس به.
ولكن إلى متى يظل الرئيس رهينا لدى أعمامه(!!) ومترقبا يوم الافراج عنه حتى يفرج هو بدوره عن أبناء شعبه؟
أكثر السوريين خائفون، وفكرة التمرد أو العصيان أو التظاهر الشعبي الضخم تبعث على استدعاء آلاف المشاهد من سجون سوريا، والغريب أن المواطن السوري يستيقظ في كل صباح ونَفْسُه مفعمة بأمل ، قد يكون زائفا أو حقيقيا،بأن بشار الأسد قرر في لحظة شجاعة نادرة الانحياز إلى الشعب السوري، وإنهاء دولة الاستخبارات، والافراج عن كل معتقلي الرأي والضمير بدون أي استثناء، ومن ثم تحرير وطن من العدو الداخلي الأكثر شراسة وحقدا وكراهية للسوريين من عدو آخر يحتل بقعة طاهرة من قلب العروبة النابض.
السؤالُ الأكثر صعوبة في طرحه أو في الاجابة عليه هو عن الفترة الزمنية المحدَّدَة والتي تصبح نهايتُها حدّا فاصلا بين أمل معقود ويأس نهائي! عامٌ خامس للرئيس بشار الأسد ومن المفترض أنه جمع حوله محبيه ومؤيديه واستطاع أن يتسلل إلى القلوب وتمَكَن من فرض هيمنته وسطوته وقوته على كل أجهزة الدولة وفي مقدمتها الجيش والاستخبارات، وأن قرارا جمهوريا صادرا من الرئيس بنفسه يعلن بمقتضاه الافراج الفوري عن كل المعتقلين سيصيب الحرس القديم بصدمة لكنهم سيتراجعون وسيعيدون حساباتهم مرتين قبل أي مواجهة مع سيد القصر. كانت النيةُ منعقدةً وأنا أبدأ هذا المقال على محاولة ايجاد مخرج أو عذر للرئيس ومن ثم تمديد المهلة قبل الافراج عن الشعب السوري، لكن قلمي يقاوم رغبتي مقاومة عنيفة، ويرفض رفضا حاسما مقالا فيه ثناء وبحث عن انجازات ومكتسبات منذ تولي الشاب مقاليد حكم بلد يملك مفاتيح الأمن في العراق، والسلام في لبنان، والهدوء في الأردن، والغضب في فلسطين المحتلة. إن كل يوم يمر على سجين رأي أو معتقل ضمير يجلس في زنزانة قذرة في عمق قبو مظلم تحت الأرض هو إدانة لكل ضمير إنساني، وصفعة على ادعاء أي منا أنه يملك روحا في جسد خليفة الله على الأرض. فكيف لي أن أجد عذرا أو تبريرا لاستمرار اعتقال مظلوم أياما وشهورا وسنوات، ثم يصفح عني ضميري عندما أطالب بالانتظار حتى يتمكن السيد الرئيس من اتخاذ قرار تحرير الوطن والمواطنين؟ أربعة ايام قضاها فراس محمود عبد الله تحت التعذيب في فرع الأمن الجنائي، ثم صعدت روحه إلى بارئها غاضبة ساخطة على القصر الجمهوري، وشاكية العزيز الجبار من ظلم أهل هذا البلد. وأربعة ايام أخرى كانت كافية لتلحق بها روح المواطن نجدت بري في اللاذقية بعدما خضع لكل صنوف التعذيب القاسي على أيدي الأمن الجنائي. هل يعلم الرئيس السوري أن القاضي أحمد صالح حمود أشرف بنفسه على تعذيب المواطنة السورية آمنة المحمد العلوي؟ ألم يشمل قَسَمُ الرئيس بشار الأسد أمام الشعب المادة 28 من قانون العقوبات التي تمنع التعذيب الجسدي والنفسي والمعنوي والمهين؟ أليست سوريا طرفا ملتزما بالاعلان العالمي لحقوق الإنسان؟ التعذيبُ في سوريا بشار الأسد روتيني ومنهجي، وسنواتُ حُكم طبيب العيون الشاب المستنير والمتمدن والفنان والرقيق لم تنزع الخوفَ من قلوب السوريين، فشعبُنا السوري العظيم صاحب الحضارة وتاريخ النضال وعهود مشرقة ساهمت في كل الفنون والآداب والعلوم والانتصارات بما فيها انهزامات الوطن الكبير لايزال قِسمٌ كبيرٌ منه إن لم نقل غير مبالغين الشعب برمته يرتعد رعبا من ذكر اسم أجهزة الأمن والاستخبارات، والسوري يتصفح الانترنيت فيرتفع ضغط دمه، ويتجنب مواقع سياسية، وينتظر من يطرق باب بيته لينزعه من أحضان أسرته بتهمة سياسية حتى لو كانت كتابة فقرة في موقع على الشبكة العنكبوتية.
والسوري ينتظر العناية الالهية وهو يسير في شوارع لندن وجنيف وأستوكهولم وكوبنهاجن وأبو ظبي وبيروت ودبي والكويت لعلها تعيد إليه وطنه، وتسمح بتقبيل ترابه، وتتيح له حرية الحلم بالوصول لمطار دمشق الدولي فيدخل دون أن تزداد نبضات قلبه، ويكتشف أن أمن المطار فيه رجال يتقون الله، وأن ملفه خال تماما من أي بقع سوداء نثرتها شكوك ضباط تحركهم الوشاية، وتنعشهم السادية، ويبهجهم مشهد ركبتي المواطن المسكين تصطكان وترتعشان عندما تلتقي عينا العائد إلى الوطن بعيون رجال الأمن الباحثين عن بريء وحيد وسط آلاف العائدين إلى أحضان القلب الكبير لسوريا. ماذا لو كان الرئيس بشار الأسد يقرأ تقارير اللجنة السورية لحقوق الإنسان، ثم يعرج إلى تقارير منظمة العفو الدولية وكل منظمات حقوق الإنسان ومنها هيومان رايتس ووتش؟ هل تستطيع ذرةٌ واحدة متناهية في الصغر من ضمير الرئيس أن تبرر جريمة اغتيال كرامة شعب، والبصق على الدستور الحامي للحريات، وازدراء آدمية المواطن، واحتقار القضاء، واعتبار روتينية التعذيب والاغتصاب وتفريق الأسرة وابتزاز الأغنياء واعادة نظام الرق في صورة أكثر تحضرا؟ إذا وجد الرئيس أن تلك الأمور من الصغائر ويستطيع السوريون الانتظار عقدا آخر أو عقدين فالأمر لا يحتاج لمقال أو رسالة محبة أو نصيحة أو تمسك بشرعية سيد القصر، وسنكون أمام جريمة مكتملة الأركان، ولن نستطيع أن نهاجم وننتقد ونشجب أحلام وآمال السوريين في الخارج والداخل الذين لن يقاوموا مجنزرة أمريكية يباركها أعضاء الكنيست الصهيوني لو حدث، لا قدر، أن جاء الدور على سوريا بعدما تنتهي قوى الشر من قص أجنحة آيات الله وحراس الثورة في الجمهورية الاسلامية. أما إذا كان الرئيس الشاب أسيرا حقا، وسجينا ترصد خطواته عيونُ أعمامه والحرس القديم، وأنه يتألم لآلام السوريين، ويتوجع من أجلهم، ويستجديهم أن يصبروا عليه وقتا إضافيا يزيد من معاناتهم، ويمنح الرئيس القوة وبسط السيطرة، ثم تستيقظ سوريا كلها على فجر جديد يحمل معه نسائم الحرية والديمقراطية ودولة المؤسسات والقانون، فهنا يكون الشق الذي لم يتجرأ ضميري أن يقترب منه في هذا المقال صحيحا، وتصبح كلماتي هتافات محبة وتأييد. الرئيس بشار الأسد يقول بأن الأولوية للاصلاحات الاقتصادية! كلمة تزلزل كيان أي صاحب ضمير حي ويقظ ويخشى الله. هل ينتظر المعتقلون المظلومون نجاح مشروعات الاستثمار أو صعود الليرة أو بناء مصنع حديد وصُلب أو تأسيس بورصة جديدة أو تصدير قطن للصين والهند، حتى يتم الافراج عنهم، واعادتهم إلى ذويهم، والسماح لأبنائهم بالعيش تحت سقف واحد مع آباء غضبت عليهم أجهزة الأمن فحرمتهم حق الحياة؟ حتى لو تحسن الوضع الاقتصادي، وأصبحنا نرى لبنانيين وخليجيين يتسولون في شوارع دمشق وحماة وحمص، أو يطلب مجلس التعاون الخليجي قرضا من سوريا، أو يزور رفيق الحريري دمشق كأحد الفقراء، أو تقرر سوريا سد العجز في ميزان المدفوعات السعودي، فإن هذه المعجزة التي لن يحققها مهاتير محمد لو حكم دمشق وتبرع حسن بلقية بكل أموال سلطنة برونواي لمشروعات سورية فإن الهموم السياسية وعلى رأسها كرامة المواطن وحقه في الحرية والأمن والسلام والمواطنة الكاملة أهم من كنوز الدنيا لو نقلها عفريت من الجن ووزعها على السوريين. هل يعلم الرئيس بشار الأسد أن أجهزة أمنه تعتقل زوجات الفارين والهاربين من جمهورية الصمت، وتفرقهم عن أولادهم، وتحتجز أحيانا جوازات سفرهم؟ هل يعلم الرئيس بشار الأسد أن عدوانا قذرا تعد له تل أبيب مع قوى الشر يستهدف سوريا الحبيبة، وأن ضباط الأمن الساديين الذين مارسوا التعذيب والانتهاكات ضد شعبنا سينضمون كجنود أنطوان لحد إلى قوى الغزو؟ بحثت كثيرا في كل مساحات التسامح والحب الذي أحمله لسوريا عن عذر واحد للرئيس الشاب فلم أفلح، فهل يساعدني الرئيس إن سمح له الحرس القديم بقراءة هذه الكلمات في العثور على عذر وتبرير لاستمرار جمهورية الصمت؟
لأول مرة في التاريخ المصري يقف الشعبُ استعداداً لزيارة سرادق ضخم بطول الوطن السجن وعرضه، لكنه لا يعرف إنْ كان سيتلقى العزاءَ، أم سيُقَدّم العزاءَ أم أنَّ المصريين سَيُسَلّمون رقابَهم للمالك الجديد، والمستبد الشاب، والوارث رغم أنف كل منّا، والمدعوم من الغرب وأمريكا؟ كل القوى الوطنية أعطت اشارة البدء لابن الرئيس أنَّ أقفيتنا تَمَّتّْ تعريتُها، وأننا مستعدون لربع قرن قادم من المهانة والذُل والاستكانة، وأنَّ المطلوب لحفظ ماء الوجه أنَّ يغض الطرفَ عن غضبة زائفة لنا، وأننا سنرفض التوريث في عدة مظاهرات على استحياء، وبعض العناوين الصارخة لمانشيتات الصحف التي لم تطالبها إدارة التوزيع في ( الأهرام ) بالمستحقات عليها . لهذا رفضت كل القوى الوطنية دعوتي للعصيان المدني في 2 مايو 2005 حتى أن معظم القيادات أسكتتها بالصمت والاهمال وعدم الاشارة لها. ثم جاءت الدعوة للانتفاضة الشعبية المصرية في 23 يوليو 2006 والتي وصلت إلى كل القوى المعارضة في مناقشات ودعوات ورسائل استمرت عدة أشهر، وخاصة في مندرة ( كفاية )، لكن من قال بأن الوطنيين في مصر يريدون تغيير النظام؟ فجأة قال النائب المعارض حمدين صباحي بأنه سيدعو وحزبه للعصيان المدني، واختار 23 يوليو 2007، وحتى يتم احتساب موقف، ولا تعترض السلطة، وينسب كل معارض لنفسه فكرة الدعوة للعصيان المدني ، قيل بأن على المصريين أن يلتزموا بيوتهم في ذلك اليوم المشهود! ونزل الخبرُ على الطاغية بَرْداً وسلاما، فالمصريون سيجلسون في بيوتهم لعدة ساعات، ولا مانع أن ترتفع أسهم المعارضة في أنها صاحبة الدعوة للعصيان المدني. أما التمرد الحقيقي، ورفض السلطة، والدعوة بكل الطرق في صحف يقرأها ملايين من المصريين فهي خطوط حمراء من يتجاوزها فهناك زنزانات مجاورة للدكتورأيمن تنتظر من يرفع عينيه أمام الطاغية. مشكلتنا في مصر كما كتبتُ مرات كثيرة أن المصريين يعتقدون بأنها ليست بلدهم، وأن الرئيس ليس موظفا كبيرا يحصل على أجره في مقابل عمل إداري كبير يشمل الوطن كله، لكنه من نسل فرعون يطلب من هامان أن يبني له صرحا لعله يطلع إلى إلَه موسى. مشكلتنا ذلك التوجس والريبة والخوف والشك الذي يحمله المصري للمصري فيظن أنه سيقوم بتسليم رقبته إلى سيّاف القصر، فجعلنا الطاغيةُ عيوناً له بدلا من أن تكون عيوننا مصَوّبة نحوه لئلا ينحرف أو يسرق أو ينهب أو يفسد. مشكلتنا في مصر هي القدرة الشديدة على التبرير، فإن كنت اسلاميا فطاعة ولي الأمر واجبة حتى لو كان طاغية وشيطانا وابن ستين ألف كلب. وإن كنت معارضا ومسالما فأنت لا تتعجل التغيير، وأكثر من ربع قرن من المهانة والتخريب والتدمير والأصفار يمكن أن تمتد لمثله خشية احداث فوضى في البلاد. وإن كنت من الأغلبية الصامتة فعليك أن تلوذ بغرفتك، وتغرق وسادتك بدموع الحزن ، وتصرخ صرخات مكتومة لا يصل صداها لسيد القصر. مشكلتنا أن بعبع العراق يلوّح بها مساندو الطاغية، ويزيّفون الحقائق، ويَدّعون خوفَهم على أم الدنيا، لكن الحقيقة أن عرقنة مصر ( لا قدر الله) هي في استمرار أسرة مبارك، الأب والابن والحفيد والسيدة الأولى . مشكلتنا أننا لا نميّز بين النكتة والعزاء، ولا نعرف الفارق بين ابن الحلال وابن الحرام، وأننا نضحك في جنازة وطن، وأننا لا نعرف العدو من الصديق. مشكلتنا أن المصريين أصبحوا كلهم فلاسفة ومحلليين ومدوّنين وإنترنتيين وأعضاء في منتديات ومواقع وخبراء في معرفة كل الشؤون والشجون. مشكلتنا أن الكلمة أضحت عبثا، وأننا نساوي بين الجاهل والعالم، وبين المثقف والأمي، وبين التاجر والفهلوي، وبين المنبر والمقهى، وبين وجه القاضي وجزمة ضابط الأمن. مشكلتنا في مصر تلك الكراهية التي صنعها النظام الفاشي والنازي والعنصري والحاقد والعفن والنتن والارهابي للطاغية مبارك، فبدلا من أن نوّجه كراهيتنا إليه وإلى أسرته، أصبجنا نتنازع، ونتنابز، ثم نتسابق في مزاد الوطنية، فالمصري لم يعد قادرا على أن يجد مبرراً لخطأ أخيه المواطن، ولكنه يجد سبعين تبريرا لولاد الكلب. مشكلتنا أن من يقرأ للآخر يبحث بين ثنايا كلماته عن ثغرات فيثب عليه كما يثب جمال مبارك على ظهورنا بأمر المترجل الأب . يلهب هذا الطاغية أقفيتنا بلسعات سوط تفلق الصخرة الصماء، فإذا قام فينا من يقوم بالتنبيه يصبح خَصَْمَنا الذي يهيننا . مشكلتنا في مصر أننا لازلنا نضحك، ونرقص، ونشاهد أكروبات، ونكتب عن كل شيء ما عدا الزلزال الذي يضرب وطننا منذ ربع قرن. مشكلتنا في مصر أن كل مصري يعرف أن كل مصري آخر يعرف، لذا لم يعد هناك داع للحديث والكتابة واطلاق صفارات الانذار، والحديث عن موعد الإعصار أو الطوفان أو الوباء ، فنحن لا نعرف أن ( الحكاية ما تضحكش ) . عشرات ينتظرون انتقال الروح من مبارك الأب إلى مبارك الابن، وكل مصري لديه سيناريو لانتقال رقبته من سلسلة يمسك طرفها الرئيس المحتضر إلى سلسلة جديدة سيربطها في أعناقنا باحكام الرئيس الشاب القادم. مشكلتنا في مصر أن المصري يضحك لدى سماعه النحيب والصراخ ولعنات ربّات البيوت والعاطلين عن العمل والمعذَّبين والمغتصَبين والسجناء الأبرياء والمرضى والملوثة أكبادهم ورئاتهم ودماؤهم. مشكلتنا في مصر أن الدين والسياسة والثقافة والانترنيت والمدارس والجامعات والنوادي والسينما والمسرح والفنون كلها أصبحت في خدمة التخدير والتغييب الجماعي . مشكلتنا تلك الكمية الهائلة من الغرور بالمعرفة الذي نفَخَنا جميعا فلم نعد نشاهد اللصوص يتقاسمون بلدنا، والطاغية يقرأ علينا صباح كل يوم وثيقة الاستعباد والاستحمار . مشكلتنا في ذاكرتنا التي لا تستطع أن تُشحن النفس بالغضب لأكثر من ثلاث دقائق، ثم نستلقي من الضحك على المشهد الذي أمامنا، حتى لو كانت الحكاية ما تضحكش!
أحيانا يسرح بي خيالي بعيدا لدى متابعتي النهضة العُمانية، وأضع زمنا مكان زمن، وقراراً يتأخر وآخر يتقدم فيدهشني هذا التوافق العجيب بين القَدَر والإرادة وكأن للزمن خاصية المدّ والجزر.
ماذا لو أن السلطان قابوس بن سعيد قرر الاستمرار في تحدي القوى المناوئة له حتى النصر النهائي أو يقضي الله أمرا كان مفعولا؟
ماذا لو تأخر عامين أو ثلاثة، ثم طلب منهم بعد ذلك أن ينضموا إليه في النهضة العمانية؟
أغلب الظن أن كلمة متمردين كانت ستسبق وصفهم بالثوار، ثم تتوسع الهوة، وتكبر الفجوة، ولا تكون المصالحة الوطنية إلا على صفيح ساخن.
كان صغير السن ولكن هل تقاس الأحلام بعدد السنوات التي يحملها المرء على كاهله؟
دولة كبيرة تتاخم خصوما في كل مكان، وعلى هذا الشاب الأسمر الحالم أن يمسك بندقيته ويرفع غصن الزيتون. أن يتفاوض ويدرس خرائط المنطقة، لكنه لا يُضَيّع وقتاً في الصراعات الاقليمية.
تحالفات كثيرة تتغير وتتبدل، وقوات ايرانية مدعومة من شاه ايران تظن أن خليج هرمز مفتاح الأمن لها وحدها، وخلافات لم يتم حسمها مع إمارة رأس الخيمة، ودعم كامل من عدن للجبهة الشعبية لتحرير عُمان بعدما أعلنت الجبهة أن النصر قد حُسم لصالح السلطان قابوس.
السوفييت يبحثون عن قاعدة كبيرة في اليمن الجنوبي تهدد أحلام السلطان الشاب في نهضة لبلد نحته الفقر والجهل والأمية، ويريدون بديلا لقاعدتهم في الصومال التي أغلقها محمد سياد بري.
البريطانيون يملكون الخرائط والوثائق، والسلطان قابوس يشاهد، ويدرس، ويتأمل لعبة الكبار، لكنه كان يخطط لمدى أبعد، ويختار الصديق الذي لن يخذله ابدا.
اختار السلطان قابوس مناوئيه وخصومه ليبنوا معه البلد من جديد، وأصدر عفوا شاملا، وأثبت أن النصر ليس نهاية لكنه بداية جني ثمراته.
ماذا لو كانت سلطنة عُمان في عام سبعين دولة غنية وقوية ورث الحكمَ فيها السلطان قابوس بن سعيد عن والده؟
لا ريب في أن التاريخ كانت ستتم كتابته من جديد، وربما تغيّر المشهد تماما.
عبقرية السلطان قابوس بدأت من حيث
ينتهي صبر الآخرين، فسهام الاتهامات كانت قادرة لو أن الرجل الشاب ضعيف، وآلة الاعلام الماركسية أقوى من كل حقائق المنطقة، فمفردات اللغة غريبة وكلها تتحدث عن الثورة والانتفاضة وجيش كوبي بسلاح سوفييتي يستطيع أن يحطم الامبريالية (!!).
من فوق قمة جبل عُماني كان يمد البصر إلى كل الاتجاهات فلا يعثر على أصدقاء، والجيران يحترمون القوي والغني، وكل الدلائل تشير إلى أن جيران السلطنة النفطيين، السعودية والامارات وايران من الناحية الأخرى للماء، قادرون على كسب سباق النهضة والتسلح والثراء قبل أن يبدأ السلطان قابوس في بناء رابع مدرسة في هذا البلد المترامي الأطراف.
لم يكن السلطان قابوس طامعاً في قطعة أرض هنا أو هناك، لكنه بذكائه المبكر وضع اصبعه على أول خيوط اللعبة التي يمارسها الكبار من جيرانه، فكان يطالب بمناطق صغيرة من جيران يعرف أنها عمانية، لكنه أراد ايصال رسالة إلى الجميع بأن سلطنة عمان يحكمها صاحب قرار مستقل.
كان السلطان قابوس بن سعيد يعرف أن صراعا أمريكيا/بريطانيا بعد الحرب العالمية الثانية لن يكتفي بقناة السويس، لكنه سيمد أذرعه إلى الخليج، بل كان هذا الصراع أحيانا أشد من الصراع الأمريكي / السوفييتي على القواعد العسكرية في المنطقة، وخروج الامبراطورية التي لم تكن الشمس تغيب عنها.
قدرة السلطان قابوس بن سعيد على دخول ساحة القتال ثم الخروج منها واضعا يده في يد خصومة هي بداية التعرف على فكر شاب ظن كل جيرانه عندما تولّىَ الحُكمَ أنه سيكون الحلقة الأضعف في الخليج. مقدمة لابد منها للتعرف على بداية النهضة العُمانية، لكنها ليست المقدمة الوحيدة فزاوية الرؤية للمشهد في ذلك الزمن تختلف من موقع ومكان وأيديولوجية وصديق وخصم وعدو ومحايد.سنوات طويلة مضت منذ بداية النهضة المباركة، لكن ما يميزها أن فكر السلطان قابوس متجدد، ومتحرر، وأكثر استقلالية مما يتصور الكثيرون.
مصلحة السلطنة قبل كل شيء، والسلطان قابوس يشترك مع الأشقاء الآخرين في دول مجلس التعاون الخليجي في نفس الحلم، لكنه لم يفقد استقلالية القرار ولو مرة واحدة، فهناك حسابات داخلية ومعقدة وقد لا يستوعبها الآخرون، فسلطنة عمان تبحث عن الأمن والسلام على كل المستويات، الاقتصادية والعسكرية والسياسية والاجتماعية.
عندما أجمع الأعضاء الآخرون في ( الخليجي ) على موعد للعملة الموحدة، كان للسلطان رأي آخر أعلنه تماما كما أعلنت بريطانيا أنها تؤجل فكرة العملة الموحدة ( اليورو)، لكن هذا لم يؤثر قيد شعرة في التزاماتها تجاه الاتحاد الأوروبي وكل الاتفاقيات الأخرى.
لم يجد صانع القرار السياسي العُماني حرجا في أن يعلن عن رغبة السلطنة في الانسحاب من ( طيران الخليج )، لكن العلاقات مع مملكة البحرين تظل كما هي، بل تزداد رسوخا.
سياسة السلطان قابوس ليست فيلما للعرض يصفق بعده الجمهور وينتشي الزعيم، إنما هي رؤية داخلية تقيس كل الأمور داخل السلطنة ثم تبني عليها ما يمكن أن تفهمه السياسة الخارجية ، أي الامتداد من الداخل وليس من الخارج.
كثيرون من الزعماء يفشلون عندما ينظرون إلى أوطانهم من الخارج قبل التحقق من تفاصيل المشهد الداخلي، فصناعة النهضة عمل داخلي بحت حتى لو جاءت المساعدات من الخارج. والزعيم لا تصنعه قوى خارجية إنما هي تضع رجلا يرى بعينيها، أما السلطان قابوس فليس لأحد فضل عليه إلا الله، وليس لقوة حق تأكيد دعمها له إلا شعبه.
من أهم اشراقات النهضة العمانية أن القطاع الخاص فيها حريص بنفس القدر مع القطاع العام على الالتزام بكافة القوانين واللوائح والأنظمة وحتى التوجيهات العامة.
سبعة وثلاثون عاما من تأهيل الموارد البشرية والمهارات الانسانية انتجت انسانا عُمانيا متوازنا في مشاعره، مؤمنا بما سعى السلطان قابوس منذ أول يوم لاقناع كل فرد به، أي أن عُمان بلد يشترك في ملكيته كل عماني، وترتفع قيمة المعادلة ليصبح العكس أيضا صحيحا، أي تمتلك عُمان كل فرد فيها.
عندما يتمكن الزعيم من اقناع شعبه بأن النهضةَ باقية والزعيمَ راحل ولو طال العمر فإنه يكون قد وضع أساس التطور والرقي.
فهناك زعماء كثيرون دمروا بلادهم، وكلما خرجوا من حرب دخلوا حربا أخرى، لأنهم بكل بساطة أقنعوا شعوبهم أن الزعيم باقٍ، والشعب راحل ولو طال الزمن!
هل حب الوطن فطرة أم شيء مكتسب؟
كانت هناك قطعة أدبية للكاتب الفرنسي شاتوبريان عن مسقط الرأس يشرح فيها حب الوطن، ويؤكد بأنه يبدأ في الطفولة ويتجمع في ذكريات، ويلتصق بأهم مكان في الذاكرة، ويظل قادرا على إمداد المرء كلما بحث في ماضيه عن حدث أو فكرة أو رائحة أو صوت.
الآن اختلطت شعوب وهجرات وأصبح الوطن أوطانا، وحلم الهجرة يسير جنبا إلى جنب مع كل خطط المستقبل التي يضعها المرء لمستقبله.
في سلطنة عمان تمكن السلطان قابوس بن سعيد من توثيق عروة الوطن، وجعل حلم الهجرة داخليا، واقناع العمانيين بأن عمان بلدهم، وأن أي خطوة تمد النهضة بشيء مهما كان صغره هي تكملة للحلم العماني الداخلي.
لذا لم يجد العمانيون غضاضة أو حرجا في أن يمارسوا أي عمل ويقودون سيارات الأجرة، ويعملون فيما يظنه الأثرياء الآخرون مهمات ملقاة على الوافدين والعاملين الأجانب والأيدي الرخيصة.
الأيدي العاملة الرخيصة ترتفع قيمتها عندما تتسلم العمل منها يد وطنية لا تزدرية أقل الأعمال شأنا، ولا تحتقر عملا مهما كانت بساطته.
تحصد سلطنة عمان جوائز في كل المجالات الابداعية والثقافية والفكرية، وفي معارض الكتب، وجوائز لشعرائها ومستشفياتها وروائييها ورواد البيئة والزراعة والبحث العلمي.
الغريب أن العمانيين مولعون بالصمت، وقد يكون هذا ناتجا عن خجل طبيعي في
الشخصية العمانية التي تبتعد قدر الامكان عن الضوضاء والجلبة والحديث الممل عن النفس والثورة والتطور والانجازات والمكتسبات.
هل سمعتَ يوما عن نهضة صامتة وتطور يخجل أصحابه من تكرار الحديث عنه؟
لو أنك أرهفتَ السمع قليلا لخطبة من زعماء العالم الثالث لظننت أنه سيعلن الحرب على العالم كله، وسيرسل أسطوله لكل موانيء الدنيا، وأن شعبه يشرب من ماء الجنة ، ويأكل من بركة الزعيم.
في سلطنة عمان يخفت الصوت لدى الحديث عن ثورة لم يستخدم مفجّرُها هذا الاسم قط، بل في كل عام ومع تحقق انجازات ومكتسبات يقول بأن الطريق لا يزال طويلا!
مسابقات الابداع الاعلامي التي تقيمها وزارة الاعلام نموذج فريد من نوعه، فهو جزء لا يتجزأ من النهضة نفسها، لذا فنظرة متأملة للموضوعات والتحقيقات التي حصلت على جوائز لا يخطيء العاقل فهم دوافعها.
هناك جوائز لمقالات وتحقيقات عن الثروة المائية ، والاكتتاب وتوعية المواطنين، والقروض الشخصية، التي ظاهرها الرحمة وباطنها العذاب، والأخطاء الطبية في قفص الاتهام، ومسقط عاصمة العرب الثقافية، وبرامج إذاعية عن البيئة وعن التراث العماني وعن الطرق التنموية، وهذا يؤكد أن وزارة الاعلام تلعب دورا هاما في التعبير عن النهضة، ودفع الكفاءات لتقديم ما لديها.
طرحت في أحد مقالاتي منذ فترة طويلة سؤالا قد لا يروق للكثيرين ممن يتصورون أن عطاءاتهم الابداعية أكبر من أن تتلقى في نفس الوقت من سلطنة عمان.
كان السؤال المقال هو: لماذا لا يتعلم العرب من العمانيين؟ مفاجأة للكثيرين، بل ظن بعض الذين انتفحت عقولهم كبرياء أن السؤال مزحة.
تثبت الأيام أنني لم أطرح من قبل عن مشاكل العرب وهمومهم اللانهائية سؤالا أكثر قيمة وجدية واخلاصا من هذا السؤال!
لماذا لم يتعلم العرب قيمة التسامح الديني من سلطنة عمان؟
كلنا ندفع ثمن الطائفية والمذهبية والخلافات الحمقاء التي تُعلي فكرا على آخر، وتمنح صك غفران لكل من يؤيدها أو يدعمها أو يؤمن بالفكرة.
في أكثر بلداننا العربية يستخرجون من التاريخ مواد سامة أو سيوفا حادة تقطع دون أي تردد، وأحكاما تكفيرية تستدعي المقصلة قبل أن ينتهي المرء من قراءة الفتوى.
ارهابيون وشباب مفخخ وجمعيات تنبت شيطانيا وكتب ومقالات وحوارات ممزوجة بالدماء كأننا أنهينا حل مشاكلنا مع الآخرين وبقيت معضلات مع أنفسنا وتاريخنا.
لماذا لم تنتج التربة العمانية والمدرسة والبيت والجامعة والشارع والدولة والاعلام ورجال الدين شبابا يحلمون بالموت، وتسكرهم فكرة الانتحار، وتشغلهم الخلافات الصغيرة بين المذاهب؟
لماذا كانت سلطنة عمان عصَيّة على الفكر الارهابي والتكفيري، ولم تستطع الفتاوى الفجة والساقطة والمتخلفة اختراق عقل العماني لتصنع منه قنبلة موقوتة كما فعلت في معظم دول عالمنا الاسلامي ؟
لماذا لم ينصف العرب سلطنة عمان حتى هذه اللحظة، فنحن بعيدون عن آداب العمانيين وشعرائهم ومبدعيهم واعلامييهم وابتكاراتهم في مجالات شتى؟
بل لماذا لم يكتشف العرب سلطنة عمان السياحية التي لا تقل بأي حال من الأحوال عن كل المناطق السياحية في الشرق الأوسط وحوض البحر المتوسط، ففيها ما يبحث عنه السائح من شواطيء وطعام جيد وشعب ودود ومناظر طبيعية خلابة وطقس معتدل في ثلاثة فصول؟ لماذا لم يحاول المسؤولون العرب اللجوء إلى سلطنة عمان لحل الخلافات الحدودية والطائفية وغيرها؟ وأخيرها أسأل بمرارة: ماذا يعرف العرب عن سلطنة عمان؟
لاتزال صورة الجريمة الجميلة، أو الفرحة المأساوية تصدم في كل لحظة عالمنا العربي الذي لم يستوعب بعد سقوط عاصمة الرشيد في أيدي قوات الاحتلال الأمريكية والبريطانية بدون مقاومة كأن أهلها وقيادتها كانوا ينتظرون الغزو التدميري ليتخلصوا بأي ثمن من نظام حكم ارهابي صنعه العرب والغرب والأمريكيون والمثقفون والصفوة والزعماء ورجال الأعمال وأجهزة الاستخبارات والمستثمرون واللصوص!
لم يكن مُهِمّاً ما يقوله المتهم أو المحامي أو الحاضرون داخل القاعة، لكن الأهم أن الحكم صدر مرتين: الأولى بالحصار بعد هزيمة قوات الاحتلال العراقية وانسحابها من الكويت, وقد تفتق الذهن الشيطاني لأسياد البيت الأبيض على معاقبة الشعب العراقي كله، وترك رأس النظام وزبانية التعذيب ولصوص بغداد ينهبون بلاد الرافدين، فلم يكن هدف أمريكا بعد تحرير الكويت اقامة نظام حكم وطني عراقي مسالم يعتذر للكويت، ويعيد منهوباتها، ويفرج عن أبنائها الأسرى والمختطفين، ويقيم جسرا من الحوار الأخوي مع المملكة العربية السعودية, ويصالح ايران، ويتفق مع تركيا على حل قضية الأكراد، ويتوحد، اقتصاديا وثقافيا على الأقل، مع سوريا، وينهي إلى غير رجعة هوسات وخرافات وهراء الذين كانوا يحلمون بضم الكويت الصغيرة المسالمة والمستقلة والديمقراطية إلى جمهورية الخوف العراقية.
المرة الثانية التي صدر فيها الحكم كان لصالح تجار الأسلحة والذخائر وحيتان المال وملوك النفط في أمريكا واللوبي اليهودي والكيان الصهيوني في فلسطين، واقامة أنظمة أكثر ولاءً واستعباداً لواشنطون في وطننا العربي الذليل.
الفرحة المأساوية لا تعني مطلقا أن المعتدي صاحب حق، وأن المهزوم حمل عصاه ورحل إلى مكان مجهول أو إلى باطن الأرض أو حتى كان مختبئا في مجاري بغداد، فقوات الاحتلال لم تحمل المن والسلوى، لكنها دمرت، وقتلت أكثر من عشرين ألفا من القوات العراقية في أيام معدودات، وأبادت فرقا كاملة، وأهانت المستسلمين، وأذلت مطيعيها، وفرضت قوانينها على كل شبر من أرض العراق.
وفي المقابل تخلص العراق من أعتى الأنظمة الارهابية على وجه الأرض، وتنفس العراقيون لأول مرة منذ أربعة وثلاثين عاما حتى لو كانت فرحتهم أمام حذاء جندى أجنبي جاء من قارةٍ أخرى ليشاركهم أموالهم وخيراتهم ويضع لهم قوانين ودساتير وثقافة جديدة، ويدس أنفه في خصوصياتهم وهويتهم ودينهم وتاريخهم، ويدع اللصوص ينهبون كنوز الوطن، ويدمرون ما تركته لهم حضارات مرت على هذا البلد العريق، وتركت قوات الغزو كل شيء عرضة للنهب، لكنها فرضت حصارا على وزارة النفط ففيها وثائق وعقود وأموال ومستقبل ممولي الحرب الذين سيشاركون الشعب العراقي أرباح الذهب الأسود.
كل التبريرات التي قدمتها الادارة الأمريكية لشن عدوانها على العراق كانت واهية وغير مقنعة، فالحديث عن أسلحة الدمار الشامل، وأحلام الجيش العراقي في فرض سطوته على المنطقة، وتهديد أمن اسرائيل، كلها مواد لوسائل الاعلام لكي تخوض فيها، وتلهو بمفرداتها، ويجد المحللون السياسيون والعاطلون عن الكتابة فقاعات لملء أقلامهم بمداد لا يسمن ولا يغني من جوع.
ولايزال مِنّا من يتحدث عن مقاومة عراقية باسلة، وعصيان مدني، ورفض للاحتلال، وحنين إلى الانضباط تحت سوط شيطان بغداد المخلوع، واستتباب الأمن المشوب بفزع شديد في جمهورية الخوف!
وحتى لو كانت هناك مؤامرة لتسليم بغداد وجيشها وشعبها وأهلها وأرضها وخيراتها في مقابل نجاة أو هروب القادة العسكريين، وهي تحليلات افتراضية تلدها في كل نكسة أو نكبة أو هزيمة نظرية المؤامرة الأجنبية التي تعشعش في العقل العربي وتجعله مخدرا، ومنوما، وغائبا عن الوعي، فلماذا وقف العراقيون من السليمانية إلى البصرة يشاهدون قوات الاحتلال والتدمير والغزو ويبتهلون إلى العلي القدير أن يخلصهم من صدام حسين وولديه وعائلته الملعونة ولو كان المقابل ذُلا آخر، وعودة الاستعمار، ومعسكرات اعتقال في جوانتانامو الأمريكية على مقربة من مقر الحزب الشيوعي الكوبي؟
القضية ليست فقط النصر الذي حققه شيطان البيت الأبيض على شيطان بغداد فهو أمر طبيعي، ولم يكن يحتاج حصارا لأكثر من عقد من الزمان، وموت مئات الالاف، وترك العراق وشعبه بين أيدي طاغيته الارهابي في أكثر سنوات تاريخ العراق مهانة وفقرا وجوعا وتعذيبا، لكن في اكتشاف العرب أن العراقيين، أصحاب الأرض والوطن، رفعوا راية الاستسلام بعدما خذلهم العالم كله وفي مقدمته الأشقاء العرب.
كان الزعماء العرب يعرفون عن المقابر الجماعية, وعن جحيم أكثر من مئتي سجن ومعتقل في طول الوطن الحزين وعرضه, وعن أجهزة التعذيب التي لا مثيل لها في عالم الطغاة, وعن أكثر من ربع مليون عراقي قام بتصفيتهم صدام حسين وزبانيته وجلادو الشعب.
وكان الزعماء العرب يتعجبون من قدرة شيطان بغداد على منافسة سجونهم ومعتقلاتهم فتزمامارت المغربي, والجفرة الأردني,وكوبرا السوداني, وتدمر السوري, وأبو زعبل المصري, وصفاقس التونسي, والأمن المركزي الجزائري, والجبل الأخضر الليبي, وغيرها الكثير كانت تلتهب غيرة من الأشقاء غير الشرعيين في عراق صدام حسين.
لكن بغداد التي كانت تتوجع, وتصرخ, ويصل صوتها إلى البراري والكهوف وباطن الأرض والسماوات العلا, تجد من الأشقاء آذانا صماء ودعما للظلم, وزيارات متواصلة لتهنئة المستبد الطاغية على الصمود, وتحريضه على المقاومة, ونفخ الروح في جسده الشيطاني وفي حساباتهم الحرام بالبنوك الوطنية أو الاسلامية.
الشعب العراقي, أيها السادة والسيدات, لم يقاوم, ولم يتعرض إلى مؤامرة لتسليمه أرضه إلى قوات الاحتلال الأمريكية والبريطانية, لكنه كان على استعداد تام, وأنتم تعرفون ذلك جيدا, لرفض مقاومة العدو الصهيوني لو جاء بغداد حاملا بشرى التخلص من صدام حسين, ورفع الغبن عنهم, وتحريرهم, واغلاق المعتقلات, وانهاء جمهورية الخوف, ومساعدتهم في البحث عن عظام ورفات أهلهم وأحبابهم وذويهم الذين دفنتهم كلاب السلطة كما تلقي بالجيفة في باطن الأرض.
سواء كانت مؤامرة من أقارب أو عائلة صدام حسين لرفض المقاومة, أو تحقيق نصر سريع من ربع مليون جندي أمريكي وبريطاني ضد جيش من ورق ونمور ترفض طاعة مروضها, أو تدمير البنية الأساسية وقتل الأبرياء واعطاء الاذن للصوص بنهب العراق ومتاحفه ومكتباته وكنوزه ومصارفه ومؤسساته الوطنية, فإن الحقيقة المؤلمة والمؤسفة أن العراقيين وافقوا, جهرا أو سرا, على استبدال شيطان بشيطان آخر لعل الجديد يفتح لهم كوة في الوطن يتنفسون منها, أو يرفع ظلما ثقيلا عنهم في مقابل استعبادهم وسرقتهم.
المهم أن المجرم الحقيقي كان العقل العربي الذي صمت خوفا أو رضاء أو عدم اكتراث, وبدأ تلميع صدام حسين منذ هزيمته النكراء عام واحد وتسعين.
كلنا مجرمون, بنسب متفاوتة, فمنا الصامت بعيدا, ومنا من قام بتلميع الطاغية, وآخرون تلقوا ثمن تسليم المسيح دراهم معدودات.
ولم يتعلم العقل العربي بعد فهو يحرض سوريا على المقاومة, ويتحدث عن جيش سوري وطني وقوى لا تستطيع أمريكا أن تهزمه, وشعوب عربية ستنتفض للدفاع عن قلب العروبة النابض بدلا من تشجيع دمشق على انهاء دولة المخابرات, واغلاق المعتقلات, وتحرير المواطن, وتقديم زبانية التعذيب ومجرمي سجن تدمر إلى العدالة.
كلنا مشتركون, بنسب متفاوتة, في جلب الأمريكيين والبريطانيين إلى أرضنا العربية, فقد تم تفريخ الارهاب, ودعم التطرف, وتعلية شأن المؤسسة الدينية, وتخدير الوعي الوطني والعلمي والفلسفي والثقافي والنقدي في مقابل غيبيات الجماعات الدينية التي خرجت من عباءتها رموز الارهاب من أسامة بن لادن والظواهري وعمر عبد الرحمن وحسن الترابي وجعفر النميري والبشير وعبد الحميد كشك وأيمن الظواهري وأبو حمزة المصري وبرامج العفن المخدر في بعض الفضائيات.
كلنا مجرمون, بنسب متفاوتة, وشيطانا واشنطون وبغداد صنعا الهزيمة أولا في عقولنا, فلماذا نعاتب شعبنا العراقي على استبدال الذل بالمهانة, وقهر جوانتانامو بالابادة في حلبجة؟
العراق هو المسرحُ الوحيدُ الذي يُحَدّد المتابعُ مَشَاهدَه وفصولَه، ويراه من الزاوية التي يزعم أنها الأفضلُ والأقرب، ويستطيع أن يَصُمّ أذنيه عن بعض أبطاله، بل يمكنه أن يرى أنهارَ الدماء عسلا ولَبَناً وخمرا، ويصفق لسيارة مفخخة في جنود الاحتلال أو يهلل لها إن انفجرت في وجوه أطفال أبرياء أو مواطنين خارجين من صلاة الجمعة. ويتحرك المتابعٌ وفقا للزاوية التي يرغب في انعكاس المشهد عليها، فيجيء أحمد الجلبي في صورة وطني مناضل وعنيد ضد الرئيس الأسير، أو في صورة محتال ونصاب دولي يبحث عنه دائنوه وضحاياه، ثم يرى المشهدَ الوطنيَ من زاوية سُنّية أو شيعية أو كردية أو تركمانية، ويلوّن عينيه زرقاءَ كأنها مارينز يانكي، أو سوداءَ فيها كبرياء النخيل السامق، أو عمياءَ لا يرى ما يحدث ولا يميز بين الغث والسمين، ولا يكترث بما يجري أو ختام المشهد الكوميدي الدموي.
كلنا ضحايا اللغز العراقي، ومؤيدو المقاومة كمناهضيها تتلبسهم عفاريت هستيرية تقفز في كل مكان، وتقوم بالتشويش، وتجعل الحيرةَ هي الحقيقةَ الوحيدةَ قبل وأثناء وبعد المذبحة القادمة. في البصرة تحمي قواتُ الاحتلال البريطانية أمنَ وكرامةَ المواطنين فلا يرون غضاضة أو شيئا غير مألوف وكأن جنود توني بلير يتنزهون في شوارع برمنجهام أو مانشستر أو برايتون، لكن نفسَ الكرامةِ التي تنحني وتبتسم لقوات الاحتلال تنتفض غضبا عند رؤيتها رحلة طلابية مختلطة، أو لدى سماع موسيقى بوب حديثة أو تجرؤ مواطنة عراقية في الخروج من بيتها دون تغطية شعر رأسها، فالكرامة كرامتان، تماما كما تمنح مفتاحَ بيتك للصوص دون أن يقرعك ضميرُك أو تصرخ فيك شجاعتك، ثم تغضب لأن ربة البيت تحركت في بيتها دون حجاب ! إرهابيون يفجرون أنفسهم في أبناء وطنهم الأبرياء، ويقتلون الأطفال والشيوخ والنساء، ويدمرون المساجد والمستشفيات، لكن هناك أكثر من أربعمئة ألف عراقي ينخرطون في أعمال المقاومة ويساندهم عدة ملايين من المتعاطفين فلا ندري مَنْ يقتل مَنْ؟
تفجير انتحاري في قافلة أمريكية متجهة لتدمير مسجد أو اعتقال عراقيين أو ارسال صاروخ في حفل عرس، يعقبه تفجير آخر في مركز للشرطة تتناثر بعده جثث أبناء الوطن الذين يعملون من أجل استتباب الأمن والبحث عن لقمة عيش لأسرهم وأولادهم ومن يعولون. ويختلط الأمر، ويتفرق الوطن، وتنشطر المشاعر، وتظهر أنياب الطائفية القبيحة، والأمريكيون يستلقون على ظهورهم من الضحك على هذه التقسيمات الحمقاء التي يبتهج لها العراقيون، ثم يلملمون جثث قتلاهم، ويضعونها في نعوش عليها عَلَم أكبر قوة ضاربة على وجه الكرة الأرضية ليعودوا وينعشوا ذاكرة قدماء الحرب في فيتنام، فالتاريخ تتم كتابته من فوهة مدفع أو من تحت التراب. الهزيمة الأمريكية في العراق بيان مؤجل إلى أجل غير مسمى، إنما هو في اللوح المحفوظ في البنتاجون والمكتب البيضاوي معا، لكن مَنْ هو المنتصر؟ هذا السؤال يمكن توجيهه إلى أرواح مئات الآلاف الذين غادرونا منذ الحصار الأمريكي على العراق، والمقابر الجماعية التي حفرها صدام حسين لأبناء شعبه، وعشرات الآلاف من القتلى أو الشهداء ( وفقا لزاوية الرؤية )، فهل يستحق الوطنُ كل تلك القسوة والغلظة والوحشية في التعامل معه أو التعامل ضده ( وهل هناك فرق )؟
بعدما تنتهي من قراءة هذه الكلمات، وتجلس أمام الشاشة الصغيرة سترى تكرارا لنفس المشهد الذي اعتدت عليه، وربما كان يصدمك وأنت ترى تفاصيله، أما الآن فلا بأس في التلذذ بوجبة طعام العشاء، ثم ترتشف قدحا من القهوة التركية، وربما تستمع لتعليق ساخر أو نكتة عابرة فتضحك من الأعماق ولا يزال مشهد جثث العراقيين مطبوعا فوق الشاشة تقرأه على مسامعك شفتا وجه جميل ولسان عربي مبين من إيمان بنورة أو نجوى القاسم أو زينة اليازجي أو لونا الشبل! جهاز الاستقبال لدى كل منا تم العبث بمحتوياته وتركيبته، ووضع اضافات عليه مثل البطء في الفهم ومضاعفة البلادة وفصل الكرامة عن الجهاز تماما. الآن أنت مواطن طيب ووديع وخائف ومتبلد، فلا تتحرك من موقعك فالسيد الرئيس مسعود البرزاني سيقسم على الحفاظ على وحدة جمهورية ( أو مملكة أو امبراطورية سيان ) كردستان، لكن كل الأمور تسير على ما يرام في تركيا وسوريا فالاتحاد الأوروبي ينظر في طلب تركيا العضوية لشرف الانضمام، وسيد البيت الأبيض يسأل معاونيه عن موقع سوريا على الخريطة فهو يريد أن يعرف كل شيء عن الدولة التي سيضربها، عاصمتها وحدودها وجيرانها والأكلات الشعبية في مطاعمها. دقائق قليلة وتنفجر سيارة في بعقوبة أو بالقرب من مدخل الفالوجة، أو في شارع الرشيد بعاصمة الرشيد، ووكالات الأنباء والفضائيات، بما فيها الفضائيات العربية، تتلقى الخبر بعد مروره على قوات الاحتلال الأمريكية ولا تجد غضاضة أو حرجا في أنه تم حذف تسعة أعشار تفاصيل الخبر فالرقابة ليست فقط لحماية الزعماء العرب، لكنها لحماية جيش الاحتلال.لازلنا نتابع ولا نعرف من هو الشيعي والسني والكردي في الحكومة العراقية، ولكن لا يهم فالدكتورة كونداليزا رايس لديها قائمة بأسمائهم تضعها في درج مكتبها مع أدوات الماكياج.
لو تم عرضي على جهاز قياس الذكاء وأنا أشاهد أخبار العراق فالنتيجة محسوفة سلفا لصالح الغباء، أو ربما الحماقة، أو على الأٌقل السذاجة المفرطة. دقائق قليلة وتقوم القوات الأمريكية بمساعدة القوات العراقية ( انظر إلى هذا التعبير العبقري وكأنهما ندان متلازمان) بعملية تمشيط للبحث عن خلايا إرهابية، وبعد يومين سيتم القبض على مساعد أحد أعوان الزرقاوي. لا يهم فالفضائيات ستقوم بعمل اللازم لنشر الخبر. المواطن العربي يحمد الله أن عدد القتلى في العراق من الأبرياء لم يتجاوز الثلاثين في الأربع والعشرين ساعة الماضية، وربما مئة جريح فقط، إذن فالسلام قادم بعد عام أو اثنين أو حتى مئة. حلاق أمريكي يصفف شعر صدام حسين بعد صبغه لأن وكالات الأنباء ستُطيّر صورا للرئيس الأسير بملابس داخلية ليتأملها سيد القصر العربي ( أو الخيمة). المواطن العربي يحاول التفرقة بين المقاومة الشريفة والإرهاب الأعمى لكن ذكاءه يخونه فيكتفي بالاستماع لخبير أحمق يحلل الوضع في فضائية عربية!
الصورة تكذب. إنها أولى الحقائق التي يتعلمها من يعملون في الإعلام، أما تلك الصورة فهي تجسيدٌ لحقيقة تكاد ترقى لمرتبة الحقيقة المطلقة الواحدة. مواطنٌ مصريٌ مع متظاهرين يظنون أنهم في بلدهم يملكون حقا من الحقوق التي منحتها المواطَنة، فخرج غير مسلح إلا من حبه لهذا البلد السجين الصامت، رافضاً استمرار أعتى طغاة العصر الحديث. خمسة أو سبعة من كلاب السلطة في ملابس مدنية يحيطون به، وتعبيرات وجه كل منهم تكاد تتجمع فيها كل الشرور والكراهية والعنف والسادية، وفي يد كل منهم قطعة من الحديد يهوي بها على رأس وظهر وكتف المواطن المصري المسكين. مشهد مرعب تنزوري بجانبه كل مشاهد التعذيب المنظَم والتعليق من الأرجل في سقف مكتب مأمور القسم، لأنه انفجار وقح لعفن الفاشية المباركية التي يُصرّ رأسُ سلطتها على اغتيال مصرنا ولو أدى الأمر لدفن المصريين كلهم تحت ترابها. تعليمات صارمة من قلب القصر بأن يتم التعامل مع المناهضين لاستمرار نهب الوطن معاملة الحشرات والديدان والجيفة، وأي مستبد ديكتاتور لا يجهد نفسه في العثور على كلاب ضالة من رجال الأمن أو المسجلين خطيرين أو البلطجية يتولون حمايته ويقوم هو بنفسه باطعامهم وفسح المجال لهم وتسهيل أمورهم وبسط هيمنتهم وسيطرتهم.
عدة مئات يتحدثون باسم اثنين وسبعين مليونا، ويدافعون عن كرامة وطن، ويرفضون فكرة تفريغ مصر من خيراتها في ست سنوات قادمات كأنهن فواجع ومصائب وكوارث يُعدّها الرئيسُ لتأكل الأخضر واليابس ويترك هو وأسرته مصر وقد تم تحقيق ما بدأ فيه منذ ربع قرن وهو الانتقام من هذا الشعب، وجَعْل أرض الكنانة في ذيل ركب الأمم، وانهاء الدور المصري القيادي ثقافيا واعلاميا وعسكريا وحضاريا واقتصاديا. كأن هذا الرجلَ جاء من أحشاء الشياطين، أو من صُلب مصاصي الدماء، أو من فيضان كراهية وسادّية وضعتها فيه صدمةُ الحكم ونفاق حوارييه وصمت الأغلبية. لم تكن تلك الصورةُ منفردة هي دافعي للكتابة والغضب ومسح دمعتي حزن على وطني وبلدي وأبطال المظاهرة، لكن صمت السبعين مليونا، وخوف حزب الوفد، وتردد الاخوان المسلمين، وتفرق النقابات، وعدم الوقوف مع ( كفاية ) في هذا اليوم المشهود وكأن همومَ الآخرين ليس من صلبها وأولوياتها كرامةُ الوطن والمواطن ومستقبل أولادنا وأحفادنا. على الرغم من إيماني ويقيني وقناعاتي وحساباتي ورؤيتي في العام المنصرم بأن العصيان المدني هو الحل الوحيد والنهائي لكي نرى ديكتاتور مصر في قفص الاتهام بمحكمة شعبية يطرق خجلا من جرائمه، إلا أن مشهد كلاب السلطة وهي تركل وتضرب وتعذب المناهضين لحكمه بأوامر شخصية منه، ثم تلقي بهم في سيارة البوكس والترحيلات كأنهم هم المجرمون بدا لي خاتمةَ الخواتم في انهيار طاغية، وأكاد أرى الشرفاءَ والشجعانَ والمناضلين وأصحابَ الأقلام الوطنية المتحمسة لتحرير مصر يجتمعون على قلب رجل واحد ويحددون موعدا للعصيان المدني.
فلتتحرك كل قيادات( كفاية )، ويطبق عبد الحليم قنديل ما يكتبه، وينضم إليه حمدين صباحي، وينسحب أيمن نور من مهزلة الترشيح التي تمنح الطاغية شرعية دستورية، وليتق الإخوان المسلمون ربهم في وطنهم وينضموا دون شرط مسبق أو اخلال بالوعد أو نكث بالعهد فهم قوة لا يستهان بها.. ليتحرك حزب الوفد على الرغم من بعض وصولييه ومنافقيه، ويمارس الأقباط واجبهم الوطني دون مطالب خاصة إلا لمصر كلها، ويخرج المستقلون والناصريون والشيوعيون والاشتراكيون، ونسمع أصوات الشرفاء من القيادات الوطنية وزعماء النقابات والمثقفين والاعلاميين. ليتوقف أستاذنا الكبير محمد حسنين هيكل عن شهادته التاريخية ويستغل منبره في ( الجزيرة ) ليتحدث عن الطغمة الحاكمة وعن السجون والمعتقلات والتعذيب والنهب واغتيال الوطن الذي يجري أمامه، فحلقة واحدة لهيكل بكل ما يملك من ثقل شعبي تستطيع أن تستنهض الملايين لمساندة العصيان المدني. وقبل أن تُعد السلطة فضيحة أخلاقية أو يضع أحد عملائها قطعة مخدرات في حقيبة أيمن نور، على الرجل النائب أن يجند حزب ( الغد) وأعضاءه ومؤيديه لهذا اليوم التاريخي .. يوم العصيان المدني.
أيها المواطنون المصريون، الطاغية يعد لكم جحيما مقيما تصغر بجانبه كل سنوات البؤس والقحط والفقر وسكن المقابر والأمراض والفشل الكلوي والأمية والغلاء والبيروقراطية والظلم والطبقية والارهاب، واستحلفكم بالله أن لا تسلموه مصرنا كما فعلتم طوال ربع قرن. ستكون لكم مقابر جماعية تصغر بجانبها مقابر شيطان بغداد.. الرئيس الأسير، أو اعدامات رفعت الأسد، أو تصفيات العقيد لأبناء شعبه، أو حتى تزمامارت التي جسدت دراكيولية الحسن الثاني طوال حكمه الدموي. أيها المواطنون المصريون، الرئيس حسني مبارك الذي كان جالسا في قصره يشاهد بلذة عجيبة ومتعة مرضية ونشوة طغيانية مفزعة صور كلابه من البلطجية وهي تنهش أجساد أولادكم واخوانكم وأخواتكم في مظاهرات رَفْض الديكتاتور سيجعلكم إن لم تسارعوا للدعوة للعصيان المدني حطاما تذروه الريح، أو بقايا شعب أو هياكل عظمية تسير على غير هدي في شوارع مدن الأشباح الممتدة من الثغر إلى حدود السودان. أيها المصريون، استحلفكم بأعز ما تملكون، بمستقبل أولادكم الذين سيلعنون صمت الملايين، بل بالله العلي القدير الذي تتوجهون له وتطلبون منه أن لا يحمّلكم ما لا طاقة لكم به، أن تثوروا مرة واحدة، وتتجمعوا بغض النظر عن المذهب والعقيدة والحزب والأيديولوجية والفكرة والرؤية والخلافات، وأن تنقذوا مصركم قبل أن يحرقها نيرون الجديد. أيها الجيش المصري العظيم وقياداته الوطنية من عشاق وادي النيل، لقد آن الوقت للخروج من تابوت الصمت و( تابو ) العزلة بعيدا عن اخوانكم وأمهاتكم وآبائكم، فالرجل في مرحلة هستيريا القتل العشوائي وأخشى أن تتركوا ثكناتهم وتعودوا فتجدون الوطن يحترق والطاغية يصفق وكلاب السلطة تنهش من بقي حيا. أيها الشرفاء من المخابرات وأمن الدولة ورجال الشرطة الوطنيين ومن بقي محبا وعاشقا للحرية والكرامة، ماذا تفعلون باخوانكم وأخواتكم؟ كيف تصمتون وكأنكم في الجانب المناهض لحقوق عائلاتكم وآبائكم وأمهاتكم؟ كيف تسمحون للطاغية بتلويث دوركم الوطني وحمايتكم للشعب وحفظكم للقانون والعدالة؟ في انتظار بدء العد التنازلي للدعوة وتحديد موعد للعصيان المدني، أبعث تهنئتي وقبلاتي ودموعي ومحبتي لكل المناضلين الذين تصدوا بصدورهم ولاءاتهم الشريفة أمام كلاب السلطة .. أمام كلاب السيد الرئيس.
لو نطقت مدافع الميدان لقالت بأن التاريخ الحقيقي للحرب يبدأ بعد أن تنتهي بوقت طويل! البحثُ عن الحقيقة في العراق يدير الرأس وينتهي دائما عند نقطة الصفر، فالأخبار الواردة من الداخل تحمل دائما الموافقة الأمريكية، أما إن لم يكن هناك شهود عيان فإن قوات الاحتلال تحمل نعوش جنودها في صمت مريب لتدفع بها إلى أحشاء طائرات عملاقة تعود بالجثث ليقرأ عليها بوش وتشيني ورامسفيلد ورايس مزامير داود أو نشيد الانشاد. أما أعداد الجنود الأمريكيين المعاقين جسديا وذهنيا ووجدانيا فهم في ازدياد مع غروب شمس كل يوم عن دجلة .. النهر الذي كادت مياهه أن تصبح مدادا لتاريخ العراق وأيضا مقبرة للغزاة أو لأهل البلد كما حدث في عهد الرئيس الأسير .. صدام حسين. رغم أن المقاومة العراقية تُصَعّد من هجماتها وتتلقى دعما معنويا في بعض القرى والمدن من كل السكان تقريبا، إلا أن مثلث الرعب ينحصر في منطقة لا يزيد عدد سكانها عن ثلث سكان العراق، فأين ذهبت أغلبية العراقيين؟ الذين يطعنون في الصمت الشيعي لا يعرفون تاريخ نضال الشيعة وآخره كان ملحمة مارس عام 1991 التي هزت العرش الصدامي وأوشكت على الانتصار لولا الدعم الأمريكي غير المباشر وتوجيهات البيت الأبيض بأن يسد الأمريكيون آذانهم وهم يسمعون جنود البعث يدكون المدن المقدسة تماما كما فعل الأمريكيون مع نفس المدن بعد ذلك بثلاثة عشر عاما. تفنن الأمريكيون في جلب كل صنوف التعذيب والامتهان والانتهاك والقهر والاغتصاب الجماعي الذي فضحته جدران أبو غريب مصادفة ولم تكشف عن عشرات الالاف من الحالات بعد بسبب التكتم الإعلامي الشديد، ومع ذلك فأغلبية العراقيين صامتة، وأغلبية مثقفيهم في الخارج تجري في عروقهم دماء الجنرال بيتان الفرنسي وكفيسلينج النرويجي ولولا بعض الحياء لأعلن مثقفو الغربة قيام حكومة فيشي الالكترونية بقيادة واحدة من أهم الصحف العنكبوتية التي بدت كأنها ( الجزيرة ) على الانترنيت من فرط ما فيها من حرية، وانتهت إلى السقوط في غرام العم سام. ماذا يعني أن هناك عشرات العمليات العسكرية اليومية المنظمة والمتقنة ضد قوات الاحتلال؟ لم يتوقف الكثيرون عند سؤال يخشون طرحه عن الدافع وراء العمليات الانتحارية التي يقوم بها عراقيون في كل يوم سواء كانت ضد المحتل أو ضد جنود الحرس الوطني والمدنيين؟ ما هي الرسالة، السامية أو الإرهابية، التي يحملها في كفنه انتحاري أو استشهادي أو إرهابي قبل تفجير نفسه وسيارته أمام رتل عسكري أمريكي أو على مداخل مسجد أو مستشفى أو في قلب سوق مكتظ بالأبرياء؟ هل صحيح أن العقل ولو كان نصفه جنون يصدق أن عراقيا مسلما يستعد لدخول الجنة وفق قناعاته فيفجر نفسه أمام الخارجين من صلاة الجمعة؟ العراقيون الذين ترفض وسائل الاعلام ظهورهم خشية غضب سيد البيت الأبيض وسيدنا جميعا يؤكدون أن صواريخ تطلقها مروحيات أمريكية هي التي تجعل العالم يظن أن مسلما فجر نفسه في أطفال مدرسة؟ ألم يفعل الجنرالات في الجيش الجزائري نفس الأمر وقاموا وهم يرتدون ملابس الاسلاميين بذبح أطفال مدارس ( وتلك ليست شهادة تبرئة للجماعات الاسلامية فقد أرتكبت مجازر وحشية تعادل قسوة وسادية الجنرالات )؟ أليست هناك مئات العصابات في العراق من عتاة الاجرام تختطف وتقتل وتذبح وتطلب فدية ثم تختفي في عالم اللامرئيات؟ من يملك الحق في الاشادة بكل صنوف المقاومة ضد الاحتلال في كل مكان في العالم ثم يخفت صوته، وتتحشرج الكلمات ثم تخرج فيشية ملعونة وهي تشكك وتتهم مقاومين عراقيين بأنهم يعكرون صفو مغتصبيهم، وأنهم يحولون الحلم الجميل لنبي العصر جورج بوش بالاستيلاء على ثاني أكبر مخزون نفطي في العالم إلى كابوس؟ لقد آن الأوان أن نعترف بصلابة وحق المقاومة العراقية، لنبدأ أصعب عملية يتم فيها فرز المقاومة الشريفة عن المجرمين والإرهابيين وقطاع الطرق والقتلة وسافكي دماء الأبرياء الذين أساءوا للعراقيين وللاسلام وتعمدوا تشويه صورة المقاومة الباسلة. إن أمريكا تتحمل المسؤولية كاملة بسبب التعتيم الاعلامي عما يجري داخل العراق ، فاختلطت الأوراق، وسالت دماء الشهداء بجانب قوى الشر التي تختطف الأبرياء، ولم يعد هناك أحد يميز بين مسلح شريف يتربص برتل عسكري وآخر مجرم وإرهابي ينتظر سيارة مدنية ليوزع رصاصات الغدر في صدور راكبيها. أما الهزيمة الأمريكية أمام هؤلاء الأشباح الذين يطاردون في وضح النهار جنودا متمترسين خلف أحدث تكنولوجيا القتل التي صنعها الانسان منذ فجر التاريخ فهي حتمية لمن لا يقرأ التاريخ في صفحاته الممزقة. لا يهم من الذي يقاوم، بعثيون قدامى، جنود تم الاستغناء عنهم من بول بريمر، أناس بسطاء، اسلاميون متشددون، وطنيون لا ينتمون لغير العراق، يتامى شيطان بغداد الأسير، سنة أو شيعة أو أكراد أو تركمان، فالوجيون أو بغداديون أو أنباريون أو موصليون، لكن الواقع يشهد على مشهد وطن يحترق أو يتمزق أو يتفتت أو يتم تقسيمه أو يولد منه عراق حر كريم متسامح مع ذاته وجيرانه. أما الانتخابات فربما تتم اعادتها مرة أخرى في عراق ما بعد اليانكي !
ملايين من العرب يضربون كفا بكف, ويرفعون حواجبهم تعبيرا عن دهشة بالغة, ويتحسرون على الأبرياء المدفونين تحت التراب, ويتعجبون من أن هذا الخطأ ( وفقا لتعبير الأستاذ عمرو موسى ) مر عليهم دون أن يلفت انتباههم!لماذا لم يتصل الرئيس صدام حسين في كل مرة يدفن عدة آلاف من العراقيين ويبلغنا بهذا الخبر حتى نعاتبه؟أجهزة الاستخبارات العسكرية والمدنية في عالمنا العربي تستطيع أن تعرف ما يدور في الذهن, ويمكنها أن تحاسب المواطن على أحلامه قبل أن ينام بوقت طويل, وتشم رائحة كراهيته للنظام, وتعرف تاريخ حياته منذ مولده وحتى صعود روحه إلى بارئها, وبعض أجهزة استخباراتنا التي تجهل عدد الطائرات الاسرائيلية المرابضة على الحدود, تعرف عدد الحيوانات المنوية التي ربما يخرج منها بعد تسعة أشهر معارض أو مشاغب أو حزبي أو متطرف, لكنها, وفقا لأدبيات الدهشة العربية السارية في كل مكان, لا تعرف أن عراق صدام حسين كان به حوالي مئتي سجن ومعتقل, يقبع في زنزاناتها عشرات الالاف, ولا يمر عام أو اثنان إلا وتتم تصفية عدة آلاف تمهيدا للترحيب بغيرهم. كان صدام حسين يقتل بدون حساب, وأرسل لمطار القاهرة الدولي جثث خمسة آلاف مصري في نعوش طائرة لم يلاحظها السيد الرئيس, ولم يتم ابلاغه فالعدد ليس كبيرا ولا ينبغي ازعاج فخامته بهذه الصغائر. وأربعة ملايين عراقي في الغربة بح صوتهم في أركان الأرض الأربعة وهم يقصون من نبأ عشرات المقابر الجماعية التي تحتوي على بقايا رفات نصف مليون مواطن عراقي, ولكن وسائل الاعلام العربية أبلغت المثقفين والمفكرين وأصحاب الضمير الحي بأن كل العراقيين الهاربين من جنة وطنهم السجن يفترون كذبا على الرئيس القائد صدام حسين الذي لم يبلغ بنفسه صحيفة ( القدس العربي) والدكتور محمد المسفر والمعارضة المصرية واتحاد الكتاب التونسيين والقبائل اليمنية ومنتدى الفكر العربي في الأردن وأحمد بن بلا وسعد الدين الشاذلي وأسعد التميمي وأبا عمار وأبا مازن ومنظمة حقوق الانسان والحسن بن طلال وغيرهم أنه قتل نصف مليون عراقي ووزع رفاتهم بالتساوي والعدل على مقابر جماعية حول نهري دجلة والفرات. والرئيس صدام حسين نسي ابلاغ اخوانه في مجلس التعاون العربي المكون من مصر والأردن واليمن السعيد والعراق أنه لم يذبح أكثر من أربعمئة ألف عراقي في ثورة مارس عام واحد وتسعين, وأن جنوده الأشاوس الذين قبلوا أقدام الجنود الأمريكيين في وقت لاحق, كانوا يلقون بالأطفال الرضع من فوق المساجد, ويلعبون الكرة برؤوس الأطفال أمام أمهاتهم وأشقائهم, وقد رفع الخطأ والنسيان عن أمتنا, فلا ضير في أن نمر على هذا الخطأ ( وفقا أيضا لتعبير الأستاذ عمرو موسى ) .وفي العام الماضي كان هناك وفد رفيع من قناة ( الجزيرة ) الفضائية لزيارة عاصمة الرشيد, وأعلنت بعدها أن العراق آمن, وأن السلام والسكينة والمحبة تخيم فوق أرض الماجدات وأبطال البوابة الشرقية. من أين إذن جاءت المقابر الجماعية؟لقد عرض الفنان عادل إمام مسرحية بودي جارد ولم يشاهد مقبرة واحدة, وكانت هناك الفنانة الشاعرة الرقيقة رغدة, والزميل مصطفى بكري والزميل عبد الباري عطوان وأثرياء من قطر والامارات والبحرين, وشعراء من الأردن, ومناضلون من فلسطين, ورجال أعمال من سوريا, والقوى الوطنية من مصر ولم يشاهد أحد عظاما في الطريق أو رفاتا في فندق الرشيد أو جثثا محروقة بحامض الأسيد في غرف النوم بفندق المنصور مليا! من قال إذن بأن الرئيس صدام حسين, المختبيء ,كان يقتل أتباعه, ويصفي الالاف في ليلة واحدة, ويلقي على شعبه أحماضا كيماوية فتذوب أجساد بضة وملائكية ورقيقة لأطفال ولدتهم أمهاتهم في الجمهورية السجن؟صحيح أن كنعان مكية أصدر كتابيه ( جمهورية الخوف ) و ( القسوة والصمت ), وأن مئات من الكتب الوثائقية تغطي مكتبات الوطن والمهجر, وتفضح دراكيولا العصر, لكن من قال بإن العرب يريدون تعرية مساويء قاتليهم وأسيادهم؟مقابر جماعية في العراق!لماذا لم تبلغنا وسائل اعلامنا النزيهة والمحايدة, ولميدر بذهن أي وزير اعلام أو ثقافة أو الاثنين معا أن يستأذن سيده وزعيمه ليبث تقريرا ولوعلى استحياء عن بعض تجاوزات النظام في العراق لذر الرمادفي العيون؟مقابر جماعية في العراق! كيف يحدث هذا؟لابد أن هناك سوء فهم, فالرئيس العراقي كان يتمتع باحترام الزعماء العرب, وتلقى طائرة هدية من أحد أثرياء دولة قطر, والرئيس اليمني أكد للكويتيين قبل الغزو عام تسعين بأن الزعيم العراقي لا يغدر, ولا يحشد قواته على الحدود. والرئيس حسني مبارك, قائد الطيران المحنك, أكد للكويتيين أيضا أن شائعات حشد قوات عراقية مغرضة, ولم يكلف نفسه عناء القاء نظرة على الجيش العراقي من طائرة هليكوبتر! وعندما كان الأطباء في مستشفيات الجنوب يسيرون فوق جثث الأطفال في طريقهم لغرفة العمليات خلال مذابح صدام حسين ضد أبناء شعبه, كانت وسائل الاعلام العربية تتلقى توجيهات من الزعماء العرب بعدم التعاطف مع الثوار بحجة أنهم شيعة حتى لو كانوا عراقيين! وحدها الكويت التي فضحت لأكثر من عقد من الزمان سادية الارهاب العفن لطاغية بغداد, ونشرت الصحافة الكويتية آلاف المقالات والوثائق والترجمات والأحاديث عن جحيم جمهورية الرعب, وتدخل الصحف الكويتية بيوت كل المثقفين, ويقرأها القادة العرب قبل أن يطلعوا على صحفهم المحلية المملة والمجاملة والمنافقة, ولكن صمت الحملان يخيم على الجميع, فالواقع يؤكد أن ضرب بيوت الآخرين خطأ لمن كان بيته من زجاج, والمقابر الجماعية موجودة في معظم أقطارنا العربية, ووسائل التعذيب في سجونها ومعتقلاتها تنافس, أحيانا, الطرق الجهنمية لشياطين الموت في حزب البعث العربي الاشتراكي. في عدد أكتوبر عام 2001 نشرنا في طائر الشمال مقالا مطولا تحت عنوان ( رسالة مفتوحة إلى صدام حسين .. حفار القبور يحكم الجمهورية السجن) وقرأها الالاف, ولكن رد الفعل الايجابي الوحيد وصلنا من الكويت, فهي الدولة التي أخذت على عاتقها مهمة تعرية طاغية بغداد, ومد يد العون للشعب العراقي لكي يتخلص من حفار القبور. كاذب من يقول بأنه لم يسمع عن المقابر الجماعية. وأفاق من يدعي أنها تلفيقات وحديث إفك. ومجرم من يقسم أنه لا يصدق الافتراءات ضد الرئيس العراقي صدام حسين, ومشترك في حفر القبور كل من يبرر الجريمة النكراءصدام حسين كان لعنة على العرب يبتهج بها المرضى النفسيون والمخدرون وأصحاب العقول الفاسدة, وكان نموذجا للطاغية الذي لم يكلف نفسه عناء البحث عن عبيد فتبرعت الملايين برفع صوره, وحجز أماكن في الجنة بعد الشهادة من أجل استمرار جمهورية الخوف. من قال بأنه لم يعرف أو يسمع عن المقابر الجماعية فهو مجرم يستحق محاكمة عادلة. صدام حسين حفر القبور لأبناء شعبه بأظافرنا ووعيناوعقلنا المستبد وجبننا ونشوتنا في استمرار تعذيب العراقيين أو تصفيتهم أو ابادتهم. يجب علينا جميعا أن نركع للعراقيين ونطلب منهم الصفح والمغفرة عما ارتكبناه من جرائم .
لبنان يرحب بكم! هل تريد أن تشتري عقارا، أو تستثمر أموالك في فنادق فاخرة، أو تتجسس على سفارة الدولة المجاورة لك، أو تؤسس حركة معارضة ضد جهة مجهولة، أو تصدر صحيفة يمولها رجل أعمال تحتفظ اسرائيل بملف كامل عنه؟ إذن فعليك بسويسرا الشرق وستجد فيها كل ما يروق لك أو تبحث عنه أو يبحث عنك. يمكنك أن تنضم لحزب الله أو حركة أمل أو تكتب قصائد في مخيمات الفلسطينيين أو تحضر حفلا لفيروز أو ماجدة الرومي أو تصفق لأستريد الجميلة وهي تناضل من أجل اخراج سمير جعجع من سجنه أو تنضم للعماد عون فربما يصبح رئيسا للبلاد وتأكل أنت الكتف كما يفعل اللبنانيون من البرازيل إلى ساحل العاج ومن باريس إلى شوارع دبي يقولون بأن قوة لبنان في ضعفه ولم يذكر لنا أحد أن ضعفه في ضيوفه، وأن عاشقيه يمكن أن يتحولوا إلى كارهيه بين عشية وضحاها وذلك عندما يتآمرون ضده، أو ينقلون معارك بلادهم وأنظمتهم وميليشياتهم وطوائفهم إلى هذا البلد الصغير الذي تَغَنّى بحُبه الكثيرون من ميخائيل نعيمه إلى فيروز ومن جبران إلى أمين معلوف ومن جاك شيراك إلى حسن نصر الله. ذكاء اللبنانيين الحاد لا يحميهم من أعدائهم، وفهلوة اللبناني وقدرته على التعايش مع كل المواقف ومخاطبة العقلاء والمجانين كل بلغته لم يمنع استمرار النظام الطائفي الهش الذي يتقاسم فيه الجميع وطنهم وفقا للنسبة المئوية أو الدولة التي تحمي الطائفة أو الطائفة التي تصبح دولة. لهذا خرج نصف اللبنانيين في مظاهرات تطالب بتحرير الوطن الصغير من الوجودالعسكري والمخابراتي السوري، وخرج النصف الآخر يطالبون ببقاء الأشقاء السوريين لحماية لبنان من مؤامرات الأعداء. ما أسهل أن تفجر مطعما في المنطقة المسيحية أو بناية في الجزء الاسلامي، وأن تستمع لبيانات متناقضة وأن يدافع بوش عن حرية اللبنانيين وفي ذهنه خروج مارينز اليانكي من بيروت خوفا ورعبا كما خرجوا من الصومال. لبنان في حاجة ماسة لحوار وطني داخلي غير طائفي لا تشترك به أي جهة خارجية حتى لو طلب عمرو موسى الحضور مراقبا، فالحصار الغربي الأمريكي ضد سوريا أو تلقينها درسا لا تنساه إيران سينعكس حتما على لبنان وأمنه وطوائفه، وسيحاول مناصرو ومخاصمو واشنطن ضرب أعدائهم في البلد الذي يفتخر بالضعف والحرية ودور النشر وغسيل الأموال وعروبته وملكات الجمال ...
كيف تمكن الكويتيون من صناعة حالة الأمن تلك التي تجعلهم لا يرفعون درجة الاستعداد رغم مَنْ يتربص بهم، ويشعر أهل الديرة بأمان شديد في مكان يسيل له لعاب الكبار، ويلعب بالنار الصغار، ويتصارع على جوانبه الطائفيون وخصوم الديمقراطية وأعداء الحرية!
يسافر أمير البلاد في مهمة رسمية تتعلق بدور الكويت وتنشيط الوضع الاقتصادي وفتح مجالات جديدة .
في نفس الوقت تجد رئيس الوزراء في ألمانيا أو رومانيا أو يبحث في مكان آخر عن أبواب لم يتم طرقها من قبل.
لكن البلد الآمن يزداد أمنا في ظل وجود نائب الأمير وولي عهده فهو ملخص لمشهد الوطن الصغير، وتفسير لحالة الأمان التي يشعر بها المواطن, فإذا غاب الأمير لبعض الوقت في زيارة خارجية فكأنه لم يغادر الوطن لأن قدرة الشيخ نواف الأحمد الجابر الصباح على قراءة فكر أخيه الذي يعتبره أيضا أستاذه تسمح للحضور والغياب بمساواة كاملة.
ما يميز الكويتَ عن باقي دول المنطقة العربية هي أن مشاعر الخوف من السلطة التي تعم أرجاء العالم الثالث تتحول إلى محبة جمة من كل أفراد الشعب لآل الصباح الكرام، لذا فإن الكويت لا تحتاج لجيش أمني يحمي السلطة، أو عيون استخبارات تنقل إلى الحاكم ثرثرة الغاضبين والناقمين والمتمردين وكلنا نتذكر الخطأ التحليلي الذي وقع فيه معظم المثقفين العرب والاعلاميين وكل من ظن أنه يستطيع قراءة المشهد السياسي الكويتي قبل الغزو العراقي الآثم، فكتبوا، وتحدثوا عن المعارضة الكويتية، واخترعوا حكايات لا أصل لها، ولم يجدوا غير كتاب ( الكويت .. الرأي الآخر) ليجعلوا منه دليلا
على وجود معارضة قوية، حتى أن زعماء دول عربية تسقط بين أيديهم كل تقارير الاستخبارات العربية والأجنبية كانوا واثقين أن الحكومة الكويتية في المنفى ( الطائف السعودية ) لن تعود إلا كما قال أبو عمار ( رحمه الله ) بانتخابات سيحصل فيها آل الصباح على النسبة الأقل!
واكتشف الحمقى والساذجون والأغبياء الذين لم يتعلموا ألف باء السياسة أن آل الصباح الكرام هم الشرعية الوحيدة التي حصلت على الاثنين معا: الدستورية والشعبية ، أما الأولى فمضى عليها زهاء قرنين ونصف القرن ، وأما الثانية فيشهد عليها مؤتمر ( جدة ) الشهير الذي اختفت فيه كلمة المعارضة، وانصهر الكويتيون في قلب أسرة واحدة متماسكة تمتد جذورها لتاريخ الكويت، وتُوفي بالوعدِ، وتَصْدُق العهدَ، ثم كانت الصدمة الثانية لبلهاء السياسة ومتابعيها من الذين انتظروا نهاية الحقبة الصباحية أن الوطن الصغير عاد ولو بعد سبعة أشهر جحيمية وأن مِكراً مِفراً مُقْبِلا مُدْبِراً كانت جزءا من عبقرية الحكم لتلك الأسرة فكانت خطوط الدفاع مساوية لعدد السكان ، وكان كل كويتي يعرف موقعه وطريقه إلى التحرير، من أمير البلاد ( رحمه الله وأسكنه فسيح جناته ) الذي هز العالم من فوق المنصة بالجمعية العامة للأمم المتحدة، إلى ولي العهد الشيخ سعد العبد الله السالم الصباح قائد قوات المقاومة الداخلية في الخارج، إلى الشيخ نواف الأحمد وزير الدفاع الذي صمد وجنوده، ثم قام بتأمين انتقال الأمير وولي العهد
إلى مكان آمن، ومن ثم شرع في الصحراء السعودية بتدريب جيشه على عودة مظفرة لوطن محرر حتى لو عبثت فيه كل شياطين الشمال وأحرقت نفطه، ونهبت خيراته، ولوثت سماءه، ودمرت بيئته.
للكويتيين أن يفتخروا بتاريخهم الحديث ومسيرة الديمقراطية وأمن وأمان المواطن.
إنني متفائل بذلك التعاون الثلاثي الرائع بين الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح والشيخ نواف الأحمد والشيخ ناصر محمد الأحمد في منظومة تناغمية وانسجامية تجعل الوطن الصغير يحقق بشائر الخير، ويعرف أفراده أن كويتهم بين تلك الأيدي الأمينة.
وتبقى بعض شروط النهضة التي لم تتحقق بعد ...
تحتاج الكويت لنظام بريدي متطور وسريع وحديث بحيث لا تبقى الرسالة القادمة من الخارج لأكثر من نصف يوم قبل أن تصل إلى يد صاحبها.
وتحتاج الكويت لرفع الرقابة نهائيا عن الكتاب، فهذا وطن لا يخاف الكلمة ولا يرتعد فيه أحد من تروس المطبعة.
وتحتاج الكويت لجعل المكالمات الهاتفية للخارج شبه مجانية حتى لو خسرت الدولة عشرات الملايين من الدينارات، فهي ستحقق انعاشا اقتصاديا، وستساهم في رفع الروح المعنوية للوافد والأجنبي الذي يتابع شؤون أسرته في بلده الأم عن طريق المكالمات الهاتفية شبه المجانية.
وينبغي الثقة في التدين الفطري لدى شعبنا الكويتي، فالمزايدة الدينية زادت عن الحد المعقول وتنذر بخطر وطائفية كانت الكويت دائما في مأمن منها.
ويجب أن لا يلعب بعض أعضاء السلطة التشريعية دور ( المطاوعة ) فالكويتيون شعب من الأحرار.
وأخير لي عتاب على آل الصباح الكرام!
لماذا لم تقم الكويت بترشيح الدكتورة رشا الصباح لتحل محل سكرتير عام الأمم المتحدة وقد كانت فرصتها في النجاح كبيرة لو ألقت الدولة بثقلها خلف ابنة الكويت ؟
أتخيل نفسي مسؤولا كويتيا يقرر فجأة القفزَ فوق البروتوكول المتعارف عليه، ثم يُصدِر أمرا بأن يجيب المسؤول العراقي الراغب في زيارة الديرة على ورقة اختبار، فإذا نجح فيها فيتم الاستعداد لمد البساط الأحمر من تحت سلم الطائرة إلى منصة الشرف للوقوف تحية للسلامين العراقي والكويتي.
يتم تقسيم ورقة الامتحان إلى قسمين: الأول قبل الغزو العراقي الآثم، والثاني أثناء الاحتلال وبعد التحرير.
يجيب المسؤول العراقي حتى لو كان رئيس الجمهورية أو رئيس الوزراء أو رئيس كردستان على أسئلة مثل: أين كنت عندما دنس أشاوس نظام الطاغية الأسير دولة الكويت؟ هل قمت بعمل ولو كان ضئيلا للافراج عن الأسرى الكويتيين قبل تصفيتهم الغادرة؟ هل لازلت تحلم بضم الكويت إلى جمهورية الرعب العراقية؟ كيف ترى الحدود بين البلدين؟ هل لديك شواهد أنك تعاطفت مع الكويتيين خلال الاحتلال العراقي الشرس؟ كيف تتصور مستقبل العلاقات بين البلدين على مستوى استقلالية الأرض وفصل الحدود وحلم أو أوهام الدولة العربية الواحدة التي يأكل فيها العراق جارتَه الصغرى؟
تكون مدة الامتحان منذ تلقي الكويت طلب زيارة مسؤول عراقي إلى أن يتسلم الكويتيون استمارة الامتحان ممهورة بتوقيع المسؤول.
معذرة لقرائي الأعزاء على هذا الشطط في الخيال، ففي نفسي غضب شديد، بل لعلي لا أبالغ إن قلت بأنني أشاهد ما وراء ابتسامة المسؤول العراقي لدى زيارته الكويت، والترحيب الدافيء والأخوي والكريم والرائع من الكويتيين ، فكأني بالضيف يقول لنفسه كما قال لي صديقي العراقي البعثي في اليوم التالي للغزو الأحمق: هذا جنوبنا وقد عاد إلينا، أو كما قال لي القائم بالأعمال العراقي في العاصمة السويدية بعد يومين من تدنيس الكويت الطاهرة بأحذية الأشاوس: لقد غدر الكويتيون بنا!
منطق أحمق لعله لا يزال متعفنا في رؤوس كثيرين من المسؤولين العراقيين الذين تفتح لهم طيبة وسذاجة الكويتيين الكرام قلوبهم وخزائن أموالهم.ليس هناك فوارق كثيرة، فالمالكي كالجعفري كالجلبي، والحلم الوهمي الذي لم تجتثه خيمة سفوان لا يفرق بين شيعي وسني وبعثي.
تخرج الكويت كلها لاستقبال ( الأشقاء )، ويقيم الأمير حفل عشاء على شرف جيران الشمال، ويأتي كل رجالات الدولة مرحبين بالضيوف الكبار، ثم يعود الضيف إلى بغداد حيث لا يستطيع أن يسير نصف متر بدون حراسة مشددة، ثم يطلق تصريحات نصف غامضة، وكأنه يعتذر لأبناء بلده أنه زار المحافظة التاسعة عشرة دون أن يُوَقّع عقد تمليكها للحكومة العراقية الجديدة الواقعة تحت أحذية اليانكي وعلى مرمى حجر من السيارات المفخخة.
تذكرت اللواء وفيق السامرائي الذي كان يعلم جيدا ما حدث مع الأسرى الكويتيين ورفض رفضا قاطعا أن يمد الكويتيين بخبر واحد تضمه أمهات الأسرى لأفئدتهن لعله يمنحهن أملا في عودة فلذات الأكباد من زنزانات الرعب العراقية.
وتذكرت السامرائي والبزاز وهما يمتنعان عن دعم الكويتيين في محاكمة علاء حسين، وهذا الشح الشديد في تسريب أي خبر للكويت يساعد حكومتها وأهلها في تعقب أخبار أبنائها.
يطلب العراقيون من الكويتيين اسقاط الديون، ودعما ماليا، ومساهمات في مشروعات تبتلعها بطون رؤوس الفساد في بغداد. لقد آن الوقت لوضع العلاقات الكويتية العراقية موضعها الصحي والصحيح، وأن يصرح كل مسؤول عراقي قبل زيارة الكويت وعلى مسمع من كل أبناء شعبه أنه مؤمن ايمانا لا يداخله شك باستقلالية الكويت جغرافيا وتاريخيا وحدوديا، وأن مجرمي الاحتلال العراقي للكويت ينبغي تعقبهم في كل مكان ليتم عرضهم على محاكمات عادلة ومستقلة وليست كتلك التي تأتيها الأوامر من البيت الأبيض أو من القوى الطائفية.
العراق لم يعد دولة، ولكن طوائف تتصارع، وأحلام تصنع كوابيس مستقبل قاتم وأسود، وغباء سياسي، وأعضاء حكومة جاءت بها فرق ومذاهب وجماعات الموت.
هل تستطيع سيارات قادمة من الكويت أن تتجول بحرية في مدن عراقية، ايا كانت الطوائف التي تسيطر عليها؟
تلك هي العلاقة الصحية التي أتحدث عنها، وعندما يستتب الأمن، وتقوم للعراق قائمة دولة مستقلة ذات سيادة، ويذهب التلميذ إلى مدرسته، ويفتح التاجر متجره في أمان وتذهب أموال النفط للشعب العراقي، ويتعلم الطلاب تاريخا قائما على التسامح، وينزع المسؤولون من أدمغتهم تلك الأوهام الملوثة بعبثية الاستعلاء البعثي التي تدور حول عراقية الكويت، ويغادر جنودُ الاحتلال بلاد الرافدين، ويعود المقاتلون العرب والمسلمون إلى ديارهم ( منهم ارهابيون ومنهم مقاومة شريفة ولا تستطيع قوة في الأرض أن تميز بينهم )، فإن الكويت الأكثر كرما مع العراقيين من أبناء العراق أنفسهم لن تبخل بأموال الشعب الكويتي على الأشقاء بعد التخلص من آخر ذرة حقد وكراهية وغيرة رسّبتها سنوات الوهم العفن في قلوب وعقول من ينظرون للكويت على أنها امتداد لرعب الشمال.
نعود مرة أخرى لزيارات المسؤولين العراقيين، ونتمنى أن لا يرقص المسؤول العراقي على الحدود فلا نعرف إن كان متعاطفا مع الكويت وهو في ضيافتها أم سيعود ويغازل قوى الوهم التي تريد الاستمرار في ابتزاز الكويت ولكن بطريقة مختلفة هذه المرة.
الكويت دولة حرة ومستقلة وذات سيادة رغم أنف أي مسؤول عراقي كبير أو صغير يقوم بزيارتها، ثم يطلق تصريحات غوغائية عن ترسيم الحدود أو نسيان الماضي ( وكأنه مر عليه قرنان أو أكثر ).
الأحلام والأوهام التي زرعتها حقب من الكراهية لا يمكن أن تنتهي بسهولة بمجرد مرور عدة أعوام والتخلص من نظام شيطان بغداد ( رغم أن الشياطين تكاثروا في عراق ما بعد جحر الجرذان )، والموضوع برمته يحتاج إلى جيل جديد تتكون في مخيلته صورة جديدة عن الكويت في الشارع والمدرسة والجامعة والتلفزيون والصحف والمقهى والكتاب والفيلم والأغنية والمحاضرة والندوة والحوارات، العامة والخاصة. جيل جديد يتربى في البيت وخارجه على تكوين صورة متسامحة وحقيقية وصريحة عن دولة الكويت وليس عن أناس يتوهم الكثيرون أن سرقتهم حلال سواء كان المسروق سيارة كويتية في البصرة أو وطن بكامله. كثيرون من المسؤولين العراقين لا يستحقون شرف الوقوف فوق السجادة الحمراء في مطار الكويت الدولي.
إذا غاب العقيد معمر القذافي عن وسائل الاعلام العربية والدولية أصيب بحالة عصبية شبيهة بالتي تصيب طفلا لم يعد المحيطون به يرددون اسمه في كل ساعات الليل والنهار.
ورسول الصحراء جامع شامل, فهو نبي قومه, وشاعر, وروائي, وقائد عسكري, ومفكر, وصاحب نظرية عالمية, وزعيم أفريقي, وأمين القومية العربية, وموحد أفريقيا, وعبد الناصر الليبي.
لكن حياته ليست فقط كوميديا يضحك لها وعليها الآخرون, لكنه مستبد من ذرية طغاة الوطن العربي, ومثير للشغب, ومحرض ضد من يختلف معهم, ويكتاتور لا يسمع إلا صوت نفسه, ومغرور كأنه لا ينتمي لعالمنا المنحط, وطاووسي الفكر والمشاعر, وفيه أيضا أهم صفات المستبد الطاغية, أي بهجة بناء المعتقلات والسجون في طول البلاد وعرضها لأنها رمز لاستمرارية الحكم رغم أنف الشعب المسكين.
وجه العقيد نصائح طبية إلى الأفارقة وقال لهم بأن الايدز فيروس مسالم, وأن قوى الاستعمار هي التي تخيف أفريقيا بهدف استغلالها.
والعقيد لا يعرف أن الايدز يكاد يقترب من اصابة ثلث سكان أفريقيا, وأنه أخطر من الطاعون والملاريا وحركات الانفصال ومذابح رواندا!
القذافي لم يتعب أو يتراجع أو يراجع نفسه وأفكاره, وليس من الممكن أن يعترف بخطأ أو ذنب أو جريمة.
أربعة وثلاثون عاما لم يعرف فيها الشعب الليبي زعيما غير العقيد, وبين يديه أموال البترول , وثروات الدولة, ورقاب العباد, وصناعة القرار السياسي والاقتصادي والديني والعسكري.
وعندما وافق على تعويض ضحايا لوكربي كان الشرط الوحيد هو نجاته وأهله من الكرب العظيم, أعني محاكمته أمام محاكم مجرمي الحرب والارهاب, وسيدفع العبيد الليبيين ثلاثة مليارات من الدولارات لأهالي الضحايا.
دولة كاملة بكل مؤسساتها حولها القذافي بأهوائه وحماقاته إلى بلد مفكك, وجيش لا يستطيع أن يهزم رجال مخفر شرطة على الحدود التشادية, وأسلحة مليئة برمال الصحراء, ومثقفين واعلاميين وكُتّاب لا يستطيع الواحد منهم أن يخط بقلمه كلمة بغير رضا العقيد ولجانه الثورية.
حتى الأغاني التي يتم بثها ترغم المؤسسة المستبدة الاذاعةَ على اهداء الأغنية إلى الأخ
العقيد قائد ثورة الفاتح من سبتمبر العظيمة, وإلا فإنها لا تصلح للبث.
منظمات حقوق الانسان بح صوتها لكل الأحرار والشرفاء لانقاذ الشعب الليبي من براثن حكم متخلف عفن, وكذلك اطلقت عدة مرات نداءات لانقاذ المغيبين منذ زمن طويل في سجون ومعتقلات العقيد, لكن يبدو أن أموال الشعب الليبي التي كانت تذهب للكتاب الأخضر, ثم للميليشيات في لبنان, وبعد ذلك لمطاردة الكلاب الضالة, أي المعارضة الليبية وتصفية رموزها, ثم القيام بعمليات ارهابية أو تعويض الضحايا عن عمليات ارهابية وذلك قبل أن يتم توزيعها على الزعماء الأفارقة ومافيات الفساد في القارة السمراء, تلعب أيضا دورا قذرا في اسكات المثقفين والكتاب والاعلاميين والاكاديميين, ومن لا يصدق فعليه بزيارة المكاتب الشعبية الليبية لعله يقابل رجالا من صناع الكلمة الكبار يتسولون على أبواب سفارات الجماهيرية العظمى.
لماذا لا يحاضر العقيد معمر القذافي عن الجنس والاغراء والفياجرا إذا كان يرى أن الايدز فيروس مسالم لا يؤذي الناس في قارة قد يختفي ثلث سكانها قريبا تحت باطن الأرض من جراء الفيروس المسالم. متى نستيقظ صباح يوم جميل مشرق ولا نرى فيه العقيد معر القذافي؟
رأيت فيما يرى النائم بذهن أكثر حضورا من وعي اليقظ طرفا من وقائع محاكمة بدا لي فيها خلف قفص الاتهام العقيد الليبي معمر القذافي. أما رئيس المحكمة والمستشارون فكانوا كلهم من الليبيين ولم أذكر أنني رأيت جنودا أمريكيين أو بريطانيين أو حتى مراقبين زرق العيون عليها أوجه بيض! ظهر المتهم ذليلا كسيرا وقد أحاط به اثنان من حراس المحكمة وهو الذي اعتاد أن تحيط به حارسات من فدائيات القائد كما كان الحال مع المحيطين بشيطان بغداد من فدائيي صدام. كان الجو حارا، وقاعة المحكمة تكتظ عن آخرها بأقرباء المتهم وعائلته وقبيلته وبعض من بقايا قيادات اللجان الثورية ورهط من الفضوليين والصحفيين وثلاثة أو أربعة من أعضاء جبهة الانقاذ الوطني. تسللت نسمة هواء على استحياء لتبلغنا أن مبنى المحكمة ليس بعيدا عن شاطيء البحر، ربما في طرابلس الغرب أو بنغازي أو طبرق أو مصراته. المتهم يكاد يختنق من اقتراب جدران المبنى الخرساني المسلح ولكن مهانة الوقوف خلف القفص منعته من التعبير عن تمنياته بأن ينتقل الجميع إلى خيمة ملونة أشرف عليها بنفسه قبيل ساعات قليلة من القاء القبض عليه. بعد عشر دقائق من الاجراءات الروتينية لانعقاد الجلسة الأولى ونداء الحاجب وانحسار الهمهمات والهمسات وتحريك بعض المقاعد من الخلف إلى المقدمة، بدأ التاريخ الليبي الجديد بسؤال القاضي للمتهم الماثل أمام عدالة المحكمة: اسمك ووظيفتك؟ المتهم: معمر القذافي، قائد ثورة الفاتح من سبتمبر العظيم! القاضي: لا تبدأ اجابتك على أسئلة المحكمة بهذا الهزل، وأنت تعلم ما أعني. المتهم: رئيس ليبيا سابقا! القاضي: كيف تسلمت الحكم؟ المتهم: في الأول من سبتمبر عام 1969 قمت مع مجموعة من الشباب الليبي المتحمس والمتأثر بالزعيم الراحل جمال عبد الناصر بثورة ضد الملك إدريس السنوسي لاقامة نظام حكم وطني. القاضي: هل كانت لديك أفكار مسبقة عن نظام الحكم الوطني والرؤى الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والدينية، وكيفية تحقيق مجتمع الأمن والرفاهية والسلام؟ المتهم: لم تكن لدي أدنى فكرة عن الدولة الحديثة والادارة ومصالح الوطن، لكن المفاجأة التي عقدت لساني لبعض الوقت هي التفاف الجماهير حولي وهي ظاهرة غريبة في عالمنا الثالث، ولو قام مهرج أمي بانقلاب عسكري أو مدني مسالم، وأصدر البيان رقم واحد، ووعد الجماهير المطحونة والمقهورة بالمن والسلوى فستخرج كلها خلفه تبايعه، ويلتف حوله المنافقون والأفاقون وسماسرة القصر. ثم أكمل المتهم العقيد معمر القذافي شرح رؤيته التي نزلت كالصاعقة على رؤوس الحاضرين قائلا: صدقني، سيدي القاضي، لو قام حمار حقيقي بدمه ولحمه وشحمه وأذنيه بانقلاب على القصر، واستولى على الاذاعة والتلفزيون وأصدر البيان رقم واحد فاحتمالات الالتفاف حوله لا تزال كبيرة، بل ربما زاد الملتفون خلفه عن الملتفين حول زعيم وطني ومثقف وذكي ومؤمن باشراقة النور في مستقبل بلده. القاضي: كنت مستبدا طوال فترة حكمك، وقتلت بدم بارد عشرات الالاف من أبناء شعبك في جرائم يخجل منها الطغاة الآخرون، لماذا ارتكبت كل تلك الجرائم والحماقات؟ المتهم: نحن الطغاة نتلقى دروسا من بعضنا، ويعلمنا التاريخ أن ذاكرة الشعوب ضعيفة، وأنا لم اختلف عن غيري من الطغاة في عالمنا الثالث، والفارق الوحيد هو أنني تركتهم يسخرون مني ويتناقلون روايات عني وكأنها حكايات للاضحاك ولم يتنبه إلا القلة عن حجم البكاء والحزن فيها. القاضي: أين ذهب أعضاء الثورة من زملائك الذين قاموا معك بانقلاب الفاتح؟ المتهم: تخلصت من بعضهم، وأنفض الآخرون عن القيادة وغابوا، أعني قمت بتغييبهم عن أعين الشعب، فتولى الصمت مهمة دفنهم أحياء. القاضي: منذ عام 1969 وأنت تهدر أموال الشعب، ألم يدر بخلدك أن تلك الأموال ليست ملكا خالصا لك، وأنك أمين عليها؟ المتهم: يا سيدي، أنا لست مجرما كما يصورني بيان الاتهام من النيابة، لكنني شخص متمرد، وثوري، ولم أكن عندما قمت بالثورة أفقه في الاقتصاد والسياسة والفلسفة والأخلاقيات والدين، فلما تجمعت السلطة في يدي فاجئني العبيد برقابهم، وابتهجوا بالذل، واغتبطوا بالمهانة، حتى أنني وصفت شعبي في حفل عام بأنهم كالماعز فصفقوا لي. القاضي: ولكنك قمت بتصفية الالاف من أبناء شعبك، وصنعت جماهيرية الرعب، وجعلت من ليبيا سجنا أكثر توحشا من سجون ومعتقلات زملائك من الزعماء الرعب، ألم يكن أمرا طبيعيا أن يخشاك مواطنوك؟ المتهم: حتى قبل التوسع في بناء المعتقلات والسجون كانت الجماهير مهيئة لكل أشكال القمع والقهر. وضعت لهم ( الكتاب الأخضر) وهو مجموعة من التعاليم الساذجة والتي يخجل طفل في المرحلة الابتدائية من كتابتها، فجعلوه كتابا مقدسا، وتم تأسيس مركز الكتاب الأخضر، وأنفقت من أموال الشعب مئات الملايين التي تم نهب أكثرها بحجة تعريف العالم بفكر رسول الصحراء. قمت بتبديل التاريخ الهجري ليستخدم الشعب تاريخ وفاة النبي، فتهافت مثقفو ليبيا ومعهم عدد هائل من المنافقين والمتزلفين على تبرير قراري. ضربت الدبلوماسية في مقتل، وصنعت مكاتب شعبية في الخارج كانت مسرحا للتهريج والسيرك الدبلوماسي، فعثرت على الملايين يؤيدونني ويطيعونني. أقمت مؤتمرات بعدد حبات رمال الصحراء للبحث في فكري، واستخراج العبقرية من قراراتي المفاجئة وغير المتوازنة، فكانت المكاتب الشعبية الليبية في الخارج تستقبل آلافا من مفكري الأمة وعلمائها وفقهائها ومثقفيها وضمير شعوبها يطلبون السفر إلى الجماهيرية، ويشتركون في حوار أحمق عن سذاجة فكرية، فتخرج قرارات وتوصيات ومديح لم يحصل على مثلها نبي من أنبياء الله منذ آدم عليه السلام. حتى هزيمة جيشي في تشاد وعودة جنودي في نعوش عبر الصحراء الليبية بعد انتصار القبائل التشادية المسلحة ببنادق من بقايا الاستعمار تحولت إلى مظاهرات فرح. القاضي: ما هي حكاية التعويضات في قضية لوكربي؟ المتهم: لقا تم اسقاط الطائرة في الفترة الخصبة التي طاردت فيها بأموال شعبي الكلاب الضالة، وقتلت الأبرياء، وحولت أجهزة الأمن إلى مطاردة كل من يخالفني الرأي، فكانت خطتي بقتل ركاب الطائرة التي انفجرت فوق المدينة الاسكوتلندية الهادئة، ثم كان الحصار الذي استمر سنوات طويلة فجعلت الشعب يؤمن أننا في الجماهيرية نقف في خندق الصمود ضد قوى البغي, وفي النهاية اضطررت لتسديد أقل من ثلاثة مليارات دولار لأهالي الضحايا شريطة أن لا تتم محاكمتي كمجرم حرب. القاضي: ولكنك فعلا مجرم حرب ومجرم سلام، فكيف نجوت من محاكمة دولية؟ المتهم: لأنني أعرف أن مصالح الدول الكبرى ، خاصة الولايات المتحدة الأمريكية هي التي تحدد قيم العدالة في الغرب، لذا دفعت صاغرا التعويضات، وقمت بتسليم الادارة الأمريكية آلاف الوثائق والمستندات الخاصة بالمنظمات العربية والاسلامية والدولية، وكشفت كل أسرار من ظن أنها في صدري ولن أبيعها لخصومهم، وأهديت للحكومة البريطانية أسرار الجيش الجمهوري الايرلندي!
القاضي: .. وبعت أيضا الفلسطينيين، أليس كذلك؟ المتهم: عشرات المرات وبعضهم لا يزال يعلق آمالا كبيرة على وعودي! في حصار بيروت حجبتُ عنهم السلاح، وطلبت منهم الانتحار.. وكان كثيرون منهم يعملون في الجماهيرية، فلما شعروا بالأمن، طلبت من أجهزة أمني أن يلقوهم في صحراء السلوم، ويسرقوا ممتلكاتهم ومتاعهم وأموالهم.. وقمت ببيع وثائقهم واسرارهم ومستنداتهم لرجال الرئيس في أمريكا في مقابل أن يرضى عني البيت الأبيض. القاضي: هل ظننت أن خزينة الدولة السجن كانت ستكتفي بدفع تعويضات لكل من أضرتهم أعمالك الارهابية؟ المتهم: حتى لو تسول الليبيون من بعدي في شوارع تشاد وأوغندا والسودان وسوازيلاند، فلم يكن هذا يمنعني من دفع مليارت الدولارات لكل من يرفع قضايا تعويض ضدي، فالألمان لهم نصيبهم من أموال شعبي بسبب حادث البار في برلين، والفرنسيون غرفوا من أموال البترول تعويضا عن اسقاط الطائرة فوق النيجر، حتى أبناء الاستعمار الايطالي كانوا يستعدون للحصول على تعويضات مني. القاضي: ما هي حكاية الخيمة التي تنتقل بها في كل مكان، وتسبب حرجا لمضيفيك، وتنصبها في حديقة قصر المضيف، وتكلف الدولة المفلسة ملايين في كل مرة، وتصطحب معك ناقتين وعشرات من الأشخاص الذين تنحصر مهامهم في نقل الخيمة ونصبها واعداد الأثاث لها، ودورة المياه والحمام والفضلات.. أخشى أن أتهمك بالجنون لئلا تنجو من المحاكمة ويتسلمك من العدالة أطباء في مستشفى الأمراض النفسية والعصبية؟ المتهم: إن عقدتي، سيدي القاضي، تكمن في كراهيتي للاهمال، فإذا شعرت أن هناك من خطف الأضواء مني، فإن لساني على استعداد أن يقدم أي اقتراح بعيدا عن العقل والمنطق والسوية، حتى لو قلت بأن وليم شكسبير كان عربيا ويدعى الشيخ زبير، أو أن الهنود الحمر عرب، أو أنه لا يوجد في العالم العربي مسيحيون ( وكان المرحوم الدكتور غالي شكري قد صحح هذا الخطأ لي، فعرفت أن لدينا مسيحيين عربا )، أو أن المسجد الأقصى عبارة عن قطع من الأحجار ولا يمثل لي أي قداسة، أو أن حل الصراع العربي الاسرائيلي يكمن في دولة ( اسراطين)، أو عشرات غيرها من الأشياء التي تخطف عيون وآذان المواطنين، فالمهم أن أبقى أنا في الضوء طوال الوقت. القاضي: مثلما قلت بأن الأوروبيين يطمعون في احتلال ليبيا للاستيلاء على بطيخها، فضحك العرب، وتندروا على فكاهاتك، وبقيت أنت في الحكم السيرك، ألست أنا محقا؟ المتهم: نعم، سيدي القاضي، إنه فن الطغيان الذي لم يكتشفه قبلي في عالمنا قلة قليلة. عندما قال كل عربي وليبي لأخيه: دعه إنه مخبول وكوميدي، فقد كان هذا يعني اطالة أمد حكمي وسطوتي وسيطرتي على مقدرات الليبيين. القاضي: ماذا حدث في سجن ( أبي سليم ) عام 1996؟ المتهم: لم يحدث أي شيء غير طبيعي، فقد بدأ أن هناك تمردا على أوضاع السجن فأعطيت التوجيهات اللازمة لزبانيتي وكلاب خيمتي من رجال الأمن القساة فتولوا، مشكورين، مهمة التخلص من 1200 سجين، وتم ارسالهم إلى العالم الآخر، فأنا لدي من الليبيين، أعني الذين وصفتهم بالماعز، أكثر من الهم على القلب. ثم إنني، سيدي القاضي، أقوم بما يفعله أشقائي في العروبة من زعماء الأمة العربية الواحدة ذات الرسالة الخالد! ألم يتخلص صدام حسين من أكثر من ربع مليون عراقي في طول أرض الرافدين وعرضها، فضلا عمن سقطوا في الحرب المجنونة مع ايران، ومن دمرتهم آلة الحرب اليانكية وهم ينسحبون بذلة واستكانة من الكويت متجهين إلى القائد المهيب لعله يرسلهم إلى جحيم عدوان جديد؟ ألم تدفن سرايا الدفاع بقيادة العقيد رفعت الأسد، صاحب شبكة الأخبار العربية المدافعة عن حقوق الإنسان، بجوار سجن تدمر أكثر من 1000 شخص في مقبرة جماعية؟ ألم يأمر أمير المؤمنين الحسن الثاني، رحمه الله، وزير داخليته الجنرال محمد أوفقير بالتخلص من أي شخص يحلم أو يفكر في معارضة الملك، فلما قام طلاب الدار البيضاء بمظاهرات سلمية لم تمر عدة ساعات حتى كانت سيارات الجيش تقوم بجمع جثث دافئة لشباب وأطفال في المدينة الآمنة بعدما استجاب الجنرال لمليكه المهووس بالقتل، واختفى المغاربة في قبور جماعية أسوة بمواطني معظم الدول العربية؟ ألم يقم الحسين بن طلال, رحمه الله، بمجزرة سبتمبر الأسود ضد الفلسطينيين وراح ضحيتها أكثر من ثلاثين ألف فلسطيني، وتوقف بعدها القلب الكبير لجمال عبد الناصر؟ لماذا تتهمني، سيدي القاضي، بارتكاب المجازر الجماعية وأنا أقوم بتأدية واجبي في التخلص من عدة آلاف من المواطنين وفقا للعادات والتقاليد العربية، ولو لم أفعل لما احترمني زملائي الزعماء العرب؟ القاضي: هل كانت لك أي علاقات بالكيان الصهيوني؟ المتهم: أرسلتُ في احدى المرات بعض الحجاج للمدينة المقدسة، وختمت أجهزة الأمن الاسرائيلية على جوازات سفرهم بنجمة داود، وكنت أريد أن اختبر ردود فعلي شعبي المسكين، فتلقيت التهاني من كل قطاعات الشعب الليبي العظيم .. أحفاد عمر المختار. وقد فعل مثلي الرئيس عبد العزيز بوتفليقة فأرسل بعض الصحفيين الجزائريين، لكن الشعب الجزائري لم يستوعب هذه الكارثة، فصمت الرئيس وأدعى أنه لم يكن على علم بالزيارة. أما العلاقات السرية بين ليبيا واسرائيل فلم يحن بعد وقت الاعلان عنها، وهل تظن، سيدي القاضي، أن الإدارة الأمريكية ترضى عني إن لم أقدم الضمانات والأمن لاسرائيل ذليلا ومقهورا ومهزوما؟ لقاضي: هل قمت فعلا بتصفية الامام موسى الصدر وهو ضيفك، والتقاليد العربية منذ عهد الجاهلية تراعي دائما أمن وسلامة الضيف حتى لو كان عدوا لك؟ المتهم: نعم، سيدي القاضي، قمت بقتله مع مرافقيه، وقامت أجهزة الاستخبارات الليبية بعمل مسرحية عن سفر الضيوف إلى العاصمة الايطالية، لكن حبكة اللعبة لم تكن على مستوى درجة ذكاء أي أجهزة أمن، فمخابراتي تحتل المركز الأول في الغباء والبلاهة والحماقة، حتى عندما قامت باختطاف منصور الكيخيا، عرف العالم كله بالعملية قبل أن تقوم أجهزة أمني بتسليم المعارض لي. القاضي: أنت تتصرف أحيانا كمعتوه ينبغي عرضه على طبيب نفسي وأحيانا أخرى كقائد متهور، ولكن في كل الأحوال أنت واحد من أقسى طغاة العصر الحديث، فهل كان لك هدف محدد أو مشروع قومي؟ المتهم: حاولت، كما ذكرت من قبل، جذب الأنظار، وكنت في الحقيقة اشعر بدونية شديدة، فقدراتي العقلية لا تسعفني في كثير من الأحوال، لكن يشفع لي دائما أن السوط في يدي، وأضرب به ظهور الليبيين متي شئت وكيفما أردت، وأرسل أي عدد منهم إلى ملك الموت، ولو أعطيت توجيهات بسحب كل أرصدة البنوك ودفعها تعويضات عن جرائمي لصفق الشعب وخرج في مظاهرات تطوف شوارع البؤس الليبي، وتعتبر قراري حالة نادرة من العبقرية الصحراوية للقائد الملهم! لو نزل الوحي مرة أخرى على نبي من الأنبياء لما تمكن من صناعة سلطة مقدسة كالتي صنعها لي شعبي. القاضي: وماذا عن محاولات الانقلاب والاغتيال التي تعرضت لها خلال فترة حكمك الأسود لشعبك المسكين؟ المتهم: كانت كثيرة وخرجت من قلب الصحراء ومن طرابلس ومن الجبل الأخضر، ولكن لدي أجهزة أمن تستطيع أن تعد على الليبي أنفاسه، وتعرف عدد أسنانه، وتتسلل إلى أحلامه، ولديها أوامر وتوجيهات مني بأن لا تتهاون أو تأخذها رحمة أو شفقة أو تتردد هنيهة واحدة في قطع رقاب الكلاب الضالة ولو بلغ عددهم نصف سكان جماهيرتي. في المقابل فإن صمتا مريبا ران على العالم كله، والتزم به العرب من بحرهم إلى مائهم بأن لا يدخلوا عش الدبابير، ولا يثيروا غضبي وحنقي، وأخص بالذكر مصر والسودان وإلا فإن أموالي لن تعرف طريقها إلى حكام الدولتين. ولعلك، سيدي القاضي، تعرف أن المكاتب الشعبية الليبية في الخارج تضج من كثيرة المترددين عليها من المثقفين والأكاديميين والمفكرين والاعلاميين الذين يطلبون تأشيرة أو دعما أو مساهمة أو زيارة يتبعها مديح زائف ونفاق أعمى وتبريرات لكل جرائمي ضد شعبي الليبي. لذا فإنني لم أطلب اجراء احصاء بعدد الذين قمت باعدامهم نتيجة شبهات انقلاب ضدي أو مؤامرات لم تتم أو معارضة مقصوصة الأجنحة أو تجمعات بريئة تتحدث عن هموم ليبيا! القاضي: كيف كنت تتعامل مع القانون والدستور؟ المتهم: إن الدستور الذي أعرفه هو الكتاب الأخضر الذي أوهمت شعبي أنه يحتوي على عصارة فكر القائد، وحلا لمشكلات الدنيا كلها، وضربا موجعا للفكر الماركسي والرأسمالي والاشتراكي والاسلامي، وأنفقت من أموال النفط مئات الملايين على جعل الكتاب الأخضر أكثر قراءة من الكتب المقدسة أو تعاليم ماو أو رأس المال لكارل ماركس، وكان الأخ أحمد شحاتي يتولى رئاسة مركز الكتاب الأخضر وينفق بدون حساب. الدستور كلمة تعني تقييدي بقوانين دولة، وعقدا اجتماعيا مع شعب له حقوق، وتنظيما لادارة شؤون الحكم والعلاقة بين الحاكم والرعية، وكل هذه الأمور خرافات وهراء لم أعترف بها يوما واحدا. كنت، سيدي القاضي، الحكم والخصم والجلاد والسجان والقائد والأب الروحي ورسول الصحراء ومعبود هذا الشعب. اللجان الشعبية تتابع أعمالي وزياراتي وأقوالي وأفعالي وكل ما تتفوه به شفتاي فتتحول إلى دستور غير مكتوب، وتتولى أجهزة اعلام استخراج العبقرية من الهزل، واعداد مائدة شهية من القيء، وتأهيل الاستبداد في تجميع هرمي لكل قوى الدولة الروحية والمالية والشعبية والأمنية وتصب كلها في يدي. القانون كان صناعة في خيمتي الملونة، وما لم يصدر عني فلا تعتد به أي محاكم أو قضاة أو أجهزة الدولة متفرقة أو مجتمعة. القاضي: وكيف كانت علاقتك بمصر وبحكامها؟ المتهم: كنت أشعر بدونية شديدة أمامهم، لذا أقوم باصدار الأوامر بين الحين والآخر بطرد العاملين المصريين الغلابة، والقائهم في الصحراء، وسرقة ونهب أموالهم البسيطة التي ادخروها بعد سنوات من العمل الشاق ثم تتوسط الحكومة المصرية، ويبعث الرئيس وسيطا غالبا ما يكون صفوت الشريف الذي حمل ملف ليبيا في العلاقات مع مصر، وتأتي مكرمتي باعادة بعض العمال المساكين إلى جنة الجماهيرية. عندما قام رئيس تحرير مجلة طائر الشمال بزيارة إدارة الرقابة على المطبوعات في لاظوغلي عام 1990، وقابل وكيل الوزارة عبد القادر لطفي ومدير الرقابة السابق فتحي أبا زيد وسأل عن سبب منع المطبوعة من دخول مصر، قيل له بأن الخط الأحمر كان ليبيا ، وأن أي نقد للأخ العقيد معمر القذافي لا تتسامح فيه إدارة الرقابة على المطبوعات، فالعقيد يمنحنا الدعم المالي، وتوجيهات الرئاسة حاسمة في شأن عدم المس بكرامة قائد ثورة الفاتح من سبتمبر. القاضي: هل صحيح أنك تآمرت على قتل ولي العهد السعودي الأمير عبد الله بن عبد العزيز؟ المتهم: التآمر على القتل كان حرفتي، وقد سددت من ميزانية الجماهيرية مبالغ طائلة للمرتزقة والمأجورين، وأنا فعلا أحمل كراهية شديدة لآل سعود، وزادت بعدما كشف ولي العهد السعودي أمام كاميرات التلفزيون علاقاتي بأجهزة الأمن الغربية، وكاد يفضحني على الملأ وأمام شعبي. لكن حكاية الاغتيال في لندن باطلاق صاروخ على موكبه لا تناسب اطلاقا احترافي القتل، فأنا أصدرت الأوامر باسقاط الطائرة فوق لوكربي، والفرنسية فوق النيجر، وخطفت الإمام موسى الصدر والمعارض منصور الكيخيا، وفجرت قنابل في مصر وقتلت الأبرياء وتعاملت مع الارهابيين في كل مكان، ولم أكن في حاجة لوضع خطة بلهاء مثل ضرب الموكب بصاروخ في قلب العاصمة البريطانية, فالذين حبكوا القصة حمقى ويبدو أنهم تلاميذ في مدرسة الاعلام الأمني. القاضي: أعلن الاتحاد الليبي للمدافعين عن حقوق الإنسان وعلى مسؤوليته الأدبية والمهنية أنه يملك قائمة بأسماء 800 اسم لسجناء سياسيين قمت أنت بتوجيه الأوامر بتصفيتهم .. هل هذا صحيح؟ المتهم: نعم فقد أبلغنا أسرهم وذويهم بوفاتهم في المعتقلات والسجون، فهؤلاء كانوا خونة يعترضون على طريقة حكمي. القاضي: لماذا قمت بالقاء تهمة التخلص من الإمام موسى الصدر على أبي نضال على الرغم من أن أبا نضال نفسه كان رجل ليبيا؟ ثم لماذا انتظرت طوال هذه السنوات لتتهم أحد رجالك؟ المتهم: لأن اللبنانيين والايرانيين صدعوا رأسي بإمامهم، وكنت أعلم أن تصفية أبي نضال حتمية سواء مني أو من صدام حسين، فقررت قذف الكرة في ملعب آخر بعيدا عن جماهيريتي. القاضي: لماذا أردت عن طريق ابنك سيف الاسلام تقسيم ليبيا إلى ولايات صغيرة متباعدة ومتفرقة؟ المتهم: لأن الأمن كان قد أصبح معقدا ومتشابكا، وليبيا تحتل في نصفها الشمالي نصف طول شمال أفريقيا، وكان لابد من اقامة محافظات صغيرة وولايات وكانتونات تحت إمرة اللجان الشعبية وعمداء وشيوخ وزعماء قبائل حتى أضمن لنفسي ولأولادي أمنا وسلاما وطاعة لعشرات من الأعوام. القاضي: الحصار الدولي على ليبيا كلف الخزانة أكثر من خمسين مليارا من الدولارات، وكان بسبب أعمالك الارهابية وفي مقدمتها حادثة لوكربي. لماذا لم تعترف في بداية الحصار؟ المتهم: الحصار كان مهما بالنسبة لي، فقد لعبت دور البطل الذي ناهض ويعارض وينتقد أمريكا. ووضعت يدي على كل دينار في خزينة الدولة بحجة الانفاق على الجماهيرية المحاصرة، وفرض العالم عزلة كبيرة مما مكنني من احكام قبضتي على كل ليبي، فالاعلام كان بعيدا، ووكالات الأنباء قاطعت ليبيا، فتمكنت من التخلص من الآلاف من الكلاب الضالة التي تتمرد على نظام حكمي. القاضي: لكنك خضعت في النهاية لسيد البيت الأبيض، ودفعت من جهد وعرق وخيرات شعبك المليارات تعويضا عن جرائمك، وطعنت الأصدقاء في ظهورهم بتسليمك الوثائق التي كانت في حوزتك إلى أجهزة الأمن الأمريكية، وكدت ترهن نفط بلادك لشركات الاحتكار التي حاربتها أنت طويلا.. ماذا تبقى من القذافي؟ المتهم: عندما رأيت صورة صدام حسين يخرج من جرذ الفئران، ويتعرض لامتهان لم يحدث مثله منذ سقوط غرناطة، ويكشف عريف طبيب أمريكي على سقف حلقه، ويتأكد من عدم وجود قمل أو براغيث أو حشرات في شعره الأشعث الأغبر، تخيلت للحظة واحدة مصيري، وكدت أسقط مغشيا علي من هول الخوف والرعب والفزع، ولم أتصور نفسي ملقيا على الأرض تحت حذاء جندي أمريكي، فقررت بيع ما تبقى من ليبيا، ولعنة الله على الوطن والأهل والشعب، فإذا مت ظمآن فلا نزل القطر. القاضي: كنت تقحم نفسك في كل شيء وتخصص، فأنت روائي وقصاص وأديب وسياسي وقائد وصانع عصر الانعتاق الكبير ورسول الصحراء وقائد ثورة الفاتح من سبتمبر العظيم والمحارب، وتفسر القرآن الكريم وتصدر فتاوى نسائية وتبحث في الأصول اللغوية للكلمات بجهل وحماقة وتنهزم في كل المعارك، ومع ذلك ظل جهلك مصدر قوة لك، ومضحكاتك تأكيدا لتثبيت حكمك، فكيف بالله عليك حكمت أحفاد عمر المختار كل تلك السنوات؟ المتهم: حتى لو مسخني الله حمارا فأغلب الظن أن الشعب كله كان سيهتف باسمي، ويطيع أوامري، ويستخرج من أحط التصرفات عبقرية يهتف لصاحبها. لقد كنت أملك السلطة والسوط ورجال الأمن وكلاب القصر أعني الخيمة، وكل هؤلاء يمثلون ضمانا لركوع الشعب أو حتى سجوده أمام طاغيته. بعد فترة قصيرة من تولي السلطة تبدأ عملية انتفاخها ووصولها كالسرطان إلى كل مكان فلا يعرف المرء أين موضع المرض لأن الجسد كله يصبح مريضا بنفس القدر في كل موضع منه. هل تتذكر، سيدي القاضي، عام 1999 عندما قمت بزيارة جامعة القاهرة وشرحت لرجال المستقبل في أكبر بلد عربي مفاهيم هلامية من استفراغ فكري مريض وقلت لهم بأن كلمة مافيا ترجع إلى كلمة ( معفية ) العربية لأن عصابات المافيا معفية من السلطة والمحاكمة؟الذي حدث أن طلاب الجامعة العريقة هتفوا في صوت واحد قائلين: علمنا يا عقيد علمنا! القاضي: أنت كنت تدغدغ مشاعر الجماهير بأموال شعبك، وكنت تقذف الدولارات من نافذة سيارتك فيجري خلفها الأفارقة المساكين، فظن كل من يراك أنك ستضع يدك في جيبك أو جيوب شعبك لتدفع له إكرامية. هل تتذكر فريق كرة القدم الألماني الذي كان يعاني من نقص في الأموال فقرر رئيسه أن يرتدي اللاعبون فانيلات عليها شعار الكتاب الأخضر، فلما نفحتهم بمليون دولار، استبدلوا بشعارك فانيلاتهم الأصلية؟ المتهم: ولكن وسائل الاعلام والمستشارين لم يكونوا أمناء معي، وأنا ظننت أن ألمانيا كلها ستقرأ الكتاب الأخضر الذي تخطيت فيه مرحلتي الاشتراكية والشيوعية إلى عصر الجماهير. القاضي: هل أنت عبيط أم أهبل؟ كيف ستتأثر ألمانيا بشعار على صدور لاعبي أحد أنديتها ثم يخرج الشعب الألماني يهتف لك بالروح والدم؟ المتهم: لماذا لا يخرج العالم كله يهتف باسمي؟ لقد قمت بتاسيس نظرية تحرير البشرية القاضي: وتاريخك الملوث بعمليات الاغتيال والغدر والقتل وسفك الدماء، هل هو أيضا تحرير للبشرية؟ سأذكرك بأقل القليل من جرائمك اللعينة في عمليات الاغتيال وأهمها: *محاولة اغتيال الرائد منعم الهوني، عضو مجلس قيادة الثورة السابق. * اغتيال محمد سالم الرتيمي في روما. * اغتيال محمد مصطفى رمضان في لندن. * اغتيال عبد اللطيف المنتصر في بيروت. * اغتيال محمود عبد السلام نافع في لندن. * اغتيال عبد الله محمد الخازمي في روما. * اغتيال عمران المهدوي في بون. * اغتيال محمد فؤاد أبو حجر في روما. * اغتيال ابو بكر عبد الرحمن في أثينا. * اغتيال عبد الحميد الريشي في روما. * اغتيال عز الدين الحضيري في ميلانو. كل تلك الجرائم البشعة حدثت في عام واحد فقط، ولعل ما تعرفه عدالة المحكمة أكبر بكثير. وهنا تقدم أحد المستشارين للقاضي بورقة، فنظر إليها وعلامات الدهشة تغطي وجهه، ثم قال:وفي 11 نوفمبر 1980 قامت عناصر لجانك الثورية بتسميم طفلين في مدينة بروتسموت ببريطانيا. وفي أواخر عام 1981 قام رجالك بتسميم السيد علي الأطيوش في اليونان. وقام رجالك أيضا باختطاف جبريل الدينالي في المكتب الصحي الليبي في بون. وفي يناير عام 1983 اكتشفت أجهزة الأمن المصرية خلايا ليبية لاغتيال عدد من المعارضين الليبيين لحكمك في مصر. وفي 12 يونيو 1984 قام أحد رجال مخابراتك ويدعى لطفي العسكر باغتيال صالح أبو زيد في أثينا، وتم تهريب القاتل إلى ليبيا. وفي ديسمبر عام 1984 فشلت محاولتك باغتيال محمد يوسف المقريف زعيم المعارضة في الخارج، وكنت وعدت بنفسك المكلف بالعملية بمبلغ مليون دولار.( المصدر في أسماء وتواريخ الاغتيالات من Libyans 4 Justice . وطوال سنوات طويلة هي عمر حكمك المشؤوم والارهابي كنت الرجل الأول في التوجيهات بالاغتيالات، وكل الأسماء تم عرضها عليك، ولا تزال هناك مئات من أسماء الشهداء لدى المحكمة، وهؤلاء قمت بخسة ونذالة واجرام بقتلهم أو أعطيت الأوامر بتصفيتهم. هل أحدثك عن المزيد من عمليات الاغتيال؟ المتهم: إنني، سيدي القاضي، لم اخترع ثقافة الاغتيالات، ولو لم أقم بها فلن يحترمني أكثر الزعماء العرب! ثم إنها عادة عربية تتعامل بها السلطة مع أبناء الشعب كأنهم يحملون أرواح كلاب. ألم يقم صدام حسين بعمليات اغتيال وتسميم لمعارضيه أكثر مما فعلت أنا؟ وكان يقطع الألسن والآذان، ويضع العراقيين في حامض الأسيد، ويتلذذ بمنظر القبور الجماعية، ويقوم بتصفيات كأنها إبادة( مثل حلبجة وانتفاضة مارس 1991)؟ ألم تقم المخابرات السورية بتصفية الخصوم، حتى ميشيل نمري رئيس تحرير مجلة ( النشرة ) قامت أجهزة الأمن السورية بقتله في أثينا. ألم يقم جعفر النميري بأشد الجرائم بشاعة ضد شعبه، ثم أصدر كتابا عن النهج الاسلامي، وقام بتأدية مناسك الحج، وظهرت في جبهته زبيبة صلاة، وكان يقرأ القرآن الكريم بعد أن يستمع لأخبار عمليات التعذيب في معتقل كوبر؟ ألم يفعل عمر حسن البشير نفس الشيء، وأحال حياة السودانيين إلى جحيم؟ أليست سلطات الأمن التونسية مشغولة بكل تونسي يعارض الرئيس مدى الحياة زين العابدين بن علي، وتترقب وصول أي معارض، وتفتح أبواب سجونها للآلاف بتوجيهات مباشرة من القائد؟ ألم يستعبد الملك الحسن الثاني المغاربة أربعين عاما أذاقهم فيها الويلات، واحتقرهم، وتولى الاشراف بنفسه على عمليات الاغتيال ومنها المهدي بن بركة الذي أذابه في أحماض كيماوية؟ ألا تعرف المخابرات الأردنية أحلام الأردنيين وكوابيسهم، وتنتظرهم أجهزة تعذيب مستوردة من العالم المتحضر خصيصا لكي يتعلم الأردنيون آداب العبودية؟ ألم يبتهج ويسعد الرئيس حسني مبارك طوال فترة حكمه عندما كانت تأتيه أخبار التعذيب في أقسام الشرطة والمعتقلات، وكان الانتهاك والجلد والصعقات الكهربية واغتصاب الرجال ونفخهم أو اشعال النار في أجسادهم، فيزداد الرئيس طغيانا واستبدادا وتمسكا بالعرش؟ وأنا أيضا، سيدي القاضي، أحمل قائمة طويلة بطول الجبل الأخضر بأسماء المواطنين العرب الذين قضوا في سجون ومعتقلات الوطن العربي الكبير. القاضي: وهل هذا يعفيك من المسؤولية، أو يخفف عنك العقوبة، أو يهون من شأن جرائمك؟ المتهم: لكنني كنت قائد ثورة، وفي جماهيرتي مؤتمرات شبه يومية يؤمها في العام الواحد آلاف من صناع الكلمة وحملة الضمير من مثقفين وعلماء ورجال دين وسلطة وأكاديميين ومسؤولين، وكلهم يعتبرونني حالة من الحلم العربي للاستقلال والحرية ومناهضة الامبريالية. القاضي: أنت كنت تشتري بأموال شعبك الشعوب الأخرى، ولك أن تنظر ماذا فعلت يداك الملوثتان دما في أفريقيا؟ قمت بدعم الاستبداد، وأطلت في أعمار الأنظمة الارهابية، وانتهجت سياسة فرق تسد، وأهدرت أموال شعبك المسكين، ولم تكن تعرف إن كنت عربيا أم أفريقيا أم من الهنود الحمر أم تريد الانضمام لحلف وارسو. المتهم: كان الليبيون يخرجون في مظاهرات تجوب الجماهيرية طولا وعرضا، ويؤيدون أي قرار حتى لو سببتهم أو لعنتهم أو وصفتهم بأنهم كالماعز. كنت وأولادي نستعبدهم وهم في لذة وهاجة، ومتعة شديدة في أن يمنحوني رقابهم. القاضي: لأنهم كانوا يخشون أجهزة أمنك التي لا ترحم أو ترأف أو تعفو عن أي معارض. هل نسيت المذابح الجماعية التي قمت بها ضد أبناء ليبيا، وفي مقدمتها مذبحة سجن أبي سليم؟ .. ومع ذلك كنت تظن حقا أنك نبي هذا العصر، أليس كذلك؟ المتهم: صدقني، سيدي القاضي، إن قلت لعدالة المحكمة بأنني لم أصنع نفسي لكن الجماهير هي التي صنعتني هكذا .. قدمت كتابي الأخضر وقلت بأنه يشبه البشارة، وأن العالم في حاجة إلى نبي جديد، فجاءت اللجان الثورية لتصبغ علي هذا الوصف، ثم تم تخفيفه إلى رسول الصحراء. قلت لهم بأن مئة وسبعين طائرة معادية حلقت في سماء طرابلس، وضربت ليبيا وشعبي وخيمتي في سبيل احراق مسودة كتابي، فصدقني الليبيون! صنعت لهم عالما من الفوضى، فاعتبروها عبقرية في الحكم. ألغيت مهنة المحاماة إثر خطاب زوارة الشهير، فصمت كل محاميي العالم، والتزم السكوت رجال القانون العرب. ألقيت بالتونسين والمصريين والفلسطينيين والسودانيين في قلب الصحراء الحارقة، فلم يعترض زعيم عربي واحد على امتهاني لكرامة رعاياه، وهم يستقبلونني استقبال الأبطال! خضت حربا فاشلة في تشاد ضد قوى بدائية مسلحة بالعصي وفروع الشجر وبنادق أنتيكية، فشكرني شعبي على الانتصار الساحق. أحلت حياة المصريين إلى جحيم، وفجرت قنابل، وزرعت الرعب في أرض الكنانة، وأمرت بسرقة ونهب واذلال المواطنين المصريين العاملين في جماهيرتي، وكانت النتيجة أن الرئيس حسني مبارك يتودد إلى، ويأتي فورا عندما أغضب، ويطلب من سكان مرسى مطروح استقبالي كبطل محرر. أثرت متاعب في الصحراء، وقمت بدعم الصحراويين في جمهوريتهم بدلا من عودتهم إلى الوطن الأم .. المغرب، وأنفقت من أموال شعبي على إثارة القلاقل والمتاعب للمغرب، فساد صمت مريب في العالم العربي، ولم يعاتبني زعيم واحد. أشعلت النار في لبنان، وسعيت لفتنة طائفية، وقمت بدعم كل الأطراف، وخطفت زعيما شيعيا كبيرا ومفكرا رائعا، وقمت بتصفيته، فلم يقبل معظم الزعماء العرب أن تتهمني الصحافة أو تشير صراحة إلى جريمتي! قتلت ألفا ومئتي مواطن ليبي في سجن واحد فقط، فصدرت التوجيهات من القيادات العربية بعدم الاشارة إلى جريمتي. أوهمت شعبي بأن هناك مشروعا ضخما يعادل سور الصين العظيم وهو النهر الصناعي العظيم المنبثق عن فكر قائد ثورة الفاتح من سبتمبر العظيم في الجماهيرية العظيمة، وأهدرت مليارات من قوت شعبي، ولم يحاسبني أحد. قمت بمحاولة احتلال مدينة( قفصة) التونسية، ودبرت محاولات اغتيال عشرات من السياسيين التونسيين، لكن تونس الخضراء تفتح ذراعيها ي، ويعانقني بحرارة استقبال علانية الرئيس التونسي، ويعمل لدي آلاف من التونسيين رقم الفقر الذي يعيش فيه ثلثا الليبيين. القاضي: وماذا عن علاقتك باسرائيل؟ المتهم: ظاهريا كنت المناضل الذي يحارب الكيان الصهيوني، ويفتح أرضه وسماءه للفلسطينيين، ويدرب رجال المقاومة. أما الحقيقة فقد أبديت اعجابي بالدولة العبرية، بل إنني طلبت من أحد أصدقائي اليهود ترتيب زيارة حجاج ليبيين لبيت المقدس، وكان أكثرهم من رجال الأمن والاستخبارات، وطلبت من المقاومة الفلسطينية في لبنان الانتحار والصمود حتى تتولى اسرائيل تصفيتهم، وقذفت بآلاف الفلسطينيين إلى الصحراء في العراء، ثم قلت بأنني أفعل هذا من أجلهم، وعلى استعداد لنصب خيمتي الملونة بجوار خيامهم، فاعتبرني شعبي بطلا نبيا يسحر الجميع بعبقرية أفكاره. القاضي: أكنت حقا تظن نفسك نبيا كما وصفتك الصحفية الايطالية ميريلا بيانكو في كتابها ( القذافي رسول الصحراء)؟ المتهم: الأنبياء لهم رسائل تنزل عليهم من السماء، أما أنا فقد صنعت رسالتي بنفسي، ومن يتابع المشهد القذافي في شطر منه لا يخالجه أدنى شك في أنني أعتبر نفسي أعلى قدرا ومقاما ورسالة سامية من الأنبياء أنفسهم. لهذا عندما فسرت كلمة كن فيكون وكان ذلك في بنغازي خلال انعقاد مجلس اتحاد الجامعات العربية في فبراير عام 1990، كانت رسالتي واضحة للجميع بأنني أكثر قداسة والهاما وعبقرية وأهمية من كل الأنبياء والرسل الذين جاءوا قبلي. القاضي: ما هي عدد محاولات الانقلاب التي قمت بها ضد الدول الأخرى والأنظمة العربية والأفريقية وباءت بالفشل؟ المتهم: لا أتذكر لكنها قد تكون مئة أو أكثر أو اقل. القاضي: كيف كان رد فعلك عندما غزا العراقيون دولة الكويت المستقلة والعضو في جامعة الدول العربية؟ المتهم: كنت سعيدا للغاية رغم كراهيتي لصدام حسين، وزايدت على أبي عمار الذي طالب بانتخابات جديدة في الكويت أملا في أن لا يعود آل الصباح لتولي مقاليد الحكم، فقلت قولتي المشهورة بأن الكويت دولة كرتونية، وطالبت بتقسيمها بين العراق والسعودية. القاضي: ومع ذلك التف كل الكويتيين في مؤتمر جدة الشهير في أكتوبر عام 1990 حول آل الصباح كشرعية دستورية وشعبية حاكمة، ونفذ الأمير وولي العهد تعهدهما للشعب بالتحرير بأي ثمن، ولو كنت أنت مكانهما لما أعادك الليبيون إلى بلدك إلا مكبلا بالأصفاد، أليس كذلك؟ المتهم: إنني أكره الخليجيين كراهية شديدة فهم يبحثون عن السلام والأمن وتطوير مجتمعاتهم، ولا يثيرون متاعب مع الجيران ولا يبعثون فرق تصفية لخصومهم، وهذا يعريني أمام شعبي وأمام العالم كله بأنني مشاغب ومشاكس دون أي نتائج أو انتصارات أو تطور ملموس يشعر به الليبيون. كيف بدأت عمليات اغتيال معارضيك في الخارج؟ المتهم: لقد طلبت منهم في يونيو عام 1981 أن يعودوا إلى ليبيا في مقابل العفو عنهم، ثم بعد ذلك أصبحت في حل من وعدي وطلبت من اثنين من رجالي، هما سليم حجازي والسنوسي، أن يقوما بعمل فرق اغتيال لتصفية هؤلاء الكلاب، وفعلا نجحنا في قتل العشرات في معظم العواصم الأوروبية، وهذا جزاء من يعارض حكم معمر القذافي. القاضي: في نفس العام قام أحد الفرنسيين يعاونه بلجيكي يدعى دونيه بمحاولة بيع نفايات نووية إلى ليبيا بمبلغ 400 مليون دولار، فهل تمت العملية؟ المتهم: لم تتم، وصحيح أن آلافا من المستغلين والمنتفعين والمرتزقة جنوا ثروات طائلة من نظام حكمي، لكن كل هذا تم بمعرفتي ورضاي، أما النفايات النووية فلم نقدم على شرائها، والفرنسي الآخر الذي باعنا أنابيب مجوفة على أنها شحنة من السلاح قمنا بتصفيته وشريكه الليبي، فالقتل بالنسبة لي كنسمة هواء صيف تهب على وجهي من خليج سرت وأنا أجلس في خيمتي وأشرب حليب الناقة. القاضي: عميل المخابرات الأمريكية اودين ويلسون قال بأن الأمريكيين كانوا يحقنون الملك إدريس السنوسي وهو مريض بمضادات حيوية، وأقنعوه بالسفر إلى تركيا ليتصلوا بدورهم بالشرطة العسكرية في محاولة انقلاب فاشلة، في نفس الوقت الذي قمت أنت بانقلابك فظن رجال الجيش والأمن أنهم مشتركون في هذا الانقلاب عام 1969، هل هذا صحيح؟ المتهم: فيه كثير من الصحة، فالملك الراحل الحسين بن طلال كان قد مر بنفس الظروف العصيبة التي يمكن للمريض وهو يحتضر أن يتم حقنه بمضادات حيوية بالغة التعقيد. فكان أن عاد إلى العاصمة الأردنية وركل أخاه الأمير الحسن بن طلال، وقام بتعيين عبد الله بن الحسين، ثم عاد إلى فراش الموت في أمريكا. التعاون بيننا وبين المخابرات الأمريكية كان قائما على قدم وساق، وكان الملك السنوسي بالفعل قد دعم مصر خلال حرب يونيو عام 1967، لكن أجهزة إعلامي حجبت الحقائق عن الشعب الليبي وأوحت إلى الذاكرة الليبية والعربية بأن العدوان على مصر قام من قاعدة ويلز بدعم ملكي. والمخابرات الأمريكية بدأت في التآمر على نظامنا عندما اقتربنا أكثر من الاتحاد السوفيتي وألمانيا الشرقية في ذلك الوقت. القاضي: كيف كانت المخابرات الليبية تنفق كل هذه الأموال دون رقيب أو حساب؟ المتهم: أنا قائد الثورة والوحيد المؤهل لحكم ليبيا، وأوامري لا يعصيها إلا من يتهاون في شأن زيارة ملك الموت له. وأموال ليبيا كلها تحت إمرتي، ولكن هذا لم يمنع وجود غطاءات سرية لتسهيل بعض الأمور، ومنها مثلا أن تسديد مبالغ كبيرة في عمليات سرية كانت تتم من ( مكتب التجارة الأفريقي ) وهو مكتب وهمي تديره أجهزة استخباراتي. القاضي: كيف سحب عمر المحيشي أموال المخابرات الليبية من حسابات سرية في جنيف؟ لمتهم: كانت لديه الصلاحيات والثقة رغم أنني نادرا ما أثق في أحد، وأقوم بتبديل مواقع رجالي صعودا وهبوطا حتى تصبح أرواحهم في قبضتي، وأظن أن معظم زملائي في مهنة الطغيان في العالم العربي يفعلون نفس الشيء. القاضي: كانت لديكم قدرة على استضافة مئات الوفود من حركات التقدم والثورة والتمرد في العالم كله، منهم الصادقون وأكثرهم من المرتزقة الوصوليين. كيف كنتم تفرقون بينهم وتمنحونهم الدعم المالي، وعلى أي أساس؟ المتهم: كانت تحت يدي أموال النفط بالمليارات، ونحن بلد صغير وطموحاتي أكبر من طموحات قادة الدول العظمى، لذا لم يكن أمامي غير انفاق المليارات لكي تظل زعامتي قائمة، وصورتي في وسائل الاعلام الغربية والأمريكية لا تفارق عيون المشاهدين والقراء والمتابعين لأخبار ونشاطات زعماء العالم. القاضي: يقال بأن الإمام موسى الصدر ناقشك في أمور خاصة بالسنة والشيعة، وطلب منك رفع يديك عن لبنان، فقررت تصفيته، هل هذا صحيح؟ المتهم: سيدي القاضي، ليس المهم سبب القتل، ولكن الأهم أن ازهاق روح مواطن أو رجل دين أو ضيف أو معارض أو صديق أو رفيق في الثورة جعل فترة حكمي تطول، فالناس بطبيعتها تركن إلى الخوف، وكان لابد أن يتناقل الليبيون حكايات التصفية والتعذيب والقتل والمطاردة ليصمت كل من تسول له نفسه حلم المعارضة ولو كان يعمل في مكان مجهول في قرية صغيرة في أقاصي الأرض. وكما كان من حق الكويتيين أن يقدموا أدلة ومستندات ووثائق تدين صدام حسين في محاكمته فإن اللبنانيين، كما أنا توقعت، قدموا لعدالة المحكمة مئات الوثائق عما فعلته أنا بهم في وطنهم الذي مزقته الحرب الأهلية ولم تكن أموالي بعيدة عن اشعالها. القاضي: كيف كانت علاقتك بالاسلام؟ المتهم: كنت أشعر بغيرة شديدة من نبي الاسلام نفسه، لذا طالبت بأن يكون القرآن الكريم المصدر الوحيد الذي يأخذ منه المسلم دينه.. ثم أمرت بالغاء التاريخ الهجري فهو يمثل انتصار الرسالة المحمدية على قوى البغي وجعلت تاريخ الوفاة بديلا له فهو يمثل لي انتهاء عصر آخر الأنبياء. إنني كما أكدت اللجان الشعبية نبي العصر، ومفجر النهضة، وواضع الكتاب الأخضر المقدس، وصانع الانعتاق النهائي، وأنا كما وصفني المثقفون والمفكرون في العالمين العربي والاسلامي سياسي وعسكري وقائد ومخطط حروب وقصاص وروائي( وصف الدكتور سمير سرحان رواياتي بأنها تعبر عن عبقرية فلسفية) ورسول الصحراء والزعيم الملهم والفيلسوف والمفكر حتى الأغاني قررت في فترة تجليات صافية كتابتها لكنني عدلت في اللحظة الأخيرة. لذا أتعجب أنني الآن في قفص الاتهام، أما الذين صنعوني فلم توجه لهم النيابة أصابع الاتهام. إنهم هناك، سيدي القاضي، يستعدون لصناعة نفس البطل، ويلهمون الأحمق أفكار الهلوسة، وينفخون في صورته، ويركعون لسخافاته، ويسجدون لملكوته وقوته. كم وددت أن تأمروا باحضار عشرات الالاف من الذين كانوا سياجا يتولى حمايتي،وسوطا يلهب ظهر الشعب الليبي، ولسانا يردد الأكاذيب والأباطيل، وسجّانا يقف على بوابة الوطن السجن لحراسة أبناء شعبي خشية هروبهم من الجماهيرية الجحيم. القاضي: الطغاة في أي مكان في العالم ليسوا في حاجة للبحث عن مؤيدين وجبناء وسجانين وهذا لا علاقة له بطبيعة الشعب، فهتلر صنع من الشعب الأكثر تحضرا نازية عنصرية قاسية، وستالين لم يرف له جفن وهو يقتل ستة ملايين روسي ويستعين بأبناء شعبه لزيادة عدد ضحاياه من أهلهم وذويهم، وبول بوت كان يشير باصبعه فيطيعه ذئاب مفترسة من الكمبوديين حتى كاد أن يقضي على نصف السكان بواسطة النصف الآخر، وسوموزا في نيكاراجوا حكم وأسرته البلاد المنكوبة لأكثر من أربعين عاما، وسالازار في البرتغال اكتظت سجونه بخيرة أبناء شعبه، وشاه إيران صنع من عرش الطاووس سافاكا يسمع نبضات قلوب الايرانيين حتى قيل بأن ربع الشعب الايراني كان منخرطا في أجهزة الأمن الأكثر غلظة فلما خرج الايرانيون كلهم لاستقبال الخوميني العائد المنتصر باسم الاسلام والطهارة والعفة والوحدانية لم تكلف الثورة رجالا لحراستها فتطوع مئات الالاف وحدثت عشرات الالاف من التجاوزات والمحاكم السريعة التي كانت تستغرق أحيانا دقيقتين فيصدر الخلخالي حكما باعدام المتهمين. ألم تكن في كل بيت عراقي عيون لشيطان بغداد من أهل البيت أنفسهم؟ من الذي خمد ثورة مارس عام 1991 في العراق؟ ألم يكونوا جنودا قساة بلغ عددهم عشرات الالاف فذبحوا وعذبوا وقتلوا ودمروا وتباروا في قطع رؤوس الأطفال؟ الطاغية في أي مكان وزمان لا يحتاج للبحث عن جبناء وأنذال ووحوش مفترسة تنهش لحوم أبناء شعبه لأنهم يتطوعون من تلقاء أنفسهم للدفاع عن المستبد. المتهم: لكنني، سيدي القاضي، لم أعثر على معارضين بحجم سطوتي وكثرة جرائمي ضد أبناء الشعب. القاضي: أنت كاذب وجاهل، فالليبيون رغم أن ثلثيهم لم يعرفوا غير نظام حكمك الجائر استطاعوا صناعة معارضة شريفة، وقدموا للوطن آلاف الشهداء، وتفرقوا في الأرض والغربة ليعيدوا تجميع أنفسهم أفرادا أو جماعات لمعارضة طغيانك واستبدادك، وحرضوا عليك، وقدموا لمنظمات حقوق الانسان وثائق تدينك، وقاموا بفضح أكاذيبك، وفندوا أباطيل إعلامك. الآن حدثني عن عمليات الاختفاء القسري التي مارسها نظامك العفن وتفوق فيها على كل جمهوريات الموز المعروفة بظاهرة الاختفاء. المتهم: لقد جرى العرف في عالمنا العربي أن يأتي زائر الفجر ويطرق الباب فتنهض الأسرة من نومها مذعورة، لكن ضابطا يصطنع الأدب يتقدم مهدئا من روع أفراد الأسرة ويطلب معيلها أو أحد أبنائها لزيارة مركز الأمن ولن يستغرق الأمر ساعتين أو يزيد بقليل، ثم يعود إلى أهله وأحضانهم الدافئة ليمارس حياته العادية. مسرحية سخيفة يكررها جلاوزة الأمن والضباط والمخبرون والمرشدون في معظم دول وطننا العربي الكبير الممتد من بحر الغزال إلى سد أتاتورك، ومن طنب الكبرى إلى جزيرة الخالدات مرورا بجزيرة حنيش وليلى وسبتة ومليلة.. فالرجل لا يعود إلى أهله إلا أن تحدث معجزة أو يقوم عزرائيل بزيارة زعيم البلد قبل أن يعرج على رب الأسرة المعتقل. أما رجالي، سيدي القاضي، فهم يفهمون قائدهم، ويحققون رغباتي في إذلال كل أفراد الأسرة لدى زيارتهم المشؤومة في عتمة الليل أو ضوء القمر، فيتم جر المواطن على بطنه أو ظهره، ويتولى رجالي الضرب بأعقاب البنادق وتوزيع الشتائم والتهديدات، ثم تبتلعهم الأرض ليظهروا فجأة في واحد من المعتقلات الكثيرة، فوق الأرض أو تحتها، والممتدة من طبرق إلى العزيزية، ومن الجبل الأخضر إلى غدامس أو الحدود التشادية. وهنا يبدأ الجحيم الأرضي الذي لم ينافسني فيه زعيم آخر، وإذا كان معتقل ( كوبر) ينزل الرعب في قلوب السودانيين، و(الجفرا) يزلزل كيان الأردنيين، و( تدمر ) يجعل السوريين يشتاقون إلى جهنم لعلها أكثر رحمة منه، و( تزمامرت ) يقف شامخا في المغرب معتزا بأنه نتاج عبقرية الحسن الثاني في انزال أقسى العذاب بمعارضيه، و( وأبو غريب ) يشهد العالم على أنه في عهديه التكريتي والأمريكي الأكثر شهرة عن ظلم الانسان لأخيه الانسان، فإن سجوني ومعتقلاتي ستشهد يوم الحشر كل جدرانها بأنها صناعة قذافية لم يصل لمثلها إنس أو جان في صنوف التعذيب والتنكيل والاذلا
ترى أين ستنفجر السيارة بعد لحظات؟ ربما أمام مسجد لحظة خروج المصلين، أو في شارع مزدحم خلال ساعات التسوق، أو على مشارف المنطقة الخضراء التي يتحصن بها الأمريكيون وتدير منها قوى الاحتلال التحريري ( !!) أمور وطن يعيش في نعش، وحكومة قام مستر بول بريمر بمنحها بركاته قبل أن يقفز في قلب مروحية!
وبعدما نقل ملك الموت مقره الرئيس إلى العراق، وغادرها إبليس وهو واثق من أن الأمريكيين والعراقيين معا سيتولون شؤونه بأمانة كاملة، أوفى الجميع بالوعد، ولا يشرق صباح على دجلة، أو ينطلق صوت جميل من فوق مأذنة مسجد يقول: حي على الفلاح ، أو يتردد عاشقان قبل السير في أحد شوارع عاصمة الرشيد، حتى ينفجر جرح، أو تتناثر أشلاء لأجساد غضة طرية قد تكون لأطفال أو نساء أو تلاميذ مدارس، أو ربما تتحطم مروحية عسكرية أمريكية أو تطير دبابة بمن فيها من جنود اليانكي في الهواء، أو تحترق عربة مدرعة كانت تقل جنودا أمريكيين سرقوا لتوّهم بعض بيوت عراقيين غلابة بعدما داهموا المساكن الآمنة، وروّعوا الأطفال، ونقلوا معهم بعض الشباب لعل اغتصابهم في سجن أبو غريب أكثر سهولة من هتك عرضهم في بيوتهم.
يحتاج قاموس تصنيف المفردات في العراق إلى كل مجامع اللغة لوضع الكلمة في مكانها الصحيح، وشرح معناها بأمانة، وايصال المعنى إلى الباحث عنه.
والغريب أنَّ كل المرادفات تصلح للحالة العراقية، فالأمريكيون قوى احتلال وتحرير، وشياطين عفنة تتفنن في التعذيب والاغتصاب والقمع، وهم ملائكة رحمة جاءوا للقضاء على النظام البائد، وبناء مدارس ومستشفيات، وتعيين حكومة وطنية، وحماية العراق من الحرب الأهلية!
والمقاومة العراقية الباسلة تفجر بوحشية بالغة الغلظة قنابلها في أكثر الأبرياء العراقيين ضعفا، وتختار أسواقا ومدارس ومساجد، وهي أيضا تحيل حياة قوى الاحتلال إلى جحيم.
أما الارهاب فيقوم بنفس الدور ويطارد الأمريكيين والحلفاء وأيضا الشعب العراقي .
في قاموس المترادفات أيضا تجد أكثر من معنى لكل كلمة في العراق، فتبحث عن أحمد الجلبي: مناضل، وطني، معارض للطاغية الأسير، عاشق للعراق، نصاب عالمي، متعاون مع أعداء وطنه، لص مصارف.
ثروة وطنية: في أيدي أهل البلد، تديرها قوات الاحتلال!
الشرطة العراقية: عراقيون يسعون لحماية شعبهم وأهلهم، مضطرون للعمل لكسب قوت أسرهم وأولادهم، متفائلون بمستقبل آمن للعراق، وطنيون مخلصون، عملاء لقوات الاحتلال، امتداد لصدام حسين، متعاونون في اعتقال المناضلين.
قناة الجزيرة: تغطي حقائق ما يحدث،
تفضح انتهاكات حقوق المواطن التي تقوم بها القوات الأمريكية، تغطي المعارك مباشرة مثلما حدث في الفالوجة والنجف، تضع السم في العسل، تتعاطف مع النظام البائد، تستقطب أعداء الشعب العراقي، تهيج الرأي العام!
بول برمر: حاكم مدني افتتح مدارس ومستشفيات وساعد في تحرير العراق والقبض على صدام وزبانيته، وسلم الادارة ثم غادر،سرق وأهدر مليارات من أموال العراقيين، رهن خيرات العراق في ايدي حيتان المال الأمريكيين، كان يعلم بكل الانتهاكات في السجون العراقية.
قائمة لا تنتهي من كل شيء، وكل الأسماء تحمل أكثر من معنى، والحياة تسير وتقف ثم تعاود السير على عكازين الأول من الكذب والثاني من محاولات جادة لانقاذ الوطن.
حتى ملحمة النضال في الفالوجة كان لها وجهها القبيح والمتمثل في دويلة دينية متطرفة يحاكم فيها الملثمون أبناء بلدتهم منطلقين من فكر طالباني ارهابي فيعدمون، ويقطعون الرؤوس، ويحاربون الحرية الفردية، ويفرضون قيودا من تفسيرات دينية لا علاقة لها بالاسلام الحنيف المتسامح.
وكلما فتحت القبور الجماعية أفواهها لابتلاع مزيد من جثث العراقيين، زادت الألغاز حيرة، والطلاسم غموضا، والبغض عمقا في نفوس أذلها البعث الصدامي خمسة وثلاثين عاما، وتلقفها الاحتلال القذر ليعامل العراقيين ( كما وصفت صحيفة مورجن بلادا النرويجية ) كانهم أقل مرتبة من البشر وأرفع قليلا من الحيوانات المتوحشة.
في خضم دائرة العنف تمكن الكذب من اختراق النسيج المتماسك للحقائق، وغطت طبقة هشة من الحقائق عالم الكذب والافك والتزييف والتزوير في تاريخ وطن، وضاع العراقيون بين مؤيد للاحتلال، ومعارض للتحرير، ومتوعد للمتعاونين بالويل والثبور، وأصبحت أحلام العراقيين متناثرة مئة ألف قطعة من حكمة السيستاني مرورا بتهور مقتدى الصدر وخاطفي ضيوف العراق الذي يقطعون رؤوسهم ويفصلونها عن الجسد ويهللون الله أكبر، وليس انتهاء بالمقاومة الشريفة والحكومة الانتقالية المخلصة وبدء انسحاب قوات الاحتلال ومحاكمة صدام حسين.
وسقطت أهم جوهرة تحافظ عليها شعوب الأرض وهي ذاكرة الشعب، فلا يهم إن كان صدام حسين قد قتل ربع مليون أو نصف مليون عراقي ودمر بلده وأحال حياة شعبه إلى جحيم مقيم، فهو بعدما أصبح جرذا مختبئا في جحر، مناضلا عنيدا في قاعة المحكمة، والتفاصيل الأكثر خدشا للمشاعر، وجرحا للأحاسيس، وامتهانا لكرامة الانسان في سجون صدام حسين ثم بين أيدي الأمريكيين تسقط من ذاكرة العراقيين كما تتساقط أوراق الشجر في الخريف، وكأن الأمر يبدو اعتياديا، ويستطيع العراقي أن يتأقلم مع كل الأشياء، العنف والسلام، الارهاب والمقاومة، القتل والرحمة، الاختطاف والتسامح، الكفر والايمان، الاحتلال والتحرير، البغاء والفضيلة دون أن يرف له جفن، حتى أن عشرات المواقع على الانترنيت تنشر ما لا عين رأت أو أذن سمعت عن امتهان الكرامة واغتصاب العراقيات من جنود أمريكيين، ومثلها تنشر مواقع أخرى، بنفس المنطق، وذات القوة والحماسة عن العراق الجيد المفعم بالأمل، والمحرر أمريكيا، وعن حكومة الياور وعلاوي. الآن يستعد عراقيو المنفى الذين سرق منهم الأمريكيون والارهابيون والمتعاونون الوطن باعلان حكومة منفى للتحرير الثاني للعراق، ومع اختفاء مجلس الحكم العراقي، وخفوت وهج الملكية الدستورية العراقية التي كانت ثلاثية الحلم الموزع بين الشريف علي بن الحسين والأمير الحسن بن طلال والأمير زيد بن رعد، ومع التأكيد الأمريكي بأن جنود العم سام لن يخرجوا إلا بعد عشر سنوات أو يزيد، ومع قائمة طويلة من الاغتيالات المجهولة المصدر والتي قد تصل إلى عجيل الياور وإياد علاوي وأحمد الجلبي وإبراهيم الجعفري ومقتدى الصدر وجلال الطالباني ومسعود البرزاني، فإن تحرير العراق يصبح أكبر خرافات الوهم وضوحا. التعتيم جزء من اغتيال الوطن، ونحن لا نعرف من هي المقاومة ومن هم الارهابيون، وهل القادمون من خارج العراق قادرون على التخفي والاختباء وتفجير السيارات ومقاومة أكبر جيش في العالم؟ ما هي تقسيمات المقاومة بين الشرعية والارهاب، ولماذا هذه البلبلة والحيرة في الاشارة إلى مصدر المقاومة، فمرة من البعثيين، وثانية من السُنّة، وثالثة من جيران العراق الذين تسللوا وكأنهم عفاريت غير مرئية، ورابعة من شبح الزرقاوي، وخامسة من القاعدة، وسابعة من شرفاء الوطن، وثامنة من أعداء العراق...
والتعتيم يشمل كل العراق، فلا يستطيع أحد أن يجيب عن سؤال يتعلق بالخسائر الأمريكية، وأموال النفط، ونسبة العراقيين في المشاركة باعادة البناء، ونتائج التحقيق مع المشتبه بهم، ودور الحكومة الانتقالية في مراقبة السجون والمعتقلات والحفاظ على كرامة مواطنيها ، والأقليات في العراق، وكيف يعيش المسيحيون العراقيون في مناطق تهيمن عليها جماعات التطرف والتزمت، وأخيرا ماذا يريد الأمريكيون من العراقيين؟ مع انبلاج كل فجر جديد على أرض الرافدين يتم مسح كل ما تختزنه ذاكرة العراقيين عن يوم مضى، ولا يعرف المرء إن كان السبب رغبة في حياة جديدة، أو نزوحا إلى جمهورية الموت! من يقتل من في العراق، ولماذا لا تقوم المقاومة الشريفة بمطاردة الارهابيين الذين يشوهون صورة العراقي والاسلام. من منا لم تقهره الأحزان وهو يرى مواطنا بريئا من كوريا أو اليابان أو الفيلبين أو بلغاريا وهو يصرخ طلبا للحياة، ولكن الحكم كان قد صدر بفصل رأسه عن جسده؟ الأمريكيون يقتلون العراقيين، والعراقيون يقتلون الأمريكيين والعراقيين، والحيرة تقتلنا جميعا. ملك الموت يشكو ربه من ارهاق العمل في العراق، وإبليس يستلقي على قفاه من الضحك!
الكذب لا يتجزأ فيصبح صِدقاً في مكان، ونصفَ كذبٍ في مكان آخر.
هل يمكن أن يكون هناك طاغية يفتح السجون لابتلاع أبناء شعبه، ويحكم بيد من حديد، ويتحالف مع الشياطين، ويمعن في الفساد ثم نأتمنه على مصالح الشعب في مفاوضات مع القوى الطامعة والاستعمار الجديد؟
منذ أن تولى الحكمَ في الثلاثين من شهر يونيو 1989 بعد انقلاب عسكري على حكومة منتخبة في الخرطوم، وهذا الرجل يقود السودان من كارثة إلى أخرى.
أدخل كثيرين من أبناء شعبه ( بيوت الأشباح ) منافسا الطاغية جعفر النميري. استخدم الدين غطاءً للديكتاتورية، وقام بتطبيق بعض حدوده على الفقراء والمساكين. تحالف مع صدام حسين إثر الغزو العراقي الآثم لدولة الكويت وأخذ من طاغية العراق ثمن مواقفه المشينة. تآمر في أديس أبابا على اغتيال الرئيس المصري حسني مبارك ولم يتأخر فجأة وبدون سابق عن إثارة المتاعب لارتيريا والتآمر على اغتيال أسياس أفورقي. أباد قرى بأكملها في الجنوب قبل عقد اتفاق مع جون جارنج وتعيين الرجل نائبا لرئيس الجمهورية ليأتي خبر مصرعه في تحطم طائرته على طريقة صدام حسين مع خصومه إن لم يدس لهم السُمّ في الشراب يعاتب القضاء والقدر بأنه أسقط طائرة الشهيد، ولا مانع من دمعتين ونظرات حزن مفتعلة.
ترك عصابات الرعب تستأصل السكان في دارفور، وقام رجاله باغتصاب مئات من النساء والفتيات الصغيرات اللائي اغتصبهن من قبل الفقر والجوع والمهانة والعبودية.
تحالف مع حسن الترابي وتعلم منه أن تخدير الأمة دينيا يسمح له أن يفعل بها ما يشاء فهو ولي الأمر المطاع ويقيم حدود الله.
كانت قوافل الخير الكويتية تجوب السودان وتبسط الخير على أهلها وتقيم المساجد والمستشفيات والمدارس وتساعد اقتصاد الحكومة المنهار، وعندما لاحت بوادر تقسيم الكعكة الكويتية صَدّامياً، سال لعابه لذهب البنك المركزي الكويتي، فأغمض له صدام حسين ضميره بثمن بخس من أموال الكوتيين.
زادت تجارة العبيد في عهده، وأصبح السودان على شفا انهيار اقتصادي، وتضاعفت السجون والمعتقلات وظل سجن ( كوبر ) منافسا لأبو غريب العراقي في العهدين البعثي والأمريكي.
يحتقر البشير شعبه احتقاراً شديدا ويعتبره مجموعة من الغوغاء المتخلفين أو بقايا العبيد الذين ينبغي أن يبيعهم إن لم يستطع اطعامهم.
كل الدلائل تشير إلى قرب بسط الهيمنة الأمريكية الغربية حتى لو حملت اسما عالميا أو دوليا أو ينونيفيليا على السودان من دارفور، وهنا تصبح ذراع اسرائيل بامتداد النيل ، ولن تحتاج لأفورقي أو رجل جديد يُهَرّب الفلاشا.
عمر حسن البشير يقود السودان إلى مصير أسود ولن يكون الطوفان بعيدا عن الشمال .. عن مصر، وإذا ابتلعت أمريكا البلدين فإن أفريقيا كلها تأتي طائعة للمندوب السامي ألأمريكي.
من يراقب الوضع عن كثب، ويعرف قدرة التونسيين على التمرد حفاظا على كرامتهم، ويقرأ عن بيوت الشياطين التي صنعها هذا الرجل لكي يمارس فيها زبانيته أشد أنواع التنكيل والسادية، لا يخالجه أدنى شك في أن ثورة شعبية قادمة قد تساندها قوات الجيش والأمن مع افتراض أن روح الوطنية لازالت تسري فيها.في أكتوبر من العام القادم يكون الرئيس التونسي قد أكمل عامه العشرين في السلطة، لكن قبضته الحديدية هذه المرة لا تستطيع أن تصرّع عدويها الاثنين في نفس الوقت: السرطان والشعب أما الأول فهو قضاء وقدر يصيب الناس دون تمييز بين فقير وغني، أو بينعبد وسيده أو بين كافر ومؤمن.وأما الثاني الذي حرّضه أبو القاسم الشابي في قصيدته المشهورة فلا يزال يطالب بحقه في الحياة الحرة الكريمة، لكن رجل الغرب في الشرق يعتبر هذا الحق تعديا على سلطاته، وأن ظهور التونسيين تهاجم سوطه، وأن كرامتهم تقف حجر عثرةأمام طغيانه. لو كان هناك شعب عربي يمكن أن نطلق عليه صاحب أول ثورة قادمة على الاستبداد فهو بلا شك الشعب التونسي الذي يضرب عن الطعام كثيرون من مناضليه، ويتكاتف أفراده في المنظمات والأحزاب والجمعياتكجسد واحد، ويواجهون أجهزة قمع لم يشهد لها العرب مثيلا.كل منظمات حقوق الإنسان التونسية والعربية والدولية تؤكد أن الانتهاكات في أعفن سجون العالم العربي تصغر أمام زبانية النظام التونسي، فعشرات الآلاف تم حشرهم منذ انقلاب 87 في ظروف يرفضها الحيوان، ويتعرض ذوو التوجهات الدينية إلى حملة قمع وتعذيب واغتصاب وتصفية تجعل التونسيين يلتفون حول بعضهم في أكبر استعداد لعمل مناهض لهذا المستبد.أبطال تونس ومناضلوها يرسمون مشهد تحرير وطن في غياب الدعم الدولي أو العربي، وقد تعرّى النظامُ الفاشي خلال مؤتمر تكنولوجيا المعلومات، وطارد الضيوفَ الصحفيين، ومَنَع تغطية الانتهاكات.النظام الاستخباراتي لزين العابدين بن علي يبث عيونا لعشرات الالاف من أجهزة الأمن والمخابرات تطارد المواطن في مسكنه وبعد الصلاة وعلى النت ومن بريده الالكتروني وقد تحولت الدولة الخضراء الجميلة إلى ثكنة بوليسية قمعية.من يراقب الوضع عن كثب، ويعرف قدرة التونسيين على التمرد حفاظا على كرامتهم، ويقرأ عن بيوت الشياطين التي صنعها هذا الرجل لكي يمارس فيها زبانيته أشد أنواع التنكيل والسادية، لا يخالجه أدنى شك في أن ثورة شعبية قادمة قد تساندها قوات الجيش والأمن مع افتراض أن روح الوطنية لازالت تسري فيها.الرئيس التونسي ربما لن يحتفل بمرور عشرين عاما على انقلابه، وازاحته سيده ورئيسه ومعلمه الحبيب بورقيبة.المرض في مرحلة متأخرة رغم العلاج المكثف، وقوى المعارضة في الداخل والخارج تكثف نضالها الرائع من أجل تحرير بلدها من أكثر طغاة التاريخ التونسي سادية وارهابا.يبدو أننا سنرسل تهنئة بإذن الله لشعبنا التونسي بنجاح ثورته المرتقبة، فهذا الشعب الحر العظيم لا يمكن أن ينتظر طويلا على هذا الاستخفاف بحقوقه وامتهان كرامته.
ليست جامعة الدول العربية هي التي تقف عاجزة في قضايا الصراعات المحتدة أو الخامدة بين الدول العربية الأعضاء، لكن مجلس التعاون الخليجي فشل أيضا في حل النزاعات الحدودية بين أعضائه ، وبينهم وبين جيرانهم.
كل دول ( الخليجي ) تعرف أن الاستعمار البريطاني ترك ألغاما من التقسيمات الحدودية بأخبث الطرق لكي يظل هناك صراع يسمح للندن أن تعود إلى مسمار جحا ولو بعد حين وتستفيد من الصراعات، وتخرج بعض ما لديها من وثائق في أوقات محددة بحيث تخدم التفرقة وليس الاتحاد.
الوقوف مع الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان في الحفاظ على سلامة ووحدة أراضيه واجب قومي وأخلاقي لا نزاع عليه، وقد فعلت السعودية ذلك، وشددت على حق دولة الإمارات العربية المتحدة في استعادة جزرها الثلاث المحتلة من إيران.
لكننا لا نفهم سبب توقيت الحديث عن واحة البريمي الآن، ولماذا لا ينتظر الشيخ خليفة بن زايد حتى تستتب الأمور، ويعود اطمئنان المواطن لأمنه بعد رحيل الشيخ زايد؟
لا شك في أن هناك اتفاقا بين الامارات والسعودية منذ عام 1974 انتهى إلى حصول الأخيرة على سبخة مطي الغنية بالنفط وخور العديد وجزء من المثلث الجنوبي مقابل عدم مطالبتها بواحة البريمي.
ونفس الأمر ينسحب على خلافات حدودية كثيرة بين دول المجلس، وقد أحسنت قطر والبحرين عندما نقلتا الخلاف إلى محكمة العدل الدولية، وقبلتا الحكم على الرغم من محاولات مثقفي الخلافات اشعال الحرائق من جديد.
الخلاف الكويتي العراقي انتهى إلى الغزو الآثم عندما حددت أطماع الطاغية الأسير الحدود في ذهنه المريض، فحاول ابتلاع الكويت لولا التفاف الشعب الكويتي حول شرعيته الممثلة بآل الصباح.
إذا فشل مجلس التعاون الخليجي فإن الحل الوحيد والآمن والذي سيجسد العدل بكل صوره هو الاحتكام للسلطان قابوس بن سعيد في كل المسائل الحدودية الخليجية، والرجل ثاقب النظر، بعيد الرؤية، محايد حتى بين الأٌقربين، ولو قامت السعودية والامارات بالموافقة سلفا على الحل الذي سيضعه العاهل العماني فلن تقوم للخلافات الحدودية بينهما قائمة في المستقبل.
والسلطان قابوس بن سعيد ينطلق من رؤية وحدوية متسامحة وغير متساهلة، تغضب قوى الاستعمار التي تركت قنبلة ( فرق .. تسد ) في كل تقرير حدودي، وفي كل علامة بين دولتين.
ألم يفعل نفس الشيء مع دولة الامارات ورأى بفكره العبقري أن عدة كيلومترات هنا أو هناك تظل في مصلحة الطرفين حتى لو بدا ظاهريا أن طرفا واحدا هو المستفيد. ألم يفعل الأمر عينه مع اليمن، بل تكلفت سلطنة عُمان من ميزانيتها الكثير لانشاء الطرق المعبدة تسهيلا لليمنيين والعمانيين، وكأن التقسيم نوع جديد من الوحدة؟ الخطأ السعودي في المقارنة بين المباحثات مع اليمن ونظيرتها مع الامارات، فكل شبر من الأرض يقع في جانب الامارات سيشهد رفاهية ورخاء يصب في مصلحة الدولة الخليجية الكبرى التي ستقام حتى ولو بعد الجيل الثالث من الزعماء الحاليين. والخطأ الإماراتي ترسمه همسات الخبراء ورجال الأعمال والمستشارين من غير المواطنين الاماراتيين الذين يعملون في كل مؤسسات ومكاتب الدولة حتى أنهم يقبضون على أسرارها بين أيديهم.
وهؤلاء سيفجرون خلافات حدودية إذا لم يتدارك القادة الخليجيون ويفهموا قواعد اللعبة الاستعمارية. وصح النوم أيها المجلس الخليجي فالقضايا أكبر من اجتماع سنوي لعدة ساعات نصفه في ارتشاف القهوة العربية!
في المؤتمر الدولي التربوي لمناهضة التطرف والإرهاب الذي عُقد بدولة الكويت في السابع والثامن والعشرين من شهر ديسمبر 2005، قلتُ في كلمتي، وأيضا صباح نفس اليوم في برنامج ( صباح الخير يا كويت ) بأنّ التعاونَ مع المملكة العربية السعودية، وخاصة مع الملك عبد الله بن عبد العزيز، لابد أن يُمَثل مُنطلقاً للقضاء على التطرف والإرهاب!
منطقٌ غريبٌ يبدو للمُشاهد أنه عَكْسُ الحقيقة، أو التفافٌ غيرُ صادق لمجاملة آل سعود!
كنتُ ولازلتُ صادقاً وأنا أعلمُ تماما أنّ التطرفَ كان يتنفس بعمقٍ داخل الأراضي المقدسة، وأنّ الجحيمَ الذي فتح لنا أبوابَه بعد الحادي عشر من سبتمبر أشعَلَه خمسة عشر مواطنا سعودياً كانوا بين السماء والأرض متجهين إلى بُرجين توأمين في عاصمةِ المال واليهود والفن!
ولا يخفىَ علَيّ أنّ الرياضَ كانت ثالثَ ثلاث عواصمَ تعترف بحركة طالبان المتخلفة، (بعد باكستان ودولة الإمارات ) وهي تقود أفغانستان والمنطقةَ إلى بداية الجحيم.
ورأيت طوال عقدين كاملين، مُشاهِداً وكاتباً وناصحاً وناقداً وصارخاً، أنّ التطرفَ الذي تقوده كلُ أضلاع المؤسسة الدينية سينتهي بنا جميعا إلى ما تُحْمَد عقباه.
ولا يحتاج الأمر لبصرٍ منْ حديد لمعرفة مصانع التطرف والإرهاب التي كانت كلما اقترب كَشْفُ سوءاتها، تلوذُ بالدين وتَدّعي أنها ممثلةُ العناية الإلهية، وأنّ صكوكَها مُعْتَمَدة من السماء، وأنّ الالتزامَ بحَرْفية تفاسيرها تعني ترحيبا من رضوان وهو يقف على أبواب الجنة مُهنِئاً ومستقبِلا ضيوفَ الرحمن خالدين مخلدين فيها.
كانت المصانعُ تحمل اسمَ ( عالم الفتاوى ) وهي لا تغادر صغيرةً ولا كبيرةً إلا أحصتها، ولو تنفَسْتَ أمام مُطلْقيها لحَرّموا عليك الشهيقَ والزفيرَ إلا بفتوى يسبقها لقبُ عالِمٍ أو فقيه ولو كان يكتب سطرين في عدد من مجلة أسبوعية تهتم بأخبارٍ معرفَتُها لا تنفع، والجهلُ بها لا يضر.
كان عالَمُ الفتاوىَ يُمثل السُلطةَ الثالثةَ، لكنه في الحقيقة يقفز مكان الأولى، فالمواطنُ في المملكة يتنفس، ويأكل، ويشرب من خلال الفتوى.
عالَمُ الفتاوىَ طاردَ المواطنَ السعودي في يقظته ومنامه، وحَجَرَ على عقله، وتحَكّمَ في عواطفه، وأدّعىَ أنه يملك
مقياساً لمعرفة درجة الإيمان.
وظَهَرَ أباطرةُ الفتوى في مركز قوةٍ تصغر بجانبه صكوكُ الغفران الكنسية في أوروبا المسيحية.
إنهم سلطةٌ مقدسةٌ إلهيةٌ تغتصب الحقَ المقدسَ لصالحها، وتتحكم في كل شيء، وايّ شيء.
إنها تُحرّم عليك الموسيقى والفلسفة والمنطقَ والاجتهادَ، وترسم لك بالقلم والمسطرة تفاصيلَ يومِك، وتُحْصي عليك عددَ مرات ذهابك إلى المسجد ، وتؤكد لك أنّ وجهَ ابنة عمك عَوّرة فلن تشاهده ما حييت، وتقنعك بأن الزواجَ من جنيّة ليس من الخرافات، وأن الشيطان يشاهد المرأة في الحمام، وأن ملايين من العوانس يتحمل آلامهن وأحزانهن ربُ العزة لأنه لم يكتب لهن بَعْد طريق َالعفة والزواج وهن خلف نقاب أو حجاب أو خمار لا يشاهدهن رجلٌ يبحث عن زوجة.
وأباطرةُ الفتوىَ يُكدّسون في صدرك كراهيةَ الأجنبي، والمخالف لدينك، وتارك أحد الفرائض، والمجتهد في فكره، ويُقَسّمون العالمَ والشعوبَ بين مؤمنين وكفار تماما كما يقسّم جورج بوش الابن أركان الأرض الأربعة بين مَنْ معه ومن ضده.
الآن جاءهم مُلِكٌ في صدره شحنةُ غضب من نوع جديد، إنها محبة خالصة لدينه ووطنه، وكراهية للتطرف والتعصب والارهاب.
جاءهم عبد الله بن عبد العزيز ليجبرهم على الاحتفال بالعيد الوطني للمملكة العربية السعودية بعد أن قاموا بتحريمه نصف قرن من الزمان، ولا يستطيع أيّ منهم أن يزايد على خادم الحرمين الشريفين في إسلامه أو إيمانه أو وطنيته.
وتاريخُ عبد الله بن عبد العزيز سيصيبهم بحِيرَة فهم لا يملكون مآخذَ عليه، ولا يُصيبون منه موضعَ ضعف يخجل منه.
والملكُ السعودي يحتاج إلى أقلام شجاعة ومثقفين أحرار يحْمي بهم ومعهم بلدَه من طوفان قادم إنْ استمر أباطرةُ الفتوى في صناعة الشباب المفخخ والكاره للحياة والمهووس بالحور العين.
والملكُ بحاجة ماسة إلى وقوف الرجلين الثاني والثالث، سلطان بن عبد العزيز وسلمان بن عبد العزيز، معه في أهم فترات تاريخ السعودية الحديث لعمل قيادة ذكية ومدربة وحكيمة ومستنيرة لوقف تدفق فتاوى صناعة الارهاب في شرايين المواطن السعودي المسكين.
إذا أراد الملكُ حقاً انقاذَ وطنه، وتلك لا نشك لحظةً واحدة فيها، فعليه أنْ يأمرَ بعمل لجنةٍ من كبار الفقهاء والعلماء والفلاسفة والنقاد من داخل المملكة ومن خارجها، ويمنحهم الأمن والأمان، ويطلب منهم تنقية الفكر الاسلامي من عشرات الالاف من الفتاوى التي كبّلتْ عقول الشباب فانفجر الارهابُ في أقدس بقعة في العالم. أيّ حلٍ لو اجتمع له العباقرة وبِسُلْطَة المَلِكِ نفسه ولم يأخذ في اعتباره عالمَ الفتاوىَ فسينتهي إلى فشل ساحق. دعوتي تلك هي من صُلب الإيمان بالاسلام الحنيف نقيا شفافاً خالصاً بعيدا عن العقول المتحجرة والمناهضة لجمال الدنيا، والمعادية لنفخة الرحمة الروحية من السماء إلى الأرض.
شركسة قضية توجان فيصل النائبة السابقة والمعارضة الأردنية المشاكسة تخدم مصالح خصوم الأردن الموحد بكل طوائفه وفئاته ومذاهب أبنائه وعقائدهم. وعلي أبو الراغب لم يضطهدها لأنها شركسية, ولكن لأنها كشفت ألاعيب وفساد مملكة الصمت الهاشمية. ولولا أن رئيس الوزراء يملك تعليمات موجهة من عبد الله الثاني بضرورة التخلص من توجان فيصل التي لم تخنع للملك نفسه, ورفضت أن تحني قامتها أمام جلالته, لما استطاع أبو الراغب أو غيره ايذاء المواطنة الأردنية التي حاولوا اذلالها في واحد من معتقلات الأردن الكثيرة, فخرجت أكثر صلابة وايمانا بوطنها. كتبنا من قبل بأن النقطة السوداء الوحيدة التي نعرفها عن السيدة المناضلة هي أنها لم ترفع صوتها ضد نظام جمهورية الخوف العراقية عندما كانت كلمتها مسموعة, لكن الحق أن النائبة السابقة أكثر شجاعة وشرفا من عشرات من رجال المملكة النواب والمسؤولين والوزراء والاعلاميين الذين تمتعوا بأموال الشعب العراقي وصموا آذانهم عن المقابر الجماعية.هنيئا لتوجان فيصل في نادي المغتربين الهاربين من جحيم الوطن ودولة المخابرات والزعامة الفاسدة والسجون والمعتقلات فهي ليست الأولى ولن تكون الأخيرة. إنه وطن يطرد أبناءه الشرفاء ويطاردهم في كل مكان, فهنا في الغربة تم قتل المهدي بن بركة ووضعه الحسن الثاني في حامض الأسيد, وتلقى ميشيل نمري صاحب(النشرة) رصاصة في رأسه بالعاصمة اليونانية, ونزار نيوف يتغزل في دمشق وهو في باريس بعد وجبات التكريم من أجهزة المخابرات السورية, وحنظلة الفلسطيني اغتالوه في شارع هاديء بعاصمة الضباب, والدكتور المناضل منصف المرزوقي في نادي المغتربين وهنا أيضا أربعة ملايين عراقي وربع مليون سوري وعشرات الالاف من الجزائريين والمغاربة والأردنيين والصوماليين والتونسيين والفلسطينيين, ومرحبا بتوجان فيصل!
لو عاد جوستاف لوبون الآن بعد مئة عام من نشره كتابه الرائع ( سيكولوجية الجماهير ) لقرر وضع موسوعة كاملة عن نفس الموضوع بعد مراقبة متفحصة لردود فعل جماهير المسلمين في طول العالم وعرضه إثر نشر صحيفة يلاندس بوسطون الدانمركية رسومها المسيئة لنبينا الكريم، صلوات الله وسلامه عليه.يصف عبقري عصر النهضة قاسم أمين الجماهير بأنها مُعينة الظلم وخادمة الطغيان!رائع جدا أن يتسابق المسلمون للدفاع عن محمد بن عبد الله خاتم النبيين ورسول الرحمة الذي نذكر اسمه الكريم مقترنا باسم الذات الالهية في أول ما يدل على اسلام المسلم: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله.لكن الجماهير التي خرجت لم تشاهد الرسوم المسيئة، وربما لا يستطيع ملايين منهم أن يقرأوا كتاب الله العزيز، وهكذا تتولى نخبة من البشر قيادة الآخرين لواحد من النجدين، إما العداء والكراهية وإما الاندفاع ناحية هيام وحب وتأييد.الجماهير حالة من التخدير الجماعي وفقدان الوعي والاستغناء عن العقل لأنه سيعيق حركة التمرد والاندفاع مما يتناقض تماما مع الهدف المعلن أو الخفي لثورتها أو تمردها أو طوفانها العاتي. الجماهير التي خرجت تستقبل الرئيس الراحل السادات بطلا للحرب هي نفسها التي هتفت له عندما زار القدس المحتلة، لكنها أخرجت غضبها العارم عليه في انتفاضة الجوعى والتي أطلق هو عليها انتفاضة الحرامية.لم يكن الأمر يحتاج لأكثر من عدة خطب حماسية مليئة بأباطيل حتى خرجت الجماهير في الجزائر وتونس وليبيا والمغرب والأردن تهب روحها لشيطان بغداد بعدما غدر بجارته الصغيرة، ورقص الفلسطينيون في مخيمات اللاجئين فرحا وبهجة بالاحتلال العراقي الآثم لوطنهم الثاني .. الكويت فغابت عن الجماهير المغيبة فكرة أن دعهم الباطل للباطل العراقي كان حجة لمحتليهم الإسرائيليين في اعتبار الغدر والاقتحام وطرد السكان الأصليين حالة عربية تتعاطف معها جماهير الغوغاء.تقف الجماهير ترتعش أمام نيكولاي تشاوشيسكو وهو يخطب فيها من قصره في بوخارست، وبعد دقائق تتحول نفس الجماهير إلى حالة من الهوس المضاد، وتهتف نفس الألسن بهجاء بدلا من مديح لم تزل آثاره باقية في أذن الديكتاتور الروماني الكبير، فينهار حكمه، ويهرب مصطحبا زوجته لتتلقفه الجماهير الغاضبة وترسله إلى العالم الآخر.كان شارل ديجول بطلا للتحرير، لكن مظاهرات الطلاب أسقطته رغم أنه لايزال عملاقا في تاريخ فرنسا الحديث.كان من الممكن أن تتحول حالة التحرير من نظام الأبرتهايد في جنوب أفريقيا إلى مذبحة للبيض، لكن نيلسون مانديلا أمسك الدفة، واستطاع السيطرة على مشاعر الجماهير فتحولت ناحية محاكم الاعتذار وتنظيف الضمائر فبكت جنوب أفريقيا كلها كبديل عن مظاهرات الغضب.هل تستطيع أن تتسلل إلى جماعة من الناس وتحطم لهم رمزا دينيا يحترمونه ويبجلونه ويوقرونه؟إن سعادتنا بردود الأفعال الجماهيرية علىالمسيئين للنبي الكريم لا تعني أن الجماهير محقة في كل الأحوال، فهي قادرة على أن ترهن مشاعرها لدى قيادة تحدد لها الحق والباطل، وتسلطها على هدف، وتدغدغ أحاسيسها، وتهيج جهازها العصبي فتنطلق محطمة كل شيء أمامها، فالجماهير بوجه عام غير عاقلة حتى لو دافعت عن حق لا لبس فيه.لذا فإن الخطر دائما يأتي من عدة أفراد يحركون الناس كما يحرك الريموت كونترول جهازا تمت برمجته عليه.الجماهير التي حطمت السفارات والقنصليات غضبا على رسم لم تشاهده لا تستطيع أن تجنح ناحية الجانب الآخر من الكرامة فتخرج مثلا منددة بالسجون والمعتقلات وقوانين الطواريء والفساد والتعذيب !الملايين التي ترهق حبالها الصوتية في تظاهرات متخلفة تأييدا لديكتاتور أو طاغية أو جزار يذبح شعبه كما تُذبح الشاة المسالمة، لا تستطيع أن تتحرك ما لم يظهر من بينها ثائر غاضب يعرف كلمة السر في وجدان هؤلاء المهووسين والمغيبين والمخدرين ليحولهم لمناهضي الاستبداد، ويصنع منهم قوة عاتية جبروتية طوفانية بنفس القدر الذي كان مؤيدا للمستبد حتى تنجح حركة التمرد.لو وقف زعيم من العالم الثالث يخطببحماس ملتهب أمام عشرات الآلاف فإن طلعته تضيف نوعا من الرهبة الخفية لدى الجماهير التي تدير بدورها مؤشر العقل على الاغلاق إلى حين.لو انحشر بها عدد قليل وعرفوا كلمة السر في قلب معادلة التغييب عاليها سافلها كأن تكون مثلا: نريد عملا لملايين العاطلين، أو اللصوص سرقوا خيرات الوطن، أو الموت لفلان، فإنه لن تمر دقائق معدودة حتى تنتقل الهتافات بسرعة الصوت إلى كل الجماهير وتستمر في هوسها وغضبها وفوضويتها وعدوانها ولكن من الجانب المضاد.الجماهير لا تحمل فكرة أخلاقية، لكن إذا وقع حظها السعيد مع قيادة حرة حاملة رسالة أخلاقية فستكون الجماهير عندئذ معينا لاسقاط أعتى الأنظمة.الرسوم المسيئة كانت في نهاية شهر سبتمبر، لكن ثورة الغضب بدأت بمجموعة صغيرة لم تكن تعلم أنها ستشعل الدنيا كلها وكان أقصى أماني أعضائها أن يقوم أمين عام جامعة الدول العربية بالادانة وأن يستقبلهم شيخ الأزهر وأن تستضيفهم قناة للشيخ صالح لخمس دقائق لا أكثر.ماذا لو قلت لهذه الجماهير الغاضبة بأن كرامتها من كرامة النبي، وأن عشرات الالاف من المعتقلين المنتهكة حرماتهم وآدميتهم هم شاهد على أن أكثر من مليار مسلم لا يستحقون شفاعة النبي الكريم ما لم يذودوا عن كرامتهم أولا؟لن يحرك العقل ساكنا، ولكن قيادات نادرة تستطيع أن تحرك ملايين كما يفعل الطفل معلعبة اليو يو!الآن عاد الحوار الاسلامي مع الغرب إلى نقطة الصفر، وكل الأبواب مغلقة أمام العقل حتى تهدأ العواصف.
حاولت ما وسعني الجهد أن أعثر على قواسم مشتركة بين الله، العزيز الوهاب، الذي أعبده، وأحبه، وأثق في رحمته، ويغمرني نوره، ويصفح عن أخطائي، ويغفر لي ذنوبي، ويعد لي مكانا في ملكوته، وبين إله آخر يعبدونه، ويقولون بأنه يعد لكل منهم اثنتين وسبعين حورية في الجنة إذا فجر سيارة في مدرسة للتلاميذ، أو ذبح أطفالا في صالة الألعاب الرياضية، أو قتل رجال أمن في الرياض أو بغداد أو جدة أو وهران أو الدار البيضاء.أو قام بتكفير مسلم لأنه يختلف معه فكريا وثقافيا، أو يطالب بتفريق مسلم عن زوجته، أو لا يرد السلام على جاره غير المسلم، أو يدعو الله بأن يهلك وينزل غضبه وسخطه وعذابه على الآخرين.إلهي يقول لي على لسان نبيه الكريم، صلوات الله وسلامه عليه، والله لو لم تذنبوا لذهب الله بكم وأتى بقوم آخرين يذنبون ويستغفرون الله فيغفر لهم، وهو، جل شأنه، يجد لي سبعين عذرا لذنب واحد، أما إلههم فيجد لهم سبعين ذنبا لهفوة صغيرة سقطت سهوا، ويعد عذابا القبر قبل عذاب يوم القيامة، فهو لا ينتظر يوم الحشر، ويرسل ثعبانا أقرع يدس نابه السام في المُذنب، ويظل ابن آدم يتلقى كل صنوف العذاب قبل أن يعرض على نار تلظى، لكن إلهي، الغفور الرحيم المتسامح الجميل فيؤكد لي في كتابه العزيز بأن ( كل إنسان ألزمناه طائره في عنقه ونخرج له يوم القيامة كتابا يلقاه منشورا، اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا). إلهي يعلمني بأن المدخل إلى عبادته يبدأ بفهم عميق، واستيعاب للقيمة التي تحملها كلمة ( الله أكبر )، فهو، الغفور الرحيم، أكبر من كل الصغائر، وما خلق السماوات والأرض وما بينهما عبثا، وأن حساب يوم القيامة يتناسب ويتوازن ويتناغم ويتلائم مع القيمة العظيمة للايمان بأنه، تعالى عما يصفون، أكبر من كل التصورات البشرية التي تحول عن جهل وحماقة وغباء وتخلف التعامل مع خالق الكون من منظور لا يقدر ولا يحترم مفهوم العبودية لاله أكبر من كل شيء.أما إلههم فغريب عني تماما، ينتظر بصبر نافد كل صغيرة وهفوة وخطأ غير منظور ليكبره،ويضخمه، وينفخ فيه فيتحول إلى كارثة، ويصبح ذنبا لا قبل لبشر على محوه، وهو إله يكره الحرية، ويحدد للبشر كل خطوة وكلمة وعبادة، وهو يبغض المرأة ويؤكد لهم أن أكثر أهل النار من النساء، ويطلب منهم تغطية وجهها، وقبرها في البيت، ورفض كل حقوقها الانسانية أو أكثرها فهي لا تشهد، ولا تحكم، ولا يستشيرها رجال الأمة، وهي عورة كلها لا يراها الرجل أو يسمعها أو يشم رائحتها إلا تحسب له عند هذا الإله ذنوب تتكاثر كتكاثر الجراد في أفريقيا. إلهي يحب أن يراني سعيدا، مبتهجا، مغتبطا، متأملا في قطعة موسيقية رقيقة تدلف إلى مشاعر راقية فهو، جل شأنه، خالق تلك المشاعر، وصانع الأحاسيس، ويحب أن يراني متمتعا بها، مقدرا عظمة خلقه. أما إلههم فلا يبتسم، ويغضب ليلا ونهارا، ويحاسبهم على أذن التقطت نغمة موسيقية، وأرسلت للقلب اشارات مبهجة، وانتعش الفؤاد لها ، واستقبل العقل كل تلك الأشياء الرائعة ليتأمل بعد ذلك في خلق الله، ويفهم قوله، عز وجل، هذا خلق الله فأروني ماذا خلق الذين من دونه. وهو، أي إلههم، يتوعد رجالهم بنار تقول هل من مزيد إذا رأى الرجل وجه امرأة قد تكون ابنة عمه أو جارته أو زميلته أو رفيقه نضاله في الدفاع عن حقوق البشر، وهو لا يكتفي باخفاء معجزة المعجزات، أي الوجه الذي وضع الله فيه العينين والأذن والفم، وجعله مرآة عاكسة لمشاعر تبين الحزن والفرح والغضب والكراهية والمحبة والطيبة والشر والرفض والتمرد والقبول والايمان والكذب والصدق وآلافا أخرى مما لا يستطيع قلم وصفه، أو ريشة رسمه، أما إلهي فأكبر من هذا، وربما يغضب علي إذا ربطت ايماني بيقيني أن خالق الكون العظيم ليس أكبر، لكنه أصغر فاتخيله وأتصوره في ملكوته الأعلى يضع في ميزان سيئاتي رؤية وجه امرأة. إلهي خلق الناس شعوبا وقبائل لنتعارف، وأرسل أنبياء ورسلا، وقال لي ( من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر ). إنه إله لا يقبل عبادة تحت السيف، ولا صلاة من الخائفين من حبل المشنقة، ولا دعاء من غير الأحرار القادرين على الذهاب بمفردهم، والتوجه لوجه الله العلي القدير، يعبدونه أحرارا، ويشهدونه أنهم لم يذهبوا إلى المسجد خوفا من عصا المطاوعة، أو تكفير زملاء العمل لهم، أو احتقار المعارف والجيران، أو الضغوطات الشديدة من المجتمع.قيمة العبادة تكمن في الحرية ( فألهمها فجورها وتقواها )، وأنا أعبد الله لأنني حر، أما إلههم فلا مفر من السوط فوق الظهر، والخوف من الناس، والطمع في النجاة من جحيم سعر، لواحة للبشر، وهو يرهقهم في مئات الصور من العبادة اليومية والأدعية الاكليشية المعدة سلفا، وهم يتقربون إليه بترك العمل والأسرة والأطفال لأداء الصلاة والسنة والنوافل والقيام والأحاديث والخطب والانتظار في المسجد حتى يؤذن لصلاة أخرى، أما إلهي فيطلب مني الصلاة خمس مرات وما زاد على ذلك فهو مني شريطة أن لا أسرق من وقت زوجتي وأولادي دقيقة واحدة، وهو لا يقبل صلاتي إن كنت في العمل وتركت عجوزا أو أرملة أو صاحب حاجة ملحة ينتظر مرهقا ومتعبا حتى أعود إليه من صلاتي. إلههم لا يرحم، وهم لا يثقون به، وقد قرأت لفتاة مسلمة سؤالا تطلب فيه فتوى عن بعض الصلوات التي فاتتها وهي صغيرة في العمر، ومرت سنوات وهي ملتزمة، لكنها تريد أن تعرف كيفية حسابها عدا .. وحسابها عند الله! إنها نموذج لنفس الفكر الذي فرخ أناسا لا يثقون برحمة ربهم، ويتصورونه منتظرا إياهم ليحاسب حساب السيافين وقاطعي الرؤوس، وإلا فكيف لمسلمة تعبد الله سنوات طويلة ثم تداخلها شكوك بأن هذا المعبود ينتظر حقه في عدة ركعات فاتتها وهي صغيرة. أما إلهي فبسيط غاية البساطة، ولو أخطأت وأذنبت مئة مرة في اليوم ومثلهم في الليل، واستغفرته فأجده غفورا رحيما قبل أن انتهي من دعائي، وهو, عز وجل، يمنحني ايمانا به وبعزته وجلاله ورحمته التي وسعت كل شيء. إلههم يميز بين البشر، ويطلب منهم، أو هم يتخيلون أنه يطلب منهم، مقاتلة غير المسلمين، واحتقارهم، وعدم الرد على تحيتهم بالسلام، وجعلهم أقل قيمة ومنصبا ومركزا ووظيفة من المسلم، بل أكثرهم يعتبرون غير المسلمين نجسا قد يلوث طهارتهم، وأرسل أحدهم يستفتي في صديق مسيحي زاره في منزله عندما كان مريضا، وجلس على طرف الفراش يشد من أزر المسلم، فما كان من المريض إلا أن أرسل يستفتي في نجاسة الفراش. أما إلهي فيجعلني على قدم المساواة مع خلقه كلهم، وهو يقول لي ( ولقد كرمنا بين آدم )، ولا يجعلني رقيبا أو حسيبا أو سيفا يقطع رؤوس المخالفين. إلههم منشغل بقضايا المسلمين، وسيحاسبهم على اللحية، وطول الحلباب، وأدعية الشيطان، أي الموسيقى، وسيدخل قاع الجحيم من لا يمسح على عقبيه جيدا بالماء عندما يتوضأ، وسيحسب عليهم سيئة بعشر أمثالها لمن لا يدخل بيته بقدمه اليمنى، ويأكل بها، ويغمز الذبابة في طعامه. أما إلهي فهو رب كل الكون، وهو يحب الطيبين والمسالمين الذين يساعدون الآخرين، ويتأملون في الكون، ويتألمون لعذابات غيرهم، ويبحثون عن الحقيقة، وهو مع المسلمين والمسيحيين والبوذيين والكونفشيوس ومن لا دين لهم، ومن يسيرون في الأرض في رحلة البحث عن الله حتى لو استغرقت العمر كله فلم يجدوه، فربما يشرق عليهم نور الله يوم القيامة. إلههم يعدهم ببيت لكل منهم، وحريم وحور عين وفحولة جنسية وكسل في الجنة وأكل وشراب ونوم في مقابل كراهية وبغضاء وقتل وتدمير وتكفير ورفع دعاوى ضد الآخرين وتحريم الموسيقى والجمال والفنون والعقل والاجتهاد والغناء والفلسفة وقص اللحية واطالة الثوب والفصل التام بين أبناء وبنات آدم وحواء! أما إلهي فيطلب مني الثقة بأن ( الله أكبر )، ويحرم الكراهية والبغضاء وقتل الأبرياء واختطاف الضعفاء واعتبار المسلمين أرفع خلق الله، لكنه، تعالى عما يصفون، يقول لي بأن ( أكرمكم عند الله أتقاكم) و التقوى كما شرحها نبيه الكريم مشيرا إلى قلبه التقوى ها هنا . أكثر الناس يظنون أنها قضية فهم أعوج للاسلام، وأن المطلوب إعادة شرح مفاهيم الدين بأسلوب حديث ومنطق سليم، لكن الحقيقة غير ذلك تماما فقد فهم المسلمون في كل العصور الاسلام وطبقوا تعاليمه وحفظوا كتاب الله العزيز، ومع ذلك تم رفع المصاحف فوق السيوف، وجاء طواغيت ومستبدون وقتلة يحكمون باسم الدين وكل منهم يدعي فهمه للاسلام وسيظل هذا التجاوز قائما ما لم نتوجه جميعا إلى إله واحد مشتركين في تصور جماعي بعيدا عن أي تفسيرات أخرى يتم لي عنقها من النص المقدس، وبسطها في خدمة التخلف الذهني والقسوة البالغة والكراهية البغيضة والغاء الآخر. عندما تكتظ أحد السجون في عالمنا العربي بآلاف من البشر المسحوقين ويخضعون لصنوف من التعذيب لا يتحملها إنس ولا جان، فإن الدين هنا لن يخفف من قسوة السجان، ولن يقنع الطاغية بأنه ارهابي، ولكن شيئا واحدا يمنح الناس السكينة والسلام، ولا يقبل تأويلا أو سيفا داخل نص مقدس، أو دماء بين شفتي فتوى عالم، إنه التصور المشترك لاله واحد متسامح جميل مشرق لا يقبل قربانا من البشر، ولا يدخل في رحمته قتلة وسفاكي دماء وخاطفى أطفال. سيقول قائل بأننا وإياهم نعبد نفس الإله لكن من زوايا مختلفة، وأن الحق متعدد الجوانب، وأن الفكر الاسلامي مليء بالتيارات المتصارعة والمتصالحة ولا ينبغي تضخيم قضية الألوهية على حساب القاسم المشترك .. أي الدين الإسلامي. وهنا أجدني على الطرف النقيض الآخر لهذا الفهم الذي يحاول المصالحة بين القاتل والقتيل مساويا بينهما في لغة عبثية غير قادرة على مواجهة الواقع الأليم. الله .. جل شأنه تحدد صورته في الذهن أفكار وثقافة وايمان وممارسات حياتية وقناعة شخصية واستجابة لما يظن المؤمن أنها أوامر وتوجيهات ومسلمات لا تخرج كلها عن نطاق التصور الانساني لذلك الاله. قالت لي إحداهن بأنها تقاطع غير المسلمين، ولو احتاجت لدواء عاجل لابنها وكان الصيدلي مسيحيا فهي لن تتنازل عن طاعة الله من أجل شفاء ابنها( أي فليمت ابنها في سبيل طاعة هذا الاله)! هل هذا فهم سقيم للاسلام؟ إنني أعترض على مصالحة الوردة والسيف، أو عبق الزهور مع رائحة الموت، أو ابتسامة طفل مع أشلاء مبعثرة لجسد تلميذ، فهذا ليس اجتهادا أو فهما مخالفا أو رؤية من زاوية مضادة، لكنه تصور حقيقي وواقعي وملموس وممارس لاله آخر لا أعرفه، ولا أتوجه إليه في صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي إنهم أوفياء مطيعون لإلههم، ومؤمنون بأن القتل وسفك الدماء وقطع فروة الرأس وتكفير المخالفين وتكبيل الحريات وايقاف الاجتهاد ومعاداة العقل ومخاصمة الجمال واستعداء الآخرين على الموسيقى والغناء والفكر والمنطق وحقوق الانسان وقبول الآخر كلها تسر وتسعد وتغبط هذا الاله الذي سيمنح أدناهم مرتبة عشرات من الحور العين تعود لكل منهن عذريتها فور الانتهاء من ممارسة الجماع. إنه الوفاء للتصور الكامل لهذا الاله الذي لا أعرفه، لذا لم يكن غريبا أن يتوجه الانتقام للضعاف والنساء والأطفال، أما إلهي فهو إله الأحرار البررة الذي يقبل مني العبادة في عشرات الصور والمشاهد اليومية ولو كانت خروجا في مظاهرة للدفاع عن حقوق الآخرين، أو رفض الطغيان والاستبداد، واعتبار قيم التسامح والقبول والمحبة والرحمة والمودة بغير تمييز هي التي تحدد مسبقا المنتهى الأخروي للمؤمن. إلههم يكمم الأفواه، ويسجن المشاعر الجميلة، ويكبت الأحاسيس، ويكره الحب، ولا يرى الكون كله إلا من خلال تعليمات صارمة تصب كلها أو أكثرها لصالح الذكور في مواجهة ضعف الإناث، وهو يتدخل في أدق خصوصيات البشر الذين خلقهم، ولا يستطيع أي منهم أن يفلت بحريته في مأكل أو ملبس أو جماع أو قضاء حاجة أو ابتسامة أو عبادة أو لهو بريء أو تعلم وتعليم أو حكم وشهادة، وهو يصنع الإنسان الدمية المتبلد المشاعر والكاره للآخرين والباحث عن المتعة والشهوة واللذة والكسل وبيت طوله ألف عام في جنة لا يدخلها إلا ملتح أو منقبة أو من يبغض ويمقت الحياة الدنيا وزينتها. وإلههم يغلق العقل بالأصفاد والأقفال والطقوس ومن يرى أن له حقا في الاجتهاد والحرية فروحه أقل قيمة من روح حشرة، وسيخرج مجاهد يطلق عليه رصاصة أو يفجر سيارة أمام بيته أو يذبحه كما يذبح الجزار الشاة الضعيفة وهي تتلوى فلا يدري المرء إن كانت بين أنياب ذئب أو مخالب أسد جائع. أما إلهي فيمنحني أقصى درجات الحرية ليصبح ركوعي وسجودي اختيارا صادقا وعميقا ويقينيا متحديا كل وساوس الشيطان، فإبليس يخشى الأحرار، ويخاف انفتاح العقل، وينهزم أمام عشاق التسامح والمحبة. وإلهي يؤكد لي بأن من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا، وهو إله لا يحب المعتدين، ويرى أن نوره العلوي القدسي سيشرق في عيون المتسامحين فقط. أما الارهاب والتطرف والتزمت والتشدد وعالم الخوف الذي صنعه الطغاة الصغار القادمون من نتن رائحة القبور وعفن النفوس فهو لم يكن ولن يكون نتيجة توصل إليها مثقفون وقراء وعلماء ومجتهدون يقارنون بين نصوص مقدسة وأحاديث نبوية وتراث ديني وفتاوى علماء، لكنه نتيجة طبيعية للتوجه لإله آخر صنعوه، فعبدوه، وهو في مخيلتهم وتصورهم ويقينهم يكافيء على الضغينة، ويسكن جنته القتلة والكذابين والمنافقين والأشرار، ويكدسها باللذة والمتعة والشهوات. إلههم مزيف، غير طبيعي، يماثلهم في كراهية العقل، وعشق القبح، والنفور من الجمال، والتلذذ بالقيود الصارمة، وهو يصنع الصراعات والحروب وأدوات الفتك والقتل، ولم يكن يوما واحدا في أدبياتهم مهموما بالسجون والمعتقلات وعذابات الأبرياء واغتصاب السلطة وتزوير الانتخابات وتزييف إرادة الأمة واستعباد أفراد الشعب، أما إلهي فهو معي، يشد من أزري، ويمنحني القوة والايمان والثقة به، ويغفر لي أخطاء وذنوبا لو حملها جبل لرأيته متصدعا ومتشققا. إننا وَهُمّ في خطين متوازين لا يلتقيان ما لم نعبد إلها واحدا، أكبر من كل الصغائر، وأعظم من التصورات الساذجة والحمقاء والعمياء التي صنعت كل صنوف الشر، ورفضت قبول اجتهاد العقل، وحصرت جنة الخلد في الملذات لقاتلي الأبرياء وجعلت العزيز الوهاب لا يغادر عالم المسلمين إلى كل خلقه من البشر. التفسيرات الدينية والخطب والكتب ومحاولات التقريب بين الأفكار في مصالحة وقتية لن تضع حلا لعالم يتخبط في حيرته، ويسقط صرعى التعصب الديني عشرات الالاف من أكرم خلق الله.. الانسان. عندما يكتشف المهووسون بالجنس والعنف والقتل والحجر على العقل وعشاق النصوص الصفراء وعبدة الموتى من علماء القرون الأولى أنهم يعبدون إلها آخر صنعته تصوراتهم المريضة فإن اشراقة نور سلام قادم تكون قد ظهرت في الأفق. ولن يكتشف المسلم طريقه إلى الاله الحق إلا أن يستخدم رخصة منحها له الواحد الأحد مع الروح التي أودعها جسده، أعني العقل والاجتهاد والحرية المطلقة التي تبحث عن الحقيقة في رحلة الحياة. لست على استعداد للمقايضة أو المصالحة أو الالتقاء في وسط الطريق لعلي أوفق بين الهي وإلههم، فهم سيافون، مصاصو دماء، قتلة ولو لم يزهق أحدهم روح آخر، أما إلهي .. ذلك الرب العظيم فهو كان وسيظل دائما الأكبر. إنه يمنحني السكينة، ويغفر لي، ويقبل اجتهادي في فهم الاسلام الحنيف، ويرضى عن عبادتي إياه كما توصل إليها عقلي واطمأن فؤادي. ومن خلال الصورة الرائعة الجميلة المتسامحة انشرح صدري لكلمات القرآن المجيد، الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه. أحببت الاسلام الحنيف وتعاليمه السمحاء وكلماته المقدسة في كتاب الله العزيز، وميزت في سنة نبيه، صلوات الله وسلامه عليه، بين ما وافق الوحي وما يشك عقلي أنه صادر عن خاتم المرسلين والأنبياء. والله لن ينحاز يوم القيامة للمسلمين فقط، لكنه سينظر في القلوب التي هي في الصدور، وسيدخل ملكوته أكثر خلقه الذي أكرمهم ونعمهم وفضلهم على كثير ممن خلق تفضيلا. الله أكبر ليست صيحة تكبير أمام بريء تم اختطافه عنوة وهو في طريق العودة لأولاده، وهي ليست تبريرا للاعتداء على حريات الآخرين، وليست مفتاحا لجنة الخلد يمنحه أمراء الدم لشاربيه أو سافكيه، لكنها أعظم وأشرف وأطهر وأجمل كلمة ارتبط بها تاريخ الايمان. مرة أخيرة .. فأنا لا أعرف هذا الاله الذي يتحدثون عنه، وينتظر على ناصية شارع يشاهد عباده يقتلون الأبرياء، ويحرض على الكراهية والبغضاء، ويصادر الدين لحساب جهلة وأميين ومستبدين وحمقى، لكنني أعبد الغفور الرحيم السلام العزيز الوهاب.
لم أكن بحاجة لانتظار حلم أو تخيل أو تصور وهمي أو اغفاءة بعد طعام الغداء لكي أشاهد تفصيليا وقائع المحاكمة الرابعة لزعيم عربي ملهم، فقد تبرع قلمي بتصوير المشهد كأنه كان حاضرا منذ اللحظة الأولى في ليلة القبض على الرئيس! قاعة المحكمة كانت مكتظةً بصحفيين عرب وأجانب، ورجالُ الأمن يتحركون بعصبية كأنهم يخشون أن يقفز الرئيس زين العابدي بن علي من قفص الاتهام إلى منصة الحكم ليُصْدر حكما باعدام كل من تجرأ وشاهده خانعا ذليلا خلف قفص حديدي ينتظر عدالة غابت سنوات طويلة فحَرّكَتها إرادةُ الشعب، وتنفست روحُ أبي القاسم الشابي الواثقة بأن الشعبَ إذا أراد الحياةَ فلابد أن يستجيب القدر. كان المتهمُ يختلس النظر بين الحين والآخر لعله يعثر بين الحاضرين على مُنقذ أو شاهد زور أو خائف يخشى أن يعود الرئيس إلى القصر وتسعفه ذاكرته بتَذَكُر وجوه كل الحاضرين .. الشامتين بانتهاء عهده. دخل القاضي مرفوع الرأس وتبدو على محياه علائم غضب لم تخفها ملامحه العربية المشوبة بحمرة وجه تغطي الرأسَ فيه شعيراتٌ شقراءٌ فلا يدري المرءُ إن كان تونسيا قحا أم هو نصف فرنسي. علائم الغضب انعكست بدورها على مستشاريه اللذين تقدما إلى المنصة بنفس خطوات رئيس المحكمة. يحاول المتهم أن يتأمل ملامحهم لعله يستبق المداولة بتمنيات حُكم بالبراءة، لكن يبدو أن شريطا طويلا من جرائم عهد أغبر جعلته يتراجع عن التفرس في وجوه هيئة المحكمة. كانت تونس كلها تتنفس داخل القاعة، والتاريخ يُشَمّر عن ساعديه لكتابة صفحة ستتذكرها أجيالٌ قادمة، ويحكيها آباءٌ لأبناءٍ وأحفادٍ كأنهم جميعا اشتركوا في محاكمة الطاغية. بصوت جَهُوري مفاجيء أعلى مما أحدثته مطرقةُ رئيس المحكمة،
سأل القاضي: اسمُك وتاريخُ ميلادِك وصِفَتُك؟
المتهم: زين العابدين بن علي من مواليد 3 سبتمبر 1936 في حمام سوسة، وأنا رئيس الجمهورية!
القاضي: لقد فهمنا أن شيطان بغداد يقول نفس الكلام وهو الذي انتهى به طغيانه وجبروته إلي جحر للجرذان، ثم قاعة محكمة في حراسة سيد البيت الأبيض، فهو يريد أن يتماسك أمام قوى الاحتلال، أما أنت فقد كنت مستبدا وأزاحك عن الحكم تونسيون وطنيون لا تساندهم واشنطون ولا تحميهم أسلحة اليانكي وأحذية الجنود الأمريكيين.
القاضي: متى وكيف تَسلّمت الحُكمَ؟
المتهم: بعد عودتي من الولايات المتحدة الأمريكية، وتَدَّرُبي على أيدي أجهزة أمنها واستخباراتها، وثقة الأمريكيين بي كرجل المرحلة المقبلة خاصة أنني كنت مسؤولا عن ملف حركة النهضة الإسلامية التي يتزعهما راشد الغنوشي، قام الرئيس بورقيبة بتعييني وزيرا للداخلية تأكيدا منه على أهمية الضرب بيد من حديد ضد المناهضين لحكمه. ثم وجدت، سيدي القاضي، أن الرجل العجوز الذي لا تُمَكِنُه صحته من القيام بأي واجبات فكرية أو جسدية يُصِرّ على أنه رئيسٌ مدى الحياة ويقتل حُلمَ كل الطموحين وأنا منهم، فأنقلبت عليه، ونقلته إلى مقر إقامة جبرية.
القاضي: لكنك كنت جزءا من النظام، وتوليّت منصبَ مدير عام الأمن الوطني وهو منصب خَوّلَك لأن تصبح عمليا وزيرا للداخلية بحكم عدم قدرة الوزير آنئذ ضاوي حنا بلية على القيام بأعباء حماية الأمن الداخلي. واستدعاك بورقيبة مرة ثانية بعدما قضيت أربع سنوات سفيرا لتونس لدى بولندا لتتولى الأمن الوطني على إثر ثورة الخبز التونسية والتي أتت بعد سبع سنوات من ثورة الخبز المصرية ، أليس كذلك؟
المتهم: كان من الطبيعي أن أثب على الحكم بعدما ضعف الرئيس مدى الحياة، وتكونت شللية حوله بقيادة المرأة الأقوى في تونس .. السيدة وسيلة بن عمار، وأنا خريج مدرسة الاستخبارات الأمريكية وأعرف تماما أن حماية غربية تتولى مهمة اسنادي ، وأن أمريكا كانت تدفعني لكي تحل محل فرنسا في تونس الخضراء.
القاضي: قَدّمت غداة استيلائك على السلطة برنامجا طموحا عن الديمقراطية والحرية والمساواة والأحزاب والنقابات، وخدعت الجميع حتى راشد الغنوشي نفسه ثم انقلبت عليهم مرة أخرى لتُحوّل هذا البلد الطيب إلى سجن. ألم تفكر في رفع المعاناة عن شعبك الذي عانى كثيرا من طغيان واستبداد الحبيب بورقيبة؟
المتهم: لقد حاولت، سيدي القاضي، أن ألعب دور الديمقراطي الغربي العاشق للحرية، لكنني لم أتقن الدور جيدا، فالمستبد الغليظ كان داخلي، وصراخ الموجوعين في السجون والمعتقلات كان يمنحني متعة اذلال الآخرين، فعملي كان كله تقريبا باستثناء سنوات الدبلوماسية في المغرب وبولندا مزيجا من السادية والتسلق على كتف النظام والتزلف للغرب. لم يكن من الممكن أن احتفظ بالسلطة المطلقة دون زنازين تحت الأرض تسمع السماواتُ العلا صراخَ مَنْ فيها، وفعلا تحوّل التونسيون في وقت وجيز إلى عبيد تحت حذائي، أفعل بهم ما أشاء، ويمنحونني طاعة واستجداء وخنوعا كأنهم رقيق جلبتهم لي سفن تجوب أعالي البحار وعلى متنها هذا الصيد الثمين.
القاضي: نظامك معروف بأنه الأكثر مراقبة للتونسيين في الخارج، ولدى أجهزة استخباراتك أسماء كل المغتربين والمعلومات اللازمة عنهم ونشاطاتهم وهو أرشيف عفن لا يعادله إلا الملفات التي تحتفظ بها الاستخبارات الأردنية لنشاطات العرب والأردنيين في الداخل والخارج وهي ملفات لا تموت ولا تتلف ولا تتعرض لحريق، مصادفة، لماذا ضاعفت مراقبة مواطنيك في الخارج؟
المتهم: لأن التونسيين لديهم وعي سياسي كبير فإذا تنفس التونسي عبيق الحرية في مظاهرة في باريس أو تولوز أو بروكسل أو لوزان فإن مناهضته للاستبداد تتجه فورا لنظام الحكم في بلده، وهذا ما عاناه الحبيب بورقيبة منهم فقررت أن استبق التمرد بملفات المترقب وصولهم إلى كل منافذ الوطن حتى لو اصطحبهم العقيد القذافي معه إلى قفصة!
القاضي: لقد قمت باستغلال أحداث الحادي عشر من سبتمبر الأمريكية لتثبيت دعائم حُكمك بحجة محاربة الإرهاب، ألم يكن يكفيك أنك قمت بتحويل تونس إلى سجن كبير؟
المتهم: نعم، سيدي القاضي، فقد جعلت من المادة 123 من قانون القضاء العسكري غطاء للقبضة النارية التي أحْرِق بها خصومي، وتعتمد المادة على تهمة ( خدمة تنظيمات ارهابية تعمل بالخارج وقت السلم ) وهي كما ترى هلامية مطاطة نصنعها نحن الطغاة، ويتولى كلابنا من زبانية السلطة وساديي المعتقلات وذئاب التحقيق الأمني التفسير في قبو تحت الأرض تماما كما يفعل أكثر زملائي الزعماء العرب.
القاضي: كيف تصنف سجونك ومعتقلاتك مقارنة بشقيقاتها العربيات؟
وهنا رفع المتهم رأسه، وانبسطت أسارير وجهه معبرة عن فخر واعتزاز بسجون ومعتقلات تملأ الوطن كله، وقال ضاحكا: لعلي، سيدي القاضي، أثرت حفيظة وغيرة زملائي الزعماء العرب، فــ( بيوت الأشباح ) السودانية التي كان جعفر النميري وعمر حسن البشير يفتخران بها في عهدين منفصلين أكثر رحمة من سجوني وحتى من مراكز الاعتقال المتناثرة من حدودنا مع الجزائر إلى حدودنا مع الجماهيرية العظمى. ويمكن لليبي أن يتحمل التعذيب في سجون العقيد رسول الصحراء فالنهاية ستكون بتصفيته واطلاق صحيفة الزحف الأخضر عليه صفة واحد من الكلاب الضالة، وأن يقضي المغربي ربع قرن منسيا في تزمامارت المخيف، وللسوري أن يجرب جحيم تدمر فلا يخرج حيا ولا يكترث لرجائه مَلَكُ الموت أن يقبض روحه، وللأردني الجفرة مع ملف من الاستخبارات لا يغادر صغيرة ولا كبيرة، وللمصري أن يجهر بالدعاء مع عشرين ألف معتقل في سجون الرئيس حسني مبارك ولن تصل صرخاتهم للسماء الرابعة، وقس على هذا في وطننا العربي الكبير الممتد من جوانتانامو إلى أبو غريب. إذا كان الملك الحسن الثاني، رحمه الله، قد عَلّمَ المغاربة كيفية الزحف على بطونهم والتذلل له، فإنني علمت التونسيين أن يبتسموا وهم يتلقون الصفعات.
القاضي: كراهيتك للاسلاميين لم يعرفها أي نظام عربي آخر اصطدم معهم، حتى تدمير مدينة حماة اثر معركة الحياة والموت بين الاخوان المسلمين ونظام الرئيس حافظ الأسد لم تجعل الاستخبارات السورية الأكثر رعبا في الهلال الخصيب كله تطارد أي فتاة محجبة أو شخصا يصلي بانتظام، أما أنت فأسلوب في كراهية الاسلاميين ليس له نظير، كيف حدث ذلك؟
المتهم: ما فشل فيه أتاتورك كان يمكن أن ينجح فيه زين العابدين بن علي. كنت أريد أن أجتث الفكر الديني من جذوره، وأجعل المتمسك بالاسلام يخشى ذكر الله لئلا ينزل عليه مقتي وغضبي. كان الدبلوماسي الذي لا يعاقر الخمر يُستدعى إلى تونس، فقد أعطى اشارة بأن بذرة للتدين قد تنبت فجأة فتنتصب شوكة في حلق نظامنا الحاكم. كانت أجهزة أمني تراقب البيوت عند صلاة الفجر، ومن يستيقظ عدة مرات وتشي أضواء نافذة مسكنه بأن التزاما متشددا بتعاليم الاسلام ستخرج من هذا البيت فإن رجال أمني قادرون على استدعاء هذا الذي يقوم الليل لله، أن يستيقظ أمام ضابط التحقيقات فربما نكتشف في صدره قلبا يتعاطف مع بن لادن أو الظواهري، وفكرا متأثر براشد الغنوشي.
القاضي: لم يسلم الليبراليون واليساريون من قبضتك وزبانية معتقلاتك، ما أسباب خصومتك معهم؟
المتهم: إنهم، سيدي القاضي، متأثرون بمنظمات حقوق الإنسان، وأكثرهم من المثقفين والشعراء والكتاب والإعلاميين والأكاديميين، وقد فرضنا عليهم قيودا شديدة، وحجرنا على حرية التظاهر والاجتماع والسفر للخارج، وتعرضوا لكل أنواع التعسف والاضطهاد ، وسلطنا عليهم رجالنا يخربون بيوتهم ويسرقون أمتعتهم ويطاردونهم في كل مكان.
القاضي: كيف كان موقفك الأخلاقي من الغزو العراقي للكويت؟
المتهم: حاولت من بعيد افشال القمة العربية التي عقدت في القاهرة، واعتذرت عن الحضور لأنني كنت متعاطفا تماما مع الرئيس العراقي صدام حسين، وأوحيت لاتحاد الكتاب التونسيين باصدار بيان تهنئة لعودة الكويت للوطن الأم العراق.
القاضي: ولماذا غضبت على الدكتور منصف المـرزوقي عنـدما حضـر مؤتمـر الكراهية في أوسلو في 25 أغسطس عام 1990 ؟
المتهم: لقد علمتُ أنه ألقى كلمة هامة، وأدان الغزو العراقي للكويت، وطالب بانسحاب فوري غير مشروط، فأوعزت إلى وسائل اعلامي، وهي كمعظم وسائل الاعلام الرسمية في العالم العربي، تتلقى التوجيهات، وينظر رؤساؤها ومديروها إلى الأرض خوفا وسمعا وطاعة، ثم يتحولون إلى ببغاوات تسب وتلعن وتشتم وتتهم من يحل عليه غضب الزعيم العربي. كنت أعلم أن الدكتور منصف المرزوقي رفض الغزو والعنصرية وأدان صدام حسين واسرائيل وألقى مُداخلة رائعة عن الحضارة العربية واشراقاتها، وعندما عاد اتهمناه بأنه حضر مؤتمرا صهيونيا في العاصمة النرويجية، وتحول الاعلاميون والكُتّاب إلى ذئاب تنهش لحم الرجل الذي كانت حقوق المواطن التونسي هَمَّهُ الأولَ والأكبر.
القاضي: ولكن كراهيتك له أعمق من ذلك بكثير، فهو أكبر منك علما وخلقا ومباديء رفيعة وثقافة، وقد دفع من حريته وكرامته ثمنا باهظا من أجل الدفاع عن كرامة المواطن في تونس، ألهذا السبب تحمل له الضغينة؟
المتهم: ربما لأنه ساوى نفسه بي وظن أنه يملك الحق في الترشيح لرئاسة الجمهورية، فأحببت أن ألقنه درس الأسياد للعبيد، لكنه للحق صلب عنيد يملك عزة نفس وكرامة على الرغم من أنني رئيس الدولة الذي تخضع له الأعناق.
القاضي: يؤكد كل المحكوم عليهم بتهم باطلة أنهم تعرضوا للتعذيب، وانتزعت منهم الشهادات بالقوة، وفشل الادعاء في تقديم أدلة ادانتهم، ومع ذلك لم يُسمح لأحد أن يستأنف أو يعترض، وحتى وسائل الإعلام تم منعها من حضور عشرات المحاكمات التي لفقتموها ولم تتقوا الله في أوطانكم، هل لديك دفاع؟
المتهم: إنها، سيدي القاضي، مسألة صراع على السلطة، ولم يكن من الجائز أن يضعف نظامُ حكمي من أجل تلميع وجه تونس أو عدم اغضاب منظمة العفو الدولية أو الحصول على شهادة حسن سير وسلوك من هيومان رايتس. هؤلاء الغوغاء عبيدي الذين أملك حق دفنهم أحياء لو أردت، وليحمدوا ربهم أنهم عاشوا في ظلي، وأكلوا وشربوا وناموا دون أن أنصب لهم المشانق أو أقوم بتصفيتهم كما فعل أخي العقيد معمر القذافي في سجن أبو سليم عندما قتل 1200 مواطن ليبي في وجبة واحدة، أو أخي رفعت الأسد الذي تفضل، مشكورا، بدفن أكثر من 700 سوري في حفرة كبيرة بالقرب من سجن تدمر بعد تصفيتهم، ولم يتركهم للطيور الجارحة في الصحراء.
القاضي: الغدر من شيمتك، فقد بدأت برئيسك ومعلمك وزعيمك الحبيب بورقيبة، وجعلت الغدر سياسة تونسية تتناقض تماما مع طبيعة شعبنا، حتى ترقب وصول العائدين التونسيين أصبح سمة ملتصقة بنظامك، فلماذا لم تترك هامشا أخلاقيا للمناورة؟
المتهم: لأن الخديعة إذا أصبحت هوية للنظام الحاكم يسري على اثرها الرعبُ في أوصال كل مواطن في الداخل والخارج، فنحن اعتقلنا عائدين كثيرين ظنوا أنهم في أمان، بل إن أكثرهم يحملون جنسيات دول أوروبية. هناك آخرون تلقوا رسائل مطمئنة من الأمن الوطني مثل جابر الطرابلسي الذي سلم نفسه للسلطات في ايطاليا، فلما عاد إلى وطنه قمنا بتأديبه بمحاكمة عسكرية لم نسمح للصحفيين بحضورها وحكمنا عليه بالسجن ثمانية أعوام. هل رأيت، سيدي القاضي، على وجه الكرة الأرضية نظاما يرسل رجال أمنه لاختطاف متهمين من داخل قاعة المحكمة قبيل نطق الحكم؟ إنه نظام حكمي الذي بصق على عدالة المحكمة، وأخرج المتهمين في تنظيم الحزب الشيوعي، وذهب بهم إلى محكمة أخرى تابعة لأمن الدولة وأصدرت حكما جائرا عليهم بتهمة تحريض الجمهور على مخالفة قوانين البلاد
القاضي: لماذا وضعت عددا كبيرا من أعضاء حزب النهضة الإسلامي قيد الحبس الانفرادي في ظروف قاسية وتعسفية ومجحفة ومهينة على الرغم من أن السجن العادي وهو أيضا ظلم كان عقابا وتقييدا لحريتهم؟
المتهم: لأن الحبس الانفرادي، سيدي القاضي، لفترات طويلة يؤثر على القدرات النفسية والعقلية للمغضوب عليهم، وتصل الرسالة إلى كل المعارضين فيزداد الشعب خوفا من نظام حكمي، وقدرة على الخنوع، ورغبة في الطاعة العمياء. سجوننا تقع تحت سلطة وزارة العدل، ونحن غالبا ما نمنع الزيارة فالعقوبة لدي جماعية، وينبغي أن تنسحب على الأهل بمنع الزيارة، أما الذين يضربون عن الطعام في أي سجن تونسي فيتعرضون لكافة أنواع الضرب والانتهاك والتعذيب وقد ينتهي الأمر إلى الحبس الانفرادي. ولا مانع أن يتذكرهم ملك الموت كما حدث مع عبد الوهاب بوساع الذي أضرب عن الطعام، ثم لحق به الأخضر الصديري وكان الاثنان متهميّن بالانخراط في نشاطات حزب النهضة. أما حبيب السعدي فقد قمنا نحن باستعجال عزرائيل لاصطحابه قبيل موعد اطلاق سراحه.
القاضي: وماذا عن المفرج عنهم بعد قضاء فترة العقوبة؟
المتهم: أنا، سيدي القاضي، لا أقبل التوبة، ومن يكون غضبي من نصيبه يصبح مطاردا ما بقي له من عمر، والمفرج عنهم لا يجدون عملا، ويتم استدعاؤهم لقسم الشرطة للتحقيق بين الحين والآخر ولتذكيرهم أن الحرية الظاهرة هي أيضا سجن مبطن، وأن تونس كلها تقع تحت حذائي.
القاضي: قسوتك في تعذيب أبناء شعبك تتحدى كل غلظة الملك المغربي الراحل الحسن الثاني الذي وضع أسرة محمد أوفقير في سجن معزول عن العالم، ثم قَسّم الأسرة َإلى قسمين متجاورين لم تشاهد الأمُ خلال ثمان سنوات بعضَ أبنائها ويفصلها عنهم جدارٌ امعانا في الاذلال، وأراك فعلت نفس الشيء، أليس كذلك؟
المتهم: إذا كان الملك المغربي الراحل من نسل الشياطين فإنني أتحداه في قبره أن يكون قد فعل بشعبه أكثر مما فعلت أنا. أما بالنسبة للتفرقة بين أبناء العائلة الواحدة فقد تم الافراج هنا في تونس السجن عن عبد الله زواري بعدما قضى أحد عشر عاما خلف القضبان، لكن الرجل المفرج عنه أراد الالتقاء بعائلته، وزبانية سجوني قرروا أن يغادر العاصمةَ بدون رجعة إلى الجنوب، فأصر صاحبنا أن يجتمع بأسرته لكن عدالة قضائنا كانت له بالمرصاد فحكمت عليه بالسجن ثمانية أشهر.
القاضي: يبدو أنني أمام طاغية لا مثيل له، تحكمه نوازع عدوانية وكراهية شديدة لشعبه، واستئثار بالسلطة يتفوق على لذتها لدى كل طغاة العالم. هل كان رجال أمنك وحمايتك يراقبون الانترنيت أيضا؟
تبسم زين العابدين بن علي وعرف أنه دخل دائرة أكثر الطغاة مراقبة ورصدا لكل تحركات أبناء شعبه وقال بفخر: نعم، سيدي القاضي، فالتطور العلمي المدهش الذي تعكسه الشبكة العنكبوتية لم يمنعني من جعله في خدمتي، فنحن نراقب البريد الالكتروني، ونعتقل من يتصفح مواقع سياسية، حتى الكاتب زهير يحياوي الذي نشر مجلة ساخرة على الانترنيت باسم مستعار عثرنا عليه، وأحلناه لمحاكمة سربعة، وقامت قوة أمنية بتفتيش بيته بدون إذن النيابة، وحُكم عليه بالسجن لمدة عامين. يحدث أحيانا، سيدي القاضي، أن يعود تونسي مقيم في فرنسا أو كندا أو ايطاليا لسنوات طويلة، ويظن في مطار تونس الدولي أنه في مأمن فيكتشف عبقرية رجال أمني الذي يلقون القبض عليه لأنه اشترك، مثلا، في مظاهرة بباريس ضد نظام حكمي، أو أرسل من كندا رسائل بالبريد الالكتروني باسم مستعار وانتقد فيها نظام حكمي، أو حضر واشترك في ندوة للمعارضة في مدينة صغيرة وظن أن استخباراتي لا تملك عيونا تخترق الحجب.
القاضي: لماذا إذن لم تظهر عبقرية رجال أمنك واستخباراتك عندما قامت أجهزة الاستخبارات الاسرائيلية بتصفية القيادات الفلسطينية على أرض تونس العربية؟
المتهم: ولماذا نحمي هذه القيادات؟ إن اسرائيل لا تمثل خطرا على تونس، ونحن نتعاون مع أمريكا وأنا ،كما قلت سابقا، تعلمت وتدرّبت في مدرسة الاستخبارات الأمريكية فلا تظنن، سيدي القاضي، أنني أحتمي بواشنطون وأُعَرّض أمنَ اسرائيل إلى الخطر!
القاضي: أين كنت تأمر باعتقال أبناء شعبك؟
المتهم: أنا أفضل دائما سجون بنزرت وتونس والمهدية وصفاقس، أما سجن قفصة فله وضعية خاصة وفيه يتم منع المحكوم عليهم من الاجتماعات في الفناء أو داخل قاعات الطعام أو حتى صلاة جماعية، فنظام حكمي لا يحرمهم فقط الحرية الدنيوية لكننا نمنعهم من الصلاة الجماعية خشية أن تزداد الصلابة وقوة الإيمان، ويتماسك المعتقلون. إنني، سيدي القاضي، أملك كلابا بشرية تقوم على حراسة المعتقلين وتستطيع أن تبهجني وتسعدني بفنونها الراقية في اذلالهم، فهناك حرمان من الدواء، ومنع من زيارة الطبيب، وتحديد الموضوعات التي يحق للمعتقل أن يتحدث فيها مع أهله خلال الزيارة، ونادرا ماتكون هناك زيارات، أما الكتاب فهو عدوي اللدود، وخصمي الدائم، وهو الذي يعيد الروح للذين نحاول أن نسلبهم إياها، لذا نمنعهم من المطالعة الفكرية.
القاضي: ماذا كانت توجيهاتك في حال الاضراب عن الطعام الذي يلجأ إليه المعتقلون كحل أخير لرفع بعض الغبن والظلم عنهم؟
المتهم: بعضهم كان ينجح في الاتصال بمحامين ولجان حقوق الانسان وهذا يرجع إلى العائلة وقوة اتصالاتها واصرار أفرادها على ايصال قضية المعتقل المضرب عن الطعام إلى الصحافة الأجنبية مثلما حدث مع عبد المؤمن بالعانس من الحزب الشيوعي العمالي وتوفيق الشايب من حركة النهضة، وهناك آخرون اضربوا ولم يكترث لهم إلا القليل مثل عبد اللطيف بوحجيلة وفتحي كرعود وأحمد عماري وشكري القرقوري والبشير عبيد وعبد الله إدريسة والبشير بوجناح. هناك اضرابات كانت تقلقني كثيرا لأنها أكثر سرعة في الوصول إلى الرأي العام الدولي وأعني بها الاضرابات الجماعية مثلما حدث في 11 يونيو 2000 وفي 10 يوليو ، ثم اضراب 8 نوفمبر والذي شمل سجون الهوارب وسوسة والناظور وصفاقس والمهدية والمسعدين. إنني أراهم حشرات لا تساوي أي قيمة تُذْكَر ولكنني كنت مضطرا للتعامل معهم بطريقة مختلفة أمام الرأي العام الغربي، خاصة الفرنسي الذي توسط رئيسه من قبل في معتقل تونسي كان يحمل الجنسية الفرنسية وتمكن رجال أمن المطار من القبض عليه رغم أنه لم يمارس أي نشاطات سياسية في العشر سنوات التي سبقت اعتقاله.
القاضي: عندما يكون الاضراب عن الطعام حلا وحيدا فإننا نفهم أن الظروف التي تجعل المعتقل يضحي بحياته لابد أن تكون قاسية وقاهرة ولا يحتملها بشر فيرى الموت حلا نهائيا وحيدا يخرجه من عذاب الوطن السجن، ألم يكون بين جنبيك قلب يَرق ويضعف بين الحين والآخر لمواطنيك ورعاياك وأبناء بلدك؟
المتهم: لو أنني، سيدي القاضي، احتكمت إلى العواطف لما تمكنت من الاحتفاظ بالسلطة كل هذه السنوات. كنت أعرف ما يدور في السجون والمعتقلات، وأتابع تفاصيل مشاهد التعذيب والاغتصاب وانتهاك الحرمات ، وأكاد أسمع صرخات المعتقلين وهم يتعرضون للتنكيل والضرب والركل والحرق والاهانة، لكن شهوة السلطة قادرة على التسلل لمسارب النفس، والتوجه إلى القلب والعقل، ثم التحكم في المشاعر وجعلها جامدة كجلمود صخر، أو حجر لا ينبجس منه ماء.
القاضي: في بداية فترة حكمك وعدت أبناء شعبك بأنك وفقا للدستور لن تجدد لولاية ثالثة، والآن يبدو أنك كباقي الطغاة التصقت بكرسي الحكم، لماذا لم توف بوعدك وتترك الحُكمَ لغيرك بعد الفترة الثانية التي بدأت عام 1994؟
انفجر المتهم في ضحكات هستيرية متوالية اضطرت القاضي أن يطرق بشدة بمطرقته طالبا منه الهدوء. هدأ المتهم قليلا ثم قال ساخرا : ألم أقل لك، سيدي القاضي، منذ لحظات بأن شهوة السلطة تستطيع أن تتحكم في كل همسة ولمسة وفكرة وعاطفة، ويمكنها أن تُغَلّظ قلبً أكثر الرجال رقةً فتجعله ذئبا لا تهتز فيه شعرة لو افترس بين أنيابه قطيعا كاملا؟ كيف أترك الحكم والكرسي والسلطة والقصر ورقاب العبيد والمال ثم أعود مواطنا عاديا؟ جنون هذا أم رومانسية حالمة؟ وهل تظن، سيدي القاضي، بأن حَرَمي المصون السيدة ليلى بن علي كانت سترضى وستخضع لرغبتي لو أنني عرضت عليها هذا الأمر؟ كانت ستتهمني بالجنون. لقد فهمتُ في أول يوم خضعت لي تونس كلها لماذا اختصر الحبيب بورقيبه الطريق فجعل من نفسه رئيسا مدى الحياة وهو المناضل العنيد في شبابه الذي دفعته الرومانسية وحب الوطن وكراهية الاستعمار الفرنسي أن يهب عمره لشعبه من أجل الاستقلال . ليتك شعرت، سيدي القاضي، ولو لبرهة واحدة بما يشعر به الطاغية عندما يأمر، وينهى، ويتفوه بكلمة فتسمعها الآذان قبل أن يدفعها اللسان. الاستبداد لا يتحقق إلا عندما يثمل من كأس العبودية التي يشرب منها الرعايا طواعية. والسادية تحقق قمة لذتها عندما تلتقي بأسفل درجات المازوخية، فتخضع الرقاب، ويخفض أبناء الشعب رؤوسهم وأصواتهم فلاتسمع إلا همسا.
القاضي: لكنك مزيف وكاذب وتعلم جيدا أن نتائج الانتخابات الهزلية في تسعينيتها العربية الخالصة والتي لولا الخوف من سخرية كل وسائل الإعلام الأجنبية لجعلتها مئة بالمئة كما فعل الرئيس الأسير صدام حسين . ألم تقم بتزييف إرادة الشعب التونسي؟
المتهم: أرجوك، سيدي القاضي، فقد فضحتني أكثر مما يجب، وحتى الآن فاتهاماتك لي قد تصل بالحكم علي إلى الاعدام عدة مرات أو السجن بعدد سنوات عمر سفينة نوح. ثم إنني لم آت بجديد، فنحن أمة عربية واحدة ذات رسالة خالدة، وما ينطبق على زملائي الزعماء العرب ينسحب علي تماما. أكثرهم مزورون، ومزيفون، وتخرج من قصورهم صناديق الاستفتاء أو الانتخاب جاهزة بالنسبة التي يحددها الزعيم. الرئيس الأسير صدام حسين كان يرى أن أقل من 100% تعتبر اهانة له، وتقليلا من شأنه، وهو يفضل أن يسخر من الشعب في صناديق الاستفتاء عن أن يبحث الشعب عن معارض واحد قال لا للقائد المهيب. والرئيس حسني مبارك يفضل نسبة 96% ويترك هامشا لمثقفي القصر للتحرك والادعاء بأن الرئيس سعيد بالمعارضة والتأكيد على نهج التعددية. والرئيس عبد العزيز بوتفليقة قرر منافسوه كلهم الانسحاب من مسرحية الانتخابات، فاستمر صوتا وحيدا مدعوما من جنرالات الجيش ورؤوس الفساد في اتفاق جنتلماني يصمت هو بمقتضاه على اغتيال الوطن، وتتركه مافيا العسكر على رأس السلطة. والعقيد الليبي الذي يتهم شعبه بأنهم كالماعز يكاد يقسم بأنه سيحول الليبيين لمتسولين في شوارع تشاد والنيجر وتونس، ويدعي أنه لا يحكم لكنه القائد الروحي للثورة، لذا فهو لا يحتاج لانتخابات واستفتاء وصناديق جاهزة تخرج من خيمته الملونة. والرئيس اللبناني المشبع بمشاعر الحرية وهي التي تجري في روح اللبناني فتضحى توأما لها يقرر على استحياء يخفي خلفه صوتا قادما من القصر الجمهوري بدمشق أن يمد في عمر وجوده بقصر بعبدا ثلاثة أعوام جديدة أسوة بالزملاء في مهنة الزعامة العربية. والرئيس السوداني عمر حسن البشير لا يحتاج لصناديق تخرج من قصره وبها أصوات أبناء وادي النيل الطيبيين فيكفي أن يشير إليهم ببيوت الأشباح فيتحول شمال السودان إلى مُلْكٍ خاص يفعل به ما يشاء ! هذه نماذج لبعض زعمائنا العرب، فهل أنا المذنب الوحيد؟
القاضي: هل قامت جهات أجنبية بتسليمك بعض رعاياك؟
المتهم: نعم فقد قام أخي العقيد معمر القذافي بتسليمي مجموعة من المتهمين متجاوزا كل الأخلاقيات في منح ضيوفه الأمن والأمان ما داموا على أرض الجماهيرية العظمى.
القاضي: على بن سالم الصغير .. هل تتذكر هذا الاسم؟
المتهم: معذرة، سيدي القاضي، فلا تسعفني ذاكرتي باسماء كل الذين علّمَتْهم وأدّبَتْهم سجوني التي ما شاء الله تستطيع أن تبتلع في جوفها وأقبيتها وزنازينها كل التونسيين في الداخل والخارج.
القاضي: أنت كاذب، وأرى في عينيك شيئا تخفيه، لكنه في الحقيقة ليس تقريع الضمير. علي بن سالم الصغير هو السجين السياسي الذي أقفلت مخابراتك في وجهه كل أسباب العيش الكريم بعد خروجه من السجن الذي دخله ظلما وعدوانا وبغيا، فلم يجد عملا، ولم يستطع شراء الدواء، وطاردتموه في كل مكان فقرر في أحد الأيام التاريخية المشؤومة في زمن زين العابدين بن علي أن يعرض ولديه للبيع، وبدلا من أن يبكيك ضميرك على أحد رعاياك إن كان لا يزال حيا، فإن هذا الضمير الذي لم يستيقظ قط راح في سبات مرة أخرى، وتم اعتقال الرجل المسكين وعاد إلى السجن ومعه المحامي نجيب حسني فعدالتك لم تتحمل أن يدافع عن الرجل محام وفقا للقانون مهما كانت درجة الظلم والعدل فيه. والآن هل أحدثك عن المواطنين الذين أصابتهم أجهزة أمنك الظالمة ونظامك المستبد والارهابي بالجنون؟
المتهم: كفاك، سيدي القاضي، فلو تذكرت سجلي الحافل بالجرائم بتفاصيله فإن جماهير الشعب التونسي ستقتحم قاعة المحكمة وتأخذ بثأرها مني سحلا في شوارع تونس.
القاضي: هل أُذَكّرك بفيصل قربوع ومنير الأسود وعبد العزيز البوهالي؟ إنهم ثلاثة من رعاياك اصابتهم لوثة عقلية من جراء القمع والاضطهاد والسجون والتعذيب! وهل تتذكر السيدة حياة المدنيني؟ المتهم: نعم، سيدي القاضي، إنها السيدة التي تخضع للمراقبة الأمنية وعليها أن تبلغ الشرطة في كل يوم أنها لم تغادر صفاقس ولم تتجرأ في عهدي على زيارة زوجها شكري القرقوري المعتقل في سجن تونس.
القاضي: وهل كنت تشعر بلذة وأنت تبالغ في اضطهاد أبناء شعبك؟
المتهم: حاولت العثور على طريق آخر لاجبار رعيتي على الخضوع الكامل لنزواتي ومزاجي ورغباتي فلم أجد غير اسهل الطرق التي سلكها جل طغاة الدنيا .. أي القمع بكل أشكاله.
القاضي: وهل تسعفك ذاكرتك باسم علي الرواحي؟
المتهم: أليس هذا هو الرجل الذي اعتقلناه اثر عودته من ليون بفرنسا حيث يعيش مع أسرته، وألقيناه في غيابات السجن تسع سنوات كاملات، ولم يزره أحد قط خلال أعوام السجن الرهيب لأن عائلته كلها في فرنسا، وبعد خروجه أجبرناه على الذهاب لقسم الشرطة للتوقيع في كل يوم؟
القاضي: أرى أن ذاكرتك تضيف متعة لساديتك في قهر أبناء شعبك، والآن كيف كنت ترى الاعلان العالمي لحقوق الإنسان؟
المتهم: كنت أدوس عليه بحذائي، فهو مكتوب للأحرار، أما أبناء بلدي فهم ملكية خاصة بي تماما كما كان الأمريكيون يملكون رقيقهم الذين جلبهم التجار والنخاسون من أفريقيا السمراء. الاعلان العالمي لحقوق الانسان لا يستحق في نظري قيمة الورق المنشور أو المنثور فوقه مهتديا بكرامة البشر.
القاضي: الرئيس الحبيب بورقيبة كان أيضا مستبدا وطاغية وملأ سجون تونس بعشرة آلاف معتقل، فلما أزحته أنت عن الحكم زادت متاعب وعذابات وأوجاع التونسيين أضعافا مضاعفة، فكان هناك أكثر من ثلاثين ألف مواطن يعانون الظلم البَيّنَ في سجون كئيبة وغير آدمية تنفر منها الحشرات. هل لديك تبرير لانفجار القسوة في تعاملك مع رعاياك حتى بدا الأمر كأنك تنتقم من التونسيين؟
المتهم: ليست كراهية بقدر ما هي مشاعر تغوص في أعماقي وملَكتْ عليّ كلَ كياني وهي أنني أرفع مقاما وأكثر شرفا ونقاءَ دمٍ من هؤلاء المتخلفين الرعاع. لعلي لا أبالغ، سيدي القاضي، لو قلت لك أن احساسا بأنني نائب الله على الأرض ينتابني فأطالب بعبودية كاملة غير منقوصة من شعبي. أعني من عبيدي!
القاضي: لماذا كانت تحدث حالات وفاة لمواطنين خلال استجوابهم في مراكز التوقيف؟
المتهم: لم يكونوا يتحملون الوجبة الأولى من التعذيب التي تسبق الجحيم الحقيقي في سجوني ومعتقلاتي مثل بدر الدين الرقيعي الذي أوقفه رجالي في 2 فبراير 2004 ولم يتحمل الرجل سبعة ايام وسبع ليال من التعذيب المستمر ففاضت روحه بين أيدي كلاب أمني.
القاضي: لكن بيان الشرطة ذكر أن الرجل انتحر.
المتهم: إننا، سيدي القاضي، لا نختلف عن معظم الأنظمة العربية فالانتحار اكليشيه جاهز في معظم أقسام الشرطة العربية وقد تفوقت فيها علينا أجهزة الأمن المصرية فهي الطريقة التي يفضلها أخي الرئيس حسني مبارك لاعطاء مزيد من جرعات الرعب لشعبه حتى يستأنسوا المذلة ويستعذبوا الخنوع ويتقدم ابنه جمال مبارك بخطى ثابته ناحية قصر العروبة حاكما وحيدا وفرعونا لم يهبه النهر الخالد لأرض الكنانة.
القاضي: حدثني عن نتائج انتخابات 24 أكتوبر 2004، أليست تلك وصمة عار في جبين نظامك؟
المتهم: كنت أعلم عندما حددتُ النتائجَ سلفا أن أصدقائي في الغرب وأمريكا سيستلقون على أقفيتهم من الضحك وهم يعرفون أنها مسرحية هزلية ودراما مأساوية يختلط فيها البكاء بالضحك، والدموع على شفاه مبتسمة، ومع ذلك فالغرب كله صامت وعلى استعداد لأن يغمض العين عن كل جرائمي ما دامت هناك مصالح بيضاء تحميها أجساد سمراء سَخّرَها لهم رجالهم الطغاة في قصور العالم الثالث. ألم يقلب الغربُ الدنيا عاليها سافلها لأكثر من عقدين من الزمان على قائد ثورة الفاتح من سبتمبر العظيمة باعتباره ارهابيا ومجرما تصفويا يطارد الأبرياء، ويزرع الرعب والفزع في القلوب، فلما قرر تسديد ثمن جرائمه من أموال شعبه، وقام بتسليم الوثائق والأسرار والملفات الخاصة بكل المنظمات العربية والاسلامية والأفريقية وقوى النضال إلى أجهزة استخبارات الغرب وأمريكا، تحول فجأة إلى وديع وطيب وتائب، واستضافت خيمته زعماء أوروبيين ومعهم عقود شركات تبحث عن المال ولو كان في أفواه الجائعين في العالم الثالث؟
القاضي: أنت تصور كل التونسيين على أنهم خاضعون لارادتك، وخانعون لأوامرك، ومستكينون لنزواتك، ومطيعون لكلاب قصرك وأمنك، وهذا ليس صحيحا بالمرة. اين الحقيقة؟
المتهم: لقد قضيت فترة حكمي كلها أكذب على الشعب، أما الآن فأنا مضطر لأجهر بحقيقة أمام عدالتكم وهي أن القوى المعارضة في الداخل والخارج سببت لي أحيانا كثيرة أرقا وقلقا واضطرابات نفسية لم أكشف عنها لأحد باستثناء سيدة تونس الأولى لأنها تشاركني في سحق هامات أبناء هذا البلد. نعم، سيدي القاضي، كانت هناك معارضة قوية لنظام حكمي، والتونسيون بحكم قربهم من أوروبا، ونسبة التعليم المرتفعة، ومتابعة الكثيرين لقضايا الثورة والتمرد والحرية في الناحية الأخرى من الأزرق الكبير، قاوموا استبدادي، ودفعوا ثمنا غاليا لطغياني، وسددوا من دمائهم لتحرير وطنهم من نظام حكمي. القوى الفكرية والثقافية والسياسية والفنية رفعت صوتها عاليا، ومنهم الدكتور منصف المرزوقي والسيدة سهام بن سدرين والصحفي توفيق بن بريك والقاضي مختار يحياوي.
القاضي: ماذا عن المادة 39 التي تحظر على رئيس الدولة التمديد لأكثر من مرة واحدة؟
المتهم: إنه الدستور، سيدي القاضي، وهو لا يشكل لي أكثر من خربشة ديكة، وأنا فوق الدستور، وقبل الوطن وأحصل على نسبة لو أرسل اللّهُ نبيا للتونسيين فقط لما حصل عليها. كنت قد أزمعت أن أظل رئيسا مدى الحياة لولا وقوفي الآن أمام عدالتكم.
القاضي: ألم تكن خائفا من أي انقلاب على القصر يدبره أحدُ أعْوانِك؟
المتهم: لقد أقْصَيّت كُلَّ الأصوات الحرة، وأزحت من يتوسم فيهم التونسيون شجاعة وشرفا ونزاهة، وجعلت المقربين والأصدقاء يحيطون بي كما يحيط الصقليون بالأب الروحي في مشهد مافيوي تصغر بجانبه اخطبوطيات كل الطغاة الآخرين.
القاضي: ما هي أهم قوى المعارضة لنظام حكمك؟
المتهم: أظن أن النهضة لراشد الغنوشي كانت الأقوى في التسعينيات، ثم العصبة التونسية للدفاع عن حقوق الانسان، والمجلس الوطني للحريات في تونس، والجمعية التونسية للنساء الديمقراطيات، وجمعية المحامين الشباب، والاتحاد العام لطلاب تونس، هذا غير عشرات المواقع على الانترنيت التي استقطبت معظم التونسيين في الخارج، أما في الداخل فقد وضعنا نظاما صارما للدخول على مواقع الانترنيت ولو اشترك تونسي في حوار سياسي باسم مستعار وهو يقيم في مكان ناء في قرية مجهولة فإن أشباح رجال أمني قادرون على الوصول إليه.
القاضي: لكنهم غير قادرين على الوصول إلى نشاطات الموساد في بلدك، أليس هذا صحيحا؟
المتهم: ربما لأنني لم اعتبر الموساد في يوم من الأيام خصوما لي، أو أعداء لنظام حكمي، ولو أرادت اسرائيل تصفية أحد الارهابيين على أرض تونس فسيغمض رجال الاستخبارات التونسية العين عنهم، لكن لا مانع من بيان إدانة شديد اللهجة لامتصاص النقمة الشعبية.
القاضي: كم عدد التونسيين الذين غرقوا في البحر وهم يتكدسون في مراكب قديمة وبالية ويحملون معهم حلم الهجرة والهرب من القمع والفقر والوطن السجن؟
المتهم: لكن المصريين والليبيين والمغاربة يبعثون لقاع البحر أو بطون الأسماك أكثر مما نفعل نحن!
القاضي: إنني أحدثك عن التونسيين من رعاياك وأنت تحكم بلدا صغيرا يستطيع في موقعه الجغرافي وكفاءات أبنائه أن يجعل من تونس بلدا تستقطب العمالة لا أن تطردها. كيف كان رد فعلك عندما تضامن مئات من المثقفين والمفكرين وقدموا عريضة تطلب منك أن لا تجدد لولاية رابعة؟
المتهم: هذه المعارضات السخيفة لا تثنيني عن عزمي، ولم أحد قيد شعرة عن تخطيطي لاستعباد واستغفال واحكام الطوق على رقاب التونسيين حتى يقوم ملك الموت بزيارتي.
القاضي: من اين كنت تستمد الحماية التي جعلتك بمنأى عن غضب الشعب طوال سنوات الذل والقهر التي وقعت فيها تونس الخضراء في قبضتك الحديدية؟
المتهم: لم يكن الأمر بمثل تلك الصعوبة التي تتصورها، سيدي القاضي، فهناك مئة وثلاثون ألف شرطي، وعشرات الآلاف من الخلايا الحزبية والتي تشبه شبيبة الحزب الوطني الديمقراطي في مصر والتي كونها جمال مبارك لتحميه من غضب الشعب، وهناك تقسيمات أمنية ومنظمات تنضوي تحت مسمى الجاسوس النائم وهي التي تُبَلّغ عن أي تونسي يرتفع صوت انفاسه أكثر مما يتحمل النظام. ولا تنس، سيدي، أن شبكة أمنية قمعية منسوجة بهذه البراعة تستطيع أن تسيطر على عشرة ملايين تونسي حتى لو دفن المواطن رأسه في مخدعه واحتمى بالعزلة في غرفة مغلقة.وهنا بدا الارهاق واضحا على وجه القاضي، وشحب قليلا، وضاقت أنفاسه، وخانت صلابتَه دموعٌ تأمّل فيها المتهمُ وعرَف أن حكما قاسيا وعادلا سيصدر بعد قليل. نظر القاضي إلى المتهم بازدراء واحتقار وغضب شديد، ثم صاح بصوت حشرَجته تنهيدةُ حزنٍ قائلا: الحُكم بعد المداولة! وخرج مسرعا من الباب المجاور للمنصة قبل أن يلحق به مستشاراه فالدموع كانت غزيرة! ولأول مرة في تاريخ تونس لا تتملك الحيرة ُأياً من مؤرخيها وهو يستعد للكتابة عن مذبحة وطن في عهد زين العابدين بن علي
لا تظن بسذاجة أن عشرات من كاميرات الفيديو هي فقط التي تراقب تحركاتك في قلب العاصمة النرويجية. ولا تحسب أن عودتك لمنزلك ستجعلك تأمن على نفسك من أي مراقبة، فأجهزة التنصت الأوروبية والأمريكية المتقدمة جدا تدخل إلى بيتك عبر كابل جهاز الهاتف الرقمي الديجيتال ولعلك لا تدري أين تصب محادثتك التي ظننت لوقت طويل أن ليس بها ما يثير الأمن أو يسيل له لعاب الآخرين. ومع وجود النظام الأحدث وهو upc في التلفزيون الذي غطى تقريبا العاصمة أوسلو واضطررت إلى الانتقال من كابل المؤسسة الوطنية(!) إلى غيرها، فما تشاهده سيُُحسب في يوم من الأيام عليك. ولا تذهب بك طيبتك إلى الظن بأنك في مأمن لأن باب الغرفة مغلق وأنت تقرأ بريدك الإلكتروني، فهذا أيضا مراقب في مجمله، أما البريد الإلكتروني العربي فكل كلمة تكتبها تنتهي إلى مكتب أجهزة الأمن. ولا تكن أبلها فتستلقي مسترخيا على الأريكة وأنت تشاهد القنوات المشفرة عبر الأطباق اللاقطة بعد شرائك كارت فك الشفرة من لندن أو باريس أو استوكهولم، وأنت مؤمن أن الشرطة لن تطرق بابك وتسألك عن مصدر هذا الكارت الذي اشتريته من قراصنة الكروت في أقصى الأرض، ففي النرويج هناك 420 ألف طبق لاقط، من بينها 30 ألف يستخدمون كروتا لفك الشفرة تم شراؤها من قراصنة النسخ. وقد تطرق الشرطة بابك لأن ابنك المراهق نسخ على الهارد ديسك بعض الأغنيات من الإنترنت وهي قرصنة يعاقب عليها القانون، وقد تمت مراقبة جهازك وتلقت الشرطة طلبا بالتحقيق معك أو مع أفراد أسرتك. ولا تتنفس الصعداء لأنك بعيد عن أي مراقبة فأنت تسحب من البنك أو تدفع ببطاقة الائتمان في أحد المحلات أو ثمن الوقود في محطة بنزين أو قمت بحجز تذاكر سفر فموقعك على خريطة المراقبة الأمنية أو العدالة أو الدولة أو جهات أخرى لا مهرب منه إلا إليه. لقد سقطت نظرية أن الإنسان حيوان عاقل بظهور مقولة أنه حيوان اجتماعي، والآن انتهى بنا الأمر إلى الجزم بأن الإنسان حيوان إلكتروني. والساذجون هم الذين ظنوا أن التطور التكنولوجي جعلهم يأمنون على أنفسهم، لكن الحقيقة أن المكان الوحيد الذي لا يراقبك فيه أحد هو قبر تحت سطح الأرض بعد صعود الروح إلى بارئها.
قال لي صديقي نائبُ رئيس تحرير الصحيفة الخليجية الواسعة الانتشار بأنه على يقين تام من أن التغييرَ في سوريا قادمٌ لا محالة، وأن طبيبَ العيون الشاب جادٌ في تحرير الوطن من القبضة الحديدية التي تمسك بخناقه، وأنّ الخوفَ في سوريا في عهد بشار الأسد سيكون من مخلفات الماضي بعد رأب الصَدْع، وإعادة الأمن والأمان للمواطن. كان صديقي واثقاً ثقة إيمانية، فقلت له بأنني أشاركك جزءا لا بأس به من هذا التفاؤل، ولعلك لاحظت أنني لم أقطع الأمل أو أنسف الجسور أو يتحول قلمي إلى مُحَرّض كما فعلتُ مثلا مع الرئيس حسني مبارك والعقيد معمر القذافي والرئيس التونسي زين العابدين بن علي والرئيس السوداني عمر حسن البشير فهؤلاء ليس هناك أيُّ أمل على أيديهم حتى لو ساندتهم الملائكةُ رغم أنها لم تقترب من قَبْل من قصورهم أو خيامهم! وعدتُ إلى قلمي فوجدته أشدَّ حيرة مني! أريد أن أمُدّ يدي، ثم أهتف للرئيس، وأجد له مئة عذر في كل منها مئة تبرير بأن الرئيس يطبخ التغيير المرتقب على نار هادئة، وأنه لا يصدق عاقل أن بشار الأسد هو مركز القوة في الدولة فكل من حوله من الحرس القديم كانوا في أوج السلطة عندما كان طفلا يزور والده في القصر الجمهوري. كيف يمكن أن يطيح بنواب سابقين للرئيس الوالد ووزراء وجنرالات تثقل أكتافَهُم وصدورَهم نياشينٌ لو تم تعليقُها على حائط لسقط على الفور؟ كيف تطيعه يده فتُوَّقع على قرار عزل أو نقل أو إنهاء خدمات أصدقاء والده الذين كان يسبق لقب واسم كل منهم: عمي العزيز؟ هل سيطيعه الجيش؟ هل ستأتمر بأوامره أجهزة الأمن والاستخبارات وهي التي تستطيع أن تحصي أنفاس المواطن السوري وهو في فراشه في غرفة نوم مغلقة ببيت فوق ربوة عالية؟ نشرت مقالي المعنون بــ ( رسالة مفتوحة إلى الرئيس بشار الأسد .. تحرير المواطن قبل تحرير الجولان ) في أحد المواقع السورية الواسعة الزيارة على الانترنيت، فقرأه المئات وعقب عليه ثلاثة فقط زادوا إلى سبعة بعدما نشرت نداء للمشاركة الوطنية.وكنت قد كتبت في هذا المقال الرسالة:**كل القوانين الجديدة والإصلاحات الاقتصادية والسباق العلمي لن تجدي نفعا ما لم يتم القضاء على دولة الاستخبارات والإفراج عن جميع المعتقلين السياسيين وعمل مصالحة وطنية مع كل فئات الشعب من اليمين واليسار والشيوعيين والإخوان المسلمين، وإنهاء أى أثر ظلم وقع على مواطن سوري فى أى مكان. ولن تحقق سوريا أى تقدم أو تطور أو تنمية حقيقية قبل أن تزيل أنت وحدك وسلطتك وشبابك وحب السوريين لك كل مظاهر الظلم الواقع من أجهزة الأمن السورية على أبناء الشعب. هل تعرف، سيدي الرئيس الشاب، أن السوريين فى الخارج لا يزالون يرتعدون رعبا من أجهزة الأمن ويبتهلون إلى الله قبل الوصول إلى أرض الوطن مع كل زيارة بأن لا تمتد إليهم يد الأمن، ولا يغضب على أحدهم ضابط، ولا يوشى بأي منهم مخبرٌ صغير يتلقى التوجيهات من مكتب الأمن بالقسوة والعنف والظلم. الفساد الذى تسعى جاهدا للقضاء عليه تربى فى أحضان أجهزة الأمن وحماية الاستخبارات ورعاية أقسام الشرطة تماما كما فعل رجال عمك من سرايا الدفاع الذين مزجوا التجارة والتهريب والاستيلاء على الموانئ والبضائع بالتحكم فى سراديب الخوف فى زنزانات بسجون مظلمة تصب فى صالح إسرائيل. لن أحدثك عن الاقتصاد والتجارة الحرة والعلوم والتكنولوجيا والتطور الإنترنيتي كما فعل زملائي فى عشرات من المطبوعات بطول الوطن العربى وعرضه، ولكنني مهموم بشئ واحد لن تستطيع سوريا أن تحقق انتصارا فى أى مجال بدونه، وهو الحقوق الكاملة للمواطن السوري والإفراج الفوري عن آخر سجين للرأي فى السجون السورية**. ** حرر شعبك من الخوف، وقم بنفسك بزيارات لكل السجون والمعتقلات، وتحدث مع المظلومين، واستمع إلى المعارضين والخصوم قبل مؤيديك، واجعل جهاز الأمن فى مواجهة الكيان الصهيوني والطابور الخامس والجواسيس، ولكن بعيدا. . . . . . بعيدا عن أى مواطن سوري برئ. لا تصدق رجال أمنك ومستشاريك عندما يبلغونك بنبأ اكتشاف مؤامرة لقتلك أو تخطيط لاغتيالك، أو خصوم يتربصون بك، فهذه هي البداية الحقيقية للإيقاع بك سجينا خلف حراسك، ومعتقلا بين أيدي مستشاريك، وقائدا يتحكم فيه التقرير الأمني ليلا ونهارا. وستظل شرعيتك الشعبية غائبة إن حجبك عن شعبك جدار سميك من الأمن والمستشارين والاستخبارات **
ماذا كانت الردود المتواضعة والخجولة والمترددة؟ كانت تعتذر عن الخوف الذي دخل نسيجَ الشخصية السورية، وعبثَ بمشاعرها، وحاول أن يُكمم القلوبَ التي هي في الصدور بعدما لجم الألسنة. منذ أن تولى الدكتور بشار الأسد وأنا أحتفظ بخط العودة عن ثقة أدعو الله تعالى أن لا تكون وَهْمَا وأضغاثَ أحلام وهلوسات ساذج يعلم مُسبقا أن الأمور أفلتت من يد الرئيس، وأنه هو أيضا سجينٌ كمواطنيه في أيدي أجهزة الأمن حتى لو كان ظاهريا صاحب الكلمة الأولى والأخيرة. ومع مرور الوقت تزداد قوةُ سيد القصر الجمهوري بدمشق، وكما هي للشعب فهي عليه أيضا، فالزعيمُ لا يعرف بعد مرور فترة طويلة من الزمن أنه قام بصناعة جدار عازل وفاصل بينه وبين الشعب، وأن حُمَاتَه وحُرّاسه هم ساجنوه، يراقبونه بنفس القدر الذي يراقبون فيه أبناء الشعب. أخشى أن يظن الرئيس الشاب أنه أكثر حرية من أقل المواطنين شأنا، وأكثرهم ضعفا ووَهَنَاً وربما .. خوفا! أعود إلى صديقي العزيز نائب رئيس تحرير الصحيفة الخليجية الذي استقبلني كعادته بدفء ومحبة وصدق قبيل سفره لأداء العمرة وأبسط أمامه حيرتي، فقلمي لا يطاوعني لأنه يحمل الاثنين معا: ثقة بالرئيس بشار الأسد، وتصديقا لكل تقارير منظمات العفو وحقوق الانسان التي تؤكد أن التجاوزات والانتهاكات والرقابة والسجون والمعتقلات والتعذيب وإمتهان كرامة المواطن لا تزال شاهدة على تجميد حلم التغيير وربما استبدال كابوس به. ولكن إلى متى يظل الرئيس رهينا لدى أعمامه(!!) ومترقبا يوم الافراج عنه حتى يفرج هو بدوره عن أبناء شعبه؟ أكثر السوريين خائفون، وفكرة التمرد أو العصيان أو التظاهر الشعبي الضخم تبعث على استدعاء آلاف المشاهد من سجون سوريا، والغريب أن المواطن السوري يستيقظ في كل صباح ونَفْسُه مفعمة بأمل ، قد يكون زائفا أو حقيقيا،بأن بشار الأسد قرر في لحظة شجاعة نادرة الانحياز إلى الشعب السوري، وإنهاء دولة الاستخبارات، والافراج عن كل معتقلي الرأي والضمير بدون أي استثناء، ومن ثم تحرير وطن من العدو الداخلي الأكثر شراسة وحقدا وكراهية للسوريين من عدو آخر يحتل بقعة طاهرة من قلب العروبة النابض. السؤالُ الأكثر صعوبة في طرحه أو في الاجابة عليه هو عن الفترة الزمنية المحدَّدَة والتي تصبح نهايتُها حدّا فاصلا بين أمل معقود ويأس نهائي! عامٌ خامس للرئيس بشار الأسد ومن المفترض أنه جمع حوله محبيه ومؤيديه واستطاع أن يتسلل إلى القلوب وتمَكَن من فرض هيمنته وسطوته وقوته على كل أجهزة الدولة وفي مقدمتها الجيش والاستخبارات، أن أن قرارا جمهوريا صادرا من الرئيس بنفسه يعلن بمقتضاه الافراج الفوري عن كل المعتقلين سيصيب الحرس القديم بصدمة لكنهم سيتراجعون وسيعيدون حساباتهم مرتين قبل أي مواجهة مع سيد القصر. كانت النيةُ منعقدةً وأنا أبدأ هذا المقال على محاولة ايجاد مخرج أو عذر للرئيس ومن ثم تمديد المهلة قبل الافراج عن الشعب السوري، لكن قلمي يقاوم رغبتي مقاومة عنيفة، ويرفض رفضا حاسما مقالا فيه ثناء وبحث عن انجازات ومكتسبات منذ تولي الشاب مقاليد حكم بلد يملك مفاتيح الأمن في العراق، والسلام في لبنان، والهدوء في الأردن، والغضب في فلسطين المحتلة. إن كل يوم يمر على سجين رأي أو معتقل ضمير يجلس في زنزانة قذرة في عمق قبو مظلم تحت الأرض هو إدانة لكل ضمير إنساني، وصفعة على ادعاء أي منا أنه يملك روحا في جسد خليفة الله على الأرض. فكيف لي أن أجد عذرا أو تبريرا لاستمرار اعتقال مظلوم أياما وشهورا وسنوات، ثم يصفح عني ضميري عندما أطالب بالانتظار حتى يتمكن السيد الرئيس من اتخاذ قرار تحرير الوطن والمواطنين؟ أربعة ايام قضاها فراس محمود عبد الله تحت التعذيب في فرع الأمن الجنائي، ثم صعدت روحه إلى بارئها غاضبة ساخطة على القصر الجمهوري، وشاكية العزيز الجبار من ظلم أهل هذا البلد. وأربعة ايام أخرى كانت كافية لتلحق بها روح المواطن نجدت بري في اللاذقية بعدما خضع لكل صنوف التعذيب القاسي على أيدي الأمن الجنائي. هل يعلم الرئيس السوري أن القاضي أحمد صالح حمود أشرف بنفسه على تعذيب المواطنة السورية آمنة المحمد العلوي؟ ألم يشمل قَسَمُ الرئيس بشار الأسد أمام الشعب المادة 28 من قانون العقوبات التي تمنع التعذيب الجسدي والنفسي والمعنوي والمهين؟ أليست سوريا طرفا ملتزما بالاعلان العالمي لحقوق الإنسان؟ التعذيبُ في سوريا بشار الأسد روتيني ومنهجي، وسنواتُ حُكم طبيب العيون الشاب المستنير والمتمدن والفنان والرقيق لم تنزع الخوفَ من قلوب السوريين، فشعبُنا السوري العظيم صاحب الحضارة وتاريخ النضال وعهود مشرقة ساهمت في كل الفنون والآداب والعلوم والانتصارات بما فيها انهزامات الوطن الكبير لايزال قِسمٌ كبيرٌ منه إن لم نقل غير مبالغين الشعب برمته يرتعد رعبا من ذكر اسم أجهزة الأمن والاستخبارات، والسوري يتصفح الانترنيت فيرتفع ضغط دمه، ويتجنب مواقع سياسية، وينتظر من يطرق باب بيته لينزعه من أحضان أسرته بتهمة سياسية حتى لو كانت كتابة فقرة في موقع على الشبكة العنكبوتية. والسوري ينتظر العناية الالهية وهو يسير في شوارع لندن وجنيف وأستوكهولم وكوبنهاجن وأبو ظبي وبيروت ودبي والكويت لعلها تعيد إليه وطنه، وتسمح بتقبيل ترابه، وتتيح له حرية الحلم بالوصول لمطار دمشق الدولي فيدخل دون أن تزداد نبضات قلبه، ويكتشف أن أمن المطار فيه رجال يتقون الله، وأن ملفه خال تماما من أي بقع سوداء نثرتها شكوك ضباط تحركهم الوشاية، وتنعشهم السادية، ويبهجهم مشهد ركبتي المواطن المسكين تصطكان وترتعشان عندما تلتقي عينا العائد إلى الوطن بعيون رجال الأمن الباحثين عن بريء وحيد وسط آلاف العائدين إلى أحضان القلب الكبير لسوريا. ماذا لو كان الرئيس بشار الأسد يقرأ تقارير اللجنة السورية لحقوق الإنسان، ثم يعرج إلى تقارير منظمة العفو الدولية وكل منظمات حقوق الإنسان ومنها هيومان رايتس ووتش؟ هل تستطيع ذرةٌ واحدة متناهية في الصغر من ضمير الرئيس أن تبرر جريمة اغتيال كرامة شعب، والبصق على الدستور الحامي للحريات، وازدراء آدمية المواطن، واحتقار القضاء، واعتبار روتينية التعذيب والاغتصاب وتفريق الأسرة وابتزاز الأغنياء واعادة نظام الرق في صورة أكثر تحضرا؟ إذا وجد الرئيس أن تلك الأمور من الصغائر ويستطيع السوريون الانتظار عقدا آخر أو عقدين فالأمر لا يحتاج لمقال أو رسالة محبة أو نصيحة أو تمسك بشرعية سيد القصر، وسنكون أمام جريمة مكتملة الأركان، ولن نستطيع أن نهاجم وننتقد ونشجب أحلام وآمال السوريين في الخارج والداخل الذين لن يقاوموا مجنزرة أمريكية يباركها أعضاء الكنيست الصهيوني لو حدث، لا قدر، أن جاء الدور على سوريا بعدما تنتهي قوى الشر من قص أجنحة آيات الله وحراس الثورة في الجمهورية الاسلامية. أما إذا كان الرئيس الشاب أسيرا حقا، وسجينا ترصد خطواته عيونُ أعمامه والحرس القديم، وأنه يتألم لآلام السوريين، ويتوجع من أجلهم، ويستجديهم أن يصبروا عليه وقتا إضافيا يزيد من معاناتهم، ويمنح الرئيس القوة وبسط السيطرة، ثم تستيقظ سوريا كلها على فجر جديد يحمل معه نسائم الحرية والديمقراطية ودولة المؤسسات والقانون، فهنا يكون الشق الذي لم يتجرأ ضميري أن يقترب منه في هذا المقال صحيحا، وتصبح كلماتي هتافات محبة وتأييد. الرئيس بشار الأسد يقول بأن الأولوية للاصلاحات الاقتصادية! كلمة تزلزل كيان أي صاحب ضمير حي ويقظ ويخشى الله. هل ينتظر المعتقلون المظلومون نجاح مشروعات الاستثمار أو صعود الليرة أو بناء مصنع حديد وصُلب أو تأسيس بورصة جديدة أو تصدير قطن للصين والهند، حتى يتم الافراج عنهم، واعادتهم إلى ذويهم، والسماح لأبنائهم بالعيش تحت سقف واحد مع آباء غضبت عليهم أجهزة الأمن فحرمتهم حق الحياة؟ حتى لو تحسن الوضع الاقتصادي، وأصبحنا نرى لبنانيين وخليجيين يتسولون في شوارع دمشق وحماة وحمص، أو يطلب مجلس التعاون الخليجي قرضا من سوريا، أو يزور رفيق الحريري دمشق كأحد الفقراء، أو تقرر سوريا سد العجز في ميزان المدفوعات السعودي، فإن هذه المعجزة التي لن يحققها مهاتير محمد لو حكم دمشق وتبرع حسن بلقية بكل أموال سلطنة برونواي لمشروعات سورية فإن الهموم السياسية وعلى رأسها كرامة المواطن وحقه في الحرية والأمن والسلام والمواطنة الكاملة أهم من كنوز الدنيا لو نقلها عفريت من الجن ووزعها على السوريين. هل يعلم الرئيس بشار الأسد أن أجهزة أمنه تعتقل زوجات الفارين والهاربين من جمهورية الصمت، وتفرقهم عن أولادهم، وتحتجز أحيانا جوازات سفرهم؟ هل يعلم الرئيس بشار الأسد أن عدوانا قذرا تعد له تل أبيب مع قوى الشر يستهدف سوريا الحبيبة، وأن ضباط الأمن الساديين الذين مارسوا التعذيب والانتهاكات ضد شعبنا سينضمون كجنود أنطوان لحد إلى قوى الغزو؟ بحثت كثيرا في كل مساحات التسامح والحب الذي أحمله لسوريا عن عذر واحد للرئيس الشاب فلم أفلح، فهل يساعدني الرئيس إن سمح له الحرس القديم بقراءة هذه الكلمات في العثور على عذر وتبرير لاستمرار جمهورية الصمت؟
الدخول الفكري والثقافي والإعلامي لمحاولة استكشاف ما يحدث على أرض دولة الإمارات له محاذيره، والمسؤولون الإماراتيون كالصقور التي لا تُلاعَب ولايُستأثرَ عليه بالصيد كله. يسبح ضد التيار من يشكك علانيةً في نهضة الدولة لأسباب كثيرة وفي مقدمتها الحبُ الجارف الذي يحمله العربُ ومسؤولوهم للرئيس الراحل الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، ولقوة الدولة المالية، فالذين ينتقدون من الاعلاميين يضعون في سلة المقاطعة مستقبليا أيّ رضا إماراتي عنهم ولو كان منحةً مالية متواضعة أو عملا في صحيفة أو زيارةً يهبط فيها الخيرُ أو يُرجَيء لأجل غير مسمى. دولة الإمارات واحدة من المناطق الصامتة والأكثر وعورة لأي إعلامي يريد أن يستعرض أوضاعا أو ينقل خبرا أو يحلل قضية أو يكتب عن مشكلة مؤرقة للشعب وللمسؤولين، فالمحرَّمات أضعاف المسموحات، وإذا أردتَ أن تَسْلَم بقلمك وتحظى برضا شيوخ الدولة فعليك أن تُدَرّب قلمَك ولسانك على المديح ما أستطعت، ومع ذلك فإن كلمة تسقط سهوا قد تحمل معها انقطاع التيار الدافيء الذي يربطك بهذا الجزء العزيز من وطنك العربي، صاحب أنجح وحدة عربية في العصر الحديث.
فإذا أشرتَ مثلا إلى مذبحة الصحفيين التي قام بها الشيخ عبد الله بن زايد آل نهيان بإيحاء من الرجل الثاني/الأول في مكتبه، أعني إبراهيم العابد، فلن يرضى عنك أبناءُ الراحل الكبير ولو جئت لهم بملء الأرض أدلةً وقرائن على حُسْن نيّتك. هذا على الرغم من أن المذبحة أثارت غضب واستياء الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان وأمَرَ باعادة كثيرين من المظلومين من أبناء الدولة وأشقائهم العرب. لا يختلف اثنان على أن الشيخ خليفة بن زايد واحد من أنقى الزعماء، وهو يمثل في نقائه وشفافيته الوالد الراحل، لكن حصارا عائليا يحول دون الوصول إلى العاهل الإماراتي، فإذا اضفتَ الحرس القديم من مستشاريي الشيوخ لأكتشفت أن الحديث إلى سيد القصر أو الاقتراب من لمس القضايا الداخلية هو انتحار إعلامي لا ينساه أفراد الأسرة الحاكمة كما لا ينسى الجَمَلُ مَنْ أساء إليه ولو بعد حين من الدهر. لا أفهم سببا واحدا يمنح قوة لوزير الثقافة والإعلام الشيخ عبد الله بن زايد آل نهيان فيصدر أوامره بمنع صحفيين وإعلاميين وأكاديميين كبار من الكتابة وممارسة العمل الفكري الذي لا يمكن للدولة أن تتقدم بدونه، فالتطور ليس فقط مبان شاهقة وناطحات سحاب وفنادق عائمة وحمامات سباحة مُلحَق بها ملاعب جولف داخل خيمة زجاجية فوق سطح أحد الأبراج، لكن قيمة التطور في حرية ممارسة العمل الفكري والثقافي دون الاصطدام بمعايير وضعها أناس أقل ثقافة وعلما وفكرا وخبرة.
إن محاولات جعل دولة الإمارات بكل ما تملك من امكانيات مالية وعبقرية إدارية وتكاتف أبنائها وتعاطف الشعب مع حُكّامه منطقة يُخيّم عليها الصمتُ خشية إثارة غضب الحكام والشيوخ والمرشدين والمستشارين ومن لف حولهم من المنافقين والمتزلفين والوصوليين سيعجّل في ظهور خلافات بين قوى التحرر الوطني التي سيمثلها المضطهدون، وبين من يملكون كل اسباب العيش والرفاهية والقرار الواحد. ولندلف إلى بعض القضايا الداخلية الخاصة ولو على استحياء: * لماذا أهملت الإمارات التركيبة السكانية العجيبة وغير المتوازنة والتي تأثرت بها ثقافة الدولة، وأعوجت منها ألسن كثيرين من أطفالهم، وظل المتخصصون والأكاديميون والوطنيون وأصدقاء الدولة يُحذّرون منها، فلم يصغ إليهم صُناع القرار، فتَكَوّن خليطٌ مبهرج لا تدري إن كان آسيويا بلسان عربي غير مبين أو عربيا تَهنّدتْ لغته وبنجلشتّها ألسنةُ السائقين والعِمالة المنزلية، هذا فضلا عن عدم القدرة على العطاء الثقافي الذي يثري الدولة فهناك مناطق آسيوية في الدولة لا تجد فيها مكتبة أو تعثر على قصر ثقافة عربي أو مسرحا للغة الضاد. * لماذا يرفض شيوخ الإمارات وحكامها إعادة تشكيل وترتيب وتنظيم العلاقة بينهم وبين المواطنين على أساس القوانين المؤسساتية المدنية وعقد إجتماعي وحقوق يمكن الوصول إليها بسهولة ويسر؟ قطعا هذا يتوقف على الإطاحة بالحرس القديم من المستشارين غير الإماراتيين، وإعادة تعيين أبناء الدولة في المناصب الحساسة والتي تصب فيها أسرار القرارات العليا. إننا على استعداد لنشر بيانات ورسائل أبناء الإمارات الذين تم الاستغناء عن خدماتهم في دولتهم بسبب المستشارين المحيطين بحكام وشيوخ الدولة، بل الكثيرين من أصحاب أرفع الشهادات الأكاديمية والعلمية والكفاءات العبقرية لا يستطيعون الاقتراب من شيخ أو حاكم قبل أن يسمح بذلك المستشار الخاص الذي يملك الربط والحل ومفاتيح عرض القضايا والمشاكل. * الجنسية الإماراتية أصبحت مِنّةً أو هدية أو مكافأة يحصل عليها من لا يستحقها، ويتمتع بها فنانون عرب وفنانات يغنين من ابداعات شعر الشيوخ والحكام، ويُحْرَم منها كثيرون قضوا سنوات أعمارهم يقدمون للإمارات جهدهم وعرقهم وخبراتهم وولاءهم ومحبتهم، ويتحدثون لغة أهل البلد، وربما تعلمت على أيديهم أجيال إماراتية.
إنه ظلم لا يليق بدولة الإمارات في عهد الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان، والذي نتعاطف معه كثيرا، ونرفض أي تمييز تحاول القوى الشريرة أن تضعه عند الحديث عن أبناء الراحل الكبير، فالشيخ خليفة ابن الشيخة حصة بنت محمد آل نهيان هو الرجل الذي ينبغي أن تلتف حوله الدولة كلها، بمن فيها من الأشقاء الآخرين أبناء الشيخة فاطمة بنت مبارك ، أما الخوف من أن يكون ابن الشيخ خليفة هو الرئيس القادم فيجب أن لا يثير الفزع فرئيس الدولة المعروف عنه العفاف والطهر والولاء التام لرغبات والده الراحل سيظل على العهد مع أشقائه. لقد تمكن أبناءُ الشيخ زايد من تجاوز محنة السلطة وأطماع ووساوس النفس البشرية عندما التفوا جميعا حول الشيخ خليفة، لذا فإن كسبَ مزيد من المناصب والقوة والسطوة على حساب الرجل الأول لن تكون في صالح الإمارات. الشيخ خليفة بن زايد قادر على حل مشاكل الحدود مع جيرانه شريطة أن تتوقف آذان الأقوياء الآخرين عن الاستماع لمستشاريي السوء في الدولة الذين يثيرون الفزع من قضايا الحدود، أما الجزر الإماراتية الثلاث التي تحتلها إيران فنأمل أن لا تكون كفلسطين نحتفل بالنكبة كل عام في ظل مزيد من الوثائق والأدلة على أطماع قوى الاحتلال. إننا على يقين من أن العمانيين يحملون للشيخ خليفة كل المودة والمحبة ولا ينسون دعمه لسلطنة عمان، وتعاطفه مع قيادتها.الآن على الشيخ خليفة بن زايد أن يعيد ترتيب البيت الداخلي، ويحقق العدل والمساواة بين الإماراتيين، ويُعًدّل التركيبة السكانية، ويقترب من أفراد الشعب، وينهي إلى غير رجعة عهد الحرس القديم من المستشارين العرب والأجانب الذين لم يكن ولاؤهم للمال والسلطة أقل من ولائهم للدولة وشعبها.
تحتاج علاقةُ أيّ نظام مُتربَص به من قِبَل قوى كبرى إلى قرون استشعار لدَى القيادة تلتقط الخطرَ قبل وقوعه، وتميّز ما بين الصديق والعدو، وتعرف تمنّيات أبناءِ شعبها غير المعلَنة والتي سيتم ترجمتُها لاحقاً إما مع المتربصين بالنظام، داخليا أو خارجيا، وإما الدفاع المستميت عن نظام الحُكم، الممثل الشرعي والدستوري والشعبي. في الظروف القاهرة التي لا يغيب الخطرُ عن النظام الحاكم برهةً من الوقت، تظهر جماعةُ التلميع والتأهيل والنفخ والنفاق والتزلف لتبث رسائلَ كاذبة في آذان المسؤولين وصُنّاع القرار تُوهمهم فيها أن العالمَ بأسْره سيقف معهم، وأن اندحارَ العَدو أمرٌ لا مَفَرّ منه، وأن كشفَ المؤامرة سيضاعف من التأييد الشعبي الكاسح الذي تتمتع به حكمة القيادة أو قيادة الحكمة!
رغم أن مشهد المدرعات الأمريكية في عاصمة عربية هو كابوس يقض مضجعي، ويثير أحزانَ الدنيا في نفسي، إلا أن لسوريا وضعاً خاصا عبرّتُ عنه مرات كثيرة في السنوات العشر المنصرمة أو قبلها، فإذا ارتفع عَلَمٌ أمريكي أمام مجنزرة ومارينز يمضعون العلكة في ساحة الجامع الأموي سيكون يوم حِدْاد ألطم فيه الوجه حتى يقضي الله أمرا كان مفعولا. لكن الدلائل والبراهين التي تأتينا من كل فج عميق تضرب وجوهنا لعلنا نستيقظ ونوقظ القيادة السورية معنا لترى مشهدا مستقبليا مظلما عندما يتسلم الأمريكيون مفاتيح السجون والمعتقلات السورية، ويتولى جنودُ الاحتلال مُهمةَ إهانةِ وتعذيب وترويع وترهيب السوريين بعدما كانت تلك المهمةُ القذرةُ من نصيب أجهزةِ القمع والقهر والإذلال الوطنية! تختلط الأمور في سوريا بين المواطن .. آخر من يعلم، والقصر الجمهوري بدمشق .. أول من يعلم فينتج عنها جهل مُطْبَق فلا يدري المرءُ بأيّ لغةٍ يتحدث السوريون، وحتى لو تحدثوا لغةً واحدةً فإنها تظل عَصيّة على الفهم، بعيدةً عن الروح، أقربَ إلى لغة الإشارات المبعثرة منها إلى قيادة دولة. القيادة القطرية وأعضاء أهم تجمع سوري يستطيع أن يساهم في صياغة مشهد جديد بدلا من الفاجعة التي تنتظر شعبنَا في قلب العروبة النابض ينتهي إلى نقطة الصفر، فيناقش معظم القضايا، ويعصب العين عن أُمّها ليخرج الوطنُ مهزوماً من أبنائه، ومطعونا من مُمَثّليه، ومقبوضاً عليه من القيادة.
القضيةُ الرئيسة والأساسية والوحيدة هي كرامة المواطن السوري وفيها نتحدث عن الاعتقالات العشوائية، والتعذيب، والمفقودين، والمنسيين تحت الأرض وفي أقبية الخوف والذعر، وماعداها من قضايا وهموم وحتى المهانة السورية في الخروج من لبنان تصبح صفراً بجانب ما قد غضّ الطرفَ عنه المؤتمرون في أكبر تجمع للحرس القديم وصانعي المأتم السوري الذي لا يعرف كُلّ من أغمض عينيه أنه دَقّ مِسْمارا في نعش الوطن. لم يذكر أحدٌ، والرئيس بشار الأسد يجلس في الخلف مستمعا ومنتبها ومنتظرا ما يعرفه وما لا يعرفه، أن هناك معتقلين قضوا عشر سنوات زيادة عما حُكِمَ عليهم بها، وأن كثيرين أصيبوا بلوثات عقلية وهلوسات كأن أصحابها مروا على سجون ومعتقلات ( كوبر ) السودانية، و( تزمامارت ) المغربية، و( أبو سليم ) الليبية،و( قفصة) التونسية، و ( القلعة ) المصرية و( أبو غريب ) العراقية، قبل أن ينتهوا إلى أيدي محترفي التعذيب في السجون السورية الممتدة من الجولان إلى الاسكندرونة. لن أبالغ إذا قلت بأنه لا يعنيني النجاح الإقتصادي حتى لو أصبحت سوريا بثراء النرويج، ولا يهمني استيراد نصف مخزون السلاح الروسي ليكون في متناول أيدي الجيش السوري، ولا أرى الأولوية في القضاء على الفساد وجعل سوريا جنة لا يدخلها إلا الملائكة، فكل هذه الأمور تصغُر بجانب كرامة مواطن قُلِعَتْ عَيّنُه، أو مرر الزبانيةُ تيّاراً كهربائيا في موضع العفة منه، أو عَلّقَه رجلُ أمن من قدميه في سقف قبو تحت الأرض ووضع وجهَه في بول زملائه المعتقلين.
إن تحطيمَ الشخصية السورية، ووضعَ كوابيس مكان الأحلام المشروعة، وإنتاجَ مواطن مُهَمّش مشلول يجلس في بيته وتزداد نبضات قلبه كلما طرق غريبٌ البابَ خشيةَ أن يكون أمرُ استدعاء لمديرية الأمن قد أصبح حُكما نهائيا بالإعدام أو الاختفاء أو الانتهاء من العمر المفترض للمواطن في ظل سادية أجهزة الأمن. أيّ أخلاق هذه التي تتعهد للمواطن في سفارة بلده أن يعود آمنا مطمئنا، ثم يتم نكثُ الوعد فور الوصول إلى الحدود أو المطار حتى لو كان العائدُ امرأةً قضت عشرين عاما مع زوجها في بلد غريب واشتاقت لسورية، أو مواطنةً تحمل رضيعَها فتفصلها عنه أجهزةُ الأمن بكل غِلظة، وتزج بها في الحبس الذي قد لا ينتهي قبل أن يُسَلّم زوجُها نفسَه للعدالة، أعني للظلم؟ وللسادية طرق عجيبة تتفنن في اختراق أعمق مناطق الألم، فيتم مثلا إبلاغ الأسر والأهالي بقرب الافراج عن أولادهم وآبائهم من معتقل صيدنايا، ويتم فعلا نقل مئتي معتقل إلى فرع الأمن العسكري، وبعد فترة يعاد مئة وعشرون منهم إلى معتقل صيدنايا لتختلط أوجاع المعتقلين بأحزان الأهالي المقهورين وينتج عنها نوعٌ جديدٌ تماما من الألم كأن المحاكمةَ جَرَت من جديد.
عشرات من منظمات ولجان وجبهات وحركات المعارضة السورية تتوالد الآن في كل مكان حتى لو اتهمها النظامُ زُورا وإفكاً بأنها أداةُ في يد الأمريكيين، وكانت الفرصةُ أمام الرئيس بشار الأسد تاريخيةً ليحصل على الشرعية الشعبية ويفرج عن كل المعتقلين بدون قيد أو شرط، ويقيل قادةَ الأجهزة الأمنية المتورطين في انتهاك كرامة السوريين، ويصارح شعبَه بحقيقة ما جرى، ويأمر بكشف حساب مع زبانية التعذيب، وبالبحث عن المفقودين والمختطَفين تماما كما حدث في الأرجنتين وشيلي وفنزويلا ونيكاراجوا، لكن الرئيس لا يزال يفضل الاصلاحات الاقتصاديةَ وبعض السياسية، أما الإنسانُ .. المواطنُ، خليفةُ الله على الأرض، فليذهب إلى الجحيم.
لا أدري لماذا تذكرت الآن الشاعرَ حسن الخير الذي تم قطعُ لسانه في سجن تدمر بشَفْرة حلاقة حادة إثر قصيدة ألقاها لم تَرُقْ للنظام، وتمر في مخيلتي صورةُ الصحفي ميشيل النمري صاحب المجلة الرائعة ( النشرة ) الذي قام النظامُ بتصفيته في أثينا. مرة ثانية وعاشرة ولعدد لا نهائي نؤكد للرئيس بشار الأسد بأن كُلّ قادة وزبانية التعذيب وكبار رجال الأمن المتورطين في قمع المواطن سيندفعون فرادى وجماعات للتعاون مع قوات الاحتلال الأمريكية، وربما نكتشف لاحقا أنهم نسخٌ مكرَرَةٌ من إيللي كوهين حتى لو كان مسقطُ الرأس اللاذقية أو حلب أو حماه أو دمشق أو حمص أو طرابلس الشام!
إذا قٌدِّر لك وشاهدت فيلماً مصورا حقيقيا تلعب فيه دور البطل المواطن وترى نفسك أمام ضابط الجوازات في مطار عربي, أو أمام شرطة الحدود بين بلدين عربيين ( شقيقين ), أو في مكتب مأمور قسم الشرطة في أي مكان من وطنك العربي الحبيب الواقع على حدود ايران وتحت أقدام تركيا وفوق رأس أوغندا وتشاد والسنغال وتحت إبط اسبانيا وفي الجانب الآخر من فرنسا وايطاليا واليونان ومالطا, فسيدهشك هذا الشخص تماما, أعني أنت, ولن تصدق بعد مرور المشهد أن البطل المواطن كان يلعب بمهارة وحرفية دور الخائف والصامت والبليد في وقت واحد وكأنه تدرب على المشهد قبل أن يقذف به رحم أمه فوق الأرض التي تتكلم عربي!
لو كنت تعمل في المهجر والغربة في أي شيء لا علاقة له من قريب أو من بعيد بالسياسة والدين والاجتماع كبائع بطيخ مثلا في سيدني, أو صاحب محل هوت دوج في نيوجرسي, أو مستورد للثوم في رودس, أو بائع لسجائر كليوباترا في شوارع برلين, ثم عدت لزيارة أهلك ووطنك, فلن تسلم من خيال يجنح بك وأنت تقدم بيد مرتشعة جواز سفرك في مطار بلدك بأنك ربما تكون على قائمة المترقب وصولهم بأوامر من الأجهزة الأمنية!
عندما قامت الجماعات الدينية بصناعة اله جديد تماما, ينتظر بصبر نافد يوم القيامة ليعذب, ويلقي في جهنم بلايين من بني آدم الذين خلقهم وأكرمهم ونعمهم, واستبدلت باله المحبة والرحمة والتسامح والمغفرة هذا الاله الذي سيقذف في حمم الجحيم المرأة التي تكشف وجهها, ويُسمع صوتها, والرجل الذي لا يمسح جيدا أثناء الوضوء على عقبيه, والمسلم الذي تتحرك مشاعره بكونسرتو لبيتهوفن, والذي لا تصل لحيته لطول كف اليد, والذي لا يرتفع جلبابه لخمسة سنتميترات فوق الأرض, لم تستطع أن تجعل هذا الاله أكبر من زعيم بلدها, وعجزت عن جعل جحيمه أكبرمن جمهوريات ومملكات الرعب في عالمنا المسكين.
لقد صور ديكتاتور المغرب الراحل الملك الحسن الثاني في كلمات ارهابية ومستبدة وبليغة المشهد الذي ينبغي أن يكون عليه المواطن, فقد قال له أحد الوزراء في اجتماع حكومي: " يا صاحب الجلالة, أنا عبدكم" فصاح فيه الحسن الثاني " لا يكفي قول هذا, بل يجب أن تكون فعلا. هكذا أفهم القيام بخدمتي".
الخوف يرتبط لدى المواطن العربي بالأمن والسلامة والعودة إلى البيت وضمان رضا السلطة حتى لو بصقت على وجهه مع صباح كل يوم جديد فعضلات وجهه قادرة على الابتسامة الفورية المرتعشة والتي تدخل الغبطة في نفس ممثلها, ضابط أمن, أو مخبر, أو كونستابل مرور, أو محقق جوازات, أو مأمور شرطة, أو حارس سجن, أو مفتش تموين, أو محصل كهرباء, أو مدير مدرسة, أو عميد كلية, أو أي صاحب سلطة ترتبط ولو عبر آلاف الخيوط والاشخاص بأنفاس الزعيم وكلاب القصر وحراس سلطته.
تبدأ العبودية مع أول اضافة لقداسة غير مرئية ثم تتدرج ويساهم في صناعتها الاعلام والمثقفون والكُتاب وأجهزة الأمن والخطف والمحاكمات والتعذيب والاختفاء وراء الشمس حتى تتكون في ذاكرة الشعب صورة متكاملة لجبروت السلطة وقداسة زعيمها, ويتم حجب كل جوانب الضعف والانسانية, فيوهمون المواطن أن الزعيم يحتفظ بكامل وعيه وهو مريض, وهو وهج لا يخفت, ولا يصيبه تعب أو ارهاق أو ضعف جنسي أو امساك أو اسهال أو رغبات شاذة أو غباء مستتر أو تخلف عقلي أو لذة في تعذيب شعبه أو كبرياء هوائي, ولا يحيط به مستشارو السوء, ولا يسيطر عليه الرجل الثاني أو زوجته أو فريق من المنتفعين بسلطته.
بعد صناعة الخوف, وتعبئتها, وتغليفها, واحتفاظ كل مواطن, إلا من رحم ربي, بنسخة منها في صدره وعقله وقلبه وقلمه ولسان زوجته ونصائح أصدقائه, تدلف بنا السلطة إلى عالم الصمت المقيت.
إنه المنافس الآخر للقبور الجماعية لكنه فوق الأرض, وفي كائنات بشرية حية, تجري لمستقر لها, وتلهث وراء لقمة العيش وتُقبيّل حذاء السلطة, وتقدم الشكر الخالص للزعيم لأنه لم يرسل بعد ملك الموت لقبض أرواح الأحياء من مواطنيه.
علاقة عجيبة وغريبة ومعقدة بين رقيق يستعذبون المهانة, وأسياد يزدادون سادية وارهابا وفسادا وعفنا نتنا. كل هذا في صمت قبوري به بقايا من روح لم يأمر الزعيم بعد بانتزاعها.
المرحلة الثالثة هي البلادة وهي أعلى مراحل العبودية والمازوخية والحط اللذيذ من قيمة الانسان.. خليفة الله في الأرض.
هكذا تعامل المواطن عندما بلغه نبأ القبور الجماعية التي دفن فيها شيطان بغداد اللعين مئات الالاف من أبناء شعبه, حتى أن أخصب فترات ردم القبور فوق جثث العراقيين والمصريين وغيرهم لم تمنع صحفيا عربيا كبيرا أن يقف بالقرب من جثث أبناء بلده في بغداد ويقول لصدام حسين: يقال بأن المحامي الأكبر للمصريين في العراق!
إنه المزيج المقزز من الخوف والصمت والبلادة الذي جعل المواطن العربي لأكثر من عقد من الزمان يهزأ ببحث الكويتيين عن أبنائهم الأسرى والمختطفين والمحتجزين في جمهورية الخوف العراقية, فماذا تساوي حياة عدة مئات من الكويتيين؟
وهذا المزيج المقزز العفن هو الذي منع, ولا يزال يمنع, نشر تقارير التعذيب والقتل والسحل وأماكن القبور الجماعية في أكثر بلداننا العربية المسكينة.
عندما تم تعصيب أعين بعض المحكوم عليهم بالاعدام في مغرب الحسن الثاني, قيل لهم بأن هتافهم بحياة الملك سيتبعها فورا عفو ملكي
فلما هتف المساكين في صوت واحد " يحيا الملك " انطلقت رصاصات مجنونة تمزق أجسادهم, فأمير المؤمنين رفض أن يأخذوا معهم في قبورهم كرامتهم التي جعلتهم يعارضون حكمه المستبد!
هل شاهدت زعيما عربيا يتحدث في اجتماع دون أن تتماثل تعبيرات وجوه وزرائه ورجاله مع كل شَدّ واسترخاء عضلة في وجهه؟
هل هناك حراس للمعتقلات لطفاء وآخرون أقل لطفا؟ هل القسوة في سجون تونس أكثر منها في معتقلات الجماهيرية العظمى أو المغرب أو الجزائر أو سوريا أو العراق أو مصر أو الأردن أو السودان أو غيرها؟
إن الأمر لا يحتاج إلا إلى توجيهات من أعلى السلطة فيتحول الحراس إلى كلاب مسعورة تتفنن في وسائل وأساليب التعذيب.
في بلد عربي صامت هناك مدرسة للتعذيب يتعلم فيه ضباط وحراس السجون ست درجات من التعذيب المتدرج وتبدأ بالتعليق من الرجلين واليدين مع توجيه البطن إلى أسفل فوق قضيب أفقي يستند على عمودين لتتفكك تقريبا كل أجزاء الجسد. في الدرجة الثانية يجلس الحارس فوق ظهر السجين في نفس الوضع السابق ليتهتك عموده الفقري. وفي الدرجة الثالثة يُغَطّس وجه السجين في حوض مملوء ببول السجناء.
وفي الدرجة الرابعة يتم توصيل أسلاك كهربية بالعضو التناسلي للسجين, أما الدرجتان الخامسة والسادسة فلا يستطيع القلم وصفهما!
أيها الاخوة المواطنون، يومٌ سعيدٌ آخر من أيام مهانتي إياكم، فقد بلَغَني أنّ تسعمئة مصري أصبحوا وجبات شهيةً لأسماك القرش في البحر الأحمر. وكان طبيعيا، وقد صنعتُ لكم في ربع قرن أعفن وأنتن وأفسد جهاز إداري في العالم قاطبة أن يتم البدءُ في البحث عن (العبّارة)الغارقة بعد خمس ساعات من وصولها إلى قاع البحر بعدما عاش ركابهِا أحلك ساعات الرعب والاجهاد والفزع، تماما مثلما يعيش آلافٌ منكم في سجوني ومعتقلاتي التي نسيتمونهم فيها لسنوات طويلة لخوفكم على رزقكم، ورعبكم من بطشي. ومثلما يتملك الرعبُ كلَّ مصري يُلقي به حظه العاثرُ بين يدي ضابط شرطة، فيُعلّمه آدابَ العبودية في عهدي، وينتهك حُرْمَته، أو يطفيء سيجارته في موضع العفة منه. اتصلت فورا لأسأل عن وزرائي ورجالي خشية أن يكون أيّ منهم قد تجرأ واهتم بكرامتكم وحياتكم وأرواح اخوانكم، فقيل لي بأنهم ترجلوا لِتَوّهِم من سيارات فارهة متوجهين ناحية منصّة الكبار لمشاهدة مباراة كرة القدم بين مصر والكونغو.
تملكتني راحةٌ شديدة كأنني أسمع خبر احتراق أربعين فنانا مسرحيا وأديبا في مسرح بني سويف، أو تفحم جثث كل ركاب قطار الصعيد أو اسقاط طائرة مصرية في سماء نيويورك وبها 33 من خيرة خبرائكم العسكريين. لو كان النسيانُ رجلا لكانت ذاكرتُكم أضعفَ منه، أم ستقولون لي بأنكم تفكرون فيمن ارتكب جريمة التفجيرات في شرم الشيخ؟ أيها المصريون، لو تعلمون ما سيحدث لكم في ربع القرن القادم بعدما قمتُ بتصعيد ابني جمال ليغدو الرجلَ الأولّ باعتبار صفوت الشريف تحت قدميه لبكيتم دماً، ولطمتم خدودكم، وتمنيتم أن تكونوا مع غرقى (العبّارة) المصرية لعل سمك القرش تكون أرحم بكم من حيتان عهدي وعهد ابني .. سَيّدكم القادم. استمروا في حياتكم ومماتكم وفزعكم وجبنكم، وسيروا بجانب الحائط، وبرروا لي جرائمي، وعرّوا لسوطي ظهوركم، وتفرقوا وفقا لزعمائكم من يمينيين ومستقلين واخوان مسلمين وأقباط ويساريين وشيوعيين وناصريين ووفديين وبعثيين ... أيها المصريون، قطعا لن أتوقع منكم غضبة لأكثر من ساعة أو بعض الساعة، ثم تعودون لتلك الحياة البائسة التي تعف عن مثلها شعوبُ العالم كله. كم تمنيتُ أنْ تكون هناك ( عبّارة ) مصرية قديمة ومستهلكة تمخر عُباب البحر الأحمر وتحمل على متنها كُلّ أبناء شعبي، ثم تهب ريحٌ صَرصر عاتية، ولكن تبقى المشكلة الأهم وهي حتى هذا الحل النهائي للتخلص منكم لن يغضبكم أو يجعلكم تثورون أو تنزعون من أفواه أسرتنا حق الحياة الكريمة لكم، فماذا أفعل بكم ومعكم؟ اذكروا لي سببا واحدا يجعل من نفخ الله فيهم من روحه من المصريين يغضبون ولو مرة واحدة يتيمة؟
أرجوك أن تتمهل قليلا قبل أن تتجمع في فمك بصقة تكفي لاغراقنا جميعا بها فلم يعد الأمرُ يهم في كثير أو قليل، وإذا أردتَ أن تسدد لنا مَكرَمة سامية من لسانك فعليك أن تجمع من كل قواميس الشتائم والسباب ما يروق لك وتراه مناسبا في حالتنا تلك المستعصية على فهم كل المستكينين والمعذَبين والمهانين والرقيق في العالم كله الذين يرون أننا تفَوّقنا عليها في لذة الهوان ومتعة المازوخية وبهجة الاذلال.
لا تستثني منا غير الذين وقفوا في شوارع الوطن السجن ينظرون بشجاعة في عيون كلاب أمنك، ويلعنون يوم أن حملك اغتيال السادات إلى القصر الجمهوري لتصبح سيدنا ومعبودنا ومذلنا ومهيننا وسارق القوت من أفواه أولادنا، وممسك السوط الذي يهوي على ظهورنا. لا تستثني مثقفين واعلاميين وعسكريين وأكاديميين وعلماء ورجال دين اسلامي ومسيحي وجوعى وعاطلين عن العمل وسكان عشش الصفيح والمقابر ومرضى الكبد الوبائي والبلهارسيا والتلوث ومن سرقت بعض أعضاء أجسادهم وهم في مستشفياتك اللعينة. لا تستثني محامين أو أطباء أو صيادلة أو حتى قضاة لم يشاركوا في الاعتصام وآخرين شاركوا، وناوروا، وفاوضوا، وتم ضرب بعضهم بالحذاء والسحل في الشوارع ولم يطالبوا بحق رئيس محكمة قال له ضابط الأمن: حتى لو كنت من حماة العدالة فأنت ابن كلب. لا تستثني من بصقتك مؤمنين أو موحدين أو من تعلقت قلوبهم بالمسجد أو الكنيسة ومن وقفوا أمام الله يشهدونه على ما في قلوبهم، لكنهم لم يكونوا هناك لدعم شباب تم اغتصابهم لاحقا، أو البكاء على شاب قام ضباط أمنك بوضع العصا في موقع العفة منه. لا تستثني مُرَبين أفاضل ومعلمين وأساتذة ورجال أزهر ويساريين ويمينيين ومسلمين وأقباطا ووفدين ومستقلين واخوانا، ومن يظنون أن الجنة مأواهم لو عبدوا الله وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر لكنهم لم يكونوا هناك، أو مرّوا على المتظاهرين، وكلابُ أمنك تنهش في لحومهم، وتتحرش بزميلاتهم، ويعبث أي كلب فيهم في جسد الفتاة المصرية التي خرجت تدافع عن رجال مصر فلم تجدهم هناك.
في مقالي الأخير قلت لنا: سأغتصبكم فردا .. فردا ومن قبله قلت: سأجعلكم تلعقون تراب الأرض! وقبله: كيف يعرف المصريون بأن لهم كرامة. وقال ابنك لنا: سوطي ينتظر ظهوركم العارية. وسبقته أنت فقلت: حذائي فوق كرامتكم. أجلس بعيدا عن زائر فجرنا الذي لم يبدو في نهايته شعاع نور، وتمر في ذهني صور جحيمية في جمهورية الخوف المصرية في عهدك الأسود وكل واحدة منها تحرك الموتى، وتبعث الروح في المومياءات المحنطة منذ آلاف السنين، وتجعل المؤمن خجلا من الوقوف بين يدي العزيز الجبار، ولا أستطيع أن أمنع دمعة من الانزلاق فوق وجهي عندما يتثبت لبرهة مشهدُ مواطن مصري تم اشعال النار في جسده، وآخر طلب منه أحد رجال الشرطة في خدمة الشعب أن يضع عضوه التناسلي في فمه، وثالث وضع له المخبر قطعة خشب في دبره وسط ضحكات من الضباط ورجال الأمن الآخرين، وثلاثون ألف معتقل في أحط الظروف جوانتانامية في سجونك الكثيرة الممتدة على طول الوطن المغتصَب، ثم يتوقف المشهد كثيرا لدى الوصول إلى صورة كأنها سبقت يوم الحشر بسويعات، وسأنقلها إليك الآن قبل أن تتجمع البصقة في فمك: منقول من موقع كفاية ******* السيد : ........................ قرأت مقال حضرتك بتاريخ ١٠/٥/٢٠٠٦، وقد انتابتني نوبة هستيرية من الضحك، وشنفت أذني بحديثك العذب البريء، وكان ذلك عندما كتبت عن حقوق المعتقل السياسي، فاسمح لي أن أشنف أذنيك، وأفزع حنايا قلبك، وألهب ثنايا جوانحك، ولتمسك بقايا جوارحك. قد كنت معتقلاً سياسياً وخرجت للتو منذ شهور، بعد اعتقال دام ثلاثة عشر عاماً، منذ عام ١٩٩٢، لم أتهم بأي تهمة، ولم يتم عرضي علي نيابة أو محاكمة، ولم أقترف عنفاً قط، ولم أحرض عليه قولاً أو فعلاً، ولدي كل الأحكام القضائية بالإفراج عني، والتي بلغت ثمانية وعشرين حكماً، وأقيم بصعيد مصر (طالب بكلية الإعلام)، فماذا تعلم عن أساليب هذا النظام الذي يمور في حمأة وبيئة ومستنقع آسن من الأكاذيب، ويهوي إلي درك هابط، وهوة سحيقة من التضليل، سوف أحكي لك نذراً يسيراً جداً، مما تشيب له الولدان وتقشعر له الأبدان، و يفزع له الوجدان، فلقد رأيت وذقت تعذيباً لا يخطر علي قلب بشر، إي وربي. كنا خمسة من المعتقلين (م) طالب بالسنة الأولي بكلية الطب، و(أ) طالب بالفرقة الثانية بدار العلوم، و(أ) مهندس، و(س) مدرس ثانوي، وأنا خامسهم، في زنزانة عرضها متران وطولها متران ونصف تقريباً، وارتفاعها أربعة أمتار، جدرانها منقوعة في الكيروسين إمعاناً في عدم تنفس الهواء الجيد، وإعدامنا بالبطيء بخراب الصدر والرئتين، وأرضيتها من الأسفلت، ولا يوجد في الزنزانة أي نوافذ أو فتحات للتهوية، إلا كوة صغيرة قطرها (١٠ سم تقريباً) في سقف الزنزانة لمراقبتنا، ولسوف أضحك كثيراً إن سألتني عن النور والكهرباء والشمس، فتلك أمور ترفيهية، بل لا أبالغ إن قلت لك إن الهواء ترفيه، وكل ذلك يهون أمام التعذيب اليومي البشع. هل سمعت عن إدخال تيار الكهرباء في مجري البول وتحت اللسان ولمدد طويلة متقطعة، والمئات من أساليب التعذيب. هل سمعت في تاريخ البشرية بل الحيوانية، أن يمنع كائن حي من التبول وقضاء الحاجة، إي وربي، منعنا من ذلك بتفنن غريب. كنا خمسة وزعوا علينا (زجاجة مياه غازية فارغة سعة واحد لتر) بها ماء، وهذه حصة الخمسة لمدة أربعة أيام، رغم وجود حنفيات المياه بجوارنا علي بعد ستة أمتار، ونسمع خرير المياه، فكنا نصوم يومياً حتي نقلل من استهلاك المياه، وبالتالي لا نتبول كثيراً، ولكن أين كنا نتبول خلال أربعة أيام لا يفتح خلالها علينا الباب؟ كنا نقوم بتقسيم مساحة زجاجة المياه علينا بعد شربها حتي نتبول فيها، فكنا نتبول جزاً ونخزن الباقي من البول (طبعاً ليس تخزيناً استراتيجياً، ولكنه تخزين عقابي أيديولوجي لنا)، وهكذا كل فترة نتبول جزءاً و«حزق» الباقي، فلا نستطيع أن نتبول في الأرضية الأسفلت لأننا ننام ونصلي عليها، ومن أجل الحفاظ علي المكان نظيفاً، خاصة أننا نأكل عليه لأنهم يضعون ويفرغون العدس والفول والأرز علي الأرضية الأسفلت، ولعلك تسألني: دون أوانٍ؟ ألم أقل لك تلك أشياء ترفيهية لنا.. بالطبع لا يوجد أي إناء غير زجاجة المياه التي نشرب منها ونتبول فيها، ثم نعبئها بالمياه مرة أخري، دون أن تغسل، لأن الوقت المسموح لك ثلاثون ثانية للخمسة أفراد، فقط دخول دورة وغسيل وجه فكنا بالكاد نغسل رؤوسنا سريعاً ووجوهنا، ونملأ زجاجة المياه بعد تفريغها من البول مباشرة، وذلك كل أربعة أيام ولا ندخل الدورة، ولاحظ أننا كنا نريد أن نحتفظ بمياه الشرب أطول فترة ممكنة، فعلينا ألاّ نتبول، وإذا أردنا أن نتبول فعلينا أن نتخلص شرباً من المياه حتي نتبول، إنها معادلة صعبة جداً (إن أردت أن تتبول فعليك ألا تشرب، وإن أردت أن تشرب فعليك ألا تتبول)، لقد كنا نقضي حاجتنا في أكياس يعطف علينا بها جندي المراقبة علي سقف الزنزانة، ثم نخبئها ونخرجها كل أربعة أيام. والآن يا سيدي أنا مريض بالتهابات في المثانة وفي مجري البول وفي الرئتين ومعي كل التقارير الطبية والمستندات التي استطعت تسريبها بعد ذلك من مستشفي السجن بمساعدة أطباء متعاطفين معنا، مستعد لتقديم كل المستندات والتقارير التي تثبت تعرضي للتعذيب، بل وأحكام قضائية، وعندما لمحت بأسماء الضباط الذين قاموا بذلك، هددتني الأجهزة الأمنية بإعادة اعتقالي، ومستعد لأن أرسل لك أسماء الضباط ومحاضر التعذيب التي وثقتها في النيابة، وللعلم قد حكمت لي المحكمة بتعويضات تمتنع وزارة الداخلية عن تنفيذها. إن ما كتبته لك جزء مجزأ مما لاقيناه من تعذيب معنوي وجسدي بشع، ولتسأل نفسك: لماذا أرسل لي شاب ملتح تلك الرسالة، ولم يرسلها لأحد غيري؟ لأنني وجدت فيك الضمير الحي والقلم الجريء بصرف النظر عن اختلافنا الأيديولوجي.. وأتمني دوام التواصل مع رجل مثلك. حقيقة لا أعرف بماذا أرد، ولا بماذا أعلق، ولا لمن أوجه هذه الرسالة.. لقد خلصت ضميري بنشرها.. وحسبنا الله ونعم الوكيل. المصري اليوم
*****************
سيدي الرئيس .. حسني مبارك، إن في نفسي غضبا عليك لو تم توزيعه على سبعين مليونا من المصريين لخرجوا عن بكرة أبيهم يطالبون برأسك، وينصبون المشانق لكل رجالك، ويحمل كل منهم قائمة سوداء بأسماء كلاب أمنِك الذين فعلوا مع أبنائنا وبناتنا ما يعف عنه كل أعداء البشرية وخصوم الرحمن. نحن لا نستحق العيش ، وينبغي أن نطلب من العزيز الوهاب أن يستعيد الروحَ التي نفخها فينا، ولا فائدة من العلوم والكتب والمدارس والجامعات والمساجد والكنائس والصحف والاذاعات والعلاج والطعام والشراب والعبادة ، وكم تمنيت أن أقص حكاية شعب على بعض الديدان والحشرات والجيفة وأسألهم الرأي والمشورة فربما أجد لديهم الحل قبل أن نخلع ملابسنا، ونكشف مؤخراتنا لكلاب أمنك بعد أن تكون قد التهبت من سياط ابنك. عندما نشرت بيان الانتفاضة الشعبية المصرية ذهب الظن بي أن المصريين سيجدون في حيادها أمنا لهم، وأن 23 يوليو 2006 وهو العيد الوطني سيكون عيدا جديدا لمصر المحررة من براثنك. ونشرت ملحقات البيان فرجوت الاخوانَ المسلمين أن يتقوا الله في الوطن وفي الضمير ويلتفوا حول الانتفاضة ولم يرد منهم أحد. وتمنيت على الأستاذ الكبير محمد حسني هيكل أن يقف بكل ثقله بعيدا عن حكايات مقدمات وارهاصات الثورة منذ أكثر من نصف القرن ، فمصر الآن في حاجة ماسة إليه. وكتبت مستجديا أقباطنا .. شركاء الوطن أن يساهموا مع اخوانهم وبكل ما يملكون من قوة وتنظيم وقدرة على التواصل بينهم وأن يقفوا مع وطنهم، ولم يكلف أحد منه نفسه عناء الرد. ونشرنا رسالة إلى كل من بقي فيه ضمير حي من ضباط مباحث أمن الدولة والمخابرات والجيش ، لكن الرسالة لم تجد آذانا مصغية في أجسادٍ اشترى ضمائرَها سيّدُ القصر وطاغيةُ مصر. وجاءت الرسالة الموجهة لنصف مليون من مؤيدي وعشاق الدكتور أيمن نور، فلم يؤيدها أكثر من حفنة تعد على أصابع اليد الواحدة. وقلت لعل قضاتنا .. حماة العدالة الذين يعرفون أكثر من غيرهم في مصر حجم وصورة وبشاعة ما يحدث في جمهورية الرعب المباركية سيستجيبون، لكنهم كانوا في معركة أخرى. ثم أرسلنا في( مندرة كفاية) رسالة بتوقيع أكثر الموجوعين بكارثة الوطن وكانت تحت عنوان ( نفوّضكم أيها القضاة لحُكم مصر إلى حين )، ووصلت الرسالة ووجدت بابَ العقل والقلب والضمير موصدا أمامها، لكننا ظللنا على العهد، ولم ينقطع الأمل في انتفاضة حاملي لواء العدالة، وكانت المفاجأة التي جعلت إبليس يضحك علينا حتى اشتعل قرناه، فثلاثمة وخمسون قاضيا من أصل عشرين ألفا منهم يحتجون، ويفاوضون، ويُسحل بعضهم، وتحتقرهم السلطة التنفيذية، ويشير الشعب كله إلى استعداده للخروج عليك، سيدي الرئيس، وينتهي الأمر بعدما قام كلابك بالقاء الدرس الأمريكي الأول في فترة حكم ابنك: سنغتصبكم أيها المصريون، وستصمتون صمت الحملان، حتى لو قمنا برهن بلدكم أرضا ومياها ونيلا وسماء وجيشا وثروات وشرفا وشعبا.
سيدي الرئيس أعتى طغاة العصر، الآن يمكن للعابك أن يتجمع في فمك، وأن تطل من شرفة قصرك المعمور بالخيرات والكلاب، وأن تبصق بكل ما أوتيت من قوة في وجوهنا جميعا، فنحن لا نستحق شرف العيش تحت حذائك، أو شرف أن نكون طعاما لديدان الأرض. أيها الاخوة الأحباب المعتقلون الآن، والذين مضى على بعضكم عقد أو عقدان من الزمن الأغبر وأنتم في تلك العتمة المهينة، لقد انضمت إليكم جماعة صغيرة من جواهر الوطن حاولت أن تخرجكم فأدخلوها معكم، وظنت أن دفاعها عن قضاتنا الشرفاء حماية لهم، فاغتصبهم كلاب مبارك ونظروا في كل مكان لم يعثروا على أحد من السبعين مليونا، حتى القضاة أعطوهم ظهورهم. أكتفي بهذا القدر فجهازي العصبي يمكن بين لحظة وأخرى أن ينفجر قبل أن يقرأ كلماتي أحد المصريين ويظن أنها حكايات للتسلية أو لقضاء الوقت على النت أو لحوارات تسقط من الذاكرة بعد دقيقيتن أو أقل.
نشرت مقالات عدة عن هموم الأقباط ومن بينها المقال التالي والذي مضت عليه أربع سنوات تقريبا، وحدثت خلالها تطورات خطيرة كادت تؤدي بالوطن إلى فتنة طائفية لا تختلف نتائجها عن طاعون يضرب أبناء الشعب في مقتل.
أربعة أعوام وعالم ( الانترنيت) يستقطب مساحات واسعة من التطرف، ويفسح المجال للحمقى، ويؤسس لفكر البلاهة، وينشيء المتخلفون مواقع ومنتديات يشرف عليها أمْيّون يحمل كل منهم وسامَ الغباء من الدرجة الأولى واستحقاق الاعاقة الذهنية من الدرجة الممتازة.
وعلى الرغم من أنني كتبت كثيرا عن التطرف باسم الاسلام الحنيف إلا أن الخوف على الوطن منعني من كشف الوجه القبيح لتطرف قبطي يحمل سيارات مفخخة في الألسن والأقلام، ويقذف كراهية كأن الاسلام والمسلمين أضحوا هم العدو الأول ظنا من هؤلاء الكارهين أنهم يدافعون عن حقوق أهلهم في مصر ضد ما أطلقوا عليه الهيمنة الاسلامية أو الاستعمار الاسلامي.
وقبل أن أنشر مقالي أرى ضرورة ربطه بهذا المقال الذي نشرته منذ أربعة أعوام وتأثر به كثيرون حتى أن مواطنا قبطيا أرسل لي من مهجره يخبرني بأن دموعه غلبته، وأنه اشتاق لمصر كثيرا بعد ثلاثة عقود في الغربة، وأنه بعدما أقسم أن لا يُحَدّث مسلما قرر أن يعيد النظر في كراهيته للاسلام والمسلمين، وأنه في شوق شديد لسماح لغة التسامح من القرآن الكريم ومن أصوات أبناء بلده المسلمين.
قرأت مؤخرا ما أفزعني ، وجعل جسدي كله يرتعش خوفا ورعبا وهو، أي الجسد، الذي لم يهدأ رعبه في ربع قرن من هول جرائم الطاغية حسني مبارك.
قرأت دعوات من أقباط لحرب أهليه، ولسفك دماء، ولتقسيم مصر، ولحمل السلاح وذبح المسلمين.
وقرأت وسمعت ما يشيب له شعر الجنين، ورأيت المشهد المصري المستقبلي بين سوط جمال مبارك وفتنة عارمة تحرق الوطن كله، فكتبت مقالي ( لماذا يكره أقباط المهجر الاسلام ؟ ).
أعرف أن صوت العقل هنا سيغيب من الطرفين، وسأرفض أي حوار مع مصري يتهم صاحب الدين الآخر بأنه السبب الرئيس في تلك الفتنة اليقظة لمجتمع نائم.
مقالي الأول ثم يعقبه الثاني وبينهما سنوات أربع ليس دعوة للكراهية أو لكشف حساب أو لمزيد من الاتهامات، لكن نداء لايقاف الحمقى عن التأثير في العامة، وايقاف نزيف الكراهية باسم الدين.
يستطيع أي صاحب دين أن يقنعنا أنه من أصحاب الجنة، لكنه لن يتمكن من التحدث باسم العلي القدير ويقرأ على مسامعنا أسماء أهل النار كلهم.
التسامح في عصرنا أكثر صعوبة من الكراهية، والهجاء والذم والقذف يمكن استدعاؤها بأسرع من كلمات الحب والرحمة والعدالة.
سيرقص مبارك طربا إن أحرق المصريون، من مسلمين ومسيحيين، وطنهم الأم، لكن أبواب الجنة ورحمة الله ستنفتح على مصراعيها لو اكتشف المصريون فجأة أنهم أصحاب هذه الأرض بعقد تمليك لا يفرق بين أي منهم، وسيُغضب حديثي هذا مسلمين وأقباطا تسبق أنيابَهم ألسنتُهم، ويرفعون المصاحف أو الأناجيل فوق السيوف التي لن تقرأ ما فيها وهي تمزق أجسادهم.
عندما تقول بأن الآخر هو الذي بدأ العدوان والكراهية فأنت مُساهم جيد بمسمار في نعش الوطن.
الدخول إلى المنطقة المحرمة .. أقباطنا شركاء الوطن
أوسلو في 15 مارس 2002
الدخول إلى المنطقة الوعرة في النسيج المصري تحتاج إلى تصريح نفسي وفكري ووجداني واستعداد كامل للتعرض لأشد أنواع النقد إيلاما، فالمنطقة القبطية في المشهد المصري، ظلت تسبق الدخول إليها أو الحديثَ عنها أو الإشارةَ لبعض مشاكلها علاماتُ استفهام من المسلمين والأقباط والأمن والسلطة العليا، والسبب أنها تمس وترا حسّاسا يضيق به الجميع، ولا يتسع له صدر أي فئة، وتراه السلطة تدخلا في شؤونها بحكم ثقافة الوصاية التي تتحكم في معظم شؤون حياتنا. وعورة المنطقة القبطية في النسيج المصري تزداد صعوبة عندما تسيء السلطة فهم أيّ طرح، فتتولى على الفور تقسيمه ما بين مؤيد لمطالب غير عادلة ومعارض لمطالب عادلة!
هناك أيضا حالة شبه اليأس تنتاب جميع قطاعات الشعب ناتجة عن مئات التجارب الواقعية التي تثبت حقيقة عدم اكتراث السيد الرئيس لأي نداء أو صراخ أو شكوى، وهو أمر لا يتعلق بأقباط مصر فقط، لكنه حالة عامة صبغت الحياة اليومية المصرية وعلى رأسها علاقات رئيس الدولة بمواطنيه، فسياسة الرئيس تقوم على "تجنب وجع الرأس" بمشاكل المصريين التي لا تعد ولا تحصى، فالمصريون كما يراهم الرئيس لهم رب يحميهم. نكتب عن هموم قبطية من منطلق إسلامي علمنا إياه الدين الحنيف، فحقوق أقباط مصر ينبغي أن لا تختلف قيد شعرة عن حقوق مسلميها. وأقباط مصر ليسوا طائفة أو أقلية أو عنصرا آخر من عناصر الأمة لكنهم مصريون فتحوا للمسلمين صدورهم وعقولهم منذ أكثر من ألف عام، وفضلوا الاحتفاظ بدينهم ولم يتأخروا عن الذود عن وطنهم، معقل الإسلام، وهم بالتالي ليسوا أهل ذمة أو رعايا دول أجنبية وإنما موطنون لهم ما للمسلمين من حقوق وعليهم نفس الواجبات. التسامح هو القيمة الكبرى التي تحفظ للوطن قدسيته وأمنه وسلامه، ولكن هذه القيمة تراجعت كثيرا منذ أن بدأ الرئيس الراحل أنور السادات في تغذية التطرف الديني وإذكاء نار الفتنة الطائفية، وبدأت الجماعات الإسلامية باكتساح قيم و مبادئ الوطن لتحل محلها نعرات طائفية وعنصرية وكان أمرا طبيعيا أن أفعى التطرف والتزمت والتشدد التي أخفاها الرئيس الراحل في صدره قد لدغته أولا ثم توجهت لتمزق أجزاء من الوطن في صورة الإرهاب وقتل السياح ومهاجمة الأقباط ومطاردة المفكرين والأكاديميين والإعلاميين. المرة الأولى التي قرأت فيها الوصايا العشر لجماعة الإخوان المسلمين كانت منذ خمسة وثلاثين عاما وقفت صامتا ومندهشا أمام المبدأ التاسع الذي يقول: احرص على أن لا يقع القرش إلا في يد أخيك المسلم! وهي دعوة عنصرية طائفية تناهض تماما مبادئ الإسلام العظيم، وتقف علي النقيض من دعوة نبي الإسلام محمد بن عبد الله، صلوات الله وسلامه عليه، الذي يوصي خيرا بأقباط مصر ويؤكد بأن خصومهم هم خصوم النبي الكريم يوم القيامة. المشكلة هي في أن الدولة لا تعترف بعدالة مطالب الأقباط وتحيل القضية برمتها إلى وزارة الداخلية واعتبارها قضية أمنية وقد صرح الرئيس حسني مبارك في أكثر من مناسبة بأنه لا توجد أي مشاكل قبطية في مصر، وهو تصريح ليس غربيا فالرئيس نفسه لا يرى أن في مصر أمية وأن وسائل إعلامه تقوم بتلميع التطرف الديني وأن هناك مليوني مواطن من رعاياه يقطنون المقابر مع الأموات وأن المصري هو أرخص مواطني العالم الثالث في الغربة وفي الوطن، وأن كرامة المواطن المصري في عهد سيادته تقل عن الصفر كثيرا عندما يلقي به حظه العاثر بين يدي ضابط شرطة في الريف أو في صعيد مصر. الرئيس لن يرى مشاكل أشقائنا أقباط مصر أو يلمس أوجاعهم أو يخفف من آلامهم أو أن يقف بحزم في مواجهة أي تمييز يتعرضون له لأن البُعد الإنساني في رؤية سيادته منذ أن تولى حكم مصر بقانون الطوارئ غير موجود بالمرة وبالتالي فإن أقباط المهجر لا يختلفون عن المصريين- مسلمين ومسيحيين- الذين تعرضوا للظلم والبغي والنهب والسرقة والعدوان في العراق والأردن وليبيا، فسياسة الرئيس تقوم على أن لا كرامة للمصريين تستحق أن يستنفر من أجلها أو يرهق نفسه أو يعقد اجتماعا طارئا أو يوصي زبانية التعذيب في أقسام الشرطة بأن يخففوا قليلا من نعالهم التي تدوس على كرامة رعاياه ومواطنيه. أقباط المهجر الذين تجاوز عددهم المليون مصري، والذين تجنس أكثرهم بجنسيات وطنهم الجديد، هم امتداد عضوي وفعّال لأبناء الوطن من مسلمين ومسيحيين، ومطالب أكثرهم لا تخرج عن تحقيق العدالة في كل صورها ورفع قيمة المواطنة ومحاربة التطرف الديني بإعلاء شأن التسامح وتحقيق عدالة توزيع الوظائف وفقا للكفاءة والشرف والنزاهة. والاحتفاظ بالخط الهمايوني، مثلا ، الذي نقل الرئيس صلاحيته إلى المحافظين يخالف تماما الدستور الذي ينص علي احترام العقائد، فلا يعقل أن ينظر المحافظ في طلب ترميم كنيسة أو إصلاح دورة مياه بها. والمواطنة ليست مِنّة أو منحة أو هدية أو تبرعا من الحاكم للمحكوم، وليس من حق أي مسئول التمييز في التعيين بمناصب الدولة الكبرى، والمفترض وفقا لكل صور العدالة أن لا تقف طموحات المواطن المصري القبطي أو أحلامُه أو آماله عند حد معين أو وظيفة لا يتخطاها أو منصب لا يمدّن عينيه لأبعد منه، فينبغي أن تكون كل الأبواب مفتوحة على مصراعيها للمواطن القبطي حتى لو رشح نفسه رئيسا للدولة الإسلامية كما كان عيدي أمين دادا المسلم رئيسا لأوغندا المسيحية.
التمييز هو الاستعلاء والذي يؤدي بالتالي إلى نفي الآخر نفيا تاما، فكريا وعقائديا، من منطلق الخلاف على صورة الإيمان بالدين، وأنا في الواقع كمسلم أعرف ديني جيدا بفضل الله وأعتز به وأومن عقلانيا وعاطفيا ويقينيا بالإسلام الحنيف ولا تستطيع أي قوة مهما أوتيت أن تزايد عليّ في علاقتي بالله عز وجل أو تنتقص من قَدْر فهمي لتعاليم الإسلام العظيم، أرى أن كل حقوقي الإسلامية ومواطنتي يجب أن يتمتع بها أخي القبطي بدون استثناء حتى لو أراد المواطن القبطي المسيحي المتشدد أن يلتحق بكلية أصول الدين وبتخصص في الشريعة ويرتدي الجبة والعمامة، فضلا عن كل مناصب ووظائف الدولة مع استثناءات قليلة جدا وهي المناصب الخاصة بممارسة الشعائر الإسلامية. هذا هو الإسلام الذي أعرفه وأومن به وأحبه وأتمسك بتعاليمه واسترشد بقرآنه المجيد وبسنة نبيه، صلوات الله وسلامه عليه، وهو الإسلام الذي يضفي حمايته على المسيحيين والمسلمين بنفس القدر دون فرق أو تمييز. لا أظن أن القضية المطروحة ستؤتي ثمارها في عهد الرئيس حسني مبارك ولو أن هناك طيفا صغيرا من الأمل في استجابة الرئيس لما ترددنا في التأخر سنوات للكتابة عن هذه الهموم المصرية، فهناك مثلا عدة آلاف من المصريات اللائي تزوجن من مواطنين غير مصريين، وتتعامل الدولة مع أبنائهن تعاملها مع الأجانب تماما، على الرغم من أن ابن المواطنة المصرية قد خرج إلى الدنيا في أم الدنيا ولا يعرف وطنا آخر غير وطن والدته ولا يتحدث بغير لغتها ولا يدين بالولاء لأي مكان آخر غير مصر، ولكن الرئيس حسني مبارك يرفض فكرة منح أبناء المصرية جنسية أمهم ووطنهم وبلدهم! عشرون عاما من حكم الرئيس حسني مبارك ولم يفكر للحظة واحدة في منح مواطنيه من أقباط مصر حقوقهم المشروعة وفي مقدمتها الوصول إلى أي منصب أو وظيفة وفقا للكفاءة والشرف، فنحن نبحث عن محافظ قبطي أو وزير في وزارة أو مسئول كبير في أمن الدولة أو مستشار للرئيس أو قيادة إعلامية، وتكون نتيجة البحث خيبة أمل وحزنا عميقا على البلد الذي امتص لآلاف السنين حضارات وتعاقبت على حكمه مئات من الأسر الأجنبية القادمة من خارج الوطن، وظلت مصر بمنأى عن أي خطر حتى لو جاس الاستعمار الفرنسي في أزهرها الشريف أو دنسها الاستعمار البريطاني لسبعين عاما أو حكمها الأتراك العثمانيون مئات الأعوام.
إن أول مظهر من مظاهر التمييز ضد أشقائنا الأقباط يبدأ في الفكر الاستعلائي الذي يلغي الآخر أو يهشمه أو يراه مواطنا من الدرجة الثانية أو يربطه بالغرب برباط ديني مسيحي، وهذا الفكر الاستعلائي يقوم على محورين: الأول إعلاني بتغييب التواجد القبطي مقابل تلميع وجوه متعصبة ومتخلفة ونصف أمية تتوجه إلى الأمة بأحاديث دينية مليئة بالكراهية ومفعمة بالحقد وتساندها حزمة من الفتاوى من أباطرتها وهي تحرض على التفرقة والتميز الديني، وتقوم بعملية تغييب كامل للوعي عن طريق طرح جديد للإسلام يخلط العنف بإقامة الحدود بحجة أن الإسلام جاء لإعلاء شأن المسلمين بأي وسيلة يوفرها استعراض القوة لإنزال الرعب في قلوب أعداء الدين! في مصر اليوم تم استبدال الشيخ يوسف البدري بالإمام محمد عبده، وأفسح التلفزيون المجال لأنصاف الأميين لقيادة الجانب الروحي للأمة، وبدلا من تقديم تصورات إسلامية واقعية ومستنيرة عن رؤية هذا الدين الحنيف للأمية والبلهارسيا وتسديد الضرائب للدولة والغش والفساد والرشوة والاستيلاء على أراضي الوطن، انشغل الإعلام بزواج المسلم من جنيه واللجوء إلى العفاريت لوضع حلول للمشاكل النفسية والعصبية، وتوجيه كم هائل من الكراهية لأشقائنا أقباط مصر وقد تغلغل هؤلاء المتخلفون إلى دور الحضانة والمدارس والجامعات في محاولة لتربية أجيال تعتبر المجتمع في جاهلية حتى أن بعضهم يرفض تحية العلم ويراها وثنية، ومن هنا بدأ العد التنازلي لأخطر طوفان قد لا يبقي ولا يذر على الأرض الطيبة وذلك بتراجع فكر التسامح واعتبار المسلمين في حالة حرب مع المجتمع وجاهليته وقيمه ومبادئه وفنونه وآدابه وعلمائه وأيضا أقباطه المصريين الذين عاشوا بيننا لأكثر من ألف عام ورفضوا كل صور التعاون مع الاستعمار الغربي المسيحي.
عندما يهل شهر رمضان المبارك يخجل كثير من أشقائنا الأقباط من تناول الطعام جهرا، بل إن البعض يشارك المسلمين صيام الشهر الكريم حفاظا على مشاعر الإخوة في الوطن، ثم تراجعت هذه المشاركات الجميلة في زمن أسود تلغى فيه الطائفية الطرف الآخر، ويرفض أصحاب خاتمة الديانات السماوية حقوق أشقائهم من أهل الكتاب الذين يراهم القرآن الكريم الأقرب مودة لأن منهم قسيسين ورهبانا وهو لا يستكبرون. مصر في حاجة إلى ثورة حب وتسامح تعيد للوطن رونقه واشراقته ووجهه الجميل وتلك الثورة لن يقودها صبيان التخلف والعنصرية المقيتة وخطباء الهوس الحقدي. إن مطالب الأقباط المشروعة لا غبار عليها وهي صورة من صور العدالة وحق لهم على المسلمين بعد مئات من الأعوام جنبا إلى جنب للدفاع عن مصر. إن الله، العلي القدير، ليس منحازا لأحد، وكلنا سنأتيه يوم القيامة فردا، وميزان الحسنات يوم الحشر هو لصالح المتسامحين فقط. الدين ليس حالة عقلية فقط أو اختيار حر لكنه وراثة لا قِبل لأحد برفضها إلاّ أن يكون قد بلغ سن الرشد وقرأ وبحث وأعاد اختيار دينه أو انتقل إلى دين آخر، وأي شخص يظن أنه اكتسب مسبقا مكانا في الجنة لأن والدته أرضعته مع حليبها مبادئ دين ما، هو مخطئ حتما. في باكورة شبابي كنت مولعا بمقارنة الأديان، وقرأت كثيرا جدا في الإسلام والمسيحية، وبدأت في وضع كتاب عن المقارنة بين الدينين، وقطعت شوطا كبيرا منه. ثم ذهبت إلى القاهرة للقاء الشيخ محمد الغزالي، رحمه الله، وكان مراقبا عاما بوزارة الأوقاف والشئون الإسلامية لأبلغه بكتابي وأستهديه بعض الآراء وأعقب على كتابه" التعصب والتسامح بين المسيحية والإسلام". وكان لقاءا رائعا لازلت أتذكر كل تفاصيله فقد كان الشيخ الغزالي واحدا من أربعة تأثرت بهم فكريا والتهمت كل مؤلفاتهم وكان الثلاثة الآخرون هم مصطفى صادق الرافعي والنمساوي محمد أسد صاحب كتاب " الطريق إلى الإسلام" ورابعهم المفكر العظيم مالك بن نبي. ولم يقدر لي القدر تكملة كتابي، ومرت السنون وتولى الزمن بطريقة مختلفة تماما رسم مشهد جديد للنضج لا تفريط به في قيم الدين ولا استعلاء به على الآخر. قمت في سن مبكرة بإعادة اختيار الإسلام دينا عن قناعة تامة وإيمان عميق لكنني اكتشفت بعد سنوات أن الإسلام الذي ارتضاه لي رب العزة منهاجا محببا إلى النفس وأقرب ما يكون إلى تصوري عما يريده مني الله عز وجل يختلف اختلافا بينا وعميقا وواسعا عن إسلام الكثيرين. إن فهمي للإسلام جعل المسافة بيني وبين كل الجماعات الإسلامية تقريبا كالبعد بين المشرقين، ففي نفسي أيضا نفور شديد من كل الذين استخرجوا عنوة من دين التسامح قطعا من الليل مظلمات وخلطوها بعنف وكراهية وأحاطوها بهوس جنسي يرى فيه المسلم العالم كله امرأة وشهوة وعورة. حتى عندما اختلف شاربو الدماء مع الدكتور نصر حامد أبي زيد ومع الدكتورة نوال السعداوي لم يجدوا غير تفريق الزوجين عقابا لعدم طاعة أمراء الجماعات الجدد، فإسلامهم الذي اخترعوه يرون من خلاله العالم كله شهوة وسوطا لاذعا ورجما بالحجارة في خليط عجيب من اللذة السادية والسرقة ويمارسون كل صنوف الضلال والنهب والاعتداء على الأقباط وتحريم الموسيقى والجمال والخير والإبداع، وتكفير المسلمين قبل تكفير أشقائنا أقباط مصر.
الإسلام الذي أعرفه قائم على الهدي والتسامح والمساواة بين البشر ورعاية حقوق الغير وحرية العقيدة وهو مبدأ قرآني مجيد ينبغي أن لا يحيد عنه أي مسلم لوضوحه الشديد ولأنه أتى في صيغة أمر لكل المسلمين " من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر" بل إن الأمر الإلهي العظيم توجه إلى نبيه الكريم، صلوات الله وسلامه عليه، " وما أنت عليهم بمسيطر". إن حرية العقيدة مبدأ ثابت في الإسلام يجب على كل من يؤمن بهذا الدين أن يطيعه طاعة خالصة، ونخلص منها إلى أن من يعيش بين المسلمين ينبغي أن يتمتع بكل حقوقهم وأن يلتزم بكل الواجبات غير الدينية التي تسبق الحقوق. إن تاريخ الكنيسة القبطية في مصر ليس ملكا خالصا لأشقائنا الأقباط لكنه ملك أيضا لكل مسلم يفتخر به، ويعلم أولاده نضال القبط ضد قوى الإلحاد الرومانية واختيارهم على مدى مئات الأعوام الجانب الإسلامي في كل حملة استعمارية تعرضت لها أرض الكنانة. من أبسط حقوق أشقائنا أقباط مصر المساواة الكاملة في الوظائف والتعليم والمناصب والسفارات والإعلام، وأي دعوة تجعل موقعا معينا مقتصرا على المسلمين فقط لا تختلف في قليل أو كثير عن العنصرية التي كان البيض يمارسونها في جنوب أفريقيا ضد السكان الأصليين الذين لوحت شمس القارة السمراء وجوههم. قطعا هذا النداء ليس موجها للسيد الرئيس حسني مبارك فلو انقلبت مصر عاليها سافلها فلن يستبدل سيادته الذي هو خير بالذي هو أدنى،ولو قَبّل المصريون كلهم حذاء سيادته ظهرا وبطنا فلن يغير عشرات من المسؤولين والوزراء والمحافظين وزبانية التعذيب في أقسام الشرطة وسيظل إلى آخر يوم في حكمه، يحكم بقانون الطوارئ ويرى مطالب المصريين عبثا، وعبئا على سيادته ، وإذا اجتمعت الأمة كلها على ضرورة تغيير مسؤول وهي في الواقع مصدر السلطات كما جاء في الدستور، فإن السيد الرئيس حسني مبارك سيهزأ بهم ويجدد للمسئول عدة سنوات أخريات، وكلنا نتذكر اعتكاف الرئيس في برج العرب شهرا كاملا يداعب فيه آمال وأحلام المصريين في حكومة جديدة قائمة على الكفاءة والنزاهة والشرف، وينهض بها شباب الوطن وعباقرته، وظن الساذجون والطيبون أن الرئيس في ولايته الرابعة سيضع مقاييس جديدة لقيادة الأمة. وخرج سيادته بعد شهر كامل ليحتفظ بتسعة عشر وزيرا، أكثرهم أثبت فشلا ذريعا، وليؤكد لشعب مصر كلها أن رجاله فوق أي اعتبار. فكيف إذن سيرى الرئيس مطالب أشقائنا الأقباط في الوقت الذي أطاح من أمامه مطالب كل المصريين؟
مِنْ أهم هموم الأقباط صعوبة الحصول على تصريح ببناء الكنائس، وفي الحقيقة ودون الدخول في متاهات إحصائية تؤكد من خلالها الدولة أن التصريحات كانت كافية ويرفض فيها أشقاؤنا الأقباط بيانات السلطة كجزء متعارف عليه من الرفض الشعبي لأي إحصاءات، فقد تعلم المصريون من تجاربهم أن بيانات الحكومة غير صحيحة. ونحن نسأل بدورنا عن الخسارة التي ستلحق بالدولة الإسلامية لو تم بناء مئات من الكنائس لأبناء الوطن تكون عونا للمسيحيين في اللجوء إلى الدين وطلب الأمن والسلام والعبادة سواء تعارض هذا مع المفهوم الإسلامي أو أثار حفيظة بعض المتشددين؟ ما هو الخطر الذي ستتعرض له الدولة الإسلامية لو وافقت السلطة على تصريح بناء كنائس لأبناء الوطن من الأقباط؟ إن وجود عشرين كنيسة بجوار مسجد واحد لن يؤثر في إيمان المسلمين ولن يجعل عدد المسيحيين يزداد، بل سيكون الأمر سهلا للأقباط في الدخول إلى مكان العبادة واللجوء إلى الدين طلبا للحماية من الأخطاء والخطايا. يحتاج المسلمون إلى ثقة بالنفس وبالدين بعيدا عن التشنج العصبي الذي يلغي الآخر وعقيدته في الوقت الذي يتلقى غير المسلمين من تعاليم الإسلام السمحاء كل عون ودعم ومباركة في عقائدهم وإيمانهم وصلواتهم. الحمقى فقط هم الذين يتصورون أن عقائد الآخرين تمثل خطرا على الإسلام، فمن بين كل عشرة وثنيين ولا دينيين في إفريقيا يعتنق منهم الدينَ الإسلامي سبعة أفارقة ويلجأ ثلاثة إلى المسيحية. ومن بين آلاف من المواطنين الفرنسيين الذين يعتنقون الإسلام سنويا هناك أكثر من خمسمائة مفكر ومثقف وعالم جذبتهم تعاليم الإسلام الحنيف( مَن منا لا يعرف روجيه جارودي وفانساي مونتاي وموريس بيكاي وغيرهم؟). الإسلام في خطر مادام المسلمون بعيدين عن روحه المتمثلة في المحبة والتسامح.وأولى الناس بعطاء القلوب الدافئة التي عمرها الإيمان وتعاليم القرآن المجيد وسنة نبيه الكريم، صلوات الله وسلامه عليه، هم أشقاؤنا الأقباط، وأنا لا أظن أن هناك مسلما يحمل ضغينة في قلبه لجاره القبطي ثم يقف أمام الله خاشعا من رهبة الوقوف بين يدي من لا يمسك خزائن الرحمة عن عباده! عندما يسألني سائق سيارة الأجرة فيس القاهرة إنْ كنت مسلما أم لا، ويغلق التاجر محله لمدة ساعتين لأنه يؤدي الصلاة، وتقسم لي فتاة أعرفها جيدا بأنها لا تذهب إلى صيدلي مسيحي حتى لو تعرضت حياة ابنها للخطرإن لم تعجّل في شراء الدواء، ويرى أحمق أن صديقه الهائم حبا في مصر ينبغي أن لا يؤدي الخدمة العسكرية لأنه ذمي ومن أهل الكتاب، ويبعث متخلف إلى صحيفة إسلامية يستفتي في فراش جلس عليه صديقه المسيحي عندما كان يعوده وهو مريض ويريد أن يعرف إنْ كان الفراش أصبح نجسا أم لا، فإن الدلائل كلها تشير إلى أن الأمة في خطر، وأن الطوفان قادم لا محالة.
إن إشكالية فكر التمييز لم تبتدعه الجماعات الإسلامية الجديدة والتي خرجت من عباءة الإخوان المسلمين، لكنها تربت في أحضان الإعلام بعد أن ألقت بذورها في المدارس والجامعات وكُتب الدراسة والنماذج والأمثلة في نصوص كتب الأدب والتراث والدين التي وضعها للأسف الشديد أناس تربويون يظنون أن مفاتيح الجنة يسلمها رضوان للمسلمين فقط، وتناسوا عن عمد أن الله، جل شأنه، رب العالمين، وأنه يختص برحمته من يشاء. إن غياب التاريخ والثقافة والتراث والتاريخ القبطي من مناهج الدراسة المصرية هي خسارة للتلميذ والطالب المسلم بحجب فترات مشرقة من تاريخ وطنه، وخاصة تلك التي تشهد بأن انحياز أقباط مصر إلى الجانب الإسلامي في الغزوات والمحن والأزمات كان أمرا مبدئيا وخالصا لوجه الوطن الذي لا تفرق نيران العدو بين قلوب أبنائه، إن كانت تحمل هلالا أو صليبا. هل يعقل أن تكون هناك مئات المراجع عن أقباط مصر وتاريخهم وكنيستهم وتراثهم في العالم الغربي، فإذا بحث المرء ونَقّب في مكتبات مصر سيجد المراجع من نوعية الرد على النصارى، وانجيل برنابا، وحُكم موالاة غير المسلمين، هذا فضلا عن آلاف من الخطب الدينية الهستيرية الداعية إلى تمييز أكثر حِدّة وشبه فصل تام بين أبناء الوطن الواحد والذين لا فضل لأي منهم في اختيار رحم والدته. وقبل أن أكمل مقالي عن حقوق أقباط مصر المشروعة وتعاطفي الشديد مع أبناء وطني الذين ينتمون إلى الكنيسة القبطية..معقل النضال مع الأزهر الشريف ضد قوى البغي والعدوان، أحب أن استبق أي أحكام تصدر أو سوء فهم متعمد سينفي عن الأقباط كونهم ملائكة لا يخطئون، بأنني أرى أن من صور التمييز، الإيغال في الخشية من مشاعر الاضطهاد لدى الآخر، بمعنى أن الأقباط كالمسلمين تماما منهم الصالحون ومنهم دون ذلك، وأن من بين مئات الآلاف من الأقباط في المهجر- وهم امتداد للوطن بمسلميه ومسيحية- هناك أيضا أشرار حاقدون ومتطرفون في كراهيتهم وأخص بالذكر أصحاب موقع بال توك على الإنترنيت المسمى" المسيح هو الله" الذين يقذفون بألسنتهم حمما من الكراهية المقيتة ضد القرآن الكريم ونبي الإسلام، صلوات الله وسلامه عليه، والمسببة للقرف والغثيان وكان آخرها إذاعة أغنية عفنة تمثل حفل زفاف ما أطلق عليه هؤلاء الأوغاد"محمد يتزوج الطفلة عائشة". والحمد لله أن هؤلاء أقلية لا تمثل أشراف مصر من أقباط المهجر, وأنها لا تؤثر في الامتداد العضوي والروحي والثقافي لهذا الجزء الهام من نسيج الأمة. ويحدوني أمل كبير أن يصدر البابا شنودة الثالث قرارا بتبرئة الكنيسة أن يدنسها هذا الموقع وهو يزيد مئات المرات عن النار التي أشعلها ممدوح مهران " النبأ" عن راهب دير المحرق. هناك بعض المنظمات والجمعيات المجهرية أو النشرات الصفراء التي يصدرها أقباط في الخارج تلوثت عقولهم من جراء تراكم الحكايات السلبية وتضخيم قضايا أقباط الوطن فجاء تطرفهم في خط بياني يرتفع هستيريا فيطالبون بدولة قبطية أو انفصال الجنوب المصري، والحمد لله أن موقف الكنيسة وقيادتها الرشيدة من هذا الهوس كان صارما وحاسما ورافضا. نعود إلى المطالب العادلة لأشقائنا الأقباط ولا نرى في أكثرها إلا حقوقا كشروعة يجب على أبناء الوطن المسلمين تبنيها والدعوة إليها وتطبيق الجانب الشعبي منها وذلك بحكم أن الجانب الآخر المتمثل في سلطة الدولة وهي بين إصبعين من أصابع السيد الرئيس لن يعرف النور مادام الرئيس يزدري المطالب الجماهيرية ويعتبر الشعب المصري محظوظا لأنه يتشرف بالوقوف خاضعا ومطيعا بين يدي سيادته! لا ريب في أن هناك تيارا من الكراهية خلقتها فترة حكم الرئيس الراحل أنور السادات، وهناك أحادية الاتجاه الديني المخالفة للتوجهات الإلهية في القرآن العظيم التي تؤكد على ضرورة حرية العقيدة فيختار المرء بين النجدين، وهناك الصورة الأكثر ظلما ووضوحا المتعلقة بوجود سقف على المناصب. ولعلني أجد نفسي في خلاف مع أشقائنا الأقباط عن ضرورة التمثيل النيابي وفقا لعدد الأقباط فأراه أيضا نوعا من التميز، سلبا أو إيجابا، وهو ينافي تماما الدعوة إلى تطبيق العدالة في كل صورها. أنا لا أكترث أن يكون في مجلس الشعب قبطي واحد أو أن يتشرف تكليفا بها عشرات من الأقباط فالتمثيل المئوي وفقا لعدد السكان هو طائفية مرفوضة, والمطلوب مقاييس جديدة ومتسامحة وقائمة على مفاهيم وطنية للكفاءة والشرف والنزاهة. على الرغم من أن هناك حصارا إعلاميا يشعر أقباط مصر أنهم غرباء في الوطن، إلا أنني أرى الجانب السلبي في اقتحام الأقباط لجة السياسة وصخب الحياة الفكرية العلنية واضحا وجليا، وأقدم اقتراحي الشديد لكل أشقائنا أقباط مصر الذين يصرون على لعب دورهم الوطني كاملا ومواجهة الأعاصير والرفض والصعوبات خاصة في اقتحام الفن السابع وقد تقدم الموكب كوكبة من المبدعين أمثال خيري بشارة وداود عبد السيد ويسري نصر الله ويوسف شاهين. عندما كنت صغيرا راقت لي كثيرا كتابات محمد جلال كشك ورأيت فيها تمردا من نوع جديد، فهذا الإسلامي المنشق عن الحزب الشيوعي والذي هاجمته صحيفة البرافدا يدغدغ مشاعر الاستعلاء لدى المسلم، ويبدو أنني في ذلك الوقت تعاطفت معه في نقده الشديد لغالي شكري والذي ضمنه كتابه" النكسة والغزو الفكري". ومرت السنوات وبدأت أتعاطف مع كتابات غالي شكري بعدما عاد إلى مصر وتولي رئاسة تحرير " القاهرة"، وابتعدت عن محمد جلال كشك الذي وظف كل إمكانياته للدفاع عن الإسلاميين الجدد وكاد يجعل من لصوص شركات توظيف الأموال عباقرة الاقتصاد المصري وجعل كتابه" الناصريون قادمون"ميثاقا خفيا للريان وأشرف السعد وغيرهم. الغريب أن جلال كشك نفسه، رحمه الله، الذي كنت متأثرا في صغري بكتاباته رفع بعدها بربع قرن دعوى قضائية ضد كاتب هذه السطور لأنني أسأت إليه في مقال بـــ"طائر الشمال"تحت عنوان قراءة في فكر ساقط، وقد خسر القضية بفضل دفاع الدكتور يحي الجمل عني والدعم المعنوي الذي تلقيته من الأستاذ محمد حسنين هيكل.
لست في موضع الدخول في مناقشات عقيمة عن الفارق بين الولاء للوطن والولاء للدين، وعن صحة التصور الذي عممه ووسع نطاقه المرحوم سيد قطب في كتاباته عن أن جنسية المسلم عقيدته وهي الدعوة التي أسفرت عن انشقاق في الوطن وجعلت المتطرفين يرون الخروج على القانون وقواعد التعامل اليومي وسلوكيات المواطن غير الدينية أمرا طبيعيا ومطلوبا لمناهضة " الوثنية والجاهلية"، فالحقيقة أنها مشاعر يمكن أن تتجزأ ولا تصيب الوطن في مقتل أو تنتقص من روح الأمة ورابطة الأخوة في كل صورها, فالمسلم يمكن أن يشعر بالأخوة في الدين وهو في المسجد وفي العمرة وفي الحج وفي شهر رمضان المبارك, لكنه يجب أن يستبدل بهذه المشاعر الدينية الدافئة أخرى دنيوية وهو في العمل وفي الشارع وفي أي تجمع غير مقتصر على المسلمين فقط، فيصبح مصريا في التعاملات الأخرى، كما أنه قد يفتخر بعروبته وهو يطلع على الإنتاج الأدبي والفكري والثقافي والفني لأمته العربية الأكبر من مصر. إن التحرك بتسامح وعفوية بين الوطنية والدين والقومية والانسانية يحتاج لمنهاج جديد في التربية يتم بموجبه التخلص من شوائب مشاعر الفوقية التي تتسبب في إلغاء الآخر، دينيا أو وطنيا أو قوميا, ونحن في حاجة ماسة للتعرف على النفس من جديد بعيدا عن التسابق لعقد محاكم تفتيش تتسلل إلى النفوس لقياس درجة الإيمان والتأكد من وجود عقد تمليك بيت في الجنة! وضع مجدي خليل في كتابه " أقباط المهجر" إصبعه على الجرح وهو يشير إلى أن أهم هموم الأقباط تبدأ بالخط الهمايوني وما يفرضه من عقبات على عملية بناء الكنائس, واستبعاد إسهام الأقباط تاريخيا وحضاريا من برامج الإعلام والتعليم والإصرار على ذكر " الديانة" في بطاقة الهوية وسائر الأوراق الرسمية مما يعطي الفرصة لموظفي الدولة للتمييز بين المسلم وغير المسلم ( على طريقة حركة طالبان التي تضع إشارة صفراء علي صدر غير المسلم)، والكراهية التي يحملها كثير من المسلمين لإخوانهم الأقباط نتيجة التعليم الخاطىء وفكر التكفير مما فرض على الأقباط إما التقوقع أو الهجرة وترك البلاد للمسلمين، وحرمان الأقباط من دخول الكليات المدنية بجامعة الأزهر، والمحاولة لإبعاد الأقباط عن الحياة السياسية، واستشراء التعصب الديني داخل مؤسسات الدولة, وندرة البرامج الإذاعية والتلفزيونية في الصحف القومية, ودخول الدولة طرفا غير محايد في حالات تغيير العقيدة, والتعتيم على الأرقام الفعلية لتعداد الأقباط، وعدم قيام أجهزة الأمن بواجبها على أكمل وجه لحماية الأقباط من الجماعات المتطرفة، وتديين الحياة السياسية والاجتماعية، وعدم المساواة في المناصب القيادية، وتزييف التاريخ بحذف فقرات منه، وعدم رد أوقاف الأقباط رغم أنها المصدر الرئيسي للإنفاق على دور العبادة, والمعاملة السيئة من رجال الشرطة(حادث قرية الكشح وكنيسة القيامة)، والعزل والتهميش بسبب اختلاف العقيدة, وسيطرة المتعصبين على الإعلام والتعليم، وعدم اعتراف الحكومة بأن لأقباط مصر مشاكل أو قضايا أو هموم!
تلك بعض المطالب التي نرى أكثرها حقوقا ينبغي أن نساهم جميعا في أن يحصل عليها أقباط الوطن، وبعضها نختلف معهم فيه خاصة مطالبتهم بإلغاء المادة الثانية من الدستور التي تنص على أن دين الدولة هو الإسلام، ففي الحقيقة يظل الوعي المتجدد والمستنير بتوجيهات الإسلام حماية لأشقائنا الأقباط أكثر من أي قوانين أخرى، وأنا أكتب هذا الكلام عن إيمان يقيني استخلصته من فهمي لديني وأرى أن دفاعي عن الأقباط وقناعتي بحقوقهم المتساوية مع المسلمين ونبذي للكراهية ومحبتي للتسامح وكراهيتي للاستعلاء الديني، كلها مفاهيم دينية إسلامية تكون عونا لمشاعري الوطنية، التي لا ترى فارقا كبيرا أو صغيرا بين أبناء الوطن من مسلمين ومسيحيين. نؤكد مرة أخرى بأن مصر في حاجة لانفجار بركان من المحبة والتسامح يكتسح وينظف ما علق بالنفوس من أدران ووحل الطائفية والعنصرية والكبر، ونتحدى أن يخرج مصري واحد من جيبه مفتاحا لبيته في الجنة يحتفظ به لأنه مسيحي أو مسلم، فالله ليس منحازا لأحد، والطريق الوحيد المؤدي إلى نور السماوات والأرض يمر عبر القلوب المتسامحة.
لماذا يكره أقباط المهجر الإسلام؟
أوسلو في 23 مايو 2006
الحديثُ عن أقباط مصر في الداخل والخارج هو دخول إلى المنطقة المحرمة، وإلى مستنقع لا يغرق فيه إلا من أتاه بقلب غير سليم.
ينبغي أولا قبل أن يخط قلمي كلمات عن السؤال المطروه أعلاه أن أقدم CV الفكر الذي يمد جذوره إلى أعمق نقطة في قلبي وعقلي متناغما ومنسجما مع مشاعري تجاه شركاء الوطن .. أقباط مصر في حقوقهم وواجباتهم انطلاقا من أي هوية تسبقني، أي كوني مسلم ومصري وعربي وانسان يؤمن إلى أقصى الدرجات بحريتيّ الاختيار والفكر.
فيما يتعلق بأقباط مصر فإنني مؤمنٌ إيمانا لا يتزحزح ذرة واحدة بحقوق أقباطنا على قَدَم المساواة مع المسلمين، وتلك نقطة تستحق وقفة خشية إساءة الفهم.
إيماني بحقوق شركاء الوطن يمتد إلى كل شيء، وظائف ومشاعر وأحاسيس وكتابات وأحاديث عائلية وشخصية وفخر بناريخ أقباطنا لأنه تاريخي أيضا ومحبة ومودة لكل قطعة تشهد بتاريخهم من كنيسة ودير وكاتدرائية وليس انتهاء بكتبهم وأخبارهم وقديسيهم وشهدائهم.
في الوقت الذي أتردد برهة واحدة في الخيار بين الشراء من قبطي أو من مسلم يقدمان نفس البضاعة بنفس المواصفات فإن تلك البرهة ولو كانت أقل من لمح البصر هي تمييز وحيرة ونقص في إيماني بحقوقهم.
في الوقت الذي استثني القبطي من منصب مصري ولو كان رئيس الدولة فإن شكوكا ينبغي أن تحوم حول قناعاتي بحقوق أقباطنا.
تلك المقدمة ليست للنقاش مع مسلم أو قبطي، وليست قابلة لجدال مع مسلم يحاول أن يقنعني بخطئها أو مع قبطي يشكك في صحتها، وضميري هو الوحيد الذي يملك مقرها ومستودعها في صدر يشهد الله أنه لا يميز مسلما عن قبطي ولو اشتعلت الأرض
لا قدر الله فتنة طائفية أو أتاني كل طرف بآلاف الأدلة أن الآخرين هم المعتدون.
أحتقر التمييز احتقارا شديدا وأراه كبرياء من الحماقة أو فخا يسقط فيه المتخلفون عقليا والذين يظنون أن أرحام أمهاتهم منحتهم صكّا بالبراءة، وأعطتهم دماء زرقاء نقية، أو نزل كل منهم من بطن أمه حاملا مفتاح الجنة ووثيقة بالشفاعة وخيارا إلهيا بأنه من أحباب الله المقربين.
الاستعلاء سواء كان بتأويل نص ديني أو بالاستشهاد بحكم الأولين والآخرين وبأعمالهم وبأقوالهم ينضوي أيضا تحت راية تلك الصورة من الحماقة التي تفسح مجالا لكراهية باسم الله على الأرض، رغم أنه الرحمن الرحيم كما يراه المسلمون وأن الله محبة تلهج بها ألسنة المسيحيين.
الإنترنيت فتح أوسع أبواب التاريخ منذ بدء الخليقة لأكبر حملة كراهية يشنها الانسان على أخيه الانسان.
آلاف من المواقع الدينية أضحت سيارات مفخخة، وقنابل موقوته، ودماء على الشاشة الصغيرة، وبغضاء متبادلة بين أصحاب العقائد والأديان والفلسفات والأيديولوجيات والأحزاب والدول والجمعيات والأشخاص. رغم أنف المسلمين والمسيحيين فإن الدينين باقيان على الأرض بنصف عدد سكان الكرة الأرضية، والمعركة يخسرها الطرفان، واثبات الفرقة الناجية أن الله تعالى ينتظر في ملكوته وفي الآخرة نتيجة المباراة النهائية بين أتباع الديانتين ليسلم الكأس والجنة والخلد للرابحين هو فكر عقيم يُضَيّع فيه الانسان حياته ونفسه، ويقلب سعادته إلى تعاسة، ويلون قلبه باللون الأسود القاتم الكاره لكل صور الحب والتسامح.
أتفهم تماما مشاعر الاحباط التي تنتاب شركاء الوطن الأقباط وهم يتعرضون للتشكيك في إيمانهم وولائهم ووفائهم وتاريخهم وفهمهم للحقيقة الايمانية بل ومن منظور أعوج يبحث في النص وفي التاريخ وفي الأقوال وفي التراث عن تبريرات للتمييز يأتي محدثو النعمة الدينية ونجوم الفضائيات وإعلام الأمراض النفسية والعصبية التي هيمنت على وسائل الاعلام المصرية في العقدين المنصرمين ليضع الأقباط في المرتبة الثانية أو السلك الوظيفي المواطني على درجة مواطن بنجمتين فقط.
لا أريد أن أتحدث بتفاصيل عن شهداء الكشح والزاوية الحمراء وكنائس الاسكندرية وأديرة الجنوب فالشهود أحياء، والوقائع لا تحتاج لصناديق الاقتراع المزيفة، وقد تعرض فعلا وقولا أقباطنا لظلم شديد حتى لو تبادل البابا مع شيخ الأزهر المنصبين والملابس وخَطَبَ الأول في صلاة الجمعة وألقى الثاني موعظة في قداس الأحد.
قلت وأقول وأكرر بأنني كمسلم لن أشم ريح الجنة على بعد ألف سنة لو أن جاري القبطي تعرض لتمييز أو ظلم مني أو من غيري وألتزمت الصمت كالشيطان الأخرس.
وأنا أرى أن حقوق أقباطنا أحبابنا .. شركاء الوطن هي واجباتي التي أدافع عنها كما أدافع عن ديني الاسلامي ووطني وعروبتي وانسانيتي.
ماذا يحدث في المواقع القبطية على الإنترنيت والتي استقطبت ملايين من أقباط الداخل والخارج ولم تعد هموم الأقباط هي القضية الأم، ولكن اهانة الاسلام والمسلمين واستخدام كل الألفاظ المنحطة واللأخلاقية والعفنة والسوقية لدى الحديث عن القرآن الكريم وعن نبي الاسلام، صلوات الله وسلامه عليه. معركة غير متكافئة بين متطرفي الدينين يربحها القبطي المتعصب ضد الټ/textarea>
هل من الواجب على المسلم أنْ ينتفض منافحا عن الإسلام في كل ساعة ولحظة وهنيهة، أم أن للدفاع أصولا وقواعد وآداب وسلوكيات ومنطق ومعلومات ولغة ومعرفة؟ الاجابة لا تحتاج للحدس هنا أو انتظارها، لكن الواقع يؤكد عكس ذلك تماما. ينسى المسلم في غمرة الحماس الديني أن المعادلة من طرفين، أي أنه يدافع عن الاسلام، لكن الاسلام أيضا يدافع عنه. مجموعة من التوجيهات والقواعد والأوامر الالهية والنبوية التي تُكَوّن هذا الدين الحنيف، فإذا كانت هناك قناعة بالجزء الأعظم منا والباقي إيمان بالغيب فإن المسلم يكون هنا في دائرة الإيمان الكلي. أما استحداث قواعد جديدة وفهم متراكم منذ مئات الأعوام، وآراء فقهاء وعلماء وآخرون، ثم خلط كل ذلك بفتاوى فجة ومذاهب شتى وآراء دراويش في الفهم الديني السقيم، فإننا هنا نصبح في مواجهة حالة مَرَضية ابتعدت كثيرا عن دين سليم وصحي ومقنع وسلس وميسر لأتباعه ولمن أراد التعرف عليه. وكل الناس تتحدث في الدين من طلوع الفجر إلى غسق الليل، وتم الفصل التام بين الدين كسلوك قويم وبين الحياة اليومية التي لا يكترث لها المسلم الحديث إن تناقضت مع أبسط مباديء هذا الدين الحنيف. الحوار الديني بين مُسْلٍمَيّنْ أضحى مرهقا إلى ابعد الحدود، فأنت في دائرة الشك ما دمت تطرح تساؤلاتك، وكل منا يمسك بيديه صكوك الغفران يوزعها على من يشاء، ويمنعها عمن لا يستريح له. لا نختلف عن أن الوضع في عالمنا الاسلامي أكثر بؤسا وقحطا فكريا وسلوكا مشينا وضعفا سياسيا واجتماعيا وعلميا من معظم دول العالم. لكن المسلم يقف حائرا هنا، فهو من ناحية مقتنع قناعة تامة أننا في أدنى درجات الضعف والخنوع، ومن ناحية أخرى يمارس التدين الظاهر وهو وضع علامة تعجب يتبعها شك وتنتهي بتكفير أو نصف تكفير لمن يخالفه أو ينتقد المسلمين أو يرفض بعض الفتاوى أو ينزع القداسة عن المؤسسة الدينية. وهل يحتاج الأمر إلى دفاع؟ لا أظن, لكننا في أمس الحاجة إلى حوار عقلاني وموضوعي نعترف فيه بأخطائنا ولا يجرمننا شنآن قوم على أن لا نعدل. المعارك الفكرية بين المسلمين أضعاف ما بينهم وبين خصومهم، بل الغريب أن القسوة والغلظة لا تظهران إلا في حالة الخصومة بين أتباع نفس الدين. رغم أنني مسلم، واقوم بتأدية شعائر ديني كاملة، وأعتبر سلوكياتي الاسلامية في حدود القواعد التي وضعها الاسلام إلا أن الغريب أن طرحي لقضايا الضعف الاسلامي وانتقاداتي للتطرف والارهاب الفكري وسطوة المؤسسة الدينية وتوسعة نطاق الفتاوى الفجة جعل خصوم كتاباتي من الاسلاميين الجدد. لو توقف الأمر عند هذا الحد لما تأثر كثيرا، ولكن ما يؤلمني ويؤسفني ويغمر قلبي بكل الأحزان أن الشتائم والسباب والألفاظ القبيحة والوقاحة اللغوية والكراهية المبطنة بكلمات تكاد تلمس التكفير تأتيني معظمها من اسلاميين ينتمي أكثرهم لفئة الشباب. يدخلون المواقع والمنتديات كأنهم يرفعون السيوف، ويصلبون مخالفيهم، ويستخرجون من اللغة ألفاظا مفخخة، ويبحثون في ثنايا الموضوع عن جريمة الخلاف في الرأي، فكل ما يرونه ثوابت دينية. قاموا بتأسيس دين جديد قائم على أقوال العلماء والفقهاء والسلف، وتلك هي الدلائل والقرائن على صحة اسلام المرء كما يظنون. يعادون العقل، ويخاصمون حرية الاختلاف والخلاف، ولا يقبلون أن تكون حياة المسلم مكونة من مشاهد تبدأ من المهد وتنتهي باللحد. عبد الكريم نبيل شاب كان في عداد الأطفال منذ سبع سنوات فقط ( قانونيا )، وبلغ السن القانوني للرشد منذ أربعة أعوام. قرأ، وتمرد، واختلف، ووجد أن وضع حيرته على الورق وعلى النت في موضوعات سياسية ودينية تسمح له أن يطورها، ويعرف ضعفها وقوتها، ويعبر عما يجيش به فؤاده. إنه مشهد واحد من حياة قد تكون طويلة أو قصيرة. خالد محمد خالد طالبوا برقبته في أوائل الخمسينيات، لكنه أصبح صاحب رجال حول الرسول بعد أقل من ثلاثة عقود. الدكتور طه حسين هو صاحب ( في الشعر الجاهلي ) الذي مازال الكثيرون يهيلون التراب عليه، لكنه مؤلف ( الفتنة الكبرى ) و ( على هامش السيرة ) وغيرها. سيد قطب بدأ حياته الأدبية والفكرية وهو يشك في كل شيء حوله، أصبح المترجم العقلي والفكري للاخوان المسلمين بعدما أعيد فكرهم مودودياً من باكستان ليتم تعريبه ويصبح معالم على الطريق. ولكن في الجانب الآخر قد يبدو المشهد الأول مناسبا للمؤمنين مثلما حدث مع عبد الله القصيمي ، وانتقلت رحلته عكس الدكتور مصطفى محمود، فالأول من الايمان إلى الشك والكفر ( محاكمة الإله)، والثاني من الشك إلى الايمان. عباس عبد النور قضى ستين عاما من عمره مسلما تقيا، وإمام مسجد، وخطيبا رائعا، وكاتبا وشاعرا ومفسرا للقرآن الكريم، ثم نشر كتابه ( محنتي مع القرآن ) وكفر عندما بلغ الثمانين من عمره، وكتابه هو أخطر كتب الالحاد التي قرأتها في حياتي. الحياة تسير، والزبد يذهب جفاء ويبقى في الأرض ما ينفع الناس. الحياة ليست مشهدا واحدا، والفكر يتطور إلى الأفضل أو ينتكس إلى الأسفل، والعاقل قد يصبح مجنونا، والمجنون قد يتحول إلى فيلسوف ومنظر وسيد العاقلين. الحكم على فكرة أو ردة أو خلاف عمل مناهض للدعوة الإلهية السامية والمقدسة (من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر )، لكن المسلمين لا يزالون في سنة أولى تسامح وحوار وعقلانية. عندما نصمت سيشرق الاسلام من جديد لأننا سنكون مع الصمت مضطرين لحوار الآخرين بسلوكنا الجميل والرحيم والمتسامح والعقلاني، فهل نحن مستعدون؟
رسائلُ كثيرة تصلني مطالبةً بالتوقف عن تذكير المصريين بفاجعتهم، وبأنّ حذاءَ الرئيس يلعقه الملايين، وبأنّ كرامةَ المصري في عهد أسرة مبارك أقلّ مِنْ كرامةِ جيفة ملقاة في أحد الشوارع الجانبية! مللٌ شديدٌ وواضحٌ بدأ منذ فترة يتسلل إلى نفوس القرّاء الكرام الذين كانوا يتسابقون لمطالعة كتاباتي، والشَدّ الدافيء على يدي، وتشجيعي بكلمات رائعة تمنح القلمَ طاقة جديدة للاستمرار في معركة من أجل الحق والعدل والحرية. عندما تدلف إلى أحد المنتديات والمواقع ستجد حتما مقالاتي هي الأقل قراءة وتعقيبا، ويمر عليها الموجوعون والوطنيون وكل الغاضبين من حكم الرئيس حسني مبارك مر الكرام، فكما قال لي أحدهم: إنك تُذكرّني بكرامتي التي مسح بها الرئيس الأرض من ثغرها إلى حلايبها، وتجعلني أتحسس قفاي ومؤخرتي صباح كل يوم، وأكاد أبصق على المرآة التي تعكس صورة واحد من ملايين الخائفين المرتعدين ذعرا من حاكم لا يملك من أمر جسده أو روحه شيئا. ثم يردف صاحبنا: لذا لم أعد أقرأ لك، ويفعل مثلي كثيرون، فأنت تحوّل أحلامَنا إلى كوابيس، وصمتنا إلى جُبن غير مبرَر، ورضانا العبودي لنهب وطننا إلى مذلة وهوان.
أكثر من عشرين عاما وقلمي المسكين أغمسه في قلبي، وأحَبّر ريشته بدمي، وتشغلني كرامةُ المصري كما لم تشغلني من قبل كل قضايا الدنيا وما فيها. لماذا لا يعيش المصريون كبقية خلق الله؟ لماذا قطعنا ألسنتنا بأيدينا، وثبّتنا عيوننا في الأرض، وعَرّينا ظهورَنا لسوط الرئيس وابنه؟ عشرون عاما وكلما انتهيت من مقال ظننت أنه الأخير، وأنه سيجتث العفن والفساد، وستفور الدماء في عروق قارئيه، وستسري في أوصال أبناء بلدي رعشة كرامة كأنها البيان رقم واحد للقضاء على أعفن نظام فاسد حكم مصر منذ بناة الأهرام. أحلم لبلدي بالتحرير من ربقة أعتى الطغاة، وأجلس دامع العينين لأخطط لكل صغيرة وكبيرة، من حرية الرأي والسجون والمعتقلات والتعليم ودور النشر والتربية واختيار الأكفاء ونظام الادارة السليمة وكيفية الانتهاء من ملايين القضايا المعروضة على العدالة البطيئة، أعني الظلم الطويل. أفكر بتفاصيل دقيقة في فتاة على وشك الزواج وهي تحلم بأن يقرأ والدها الفاتحة مع عريسها، لكن الوالد غائب في زنزانة باردة ورطبة تحت الأرض منذ سنوات طويلة وبدون محاكمة وفقا لمزاج وغضب السيد الرئيس. ثم تشغلني صورة شاب يعود إلى بيته في أول أيام الدراسة ويتمنى في الطريق أن يجد أباه الذي لم يره منذ طفولته فهو قابع في معتقلات الرئيس ولا أمل في خروجه مادام الاجرام طليقا، ورقاب شعبنا تنحني في امتهان لم تعرفه أقل شعوب الدنيا امتهانا وانكسارا وسخرة. منذ عشرين عاما كتبت ( كرامتنا يا فخامة الرئيس)، وظللت أكتب، وكلما دب اليأس في نفسي تأتيني كلمات أكثر دفئا من شمس مسقط رأسي لتعيد لي تركيب الروح في الجسد، وتدفعني للاستمرار في أعنف كتابات ضد أعتى الطغاة. قال لي محاوري: لو هدأ قلمك، وكتبت عدة كلمات في مديح الرئيس القادم جمال مبارك فستتمكن من زيارة بلدك، وتسير في شوارعها، وتضرب غطسا في بحرها ليغسل أحزانك، وتقوم بزيارة قبري والديك، رحمهما الله، وتقبل ما رضي به الملايين، أي أمل كاذب في أن يُغيّر الذئبُ أنيابه، وتتحول تخشيبات أقسام الشرطة إلى صالونات أنيقة يغوص فيها جسد الشاهد والمتهم ريثما يأتيك مأمور القسم بقدح من الشاي بالنعناع بعدما كان يُعلق قدميك في سقف حجرته. خُمْس قرن وقلمي يعصي رغبتي في قليل من الهدوء لئلا يتسرب الملل إلى القراء، لكن قشعريرة غضب ينتفض لها الجسد والفكر معا عندما أتذكر حجم المأساة التي يعيشها أبناء بلدي. أبعث آلاف النسخ من المجلة مع صدور كل عدد، وأرسلها لأكثر من تسعين سفيرا مصريا في دول العالم، ثم جاء الانترنيت فموقع طائر الشمال فضلا عن المنتديات والمواقع وآلاف العناوين التي تتلقى مقالاتي. لم يعد قارئو مقالاتي قادرين على الاستمرار حتى السطر الأخير، فهي وصف للنكد والحزن والكوارث، وتكرار مُملّ وصارم وجاف لحقيقة يعرفها القاصي والداني وهي انهيار وانحدار أم الدنيا، وانحسار دورها الانساني والسياسي والاجتماعي والروحي والتسامحي والعلمي والثقافي والرياضي، ثم يُخْرج لنا سيّدُ القصر لسانه، فهناك ست سنوات كاملات باختياركم الطوعي لكي أحرق لكم بلدكم وأسَلّمها لأجيال من بعدكم خرابا وبوما ناعقا ومصارف مفرّغة ورجال أعمال من أصدقاء ابني يتمتعون في منتجعات أوروبية بأموالكم. ويشتعل الغضبُ في نفسي عندما يتعمد قراء كثيرون القفز فوق الموضوع وفحواه وتعمد اهمال حقائق الوضع المصري المأساوي ليبدأ الهجوم الأحمق على شخصي وغربتي وعدم مصداقية كلماتي لأنني بعيد عن زائر الفجر، وكف المخبر، وسوط الباشا المأمور. حتى لو انسحبت من الساحة رافعا الراية البيضاء، ومقدما ولائي لليأس طريقا وحيدا لحياة هادئة لكي أختار التغزل في الطبيعة في شمال الشمال، والطلب من العناية الالهية أن تتولى عنا القيام بهذا العمل الشاق، واعتبار كل أبناء بلدي جبناء غير قادرين على التغيير، فلن أستطيع وسيعصيني قلمي فالقارعة في مصرنا الحبيبة أشد هَوّلاً من أعنف طوفان شهده بلد آمن في يد رب رحيم. ترتعش وتنتفض كل خلايا جسدي وأنا أتابع أكباد المصريين المصابة بفيروس وبائي لا يقل قسوة عن طاعون أسود يغزو بلدا، ويقضي على سكانه. لم يبق شيء في مصر لم يخربه الرئيس حسني مبارك، ولو كان هولاكو حيا لأثارت كراهية مبارك لشعبه وعشقه لخراب أم الدنيا غيرته. كلما عرض محرر مطبوعة مصرية معارضة وطنية نشر مقالاتي، تراجع على الفور بعدما يعود إليه الهدوء، فالأمر أكثر جدية مما يتصور، وكتاباتي تحريض ضد قاتل شعبنا، وأشد وأعتى الطغاة قسوة ووحشية وامعانا في اذلال قومه كأن بينه وبين المصريين ثأرا قديما قِدَم النيل الخالد. أفكر في تجديد الدعوة للعصيان المدني الذي فشل منذ عامين، ولكن قوى المعارضة ستقتله في مهده بالصمت، ولن يكترث للدعوة قضاة أو مستشارون أو محامون أو أكاديميون أو مثقفون أو اعلاميون أو طلاب، بل أخشى الدعوة للعصيان المدني أو الانتفاضة الشعبية حتى بين العاطلين عن العمل والمتضررين من حكم مبارك والمرضى والفقراء وسكان عشش الصفيح والمقابر، بل خوفي أن يرفض من تم اغتصابهم وانتهاك حرماتهم وتعذيبهم باعتبار سوط الرئيس فوق مؤخراتنا قدَر لا ينفع معه غير البكاء والدموع الغزيرة والمزيد من الطاعة ولو ضرب عشرين ألف قاض بالجزمة فما هي إلا دقائق معدودة حتى تعود الحياة الموتية إلى طبيعتها. أهديت للمصرين الكارهين للطاغية مدونة على النت، يكتبون فيها ما يشاؤون، ويصرخون، ويشكو كل منهم لابن بلده أوجاعه وعذابه وآلامه وأحزانه، ويستمد منه قوة، فلم يعقب أو يصرخ أو يغضب في نصف عام أكثر عشرين مصريا.
يطالبني القراء المصريون بلغة هادئة طيبة وديعة لا تخربش، ولا تكهرب، ولا تستفز الكرامة المهانة، ولا تشير إلى حذاء الرئيس الذي يصفع به وجوهنا، فهذا جَلد للذات، كما يقولون، لكنني مؤمن أن كلماتي تذكير بكرباج يهوي فوق ظهور أبناء شعبي. لسان حال المنفضّين من حولي يقول: لماذا لا تتركنا في سلام، وتكتب عن الشمس المشرقة، وعن الصغار المحيطين بالكبير، وعن بعض الانجازات، وأن تترك لنا فسحة للنقاش لنشعر بقيمتنا بدلا من أن تلقي بالحقيقة المُرّة أمامنا، وتعيد وتكرر على مدى سنوات تصوير مشهد احتضار وطن، واذلال أمة من أعرق أمم الأرض؟ لماذا تكتب ( طز في الشرفاء والأحرار والوطنيين ) بدلا من أن تأخذ بأيديهم، وتمتدح جهودهم؟ لماذا تكتب رسالة على لسان الطاغية يقول لنا فيها ( يا ولاد ستين ألف كلب ) وأنت تعلم أننا نسمعها صبحا ومساء، وأننا نعرف يقينا أنها تحت لسانه في كل كلمة وخطبة ورسالة موجهة لنا جميعا؟ لماذا لا تفهم أننا لم نعد قادرين على قراءة فقرتين أو ثلاث في مقالاتك المملة التي تكرر عبثا أحاديث سخيفة عن الكرامة والحرية وثلاثين ألف معتقل واغتصاب مصريين في أقسام الشرطة، وخروج مسجلين خطرين للشوارع لتعليمنا آداب العبودية والطاعة وقبول المهانة؟ إنك تهين شعبنا، يقول لسان حال قرائي الكرام، وتطعن في صمتهم لتطلق عليه الجبن والمسكنة وقبول الهوان واستئناس المذلة والاغتباط بالخنوع، ونسي الجميع أن حديثي موجه لنصف مليون مثقف وأكاديمي واعلامي وطبيب ومهندس ومحامي وقاضي ومستشار واعلامي وكاتب ورجال الدين المسلمين والمسيحيين! يكاد المصريون يصرخون في وجهي رافضين متابعة كتاباتي، فالصفع على القفا أخف ألما ووجعا من التذكير الدائم به. لقد مللنا الاستماع إليك وأنت تجلس في النرويج تستمتع بالمناظر الطبيعية الخلابة، فلماذا لا تتفضل بالعودة، ونحجز لك زنزانة بجوار المناضلين الذين نسيناهم حتى نصدق مصداقيتك؟ تلك هي خلجات نفس تقف حائرة بين رغبة القراء في تقديم أوراق مزيفة لوطن يحتضر وبين رغبة قلم في أن يستمر إلى ما شاء الله، لعل الله يُحدث بعد ذلك أمرا.ولا يزال قراء مقالاتي في انحسار وابتعاد وملل حتى ينفض آخرهم. ولكن أشهد الله بأنه لو بقي قاريء واحد فقط لمقالاتي فسأشعر أن الدنيا كلها تبتسم لي، وأن قلمي يوجع الطاغية بقاريء واحد لا حول له ولا قوة.
ثلاثون عاما هي عُمر الكتاب الأخضر الذي وضع فيه رسول الصحراء خلاصة فكره الفلسفي والاقتصادي والسياسي، والذي لا يزال فكرا ثابتا مقدسا، بل يمكن لأي مثقف ليبي أن ينتقد القرآن الكريم، لكنه لا يمس الكتابَ الأخضر من قريب أو بعيد.
لكن للحقيقة وللتاريخ فقد فتح الكتاب الأخضر بيوتا كثيرا، وتحسن مستوى الدخل المادي طوال ثلاثة عقود لآلاف المتزلفين والمنافقين من الأشخاص الذين امتدحوا في عبقرية الفكر الأخضر، ويشهد على ذلك السيد أحمد شحاتي رئيس مركز الكتاب الأخضر بطرابلس.
اكتشاف العبقرية أمر هيّن، ويمكن لأي بائع كلام أن يستخرج علوما منطقية وفلسفية وحِكَماً ودررا من خطاب يلقيه شخص معاق ذهنيا.
في فيلم بيتر سيلرز ( مستر تشانس ) كان البستاني متخلفا عقليا، ولا يعرف عن العالم كله غير حديقة المنزل الذي عمل به طوال حياته.
بعد مغادرته المنزل صدمته سيارة سيدة ثرية، ثم اصطحبته معها إلى القصر لعلاجه، وتعرّف على زوجها الملياردير صديق الرئيس الأمريكي.
حوادث كثيرة مَرّت دون أن يكتشف أحَدٌ أن الرجل متخلف عقليا، وأن ذهنه لا يتسع لأكثر من معرفة هبوب الرياح، وموعد الحصاد، وحاجة الأشجار للماء.
سأله مضيفه عن رأيه في السياسة، فقال له بعد الربيع يأتي الصيف، ثم الخريف ، ثم أخيرا الشتاء. تلك كانت أقصى معارفه ومعلوماته.
تلقفها مضيفه الملياردير واعتبرها عبقرية في الفكر السياسي التحليلي. وتعرف عليه الرئيس الأمريكي الذي انبهر بهذا الفكر البرّاق .
أعود إلى العقيد معمر القذافي ويحضرني سؤال: ماذا لو وقف العقيد أمام الجماهير الليبية وقال لها بأن البطيخ يعبر عن الحكمة العربية، وأن الرياح تأتي من باطن الأرض، وأن لغة أهل الجنة ستكون السواحيلية، وأنه سيمد النهر الاصطناعي العظيم إلى القطب الجنوبي ليشرب منه طائر البطريق، وأنه قرر عمل وحدة بين الجماهيرية ومملكة سوازيلاند شريطة أن يمد نفقا بطول أفريقيا لكي تستورد ليبيا التوابل عن طريقه؟
ربما يبتسم القاريء العزيز ويظنها مزحة، مؤكدا أن الجماهير الواعية ( !!) سترفض هذا التحليل غير المنطقي!
أنا أرى أن مانشيت صحيفة الزحف الأخضر سيكون مدهشا، وربما يختار رئيس التحرير العنوان التالي: العالم كله منبهر بخطاب قائد الثورة.
ليبيا ترزح تحت أعتى الأنظمة القاسية، والرجل وابنه يتصارعان، ظاهريا، لركوب ظهر شعبنا الليبي، وآلة الاعلام الغربية التي تصنع الطغاة تجتهد لتلميع العقيد بعدما صنعت منه ارهابيا، ثم سلّمها رأسَه ووثائق وأسرار أصدقائه وحركات التحرير، ودفع من أموال شعبه أكثر من ثلاثة مليارات دولار ثمنا لجريمة اسقاط الطائرة بأيدي رجال استخباراته.
بعد عامين يحتقل الليبيون بأربعين عاما من حكم البلاهة والتخلف والهبالة والعباطة والاستبداد والقسوة والسجون والمعتقلات واهدار أموال الشعب وجلب الفضائح والتفريط في استقلالية الوطن.
المعارضة الليبية التي كانت قد أجمعت على الدعوة للعصيان المدني باتت تخشى الفشل، وتراجع دورها، واكتفت بالانترنيت رغم أنها تملك امكانيات هائلة لتحريك الشعب الليبي.
القانون 71 ينص على معاقبة كل من يقوم بنشاط سياسي يتعارض مع مباديء ثورة الفاتح من سبتمبر.
تهمة ( ستاندارد ) لدى كل الطغاة والمستبدين لكي يتمكن رجال الأمن والاستخبارات والقضاة من تفسيرها وفق التوجيهات التي تأتي من القصر أو الخيمة.
مئات الليبيين يعيشون في ظروف مزرية ومهينة تحت الأرض في أشد السجون عتمة وهوّلا ورعبا، لكن الغرب المتحضر لن يجبر العقيد على الافراج عنهم، فالرجل على استعداد لبيع وطنه وخيراته ومستقبله من أجل النجاة من مصير صدام حسين فحبل المشنقة ليس إلا رسالة للآخرين بأن السيد الأمريكي ينبغي أن يطاع.
ضحايا سجن أبو سليم تبخرت صورتهم من مخيلة قوى النضال، ولو كانت المعارضة الليبية متوحدة في الغرب لتمكنت من اجبار محكمة العدل الدولية على استدعاء قائد الثورة متهَما بجرائم لو سمع العالم بها لتشفى في العقيد ولو التفتْ حول عنقه كل حبال مشانق وطننا العربي الممتد من زنزانة إلى زنزانة.
العقيد غاضب هذه الأيام على المصريين، وطرد منهم عدة آلاف تقول بعض الأخبار بأنهم تجاوزوا الخمسين ألفا. رجال الأمن على الحدود يستنزفون ما بقي من أموال الهاربين والمطرودين من جنة القذافي، وربما يكون الطرد كما حدث من قبل ارسال رسالة للرئيس المصري، وقطعا لا علاقة لها بالكرامة فالمهانة واحدة سواء تحت حكم العقيد أم تحت سوط مبارك.
طلاب الجامعات الليبية الذين ولدوا جميعا في ليبيا الخضراء ولم يعرفوا آباء لهم غير العقيد بدأوا يتمردون، ويرفضون حضور مهرجانات الخطب والتزلف والمديح.
الأمل الكبير في الانترنيت فهو القادر على الاطاحة بهذا المستبد قبل أن يبيع الوطن كله.
والمعارضة الليبية في الخارج مطالَبة أكثر من أي وقت مضى بتوحيد صفوفها، وايقاف كل وسائل التشكيك والاتهامات فكل ليبي معرض للتصفية، فهل يبادر الليبيون بانقاذ أرواحهم قبل وطنهم؟
إذا لم تتحرك المعارضة الليبية فإن مذبحة سجن أبو سليم ستصبح مذبحة الشعب الليبي
للمخابرات المركزية الأمريكية قدرةٌ عجيبة على معرفها رجالها قبل أن تخشنّ أصواتهم، وتظهر شواربهم، ويبلغوا الحلم، ربما لأنهم سيكونون قادرين في وقت لاحق على حجب أحلام شعوبهم. عندما يبدأ السباق الأكبر للحيوانات المنوية فلا شك في أن طاغيتهم يكون قد تهيأ قبل الاخصاب بزمن كاف، فلن يمر وقت طويل بعد الشهور التسعة إلا وتكون عيون مُدَرّبة قد التقطته، ثم تأتي الموافقة من فوق .. نعم، سيكون هذا رجلَنا في المستقبل! صناعة الطاغية تشترك فيها أجهزة الاستخبارات، والقابلية للطغيان، ومشاعر الدونية لدى المستبد، ومساحة واسعة من الكراهية تمد أذرعها في كل مسامات الجسد. كل الطغاة يظهرون في العامين الأولين لطفاء، خجولين، تقطر من ألسنتهم رقة، وتكاد الدموع تنزلق على الوجه لأي حادث انساني مهما كانت أهميته أو صِغَره. كان موعد تونس مع طاغية من نوع جديد.في السابع من نوفمبر عام 1987 كانت جهنم تطرق باب تونس الخضراء، لكنها تََخَفّت في صورة كأنها وعد بالجنة، إلى أن تمكن الجنرال من إحكام قبضته على رقاب كل التونسيين. بعدما أزاح سيده ورئيسه الذي وهن العظم منه، أجرى انتخابات ملفقة كانت نتيجتها، أو نتيجته 99,20%، أي أقل من النسبة التي وضعها صدام حسين وكانت 100%. آه لو نطقت صناديق الاقتراع في عالمنا العربي لبصقت على النتيجة قبل أن يعلنها وزير الداخلية، بل قبل أن يتوجه الناخبون إلى لجان الانتخابات بوقت طويل. نتيجة الانتخابات في أي بلد عربي تعني أن الزعيم كان أمام خيارين: إما أن يحكم شعباً ، وإما أن يرعى ماشية، وغالبا ما يختار زعيمُنا المفدّى عصاه ليهش بها علينا، ولضباط أمنه فيها مآرب أخرى!
العالَم الأبيض الحر قرر أن يضع عَصَابة فوق عينيه الجميلتين الزرقاوتين لئلا يؤذيها المشهد الجديد، والجثت المتعفنة في أقبية تحت الأرض، وآلاف من الذين تمت تصفيتهم بقبضة حديدية يراها الزعماء المتحضرون في أوروبا وأمريكا بأنها قيود من حرير. لا بأس أن يبتسم زعماء العالم الحر عندما تصلهم نتائج الانتخابات التونسية لعامي 1989 و 1994 فهي لا تزيد كثيرا عن 99%، أي أن ديمقراطية رجل الغرب في تونس تفضلت وسمحت، مشكورة، لأقل من 1% من الأحرار الوطنيين أن يعترضوا. هنيئا للضمير الأبيض وهو يغمض عينيه أمام الجحيم الأسود. صنع التونسيون طاغيتهم الجديد عندما سمحوا لطاغيتهم القديم أن يصبح رئيسا مدى الحياة، وأن تهيمن أخباره وحركاته وتنقلاته ورياضته المفضلة وأحاديثه التي لا تسعفها ذاكرته على حياة التونسيين، ليلا ونهارا، صبحا ومساء، حتى بَدَا مَلك الموت خائفا من الاقتراب من الرئيس مدى الحياة .. الحبيب بورقيبة.
الطاغية يبدأ حُكمه بالعبث في ذاكرة شعبه، وينهي آثار من سبقه، ويلغي أيّ ايجابيات رسخت في أذهان رعيته، ولكن المهم هي صناعة الرجل الجديد. تماما كما يحدث في الغربة، فالمغترب يقوم بصناعه ماضيه، ثم يتولى عملية تلميعه، وزركشته، وتلوينه، وبعد ذلك يضيف مواقف وطنية وبطولات دون كيخوتية لكي تكتمل ملامح الصورة الجديدة. أول ما فعله زين العابدين بن علي بعد انقلاب نوفمبر هو محو آثار ماضيه ليتمكن من صناعة الجنرال الذي سيحكم ما بقيّ له من عُمر، لذا اختفت بعد الانقلاب ببضعة أيام كل الشهادات والاثباتات من مدرسة سوسة الثانوية، فالاطلاع على ماضي الرئيس جريمة بكل المقاييس، ومشاهدة أي فترة زمنية سابقة لوصوله للحكم هي تعرية له، وتلصص على أشياء أراد أن يعيد هو صنعها بنفسه، وفي زمن يحدده. لكن فقدان الذاكرة لا ينسحب على الشعب فقط إنما يصاب به المثقفون والإعلاميون والمؤرخون فالرئيس هو صاحب الحق الوحيد في صناعة ماضيه، فإذا اقترب أي كاتب من الاشارة همساً أو جهرا من مشهد ماضوي يظهر فيه الجنرال فإن أبواب جهنم سيفتحها كلاب الرئيس. يقول جان بيير توكوا ونيكولا بو في كتاب ( صديقنا الجنرال زين العابدين بين علي ): في عام 1997 نشر ملحق مجلة لو نوفيل آفريك-آزي الأسبوعية صورة قديمة للرئيس زين العابدين بن علي وظهر فيها بشعر أبيض أشيب، فماذا حدث؟ قامت السلطات التونسية باتلاف كل أعداد المجلة ومنعت توزيعها، فالجنرال هو الذي يحدد ماضيه، وهو يرفض صورة له قبل أن يصبغ شعر رأسه، وعلى الدولة السمع والطاعة. رئيس النقابات التونسية السابق، الحبيب عاشور، كتب مذكراته عن أحداث الشغب الدامية عندما كان زين العابدين بن علي رئيسا لجهاز الأمن، ونَجْمَ القمع والقهر والقتل والتعذيب. لم يذكر الحبيب عاشور أهم رجل في أحداث تلك الفترة، فالرئيس التونسي هو رئيس منذ سقوطه من بطن أمه، بل هو رئيس قبل أن يكون نطفة فعلقة فمضعة. لم يكن الأمرُ عَصِيّاً على أجهزة صناعة الزعيم الجديد في محو كل آثار الزعيم الأسبق، فأعطى توجيهاته أن تتم ازالة كل تماثيل وصور الحبيب بورقيبة، فالتونسيون كالليبيين والعراقيين( سابقا ) والسوريين والمصريين والأردنيين والمغاربة وغيرهم. العالم كله يبدأ من وصول الزعيم إلى القصر، والدنيا قبل وصوله كانت كئيبة وحزينة والرعية جماعة من الأيتام، ثم أرسلت العناية الإلهية زعيم الدولة ليُخرج الناسَ من الظلمات إلى النور. والجنرال التونسي كاذب حتى النخاع، ويحمل بين جنبيه قسوة وغلظة وقوة خداع تكفي أن ترهب ألدّ خصومه، وأشدّ أعدائه بأسا وقوة. قال بن علي أمام أعضاء الحكومة بأن الحبيب عاشور طلب إبعاد الشرطة عن مقر الاتحاد العام للعمال التونسيين، وأنه هدد باغراق تونس بالنار والدم. كان زين العابدين بن علي كاذباً كعادته، وفي السادس والعشرين من يناير 1978 فَتَحَتْ قواتُ الجيش النارَ على المتظاهرين فقتلتْ مئةً منهم. وهنا صعد الجنرال بقوة الحديد والقسوة إلى حيث تتم حماية الرجل الأول( أو الانقلاب عليه فيما بعد ) كما حدث مع الجنرال محمد أوفقير عندما كانت السيارات تجمع جثث الطلاب من شوارع الرباط، فصعد جنرال المغرب لحماية الملك ( أو الانقلاب عليه فيما بعد ).
بعدما صرح الحبيب بورقيبة أنه لا يريد أن يموت قبل أن يجتث الملتحين وعشش الصفيح، فَهَمَ زين العابدين بن علي أن مزيدا من القسوة والتعامل الخشن وتوسيع عمليات التعذيب ضد الاسلاميين هو الذي سيجعله مُقرّبا من الرئيس بورقيبة. في 28 ابريل 1986 أصبح بن علي وزيرا للداخلية، والقبضة الحديدية للرئيس مدى الحياة .. الحبيب بورقيبة. ذاكرة الناس كلعبة الشطرنج تُحَرّكها القوى المهيمنة كيفما شاءت، لذا فقد حضر أعضاء في منظمة حقوق الانسان حفلَ منح محمد الناصر وساما تقديرا لجهوده في خدمة الأمن! ومحمد الناصر هذا يمثل قمة السادية في التعامل مع المعتقلين حتى أنه كان يرغم المساجين على لعق العصا بعد ادخالها في فتحة الشرج ( كتاب : صديقنا الجنرال زين العابدين بن علي ). تاريخ طويل من القهر والتعذيب والمهانة لف تونس كلها فرائحة الجثث المتعفنة في السجون التونسية تزكم الأنوف، والرئيس التونسي ينتقم من الشعب كله بعدما كان الانتقام مقتصرا على الاسلاميين وحدهم، فالصدام معهم كان حتميا. بعد أقل من ثمانية عشر عاما من ( ثورة الياسمين ) التي أتت بأكثر الطغاة العرب قسوة إلى قصر قرطاج، كانت محكمة ابتدائية في جنيف، في 18 يونيو 2005، تنظر في طلب الناشط التونسي عبد الناصر نايت ليمان فتح تحقيق مع الرئيس زين العابدين بن علي بتهمة التعذيب، وكانت تلك فاتحة أمل لاستدعاء الطغاة كما حدث مع حسين حبري وبينوشيه. واستبشر المصريون والليبيون خيرا فمحاكمة حسني مبارك ومعمر القذافي على جرائم التعذيب ستكون محاكمات العصر وكل العصور. بعد أقل من عامين من تولي الجنرال حكم تونس توجه نحو ألف من الأكاديميين والكُتاب والمثقفين وصفوة المجتمع إلى قصر قرطاج لتقديم الولاء للرئيس، وهنا سقطت تونس بين يديه كما تسقط الثمرة الناضجة من شجرة عجوز. كان القصر هو الذي يحرك الاسلاميين والليبراليين واتحاد العمال ويضع حقوق الانسان فرجل المخابرات زين العابدين بن علي يخطط لمرحلة لاحقة بعد أن يعرف الجميع أن المقصلة أيضا نوع غير رقيق من الديمقراطية، وأن ما يدور داخل السجون والمعتقلات لا يؤثر على ابتسامة الجنرال والمصالحة الوطنية المزيفة. في 2 ابريل 1989 جرت الانتخابات التشريعية كنصيحة غربية لـ ( بن علي ) حتى يحتفظ بصورة حضارية تساعد العالم الغربي أن يدعمه. وجاءت التوجيهات الرئاسية الاستخباراتية حاسمة: إذا نجحت قوى المعارضة فسيتم تسريح الموظفين الذين أشرفوا على صناديق الاقتراع. حصلت المعارضة على 18% من الأصوات، وتم الاستفتاء على الرئيس فجاءت النسبة مساوية لما يحصل عليه كل الطغاة. 99,20% لصالح الرئيس، ومن حسن الحظ أن الجن والملائكة والحيوانات والطيور لم تشترك في الاقتراع وإلا أصبح الأمر شاقا على المزورين لصناديق الاستفتاء. لم يدم شهر العسل طويلا فقد اصطدم الرئيس بحركة النهضة، التي دخلت اللعبة الديمقراطية ظنا منها أن الرقص مع الذئاب قد يجعلها أقل افتراسا، وكان راشد الغنوشي بعد خروجه من السجن قد أعلن بأنه يثق بالله وبالرئيس زين العابدين بن علي. ثم جاء الصدام مع قوى الطلاب بعد التغييرات في جامعة الزيتونة، واعتقلت قوات الأمن مئات منهم وأرسلتهم إلى الصحراء، واحتفظت بأهم الرؤوس لديها لكي يتعلموا آداب الطاعة في أقبية السجون. كيف يكون رئيس جهاز القمع سابقا أمينا على الحركة الديمقراطية؟ معذرة، سيدي الذئب، هل لك أن ترعى الغنم ريثما أعود؟ كان الرئيس ينام وتطارده صورة الجزائر، وتهيمن على أحلامه فتتحول إلى كوابيس. كان يريد أن تكون نتائج الانتخابات التشريعية كنتائج الاستفتاء على رئيس الجمهورية، أي حفنة قليلة من المجانين ترفض في مقابل طاعة عمياء من كل أفراد الشعب. وجاء الثاني من أغسطس المشؤوم، واجتاحت قوات الطاغية صدام حسين جارتها الصغيرة الكويت، وغدر بالكويتيين الرجل الذي قال في يوم من الأيام عنهم بأنهم الأقرب إليه. وكانت فرصة للرئيس زين العابدين بن علي، فهو يريد أن ينحاز إلى الأغلبية من أبناء شعبه المخدّرَة بهوس القوة العراقية، ويبحث كنظيره السوداني عمر حسن البشير عن قطعة من الكعكة الكويتية، وصدر بيان اتحاد الكتاب التونسيين الذي بعث تهنئة للرئيس صدام حسين بعودة الكويت إلى تراب الوطن الطاهر .. العراق! وتحولت جمهورية الرعب العراقية إلى نموذج يحلم به المثقف التونسي ورئيسه، أما المقابر الجماعية فلم يأت أحد على ذكرها، فربع مليون عراقي قام صدام حسين بتصفيتهم لا يمثلون أمرا جللا أو خَطْباً كبيرا لكي يكترث الجنرال التونسي بهم. الجنرال التونسي يختلف عن الجنرالات الجزائريين، ففي الجزائر احتاج الأمر في الحرب القذرة إلى مئة ألف قتيل لينتهي الصراع لصالح مافيا الجنرالات، أما في تونس فإن أجهزة القمع كانت قادرة على حسم المعركة لصالح القصر في مقابل عدة مئات من المناهضين قضوا تحت التعذيب في جمهورية الرعب التونسية. ابتسمت الأم الحنون فرنسا فجنرالها في تونس قضى على الخطر الأخضر وتلك هي الديمقراطية المقبولة غربيا وأمريكيا. لهذا يعتبر الرئيس جاك شيراك صديقَه ونظيرَه الرئيسَ حسني مبارك حامياً للسلام الغربي في أرض العواصف والأنواء والارهاب ، ولا يهم وجود ثلاثين ألف سجين في معتقلات مبارك لم يُعرض أكثرهم على العدالة ( للمفارقة فالقانون الفرنسي يطير بجناحين مصريين ) . في مارس 1994 أعلن الدكتور منصف المرزوقي رئيس رابطة حقوق الانسان التونسية ترشحه أمام بن علي، ودفع منذ ذلك الوقت ثمنا غاليا تماما كما دفع الدكتور أيمن نور ثمنا باهظا من عمره وصحته لأنه ترشح أمام الرئيس حسني مبارك. الأول قامت سلطات بن علي باتهامه بسرقة سيارة، والثاني بتزوير أصوات وتوكيلات. في تونس اختطف ثلاثة من رجال الاستخبارات الناشط الدكتور منصف المرزوقي وأعادوه بعد يومين ، وفي مصر قامت أجهزة استخبارات حسني مبارك باختطاف الدكتور عبد الحليم قنديل وأوسعوه ضربا، ونزعوا ملابسه وتركوه عاريا في الصحراء. كأن الطغاة يتقاسمون نفس الأحلام وشعوبهم تطاردها نفس الكوابيس. عشرون عاما ستمر قريبا على وجود أعتى أنظمة الارهاب والسادية والوحشية، لكن جنرال تونس في حماية أصدقائه في الغرب والولايات المتحدة، واستثمارات دول الخليج عادت لدعم اقتصاده، وأربعة ملايين سائح طيب يبحثون عن الشمس والبحر والتسوق والاسترخاء أمام الأزرق الكبير، لكنهم لم يسمعوا عن مقابر جماعية في تونس، فعظام الموتى الذين قضوا تحت التعذيب لا تزعج الزوار. والتونسيون يحبسون دموعهم فسوط الرئيس على ظهورهم يلهبها، لكنه يزيد الصمتَ صمتاً.
أراك تلتصق الآن في مقعدك الوثير، وتثبّت عينيك على الشاشة الصغيرة، وترتعش يداك وهما تتعّرقان حول سمّاعة الهاتف، وقد جاءك صوتٌ من أحد كبار الكبار يطمئنك بأن كل الأمور على ما يرام، وتمام يا أفندم، فقواتك الباسلة، يا صاحب الضربة الجوية الأولى، اخترقت بشجاعة منقطعة النظير جيشاً عرمرم من شباب صغير ومرهَق من السهر استعدادا للامتحانات، ثم لبى نداء قضاته الشرفاء. كانوا عشرة على الرصيف، وجنودك الأبطال أكثر من تسعمئة يحاصرونهم. القانون يقول بأنه يتم القبض على مخالفيه، ثم يُعْرَضون على النيابة. أما قانون الجبان فيطلب من كل ثلاثين أو أربعين كلبا محاصرة مواطن واحد، ثم القائه أرضا، وركله بشدة في كل أنحاء جسده حتى يتورم، وتنفجر من مساماته دماء حمراء قانية. أراك هاربا في ايطاليا أو ألمانيا أو المغرب أو شرم الشيخ، وأتحداك أن تخرج في موكب مخترقا شوارع العاصمة ولو كنت في حماية أمريكا واسرائيل وكل كلابك الذئبية المفترسة. أقدم اعتذاري الشديد لكل الطيارين الأبطال الوطنيين الذين رعتهم سماء مصر في السادس من أكتوبر عام 1973، وأقول لهم بأن هذا الرجل ليس منكم وليس مِنّا. لعلك كنت تستلقي من الضحك على غضروفك الذي آلمك عندما بلغك نبأ تحرش ضباطك وجنودك بفتيات مناضلات أصغرهن أكثر منك شجاعة، وأعمق حبا للوطن، وأقرب لروح السماء منها لتراب الأرض. انتقدتك كثيرا، وكتبت عنك ما ظننت أنه يفجر الماء من الصخر، ولكنني هذه المرة أحمل لك رسالة من سبعين مليونا من المصريين، ومعهم ستة ملايين مغترب منعهم ظلمك أن يدلوا بأصواتهم في الانتخابات الأخيرة خشية أن يكون الوعي قد أصابهم، والخوف من زائر الفجر قد زال عنهم في الغربة. الرسالة التي أستطيع أن أختصر لك فيها ربع قرن من حكمك العفن والتي انتهت باغتصاب عساكرك الأكثر قسوة وغلظة من أخس وأحط وأسفل الساديين فتيات عفيفات مصريات لا يملكن غير حب جارف لمصر، هي أيضا رسالة تشهد عليها كل القيم والمباديء والأعراف والأخلاقيات والدين والوطنية والانسانية. رسالة بصقها كل مصري شاهد أوامرك النتنة تتجسد في أحذية رجال أمنك، ويركلون بها رجال القضاء، وشباب الجامعات، والأكاديميين والتربويين. رسالة تضاعفت بصقَتُها سبعين ضعفا عندما عرفتْ مصر كلها كيف استجاب ضابط الأمن لتعليماتك الجبانة فقال للقاضي المريض: حتى لو كنت رئيس محكمة فانت ابن كلب! في حادث بورسعيد المعروف والذي تم فيه قتل رجل أراد أن يمرر لك رسالة، أسرع ابنك، الرئيس القادم، إلى الوزراء في الاستراحة وهم ينتظرون موكبك، ودخل غاضبا عليهم ولدى بعضهم أولاد في مثل عمره قائلا: يا ولاد الكلب الريس بتاعكم كان حيموت وانتم قاعدين هنا بتدلعوا ! وأسرع رئيس الوزراء يهديء من غضبه قائلا: إنك ابني، فكيف تقول لي ولنا هذا الكلام؟ رد جمال مبارك قائلا: وأنت كمان ابن كلب زيهم. تلك هي أخلاق أسرتك التي تعيش أيامها الأخيرة وسيتشفى فيك كل مصري، وستكون نهايتكم نهاية أكثر مأساوية من كل طغاة العصر. الجبان هو الذي يعتقل الأبرياء، ويأمر بمنع القضاة من التوجه لزملائهم، وبنزع ملابس فتاة عفيفة ثم تحرش كلابك الأمنية بها والتهديد بأنهم سيغتصبونها كما فعلوا مع غيرها. الجبان هو الذي يخاف من شعبه، ويأمر بسرقة أمواله، وبتزييف إرادته، وبتزوير نتائج الانتخابات، وبتلفيق التهم ضد معارضيه، وبفتح المعتقلات والسجون بعد رشوة رجال الأمن ترهيبا وترغيبا. الجبان هو الذي يُفرّق بين أفراد الشعب، ويرفع من شأن اللصوص، ويتساهل في فسح المجال لتجار المخدرات، وينتقم من الأبرياء، ويحتقر السلطة القضائية. سيدي الرئيس محمد حسني مبارك، الرسالة التي أراد سبعون مليونا من المصريين أن يبصقوها وهم يشعرون بالقرف والغثيان هي أنك جبان. كل الشواهد والدلائل والقرائن والصور وشوارع العاصمة المسكينة نطقت بوضوح هذه الكلمة. كنا نتمنى أن ينحاز ضباط الأمن إلى الشعب قبل أن يتم توزيع قائمة سوداء بهم ستكون بداية النهاية لأكثرهم جبنا فور سقوط نظامك. كتبت مقالا من قبل تحت عنوان : ( لماذا أكره الرئيس حسني مبارك ) . الآن وأنا في كامل الوعي أقول بأنني أكره بنفس القدر كل من لا يكرهك، ولست على استعداد للاستماع ولو لبرهة واحدة لمن يبررون خسة ودناءة ودموية نظامك ورجالك وضباطك. ربما تضحك الآن ملء وجهك، وتظن أن مصر ستنسى، وأن أحذية عساكرك قد ألقمت أفواه مواطنيك، وأن زنزانات بيوت الرعب في عهدك قادرة على تعليم شعبنا الخضوع لك. كان هناك أمل ولو بدا ضعيفا أن تنطلي لعبة الحزب الوطني ومجلس الشعب على الشعب فيجد نفسه مضطرا لانتخاب ابنك. الآن وأجساد بناتنا المتحرش بهن تلعن يوم توليت حُكمَ مصر، أؤكد لك أن محاكمتك أصبحت على مرمى حجر، وأن ابنك سيكون في القفص المجاور لك، وأن أعتى كلاب أمنك يعرف شعبنا والمتظاهرون والمتظاهرات وجوههم فردا .. فردا. تذكرت الضابط الذي هدد مواطنا متهما بأنه سيحرقه، فلم يصدق المسكين فهو في عهد قائد الضربة الجوية الأولى الذي يتوجه إلى الله خمس مرات في اليوم والليلة، فكيف يحدث ذلك. والضابط لديه أوامر منك: افعلوا بالمصريين ما يجعلهم يلعقون تراب الأرض في عهدي. في منتصف الليل، جاء الضابط، ودخل التخشيبة والرجل المصري المواطن في عهدك الأسود يغط في نوم عميق. يصب الضابط كيروسين فوق جسده، ثم يشعل فيه النار. ويموت مواطنك، وتلعنك الملائكة، وتبقى لعنة الشعب تنتظر يوما بات قريبا .. بل أقرب إليك من كل همسات كلاب قصرك في أذنك وهي تقول: تمام يا أفندم، فعلنا بهم كما أمرتنا وأكثر. ربما يكون قد وصلك خطاب من سيد البيت الأبيض مختوم على غلافه سري للغاية، وفيه عرض بأن تستضيفك وأسرتك وأقرب لصوصك وأوّفىَ كلابك جهة عربية أو أجنبية. ربما تكون قد قمت فعلا بتهريب ما يجعلك وأسرتَك من أثرياء الدنيا وفقراء الآخرة ما بقي عزرائيل بعيدا عنكم. أتوقع منك أي شيء الآن كتفجيرات شرم الشيخ أو دهب أو الاتفاق الضمني على التخلص من قيادات عسكرية كبيرة كما حدث مع الخبراء العسكريين الذين اسقطت طائرتهم وسقطت معها الذاكرة. ربما يقوم رجالك برهن الوطن كله وتفريغ مصارفه والتفريط في استقلاله. غضب مني مصريون كثيرون بعدما نشرت مقالا تحت عنوان( كيف تقنع المصريين بأن لهم كرامة؟ ). أما الآن فقد أفرجتْ مشاهدُ افتراس كلابك لأبناء شعبنا في قلب القاهرة الحزينة عن كلمة السر التي لو آمن بها واحد بالمئة فقط من المصريين لما بقي نظامك حتى صياح الديك أو شروق أول شمس على مصر منذ ربع قرن. كيف تقنع المصريين بأن مصر بلدهم؟ سؤال سيخترق الجهاز العصبي لأي مصري شريف، وسيعبث بمشاعر البلادة والجبن والصمت التي رانت على الكثيرين سنوات فيعطلها، وستظهر أمامك نخوة وشهامة وكرامة وحب جارف لمصر. ربما يكون جيش مصر الذي ظننته جيشك أنت قد تحرك فعلا أو سيتحرك في وقت وجيز ليحاصر قصورك وماسبيرو، فجيش بدون نخوة وكرامة وشجاعة ليس مصريا. وربما لم يتناه إلى سمعك هدير الجماهير التي بدأت في التحرك، وسيدفع كلابك ولصوصك وناهبو الوطن ثمنا غاليا، وسيمر الغاضبون ومعهم قائمة سوداء كأحذية ضباطك على أقسام الشرطة وفي الشوارع والميادين، فالأسماء معروفة سلفا، والوجوه التصقت في ذاكرة المصريين، أما البلطجية الذين استعنت بهم لتنتقم من رافضيك فلن يخطئهم مصري واحد، وفلاشات كل كاميرات المحترفين والهواة رصدتهم واحدا .. واحدا. اقترح عليك الآن أن تبدأ في العد التنازلي، وتنظر من شرفة مخبئك، فالمصريون لم يعودوا هم المصريين الذين اعطوك رقابهم ربع قرن من الزمان الأغبر. ندائي إلى كل المواقع والمنتديات والصحف والمجلات والمطبوعات الحرة وكل من يملك صوتا وكرامة وشهامة وحبا لمصر ولسانا يلهج بذكر الله وضميرا لا تزال فيه بقايا حياة أن يخرج عن صمته، وأن يساهم في اتساع رقعة الغضب، وأن لا يخشى تهديدا من الذين يحتضر نظام سيدهم، فالضوء أقرب من نهاية النفق، ومصر تستعد لصباح جميل، وكابوس مبارك بدأ فعلا في مغادرة الأرض الطيبة، وصبر المصريين لن تحتمله أيام قادمات أو أسابيع معدودة. من ليس مقتنعا حتى الآن بأن مصر بلده فلا حاجة لنا في لسانه وقلمه وحتى دعائه. سيدي الرئيس ... أنت جبان.
أوسلو في 17 مايو 2006
نعم أنا جبان, فماذا أنتم فاعلون؟
قرأت تلك الرسالةَ التي تصفني بالجُبن والخسة والنذالة لأنني أمرت بإغتصاب أخواتكم، وبضرب قضاتكم بالأحذية، والعالم كله يشهد عبر وكالات الأنباء والفضائيات والتقارير الاخبارية والصور الفاضحة لنظام حكمي، وكلاب قصري، وضباط أمني الذين حاصروكم بملايينكم في عاصمة الحزن، واختطفوا أبناءكم وبناتكم أمام أعينكم. نعم أنا جبان وأمرت بأن أعَلّمكم آدابَ الطاعة، وغضضت الطرْفَ عن سرقة أموالكم، وقمت بتسهيل أكبر نهب لخيراتكم، ومددت في قانون الطواريء رغم معارضة سبعين مليونا منكم، وأعرف أنني أكثر زعماء مصر منذ بدء جريان نيلها الخالد في واديكم كراهية من شعبه، واحتقارا من كل فئاته، وازدراء من مثقفيه. ومع ذلك فقد طال انتظاري لغضبكم العارم، وكلكم تعرفون أن عقدين ونصف العقد من أسود أيام التاريخ المصري أعددت فيها ابني ليرث الحكم من بعدي ولو شججتم رؤوسكم في الأرض مئة مرة في اليوم. أجلس في شرفة مخبئي خائفا من غضب لا يتحرك، ومن نخوة يعبر عنها عدة مئات لا يسدون شارعا من شوارع العاصمة الأكثر نحيبا وبكاء في العالم العربي، وأنفق من أموالكم على أكثر من نصف مليون رجل أمن في مقابل قسوة ووحشية ودموية يظهرونها فور ظهور أي علائم غضب عليكم. ولازلتم تخشونني أكثر من خشيتكم ربكم، وترفض مئات المواقع على النت نشر بيانات الغضب، وتحذف ما يثير نقمتي، وتكتفي بما لن يحرك شعرة واحدة من أحد أفراد أسيادكم .. أسرة مبارك. هل تتذكرون مقالا تحت عنوان ( جمال مبارك : سوطي ينتظر ظهوركم العارية )؟ هل أثر فيكم مقال يحمل عنوان ( كرامتكم تحت حذائي )؟ ألم تغضبكم رسالة ( كيف تقنع المصريين بأن لهم كرامة ) ؟ ألم تنتفض مسامات جلودكم وأنتم تقرأون ( سأجعلكم تلعقون تراب الأرض ) ؟ الآن لم أعد في حاجة إلى اخفاء مشاعر الاحتقار، أو أنيابي المفترسة، أو ثقل أحذية كلاب أمني وهي تدنس أمامكم وجوه قضاتكم. هل أدلكم على سبعين طريقة لانقاذ بلدكم من براثن حكمي وكرباج ابني الذي طال شوقه لجَلْدِكم لربع قرن قادم؟ أستطيع فعلا أن أساعدكم لتغضبوا مرة واحدة يتيمة في ولاياتي الخمس، ولكن ماذا لو لم تتحركوا؟ أليس بامكان قضاة مصر في ناديهم أن يطالبوا بعزلي، ويلغوا الاعتراف بشرعيتي، ويقوموا بتكوين ترويكا من عدة قضاة شرفاء لحكم مصر؟ أليس بامكان جيشكم أن يتحرك وهو الذي يتابع جنرالاته الآن تحرشات كلاب أمني بأهلهم وبناتهم، ويكشفوا للعالم كله كم هي سهلة أعراض المصريين، بل أكثر سهولة من نهب وطنهم، وسرطنة مزروعاتهم، وتفريغ مصارفهم، وجعل كرامتهم تحت الصفر؟ أليست لديكم نقابات للعمال وأساتذة الجامعات والطلاب والاعلاميين والكتاب والشعراء والفنانيين والمحامين والأطباء؟ قولوا لي بالله عليكم: هل هناك مصري لم تؤذه سنوات حكمي في ماله أو عِرْضه أو شرفه أو جسده أو صحته أو كرامته أو حريته؟ ماذا تفعل فيكم وبكم آلاف المقالات والتحقيقات والوقائع المذهلة والحقائق الكارثية التي تقرأونها، ثم تمرون عليها مر الكرام كأنها لا تعنيكم؟ يحيرني سؤال لم أعثر على اجابة شافية عليه في سنوات اغتصابي بلدكم! ألا يشعر كل منكم أن مصر بلده؟ نعم أنا جبان، وأوامري تنفذونها، وابني تلقى تطمينات من سيد البيت الأبيض أن يركب فوقكم وأنتم تضحكون أو تبكون سيان. وأنا قاتل متهم في التخلص من مصريين كثيرين ليس لدي وقت لأحصيهم لكم عددا. وأنا السبب في كل كوارثكم ومصائبكم وأمراضكم وفقركم وبطالتكم وأوجاعكم وادمان نصف مليون مواطن على المخدرات، وفقدان مصر دورها الريادي واستقلال قرارها السيادي. أكاد أغضب لأنكم لا تغضبون. أمامكم القضاة في ناديهم يعتصمون ... وتبحثون عن أبنائكم بعدما اختطفناهم من شوارع القاهرة كما يفعل البلطجية وقُطّاع الطرق، لكن في معتقل طرة تتفوق شجاعتهم على خوف وتردد عشرات الملايين. أقترح عليكم أن تتوقفوا عن الذهاب للمساجد والكنائس فالله لا يقبل صلاة من يقف أمامه ويخشاني أكثر من خشيته العلي القدير. انتفاضة القضاة بعد أيام معدودة والانتفاضة الشعبية المصرية في 23 يوليو 2006 ، لكن كل الوطنيين والكُتّاب والمثقفين والمعارضين وعشاق الصراخ ورافعي علم مصر وناظمي قصائد الحب في بلدهم رفضوا ويرفضون وسيرفضون الاشارة إلى تلك الانتفاضة الشعبية المصرية فهي خط أحمر إذا تجاوزه الوطنيون سقط نظام حكمي في اليوم التالي، ولكن الوطنيين لا يميزون بين الجنة والنار، ولديهم أمل أن يبتسم السَجاّن في وجوهم. مرضي يشتد علي، وذاكرتي لم تعد تسعفني، وابني هو الحاكم الفعلي لمصركم، وضباط الأمن يراهنون على صمتكم واستمرار حكم أسرتي حتى نقبر آخر مصري تحت الأرض. نعم أنا جبان، ولكن ماذا عنكم؟ بضعة عشرات من شباب شجاع على رصيف أمام نادي القضاة يدافعون عن شرف أعرق وأهم أمم الدنيا وأكثرها حضارة! أيها المصريون، كم أنا مشتاق لغضبة جماعية منكم تؤكد لي أنني حكمت أحياء ولم استعبد أمواتا! لقد حزمت حقائبي، وقمت بتهريب ما يجعلني الأكثر ثراء وأسرتي ما بقي اسم أي مبارك حيا، وأمرت كلاب أمني بنهش لحومكم، وباحراق مصر على من فيها. أيها المصريون، ألا تخجلون في صلواتكم من الله تعالى؟ حتى لو كان البحر مدادا لأقلامكم في كتابة تفاصيل جرائمي فسأظل سيدكم وأبا سيدكم، مالم تخرجوا جميعا إلى الشوارع ليشهد العالم أن روح الله لا تزال حية في الخليفة على الأرض.
همست لقلمي بصوت خفيض جدا طالبا منه أن يخط بنفسه ودون أدنى تدخُلّ مني حوارا بين المباركين، الرئيس حسني مبارك والرئيس القادم جمال مبارك، فتنهد تنهيدةً كادتْ تمزق الورقة، وبدا لي أنها موافقةٌ على مضض. فهمتُ قطعا أن الحوار َبين الرئيسين يمكن أن يلخص أوجاعَ وطنٍ، ويختصر عذابات أمةٍ، وربما يحتاج لمثل نهر النيل الخالد مدداً لعله يقص ما حدث في ربع القرن الأخير ، ثم تحرك حركةً دائرية، وبدأ يخُطّ الحوارَ التالي ... الرئيس حسني مبارك: كنتُ فخورا بك وأنا أراقبك على شاشة التلفزيون في اليومين الأولين للمؤتمر الثاني للحزب الوطني الديمقراطي، وقد بدوت فعليا رئيسَ الدولةِ الحقيقي، أو ربما المهدي المنتظر!
الرئيس جمال مبارك: شكرا والدي العزيز فالمفاجأة كانت أكبر مما توقعت. كانت كلُ أجهزة ومؤسسات الدولة ممثلة بكبارها وصغار كبارها تجلس أمامي صغيرة، ضئيلة، مُحَجّمَة، مُقَزّمة كأنني أديت اليمينَ الدستوريةَ رئيسا مدى الحياة وفَقَدَ على اثرها الجميعُ أيّ أملٍ في زعيم آخر غيري.
مبارك الأول: ألم أقل لك من قبل بأننا نلعب الأوراقَ بمهارة، وينبغي أن تثق بأبيك فأنا لن أسمح، حيا أو ميتا، أن يرث الحكمَ من بعدي واحدٌ من هؤلاء المصريين المتخلفين الذين يتوهمون أن لهم حقوقا لَدَيّنا، وأنهم كمعظم شعوب العالم تختار زعيمها.
مبارك الثاني: كان الأمر في غاية البساطة والسهولة. الأيدي ترتعش، والظهور تتقوص، والمَسْكَنْةُ ترسم ملامحَ الوجه، والكبار العمالقة الذين تهتز الأرض تحت أقدامهم مثل صفوت الشريف وكمال الشاذلي وأحمد فتحي سرور ورئيس الوزراء وكل أعضاء الحكومة والأمن والمخابرات والجيش صغروا جميعا وهم ينظرون في عَيّنَيَّ، ولم يتجرأ واحدٌ منهم أن يسأل عن صفتي ووظيفتي الدستورية، بل إن المؤتمر كان استفتاءً حيّاً على الهواء تم تعييني بمقتضاه زعيما شابا لدولةٍ لم تعد تحتمل تمرّدا أو ثورة أو عصيانا.
مبارك الأول: الآن أؤكد لك أن الأمر لن يحتاج لتكملة مسرحية توريث السلطة فقد أعطيت أنا الاشارة في غيابي المتعَمِد لمدة يومين أن الحكم قد انتقل إليك وإذا أراد المصريون الادّعاء بأنهم أحرار يختارون رئيسهم وزعيمهم فليشُجّوا رؤوسهم، أو يخرجوا بملايينهم احتجاجا أو حزنا أو بكاء فنحن لا نكترث، وأقسم لك، ولدي العزيز، بأنني لن أترك هؤلاء الغوغاء يرثون منا مُلْكاً أو قصرا أو سُلّطة فمكانهم الطبيعي تحت أقدامنا.
مبارك الثاني: انتقال السلطة لا يقلقني وأكاد أسمع صوت الدكتور أحمد فتحي سرور يقول بصوته الجهوري وطريقته في السخرية من أعضاء مجلس الشعب بأن أكثر من ثلثي ممثلي الشعب قرروا ترشيح السيد جمال مبارك رئيسا للجمهورية خلفا للزعيم الكبير حسني مبارك، إنما قلقي من تعاظم حركة المعارضة التي تمثلها بعض الصحف ومواقع على الانترنيت، وبعض المشاغبين من القوى الوطنية واليسارية والشيوعية والناصرية والاخوان والمستقلين.
مبارك الأول ضاحكا: وهل هؤلاء يملكون جيشا وربع مليون جندي في الأمن المركزي ونصف مليون شاب ينتمون للحزب الوطني ولا يعرفون زعيما غيرك تماما كما لا يعرف الليبيون رسولا للصحراء غير قائدهم وخيمته وناقتيه وحليبهما؟ وهل يملك هؤلاء مخابرات وأجهزة أمن ووسائل اعلام تغطي كل شبر من وادي النيل؟ وحتى مع افتراض نشر العربي، والوفد، والأهالي، والمصري اليوم، وكل نشرات الاخوان المسلمين مقالات يظن من يقرأها أنها سوف تزلزل الأرض من تحت أقدامنا، فإن في مقابل كل كلمة اعتراض هناك مئة من رجالنا يتولون حمايتنا.
مبارك الثاني: أنا لا أشك، والدي العزيز، في وفاء كلاب القصر الذين يبررون نزواتنا وجرائمنا وأمزجتنا، ويغَلّفون قانون الأحكام العرفية، ويُغضمون العينَ عن مئات من حالات الانتهاك والاغتصاب والتعذيب والامتهان التي يتولاها عنا رجالُ أمنٍ عاهدوا اللهَ في القَسَمِ أن يحافظوا على الوطن، فلما تبعثروا في أقسام الشرطة بطول مصر وعرضها ضربوا بعُرْض الحائطِ شعارَ الشرطة في خدمة الشعب ليصبح عمليا الشعب في خدمة القصر. لكنني أخشى صوتا وطنيا تسمعه مصر كلها مطالبا بعصيان مدني، وفي هذه الحالة لا يستطيع ثلاثة ملايين من رجال الأمن والجيش والمخابرات وشبيبة الحزب الوطني أن يسحبوا سبعين مليونا من البشر من رقابهم كما يسحب جنود المارينز في سجن أبو غريب أهل العراق
مبارك الأول: يجب عليك أن تتحلى برباطة الجأش ولكن القسوة والغلظة والتعامل الفوقي ينبغي أن تسبق كل الأمور الأخرى. لقد حاول والدك لثلاثة وعشرين عاما اغتيال مصر، فصنعتُ في عهدي نصّابين ومحتالين وهبّارين وبلطجية ينهبون خيرات الوطن في كل شيء يتحرك فوق أرض الكنانة، الجمارك وتحويلات المصريين والمساعدات العربية والدولية والأمريكية، وفي عهدي غَيّبْتُ ربعَ مليون مواطن أصبحوا مدمنين، وهناك ستة ملايين عاطل عن العمل، وملايين تفتك بأجسادهم الأمراضُ وتقتل روحَ الحياة فيهم خشونةٌ وصعوبةٌ ومهانةُ الحياة اليومية، لهذا فمن الطبيعي أن تتوقع مناهضة مفاجئة لحكمك لو ظهرت قيادة ذكية وواعية تلتف حولها جماهير الشعب وهنا ستضطر للهروب من الباب الخلفي لقصر العروبة لأن أيّ محاكمة علنية لما ارتكبناه في حق مصر ستفتح علينا أبواب جهنم.
مبارك الثاني: وماذا أفعل مع الصحفيين المشاغبين الذين يُحرّضون عبيدَنا على التمرد، ويبسطون أمامهم حقوقهم التي نزعناها منهم؟
مبارك الأول:لقد تابعْتَ بنفسك الدرسَ الذي لقَناّه لعبد الحليم قنديل رئيس تحرير العربي، ولم يستغرق الأمر ساعتين هشّمْنا وجهه، وعلّمناه درجات ارتفاع وخفض الصوت لدى الحديث عن الكبار، وتركناه في الصحراء عاريا كما دفعت به لتِرْكَتِنا وعزبتنا وبلدنا بطنُ أمه. وقائمة المترقب وصولهم إلى منافذ مصر بالآلاف، ولعلك تذكر مجدي أحمد حسين وجماعة صحيفة الشعب الذين قَدّموا مئات الوثائق والأدلة على فساد رَجُلنا الدكتور يوسف والي، فلقّنْتهم درسا بليغا، فأنا الذي أحدد قيمة الفساد، ولو جاءت مصر كلها راكعة مستجدية أن أزيح من الوزارة توأما لابليس لما فعلت لأن أكثر ما يغضبني ويثير حفيظتي هو ظن الرقيق أن لهم عملا آخر غير الركوع على أعتاب السلطة، والتذلل لزعيم مصر.
مبارك الثاني:لقد تابعتك، أبي العزيز، في الشهور القليلة المنصرمة وأدهشني هذا الكم الكثيف من الحماية التي تخشى عليك وعلينا من غضبة الشعب أو من انقلاب أو ثورة أو تمرد عسكري، فهل لديك اسباب أخرى؟
مبارك الأول: الزعيم الذكي هو الذي يتنبه للخطر قبل وقوعه بزمن طويل، وأنت ترى بنفسك دولة تغلى تحت مَسْكَنَةٍ ظاهرة، وشعبا يصرخ معظم أفراده من غلاء يقصم الظهر، ومعيشة أكثر ضنكا من أسفل خط الفقر، وقيمة للمواطن أرخص من حفنة تراب خاصة إن شاء سوء حظه أن يمر قفاه على يد ضابط أو مخبر أو مرشد أو صول في أحد أقساط الشرطة يتعلم بعدها أنه في عهدي وعهد ابني وحفيدي سيظل صفرا أكبر من صفر المونديال الذي حصلنا عليه في زيوريخ. لذا كان من الطبيعي أن أتحرك بحذر شديد، فلو همست لك في أذنك بسرٍ أحسب أنه لم يغب عن فطنتك وذكائك المباركي الواضح لقلت بأنني أكثر زعماء مصر في تاريخها الحديث كراهية من الشعب،ورفضا من كل طبقاته، ولو ابتعد رجال الأمن عني خمس خطوات وثلاثة أمتار فإن عرش مصر لن يأتيك حتى يرث الله الأرض ومن عليها. هل تظن، ولدي العزيز، أن بامكاني الخروج في موكب رسمي وسيارة مفتوحة في القاهرة أُحَيّي الجماهير ، ويخرج المصريون يهتفون بحياتي؟ حتى تَلَقّى العزاء في الرئيس الراحل ياسر عرفات أو تأدية صلاة الجمعة في شرم الشيخ بعيدا عن غليان العاصمة كان لابد لي أن أجلس وظهري للحائط وخلفه حماية أمنية مشددة، فالمصريون كما تؤكد لي التقارير الأمريكية والغربية والاسرائيلية والصديقة لم يعودوا يحتملون أكثر مما فعلنا بهم.
مبارك الثاني: لكننا صنعنا، أبي العزيز، طبقة ثرية إن نهب أقل أفرادها عدة ملايين لسخروا منه لزهده وجُبنه. إنهم يلعبون باقتصاد أكبر دولة عربية، ويحتكرون أموال الوطن كله، ويفرّغون مصارفه وبنوكه من المليارات التي تدخل الخزانة قادمة من تحويلات المصريين في الخارج وقناة السويس والبترول والدعم الأمريكي والغربي والخليجي والسياحة. إن أصدقائي المقربين يملكون مليارات وقمت بمد خيوط بينهم ليصبحوا شللية متماسكة تستطيع أن تسبغ حمايتها علي في أوقات الكوارث .
مبارك الأول: مازلتَ، ولدي العزيز، ساذجا وتظن أن هؤلاء حماية لك من غضبة الشعب. كما أن رأس المال في علم الاقتصاد جبان، فإن أصحاب رؤوس الأموال أكثر جبنا من أي شيء آخر يتحرك داخل دائرة الاقتصاد .. وهو عَصَبُ الحياة. في فيلم بيت الأشباح عن رواية إيزابيل آينيدي التشيلية كان هناك حوار بين عسكري من قوة انقلاب وبين الرجل الأكثر ثراء والذي كان يدعم المؤسسة العسكرية مليارديرا ونائبا في البرلمان وصاحب ممتلكات لا تغيب عنها شمس تشيلي، وأصر الثري أنه هو الذي يملك المال ويدعم السلطة، فَرَدّ العسكريُ الجلفُ وقد وضع حذاءه فوق المنضدة: لكننا نحن الذين نملك القوة والسلاح. كل أصدقائك سيختفون ويذوبون بُعيّد أي تغيير في الحكم، ونفس الأمر ينسحب على من نهبوا وهبروا واختلسوا واحتالوا واقترضوا مئات الملايين في مشروعات لم تحقق للشعب أقل أمانيه.
مبارك الثاني: أراك، أبي الحبيب، وقد شحب لونك، وضعفت صحتك، وبدا خوفك واضحا من يوم الحساب المصري الذي يعده لنا هؤلاء الغوغاء على نار هادئة، فلماذا لا نشرك الشعب في الحكم، وتعلن أنت كفايتك من ولايات أربع، وأقوم أنا بترشيح نفسي في مسرحية كوميدية سوداء كما فعل الرئيس زين العابدين بن علي؟
مبارك الأول: ليست القضية ترشيحا صوريا لشخصين أو ثلاثة وستحصل على نفس النسبة المئوية للأصوات، أي ستة وتسعين بالمئة، ولكن في الايعاز والايحاء والتصريح ضمنا أو جهرا للمصريين أنهم يتساوون بنا، وأن من حق المصري أن يرشح نفسه أمام مبارك الأول أو الثاني أو الثالث ... عندما تتصرف بسذاجة وتواضع أمام المصريين فقد سقطت في فخ الحقوق والحرية والكرامة والمساواة. هل رأيت أباك في يوم من الأيام يسارع لانقاذ المصريين؟ لو فعلت أنا هذا مرة واحدة فلن ينتهي مسلسل طلباتهم وكأنني أعمل في خدمتهم. إنهم يبكون، ويصرخون، ولو جمعت دموع المصريين في ثلاثة وعشرين عاما لانشقت الأرض عن بحيرة جديدة، وهم يستجدون، ويتذللون، وأرسلوا لي عشرات الآلاف من الشكاوى المُرّة التي تخترق حجب السماوات العلا، ولم أكترث لهم أو أعبء بهم أو أهتم بأمرهم .. إنهم في قناعاتي حشرات لا تستحق دهسة حذاء لي، يريدون مني مشروعا قوميا لمحو الأمية، ومشروعا وطنيا لبناء مدينة جديدة ينتقل إليها سكان المقابر ، ويطلبون دواء رخيصا، والقضاء على الاستغلال، والحفاظ على مستوى ثابت من الأسعار، واحترام كرامتهم، ووقف التعذيب والاغتصاب والحرق والسلخ في أقسام الشرطة، وتعيين أصحاب الكفاءات، والغاء قانون الطواريء، ومطاردة الفاسدين، ويطمعون في عدالة وقضاء نزيه وسريع، والبت في عدة ملايين من القضايا التي تنتظر في محاكم أبطء من السلحفاة، ويريدون إدارة سليمة، وتعليما جيدا، ومستشفيات نظيفة، ويزداد نهمهم فيطلبون مني حماية المغتربين والمهاجرين .. في مكتبي أوراق مكدسة منذ بداية حكمي لم أَبُتّ فيها امعانا في اذلال المصريين حتى يظلوا عاقدين أملا مستحيلا في تدخلي. لو أنني بقيت سيد القصر في ولاية خامسة حتى أبلغ الثالثة والثمانين فسأجعل المصريين يلعقون تراب الأرض جوعا ومهانة وخنوعا.
مبارك الثاني: ألست خائفا، أبي العزيز؟
مبارك الأول: لا يخيفني شيء في مصر كلها إلا العصيان المدني فهو تمرد سلمي يمتنع فيه كل المصريين بدون استثناء،إلا من رجالنا، عن العمل أو الخروج أو التعاون مع الحكومة، فإذا وصلت الرسالة إلى الجيش والمخابرات ومباحث أمن الدولة وفهموا جميعا أن أفراد الشعب هم أهلهم وأقاربهم واصدقاؤهم وأحبابهم فسنضطر أنا ووالدتك وأنت وأخوك علاء إلى طلب اللجوء السياسي في سفارة الولايات المتحدة الأمريكية أو ألمانيا أو بريطانيا أو نلجأ لدولة عربية مثل الأردن واليمن والجزائر.
مبارك الثاني: لكنك لم تصرح لي حتى الآن بما يدور في ذهنك عن تجديد ولايتك لمرة خامسة أو اهدائي مصر عسى أن تضمن ربع قرن جديد لحكم مبارك حتى أُعِدّ أنا حفيدك ليتسلم مصر من بعدي إذا بقي فيها شيء لم ينهبه أو يسرقه أو يدمره حيتان عهدي.
مبارك الأول: إنني أعرف أن صحتي لم تعد تنهض بي لكنني لا اصدق أن يوما قد يغرب ومعه سلطتي كنصف إله لهذا الشعب. هل سمعت عن أي فرعون مصري زَهَدَ في الحُكم وخرج من الباب الرئيس للقصر عائدا إلى صفوف الجماهير كواحد منهم؟ ومع ذلك فقد بدأت أفكر جديا في اكمال مسرحية وراثة العرش لينتقل إليك دستوريا ويقطع الطريق على المتربصين بنا، وفي الوقت الحالي ليس أمامي غير ترشيح ثلثي أعضاء مجلس الشعب إياك، ثم يعقبه استفتاء شعبي يكتسح فيه الجاهلون والخائفون وأعضاء الحزب الوطني كل دوائر البلد لتصبح مصريا وعربيا ودوليا وأمريكيا فخامة السيد رئيس الجمهورية!
مبارك الثاني: وماذا عن المعارضة وقوتها واصرارها على كشف سوءاتنا؟
مبارك الأول: في نفس العام الذي شهد موّلدَك كتب المأمون أبو شوشة قصيدته الشعب ثار، يقول فيها: الأغبياء .. الأدعياء .. المغرضون يهللون: إن الرعيةَ حرّةٌ والشعب جبّار عنيد انظر لسخف حديثهم لغبائهم أو ليس شعبك أو كلابك كلُهم مُلْكاً حلال؟ هكذا، ولدي العزيز، حري بنا أن نتعامل مع هذا الشعب، وفي الأيام الأولى بُعَيّد توليك السلطة تُلقي خلف القضبان عدةَ آلاف من المشاغبين والمعارضين، ولستَ في حاجة للشرح والتفصيل والتبرير فلدينا من الكلاب أكثر من الهَمِّ على القلب وهؤلاء سيكتبون، ويبررون حملة الاعتقالات بأنها للحفاظ على أمن الوطن، وسيعلقون في رقبة المتهم تهمته التي تليق به، مثل الانتماء إلى تنظيم غير شرعي. التخابر مع دولة أجنبية. التآمر ضد الشعب المصري.. الانتساب لتنظيم عالمي ارهابي. تعكير صفو السلام الاجتماعي. اثارة النعرات بين أبناء الوطن الواحد .. الخ وكل تلك التهم ستجدها في درج مكتب رئيس التحرير لأي صحيفة قومية، أما رَصُّها وزركشتها ونفخُ الروح فيها فهي مهمته إذا أنجزها باتقان ضَمَنَ منصبه حتى يبلغ من العمر أرذله!
مبارك الثاني: القاء نظرة متفحصة ومتأنية وعميقة على المشهد المصري برمته يوشي بأننا أسرة يبغضها المصريون بغضا شديدا، ويتمنى رعايانا رحيلَنا في انقلاب يقوده وطنيون مصريون لانقاذ ما بقي من هذا البلد، هل تضمن بقاء ولاء الجيش لنا؟
مبارك الأول: انصت إلي جيدا، ولدي الحبيب، إنما يبكي على الحبِ النساءُ، فلا تنشغل بأبعد من صناعة العبودية. أما الجيش الوطني المصري فهو يغلي في كل ثكناته، وضباطه وجنوده ينتمون للشعب المصري ويعرفون من ذويهم واقاربهم وأهلهم أن الغليان امتد إلى كل أفراد الطبقتين المتوسطة والدنيا فضلا عن المثقفين والأكاديميين والمفكرين والشرفاء المستقلين، لهذا أقوم أنا بمراقبة الجيش أكثر مما أفعل مع العدو على حدودنا. أقوم بتغييرات في القيادات. أجعلهم يشعرون أن أنفاسهم تصل إلى في مخدعي بالقصر الجمهوري، وأنني أستطيع احصاء عدد دقات القلب لأي مصري تُسوّل له نفسه أن يحلم، مجرد الحلم، بتأييد انقلاب ضدي، واجعل وزير الدفاع لا يغيب عن عيني ليلا أو نهارا، فمهمته ليست بناء جيش قوي، إنما خدمة الرئيس وحضور الحفلات والوقوف في صف المودعين والمستقبلين. عندما قام شيخ الجامع الأزهر يؤم الناس للصلاة أمام نعش الرئيس الراحل ياسر عرفات، كان وزير الدفاع خلفه مباشرة وأنا كنت في سرادق العزاء أحتمي برجالي وحراسة لم تشهد لها مصر من قبل مثيلا.
مبارك الثاني: هل تنصحني بالتحالف مع المخابرات ومباحث أمن الدولة؟
مبارك الأول: ليست القضية تحالفا أو اقترابا، ولكن عليك أن تربكهم، وتشغلهم بقضايا هامشية، وتضع أمامهم ملفات لأخطار وهمية حتى تخلق صراعا بينهم وبين أفراد الشعب مثل تطبيق قانون الطواريء، ومراقبة الجماعات الاسلامية والعائدين من أفغانستان والبوسنة والعراق والصومال وأي منطقة بها صراعات.فهم رجال يتعاملون بجدية مع قضايا العدو الخارجي. بين الحين والآخر تقوم بعمل تنقلات مفاجئة لكبار رجال الأمن والمخابرات، وتفصل بين المتحالفين والأصدقاء، وتشم رائحة المشاعر الوطنية الجارفة فتركل بلطف بعض اللواءات الذين يعرفون أكثر من اللازم. لكن الأهم أن تنمي روح الخوف منهم والكراهية لهم من أفراد الشعب مثلما فعلت أنا عندما تركت ضباط الشرطة يُنَكّلون بالمواطنين، ويرتكبون جرائم الاعتداء على الكرامة، ويسلخون جلود مواطنينا ورعايانا، ثم تتوجه الاتهامات إلى مباحث أمن الدولة وأجهزة المخابرات وغيرها من الجهات الأمنية الوطنية.
مبارك الثاني: هل يمثلون خطرا علي في المستقبل؟
مبارك الأول: نعم، في حالة واحدة وهي تحالفهم مع الجيش والشعب في الوقت عينه، وتنامي روح الوطنية الجارف.أما الغضب الشعبي فأنا نجحت فيما لم يتمكن منه أي حاكم أو طاغية حكم أرضَ الكنانة في الخمسة آلاف عام من عمر وادي النيل. لقد تمكنتُ بمهارة فائقة من التسلل خفية إلى النفس المصرية، وعبثت في أزرارها، وغيرت في قواعد سلوكياتها، وأخرجت إلى السطح اللامبالاة والخوف والجُبن وثقافة التسول والقسوة وبعد ثلاثة وعشرين عاما من حكمي ظهر المشهد المصري الجديد كأنه لا يَمُتّ لأصالة وعمق وتاريخ وجذور وحضارة هذا الشعب. تحدث الآن مع مصري مغترب أو عربي عاشق لهذا البلد، ودعه يحكي لك عن انطباعاته منذ وصوله مطار القاهرة الدولي وحتى عودته إلى مهجره أو بلده. ستعرف آنئذ أن والدك قام بتكسير وتهشيم وتدمير الشخصية المصرية، وغَيّرْتُ ملامحها، ورسمتُ البؤسَ عليها، وألصقت الخوف بأوصالها. لا تخف، ولدي العزيز، فالمصريون لن يثوروا قبل صعود البطل الجديد على خشبة المسرح، وقد يكون من الجيش أو المخابرات أو أمن الدولة. البيان رقم واحد لا يعلم إلا الله متى وأين وكيف سيُعْلَن على الملأ. المصريون ينتظرون بصبر نافد قيادة جديدة تنهي حكمنا المباركي الشريف، وتعيد السلطة إليهم، وتفضح عورات نظامنا، وتفتح ملفات جرائمنا، ونحن لن نمكنهم من اكمال حلمهم، ولو اضطررنا لارسال الالاف منهم لمقابر جماعية أو نكدس كل السجون والمعتقلات بكل صاحب صوت ينطق أو يعبر عن أحلام المصريين وآمالهم وتمنياتهم بزوال نظام حكم مبارك وأسرته.
مبارك الثاني: إنك تخيفني، والدي العزيز، بدلا من أن تدخل الطمأنينة إلى قلبي، فأنا لست على استعداد للوقوف متهما أمام محكمة الشعب. ولا أستطيع أن أتخيلك واقفا في قفص الاتهام، فملفُك، أبي الحبيب، متضخم حتى الانفجار، وبامكان أي قاض أو مستشار متمرس أن يستخرج منه آلافَ التجاوزات والأخطاء والسلبيات والجرائم أو الصمت عمدا على جرائم مافيا عهد أسرتنا المباركة ولن تفلت من حكم صارم وقاس وغليظ يكون عبرة لكل زعماء العالم الثالث.
مبارك الأول: لا تخف فالمصري يتحمل صبر الأنبياء، وعذاب القديسين، وجبالا من القهر، ثم تشتري صمته وسكوته ومزيدا من صبره عندما تقنعه بالخوف من المجهول، وبأن المستبد الحالي أكثر شفقة عليه من حاكم عادل لم يره بعد. إن وقوفي خلف قفص الاتهام في محكمة شعبية لن يحدث حتى يلج الجمل في سَمِ الخْياط. تأمل، ولدي العزيز، في الحراسة التي تحيط بي. إنها دولة داخل الدولة، وجيش عرمرم من الأمن والاستخبارات والمرشدين وكلهم يُكَوّنُون هرما قاعدته تمتد مع عشرات الآلاف من الأمن المركزي وشبيبة الحزب الوطني وأعضاء مجلس الشعب واعلاميي الصحف القومية ، الأهرام فقط بها 2000 صحفي. نعم فمصر تغلي فوق بركان ألهبت حِمَمَه سنواتُ عهدي، لكنه لن يثور الآن، وقد يمتد لأجيال ثم يهدأ عندما يدب اليأسُ في نفوس المصريين، وتتحول الطبقةُ الدنيا بملايينها إلى خدم وعبيد أقصى أمانيها أن يلقي إليها رجالنا بفتات الخبز أو بقايا ما تستغني عنه حيتاننا.
مبارك الثاني: هل الدرس الذي لقنته للممدوح حمزة وعبد الحليم قنديل كاف لتخويف الآخرين؟
مبارك الأول: دروسنا لا تتوقف، فإذا ظننت أن الشعب هاديء دون أن تُلوّح بعصا الطاعة فقد كتبتَ نهايتك بيديك.لهذا، ولدي العزيز، كلما هدأ الحديث عن حقوق الانسان المصري وكرامته، خرجتْ من أحد أقسام الشرطة جثةٌ لمواطن قضى تحت التعذيب مع ضمان كامل مني لمعذبيه من ضباط الشرطة بأن لا يُقَدَموا لمحاكمة أو تُوَجَّه لهم كلمة عتاب واحدة، ولا مانع بين الفينة والأخرى أن نبحث عن كبش فداء حتى يتمكن رجالنا في بلاط السلطة الرابعة من الكتابة عن القصاص العادل من ضباط الشرطة الذين يتجاوزون حدود مهمتهم في خدمة الشعب.
مبارك الثاني: هل سنتعرض لضغط أمريكي من أجل اقامة انتخابات حرة، وترشيح أكثر من منافس، والافراج عن المعتقلين، وتوسعة مساحة الحرية؟
مبارك الأول: أمريكا لا تطرد رجالها أو تتخلى عنهم ما داموا قادرين على تأدية الخدمات بأمانة.إن السياسة الأمريكية لا يرسمها رُسُل أو أنبياء أو حتى مصلحون مثاليون، وأمريكا وقفت دائما مع العصابات والمجرمين باستثناء حالات خاصة ونادرة مثل تحرير دولة الكويت والفضل في هذا يعود إلى تكاتف الكويتيين والتفافهم في جدة حول شرعية آل الصباح في المقر المؤقت على الأرض السعودية.صدام حسين كان صناعة أمريكية، والمجاهدون الأفغان تدربوا على أيدي أجهزة استخبارات أمريكية، واياد علاوي صناعة أمريكية أيضا. الولايات المتحدة تتخلى عمن تم استهلاكه، واعلامها قادر على رسم الفضيلة في بيت للبغاء، أو جعل عاهرة قديسةً يحج إليها المؤمنون برسالة البيت الأبيض. هكذا تحول العقيد من ارهابي مطلوب لكل محاكم الدنيا إلى رجل أمريكا في شمال أفريقيا متفوقا على زين العابدين بن علي وعبد العزيز بوتفليقة والراحل الحسن الثاني. واشنطون لن تتخلى عني وعنك مادمنا قادرين على تأدية الخدمات المطلوبة. وأنت رأيت بنفسك عندما قمتَ بزيارتهم أن الجميعَ تعامل معك كرئيس مصر، وكذلك فعل توني بلير وجاك شيراك. المهم أنْ تُردد صدى ما يلفظ به سيد ُالبيت الأبيض، فإذا تحدث عن الارهاب والقاعدة والتطرف الاسلامي وحماس وحزب الله، فما عليك إلا أن تشن حملة اعتقالات تجعل السفير الأمريكي في القاهرة يبعث رسالة عاجلة إلى سيدنا هناك بأن كل الأمور تسير على ما يرام.
مبارك الثاني: هل فكرت في منح الأقباط حقوقهم الدينية والمواطنية؟
مبارك الأول: أحذرك، ولدي العزيز، من فتح ملف الأقباط فهو شائك. لقد تعمدت اهمالهم، وتركت أحيانا قوى التطرف تؤذيهم وتسرق محلات تجُاّرهم وتحرق بعض كنائسهم، وعلّمْتهم درسا في الكشح، وانتهى التحقيق المفتعل إلى تبرئة المتطرفين المسلمين. أما تعيين قبطي في منصب وزاري سيادي فهو غير وارد على الاطلاق على الرغم من أن الإسلام منحهم كل حقوق المسلمين، ومصر وقّعَتْ على وثيقة حقوق الانسان العالمية.
مبارك الثاني: أشعر بأنك، والدي العزيز، تركت لي حكما أوهن من بيت العنكبوت، وأن العبيد سيثورون ويتمردون ولن نستطيع أن نهرب من غضبة عارمة تهز، وربما تكسر كل أوتاد يرتكز عليها نظامنا.
مبارك الأول: لا ترتجف، ولدي العزيز، وتماسك قليلا فقد علمتني التجارب أن ذاكرة المصريين أضعف من نظام حكمي.
ذاكرة المصريين الضعيفة هي قوتنا في الاحتفاظ بالسلطة. إنهم يتظاهرون من أجل الحجاب في فرنسا، ومحاكمة سلمان رشدي وتسليمة نسرين، وربما احتجاجا على رسم كاريكاتيري في مجلة هندية، لكنهم سرعان ما يعودون إلى طبيعتهم الأيوبية صبرا لا تتحمل شطرا منها شعوبٌ كثيرة في العالم. هنيئا لك، ولدي العزيز، بقرب وصولك إلى القصر الجمهوري، وسيأتيك المصريون أفرادا وجماعات يؤدون قَسَمَ الخنوع والطاعة. أما الغليان المصري فربما يكون فوق بركان هاديء.
أيها المواطنون، ينبغي أن أعترف لكم بسر حفظته في صدري أعواما عدة، وهو رغبتي الشديدة في أن أجعلكم تقفون صفا واحدا يبدأ من الاسكندرية وينتهي في حلايب، ثم أصفعكم على أقفيتكم واحدا وراء الآخر، وبعدها أضع صندوق الانتخابات أمامي لأرى المشهد المصري من جديد، والنتيجة الطبيعية ستكون ملايين من الأصوات التي تؤيدني، وتطالبني بالاستمرار في استحماركم ست سنوات كأنهن قطع من الليل مظلمات. ماذا حدث لكم؟ ماذا تريدون مني أن أفعل بكم أكثر مما قمت به في ربع قرن؟ جعلتكم في مؤخرة ركب الدول المتقدمة، وأعطيت اشارات خضراء واضحة لنهب وطنكم، واختفت مئات المليارات منذ أن توليت حكمكم بقوانين استثنائية لا يرضى بها سوى العبيد، ومر على سجوني ومعتقلاتي نصف مليون مصري ولازلت أحتفظ بخمسة وعشرين ألفا بدون محاكمة، وأشرت بالموافقة لضباط الشرطة والمخبرين والمرشدين أن يعاملوكم كحشرات لا قيمة لها، ووصلتني مئات التقارير عن التعذيب والاغتصاب والحرق والتنكيل والمهانة المفزعة فأسعدتني وأثلجت صدري، وتعرفتم في عهدي على أمراض وبائية وزادت البلهارسيا والكبد والتلوث ، وتضاعفت قدرة الفساد على الدخول لكل المناطق المحرمة حتى المحاكم والمؤسسات الدينية والجامعات والمعاهد العلمية والمستشفيات والصيدليات والاعلام والسياحة والزراعة ولم أُبق لكم مكانا واحدا تتنفسون فيه هواء نقيا، ومع ذلك تدعو الحركة المصرية من أجل التغيير ( كفاية ) إلى مظاهرات في أنحاء الدولة فلا يزيد عددكم على بضعة مئات يهتفون ضدي ولحرية بلدهم، يراقبهم سبعون مليونا قطع الخوف ألسنتهم وجمد الدماء في عروقهم وبلّد المشاعر في أحاسيسهم. إنني في حيرة ليس لها تفسير. هل المطلوب مني حتى تغضبوا أن آمر باغتصابكم فردا فردا؟ لقد فعلت معكم ما لو قمت به مع قطيع من الماشية لنفر غضبا، وتمرد على العصا، وواجهني محتجا ورافضا، والغريب أنكم قادرون على تبرير استغفالي إياكم واحتقاري لكم وازدرائي صمتكم وسكوتكم القاتل، فتخرجون في مظاهرات تأييد من الأزهر الشريف بعد صلاة الجمعة، ويجتمع بكم عضو مجلس الشعب في مسرحية سخيفة لتأييدي فتخرجون من بيوتكم كأنني أحمل لكم المن والسلوى، وقد رأيتهم بأعينكم أنني حملت لكم الخراب والصفر والمذلة والخنوع. حتى الدين المقدس الذي علمكم رفض الطغاة، وأكد لكم أن الله تعالى كرم بني آدم، تستخرجون منه مخدرا أكثر تغييبا من البانجو لربط الايمان بطاعة ولي الأمر مهما فعل بكم. سبعة عشر حزبا من تسعة عشر يعملون ظاهرا من أجلكم، فيوافقون على تأجيل الاصلاحات لما بعد الاستفتاء، وكأن يوما أو يومين أو شهرا أو سنة في عمر سجين أو معتقل أو مهان أو مظلوم ينتظر حقه لا تساوي شيئا، فمصر تستطيع أن تنتظر اصلاحات يعدها بها حفيدي بعدما تتحولون إلى متسولين يبحثون عن لقمة العيش في صناديق القمامة. لماذا لا تغضبون لكرامتكم؟ لماذا لا تقوم قوى المعارضة النبيلة والنزيهة والشريفة بالتوقف فورا عن المظاهرات، والبدء في دعوة للعصيان المدني ينتهي معها مشهد العبودية المهينة؟ ستجدون مئات التبريرات، ومنها أنكم ستحددون الموعد لاحقا، وأن البلد لا تتحمل العصيان المدني، وأن الشعب يحتاج إلى توعية، وأن المصريين جبناء، وأن قوى الأمن ستبطش بكم، ولكن الحقيقة أنكم تتلذذون بسوطي، وتستمتعون بالقهر والقمع، وأنكم لا تجتمعون على فهم واحد للكرامة التي حددتها كل المواثيق والأعراف والأديان ولجان حقوق الانسان، ووضعتها الفطرة السليمة في النفس السليمة. أنا الآن في مهربي بشرم الشيخ، وقريبا من تكثنات أمنية، وتستعد طائرة للاقلاع هربا ولجوءا لدولة صديقة، ومليارات من أموالكم ستنتهي في حسابات قوى الفساد التي صنعتها لكم، ولا أتحمل مزيدا من الضغط العصبي وآلام المرض، وأقترب من عامي الثمانين، ويترنح نظامي تحت ضربات عدة مئات من المعارضين وحركة ( كفاية)، لكنني واثق أنكم ستعيدونني سيد القصر الوحيد الذي تخضعون رقابكم لأوامره. إنني أراهن على الخوف والجبن والتراجع والصمت والبلادة، ولكن مد الروح في نظامي تقوم به تبريرات منكم برفض معارضة أبناء وطنكم في العصيان أو التظاهر أو التجمهر وكأنكم جميعا في حرب أهلية لامتاعي بالمشهد العبثي. أيها المواطنون، لو كنتم تملكون ذرة واحدة من كرامة الشعوب الحرة فأروني غضبكم مرة يتيمة، وابعثوا برسالة إلى العالم أن المصريين لم يموتوا بعد، وأنكم من اليوم فصاعدا ستنتفضون غضبا، وتوقعون على وثيقة موت الجبن في صدوركم. هل تصدقون أن في نفسي رغبة عنيفة أكتمها منذ وقت طويل، وهي أن أنهي خطابي بعد نجاحي في الولاية الخامسة وأنا أطل عليكم، فأبصق على وجه كل من أعطاني صوته وباع وطنه وأهله ومستقبل أولاده من أجل لقمة عيش لن يحصل عليها ما حييت. هل تغضبون مرة واحدة لكرامتكم؟
هذا المقال نشرته عام 1993 أي منذ أربعة عشر عاما ثم ضمَنته كتابي ( مداخلات ممنوعة .. أحاديث لا ترضي الرقابة ) ، وأعيدُ نشره الآن لعل الذكرى تنفع المؤمنين، ونطيل النظر للمشهد المصري خلال تلك الأعوام.
الإرهاب الديني بدا يوم بدأت المزايدة الشعبية على الإسلام، فكانت الهوية الدينية تساهم إلى حد كبير في تغطية كل الجرائم والآثام. فوالد الفتاة المصرية التي يتقدم لها شاب يشترط فيه أن يكون متدينا، لا يعرف غير المسجد والبيت، أما الأمور الأخريات كالثقافة والعدل والرحمة والأمانة ودور هذا الشاب في مجتمعه فلا تهم في قليل أو كثير، إنما المهم أن يراه كل من يعرفه مؤديا الصلوات الخمس في المسجد. ورب الأسرة يشترط على أولاده مصاحبة الشباب المتدين فقط، أي الذي تبدو على ظاهره أمور الورع والتقوى، لكن رب الأسرة هذا لا يسعى لمعرفة أبعد من الظاهر، وهو يعلم تماما أن هذه الأشياء هي الأسهل تمثيلا، وهي المخرج من مصاعب ومشاكل قد يتعرض لها أي شخص. والكُتّاب الإسلاميون تسابقوا في العقد الأخير لوصف الصحوة الدينية، مبشرين الأمة الإسلامية بالانتصار على الأعداء، واكتساح العالم الغربي الذي سيأتيهم راكعا مسبحا بحمد الله( كما كتب عبود الزمر في صحيفة الأحرار من معتقله في القاهرة). سباق محموم غريب اشترك فيه تقريبا كل الكتاب الإسلاميين، أو المحسوبين على الصحوة الدينية، تمهيدا لحجز أماكن لهم في المجتمع الجديد، المجتمع الذي وصفه سيد قطب بنواة الأمة الإسلامية عندما يتم القضاء على الطاغوت وتسليم الحكم لله، بعد انتزاعه من أيدي الجاهلية الجديدة.
لا يهم بعد ذلك من الذي سيحكم؛ فالخطوات واحدة في كل مكان. وجعفر النميري كان لا يرحم صغيرا أو عجوزا أو امرأة، لكن إعلانه بأنه يحكم بما أنزل الله، ويقطع أيدي اللصوص ( الذين تقتلهم المجاعة) كان كفيلا أن يلجم الأعداء (!!) والمهووسين الذين يطالبون بالديمقراطية والانتخابات العادلة والنزيهة، وحقوق المواطن. وعندما جاء إلى السلطة قاتل جديد، وبلطجي معروف، كان لا بد من تغطية دينية ظاهرية تمده بطاقة الاستمرار في السلطة والإمساك برقاب شعبه واستنزاف ثروته، فقرر" أسلمة" القوانين السودانية وقطع أيدي بعض عجائز الخرطوم وأم درمان، وجلد نساء ضعيفات خرجن من بيوتهن بعد الساعة الثامنة مساء. حينئذ وجد عمر البشير الجماعات الدينية بكل أنواعها، الترابية والأفغانية والإخوانية والتميمية، تؤيده وتشد من أزره، وتتولى إعلاميا الدفاع عنه، حتى أن صحيفة " الشعب" المصرية المعارضة لولا بقية من حياء لجعلت منه خليفة المسلمين. في مصر كان إطعام الوحش الديني يجري على قدم وساق، ودخلت السباقَ كلُ فئات الشعب. فالسيدة كاملة صاحبة عمارة الموت كانت محجبة وتؤدي العمرة كل عام. والريان، أكبر لصوص القرن العشرين في مصر، يقاطع المحكمة ليؤذن للصلاة وهو خلف قفص الاتهام، فتنتظره هيئة المحكمة، وتخشع القاعة بكل من فيها لأن الريان يؤدي الصلاة ولا يستطيع تأجيلها نصف ساعة حتى تنتهي المحكمة. ودار الزهراء للنشر تدخل السباق بعشرات من الكتاب والإعلاميين وأنصاف المثقفين وأرباع الأميين من أجل إغراق الأسواق بكتب غريبة يقف على رأسها أول دفاع علني عن الإرهاب واللصوص في مصر، بقلم الكاتب الماركسي الإسلامي محمد جلال كشك تحت عنوان"مذبحة شركات توظيف الأموال". ويزداد عدد المشتركين في المزاد الديني، فيدخل فيه الفنانون والراقصات والهاربات من مباحث الآداب والأميون ومضيفات شارع الهرم، والصحفيون المحترمون وتجار وكالة البلح وأعضاء المجالس النيابية والرياضيون، وكل فئات الشعب تقريبا. المهم أن يحصل كل مشترك على الهوية الدينية، فتتفتح له الأبواب والنوافذ ويدخل مغارة علي بابا. أحد لاعبي كرة القدم المصريين وجد طريقة سهلة لدخول المزاد، عندما استدعاه التلفزيون لعقد لقاء يتحدث فيه عن فن اللعب، فاشترط أن ترتدي مقدمة البرنامج التي ستستضيفه الحجاب. ولأن المجتمع كله تساهل في الإرهاب الصغير، فقد دفعت مصر ثمنا غاليا عندما كبر وتوحش وامتد إلى كل مكان، من معابد الأقصر إلى الأبرياء الجالسين في مقهى وادي النيل، ومن السياح الذين أتوا إلى بلد الأمن والسلام، إلى تلاميذ المدارس الذين لم يبلغوا الحلم بعد، ومن أمراء الجهاد المهووسين بالعنف والجنس إلى آلاف من المساجد الأهلية التي تحولت إلى قلاع للإرهاب، بدلا من ان تكون بيوتا يذكر فيها اسم الله، ويتوجه المؤمنون إليه سبحانه بالشكر والتسبيح. حتى أساتذة الجامعات، المفترض فيهم العقلانية والاستنارة، أدلوا بدلوهم، واتخذ معظمهم موقفا متعاطفا مع القوى الظلامية، فيدخل أحدهم قاعة المحاضرات التي ألقى فيها مئات المحاضرات من قبل، ثم فجأة ينزل عليه وحي الشيخ عمر عبد الرحمن ويرفض إلقاء المحاضرة قبل أن تنقسم القاعة إلى طالبات على اليسار وطلاب على اليمين، ووضع حاجز بينهم! الهدف الواضح والصريح الذي يرمي إليه البروفيسور المحترم هو الإيحاء للجماعات الدينية التي استولت على مقاعد اتحادات الطلاب وهيئة التدريس أنه منهم، وأن رضاءهم عنه أهم من أي مبدأ كان يعتنقه من قبل، فمن يدري فربما كان لهم نصيب في حكم مصر!! وترتفع درجة حرارة المزاد الديني، فترفض مجموعة كبيرة من الفنانين المصرين الاشتراك في مسلسل تلفزيوني يدين الإرهاب، فهم من ناحية جبناء ومن ناحية أخرى يتوقعون أن تصل الجماعات الغوغائية إلى كل شبر من أرض مصر الطاهرة حينئذ لن يكون لهم موطئ قدم في عالم الفن. حتى الصحف القومية، التي من المفترض وقوفها ضد قوى التخلف والرجعية، ترفض نشر مقالات كثيرة لأنها حادة وقاسية ضد الجماعات الدينية المتطرفة . إن جميع الصحف والمجلات المصرية تهادن بدرجات متفاوتة، وبعضها يقف علانية مع قوى الإرهاب ضد مستقبل بلده وأولاده وتراب وطنه. في قاعة المحكمة، وعلى مسمع من كل وسائل الإعلام العالمية، يصرح المتطرفون أنهم كانوا وراء اغتيال فرج فودة ورفعت المحجوب ومحاولات اغتيالات أخرى، وكان التصريح تهديدا لشعب بأكمله، وتأكيدا على أن أيديهم ستصل إلى من تسول له نفسه الاقتراب من حرماتهم.
عندما يسأل سائق سيارة الأجرة الراكب إن كان مسلما أم لا، فإن الأمر يصبح خطيرا ولا يمكن السكوت عليه. لكن الواقع أن هذه الظاهرة المقيتة انتشرت إلى حد كبير. وقس على هذا كل صور التخلف والإعلان عن الهوية الإسلامية، وكأن كل شخص يقوم بتقديم رشوة علنية حتى يسمح له المجتمع أن يكون فردا صالحا فيه !! في الفيلم الرائع ( الطوفان) الذي كتب له السيناريو وأخرجه بشير الديك، مشهد للعمدة الذي يرتكب كل الموبقات لكنه قرر بعد عملية تزوير كبيرة أن يتبرع بمبلغ كبير للفقراء بعد نجاح العملية، فردت عليه السيدة الفاضلة المؤمنة، التي كانت ترمز في الفيلم إلى مصر قائلة: حتى الله تعالى تريد أن تقدم له رشوة!! الحقيقة أن ما يحدث في مصر الآن كان متوقعا خلال السنوات العشر الأخيرة، عندما بدأ السباق المحموم في تقديم " الرشوة" الدينية. فالميكروفونات التي يقول عنها أطباء الأذن والمتخصصون أنها ستصيب الشعب كله بالصمم بعد سنوات قليلة ممنوعة بحكم القانون، لكنها تنتشر بالآلاف في طول مصر وعرضها، فمن يتجرأ على الاعتراض؟ حتى عند صلاة الفجر، التي لا يرتاد أي مسجد لأدائها غير عدد محدود من الأفراد، ينطلق هدير الميكروفونات فيوقظ العجوز ويفزع الطفل ويقلق المريض، ويحيل حياة الكثيرين إلى الجحيم، فإذا اعترضت فالرد جاهز: هل تريد أن تمنع وصول كلام الله إلى عباده المؤمنين؟ في مصر تحدد موعدا مع ضيفك فيقول لك: آتيك بعد صلاة المغرب! لكنه لا يحدد وقتا معينا، المهم هي الهوية الدينية. وقد يضيف قائلا: هل أصلي العشاء في المسجد أم في بيتك؟(!!). هل هناك صحوة دينية في مصر؟ عشرات من الكتاب والمفكرين والإعلاميين ورجال الدين كتبوا ونشروا مقالات وألقوا محاضرات عن الصحوة الدينية التي تبشر بكل خير، وجند كبار الكتاب أقلامهم واصفين " الصحوة الدينية" بأنها عودة إلى أصول الإسلام النقي، واكتفاء بما لدى المسلم، واختيار أخير بعد سقوط الشيوعية وقرب انهيار الرأسمالية.
إنها مأساة بكل المقاييس عندما يتحول الدين العظيم الذي اختاره لنا رب العزة ليكون خاتم الأديان، وآخر الرسالات السماوية، إلى قشور ومظاهر تخفي خلفها جبالا من الفساد والموبقات والاعتداء على حريات الآخرين والتخلف بكل صوره. كيف تكون صحوة دينية مرتبطة بالإرهاب والتطرف والاعتداء على الآخرين؟ كيف تكون صحوة دينية، ومعها يزداد الفساد، وتنتشر الرشوة، ويعبد" المؤمنون الجدد" المال أكثر من عبادتهم للواحد القهار؟! كيف تكون صحوة دينية، ومعها الكسل والبطالة والسرقة والاغتصاب، ويخيم على البلد العظيم صاحب الحضارات وحامل لواء الإسلام ومركز الإشعاع الديني، ظلم المسلم لأخيه وأبيه وأمه ووطنه، وتزداد الأمية فلا تتقدم جماعة دينية واحدة بمشروع للمساعدة في محوها؟! كيف تكون صحوة دينية، في حين ترتبط صور السرقات الكبرى، سرقات العصر، بأكثر الناس تمسكا بمظاهرها، من الريان إلى أشرف السعد، ومن أصحاب أبراج الموت إلى مهربي المخدرات؟! كيف تكون صحوة دينية وفي نفس الوقت يكره أصحابها كل صور الجمال والفن والإبداع من موسيقى وسينما ومسرح وأوبرا وتلفزيون و.. غيرها، ويقفون منها موقف العداء؟!
الصحوة الدينية يقظة وليست غيابا عن الوعي، وما نشاهده ونسمعه ونلمسه الآن لا علاقة له البتة بيقظة المسلم وفهمه للإسلام، واستمداده طاقة وحيوية ونشاطا وعقلانية وإيمانا صادقا من تعاليمه السمحاء. يخوضون في الحديث عن محاسن الصحوة الدينية، فيقعون في مأزق كبير لأنهم يعلمون علم اليقين أن هناك تناسبا طرديا بين التمسك بالعقيدة السمحاء لخاتم الأديان و.. توسعة رقعة الأخلاق الحميدة والعمل والتقدم والصدق والتوازن النفسي والعلاقات الاجتماعية الصحيحة. ولو تأملت التفاصيل الدقيقة لأحد أيام مواطن مصري مسلم في عصر الصحوة الدينية لوجدتها بعيدة تماما عن الحياة التي تمنيناها، وكان لنا في رسول الله أسوة حسنة. ... فهو يستيقظ من نومه مرتين، الأولى عندما يفزعه صوت الميكروفون الموجه من المسجد القريب من منزله في صلاة الفجر، فيزلزل المنازل المتصدعة، ويسمعه الآلاف من نساء وأطفال وعجائز ومرضى، ثم يتوجه إلى المسجد عشرون شخصا يتجه معظمهم إلى أعمالهم بَعَيْدَ الصلاة. ويستيقظ مرة ثانية، ثم يتوجه إلى عمله متأخرا أو" يزوغ" من العمل، أو يستقل سيارة أجرة فيكتشف أن سائق السيارة رفع صوت الكاسيت على تسجيل لآيات القرآن الكريم تسمع المارين بالناحية الأخرى من الشارع(!!)، ولا يحتج، فهي لعبة القط والفأر. الأول يمهد لسرقة الراكب في رفع الأجرة، ويقود سيارة لم ينظفها منذ سنوات. والثاني لا يطلب خفض الصوت لئلا يتهم بالعداء للدين، وهي تهمة أسهل من إلقاء تحية الصباح، وأكثر سهولة من القبض على مائة شخص بدون تهمة في أحد شوارع الخرطوم أو طهران أو إسلام آباد...! ويصل إلى عمله، فإن كان يعمل في القطاع العام أو الحكومة فقد ارتكب في كل يوم من الذنوب ما يثقل ميزان خطاياه، من تكاسل وغياب ونكث بالوعود والكذب على أصحاب الحاجات...الخ ، وإن كان يعمل في القطاع الخاص، فالرشوة والمحسوبية والتحايل على الآخرين وامتصاص دماء الضعفاء سمة مميزة لأغلب العاملين في هذا القطاع. في المساء يجلس في المقهى ساعات طويلة يخوض في أحاديث اللغو والغيبة والنميمة، ويترك زوجته وأولاده في المنزل؛ فهو ليس مسؤولا عن التربية إنما تنحصر مسؤوليته في اللهو والضحك مع الأصدقاء وسهرات السمر والأنس. أليست هذه يوميات" طبق الأصل" لمئات الآلاف من المسلمين في زمن الصحوة الدينية؟! الم ترتفع نسبة مدمني المخدرات بكل أنواعها إلى عشر أمثالها في أقل من سبع سنوات؟ هل أدت الصحوة الدينية إلى زيادة المثقفين؟ وهل زاد الإقبال على الكتاب؟ المدرس غير الأمين الذي لا يتقي الله في تلاميذه حتى يضطروا إلى طلب دروس خصوصية، هل هو حالة فردية، أم إنه في عصر الصحوة الدينية أصح كالإيدز في إفريقيا، ينتشر فيها انتشار المتطرفين في مزارع القصب؟! الحكاية بكل بساطة أن الصحوة الدينية هي عنوان لتمنيات وأحلام المسلم الصادق، المدرك لرسالة الإسلام الحقيقية، لكنها ليست عنوانا لواقع قائم. الصحوة الدينية التي يخوض في الحديث عنها شيوخنا وعلماؤنا الأفاضل وكتابنا ومثقفونا هي ردة دينية، وابتعاد عن الإسلام العظيم الذي ارتضاه لنا خالق الكون سبحانه وتعالى ليكون كلمة الفصل لبني آدم حتى يرث الله الأرض ومن عليها. أما" الصحوة الدينية" التي مظاهرها في كل مكان ـ تقريبا ـ فهي مزاد للنفاق والفساد، وفهم معوج لتعاليم مستقيمة. لهذا كان من السهل لأي شخص أن ينخرط فيها لأنها لا تتطلب الكثير من الأعباء والتكاليف: حجاب أو نقاب أو لحية، وشراء بعض الكتب عن عذاب القبر ونظرة الإسلام للمرأة والتبرج، وكتاب عن الغزو الفكري لأنور الجندي، وتفسير سورة النور للمودودي، وكتاب معركة التقاليد لمحمد قطب، و مائة شريط للشيخ عبد الحميد كشك تحتوي على شتائمه وسخرياته من الفن والفنانين والصحافة، ثم بعض الدروس في مساجد أهلية بناها مقاولون انفتاحيون تحت عمارات مغشوشة مواد بنائها حتى يسهل التهرب من الضرائب.
شاب صغير السن لم يعمل منذ تخرجه، يكاد يقتله الجنس الذي يجري في دمائه كالسم الزعاف. يجلس محاطا بأتباع من الشباب الصغار ويحدثهم عن قرب عودة الخلافة، ويسهب في الحديث عن الفساد في أوروبا والانحلال والتفكك الأسري، ويمنيهم في كل مرة أن الإسلام سيقود أتباعه قريبا إلى سحق قوى الظلم في الغرب المنحل. ويعود صاحبنا إلى البيت وقد امتلك الدنيا كلها بين إصبعين من أصابعه، فيقرأ قبل أن ينام بضع صفحات في كتاب" جاهلية القرن العشرين" لمحمد قطب ليزداد اقتناعه بالمهمة العظيمة الملقاة على عاتقه، ثم يخلد إلى نوم غير عميق. فدوره الرائد والعظيم لم يمنعه من التفكير في تدبير لقمة العيش ومصروفات الزواج والاستمتاع بزوجة في الحلال بعد أن أنهكه التفكير في الجنس!! إن للتطرف طرقا كثيرة، كلها تقريبا تؤدي إلى نفس النتائج، لكن أوسعها انتشارا ووضوحا وتأثيرا كان ومازال هو التدين الزائف، والمزايدة على حمل الهوية الدينية، والنفاق الاجتماعي الذي يسمح بوضع قشرة مقدسة فوق الفساد. إذن فالواقع يؤكد أنها جريمة في حق الدين والوطن ومستقبل مصر، يشترك فيها الشعب قبل السلطة، وأن جماهير المسلمين تدعم الإرهاب الديني في الوقت الذي تسعى فيه السلطة للقضاء عليه. الدعم الجماهيري يأخذ صورا عدة أهمها تقديم الدين السمح في صورة دفاع عن الظلم والفساد والتخلف والأمية والجهل، والإشهار عن الهوية الدينية صبحا ومساء، في العمل والمدرسة والمصنع والسوق والشارع والتاكسي؛ فصلاتهم لا تنهى عن الفحشاء والمنكر والبغي. عندما كنا صغارا كانت شعائر الإسلام وفروضه تمثل علاقة خاصة بين العبد وربه، فإن صادف وكنت لدى صديق أو كنت مدعوا وحان موعد آذان العشاء، فكان بالإمكان الانتظار حتى العودة إلى المنزل، خاصة أن سماحة الإسلام ويسره قد جعل توقيتها مفتوحا إلى ما قبل صلاة الفجر. أما الآن فإن المسلم الحديث، مسلم الصحوة الدينية، لا يرضى لنفسه أن يكون الله تعالى شاهدا وحيدا على حسن إيمانه وإسلامه، فهو يبحث عن أكبر عدد ممكن من أفراد المجتمع يؤكدون تمسكه بتعاليم الدين وفضائل الأخلاق. فصاحب المقهى يعرف أن لا أحد من عشرات الجالسين الذين يلعبون " الطاولة" و " الكوتشينة" و " الدومينو" ويتناقشون في كل الأمور الدينية والدنيوية يستمع إلى ترتيل آيات القرآن الكريم التي تنطلق من مذياع أو كاسيت داخل المقهى. ونفس الأمر ينسحب على المحلات الخاصة وسيارات الأجرة. فالقرآن الكريم الذي من المفترض إذا تلي على المؤمنين خشعت قلوبهم لذكر الله، والذي إذا أنزل على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله، يجعلون منه بضاعة رخيصة، وإعلانا مجانيا عن صلاح وتقوى وأمانة صاحبه، أعني صاحب الإعلان؛ أو الرشوة الدينية. كلنا ساهمنا، مباشرة أو صراحة، في محاولات اغتيال مصر، وبدأت عمليات اغتيال الوطن عندما تحول الدين على أيدينا إلى إرهاب فكري، ورفض لحريات الآخرين، والاعتداء على خصوصياتهم، والتلويح بنار جهنم لكل من يخالفنا الرأي. فالدكتور فرج فودة رفض النفاق باسم الهوية الإسلامية، وأكد ـ رحمه الله ـ عشرات المرات أنه لن يزايد على الإسلام، وفضح كل أنواع الكذب الرخيص، من النفاق الاجتماعي إلى شركات توظيف الأموال. وجاءت رصاصات الغدر من أفراد الشعب الذين كان يدافع عنهم لتؤكد له ولغيره أن إعمال العقل مرفوض رفضا قطعيا. مئات من الفنانات يدخلن حقل السينما والمسرح والتلفزيون فلا يثير دخولهن زوبعة أو ضوضاء في أي مكان، ولكن إذا قررت راقصة أو فنانة أو ممثلة اعتزال مجتمع الفن بعد أن أثارت شهوات ملايين الشباب طوال سنوات اختارت فيها عن طواعية أدوار الإغراء والجنس، فإن إشهار الهوية الجديدة يصبح أمرا مطلوبا، وهي لا تعتزل الفن قبل أن تربح مبالغ خيالية تسمح لها باستغلالها في مشروع استثماري يدر عليها أرباحا جديدة تناسب الدور الجديد في المجتمع. أما أن تعتزل في هدوء، وتتفرغ لبيتها وزوجها فلن يفيد في شيء، لأن المطلوب إشهار الهوية الجديدة التي ترضي السادة الجدد في مجتمع الصحوة، والزواج من أحدهم أفضل عشرات المرات من زيجات مختلفة مع منتجين ومخرجين وفنانين كبار. فشركات توظيف الأموال ومافيا التصدير والاستيراد والمخدرات والرؤوس الكبيرة للفساد تحرك الشارع المصري دينيا، ما دام الدين ( الجديد) يستحي من الحديث عن الظلم والاستبداد والأمية والفقر والجهل. أيها السادة؛ كلنا قتلة، ومسؤوليتنا في ما وصلت إليه الأوضاع في مصر الطيبة العظيمة، مسؤولية جماعية يتحملها الشعب الذي أصغى بشغف لصوت الإرهاب الديني وانصاع له. وكلنا قتلة لأننا نمنح الإرهاب قداسة، ونجعل المدخل الديني جواز مرور لكل السيئات والمفاسد والاعتداءات.
وكلنا قتلة لأننا لم نحافظ على أمن مصر، بل إننا ندافع عن التطرف، ونعيش في ازدواجية فكرية وسلوكية تسمح لنا أن نهادن الملائكة والشياطين في وقت واحد، فنطالب بالديمقراطية ونحن مستبدون، ونفرق بين العلم والإسلام، ونبني آلاف المساجد ثم نبخل على أنفسنا إذا تعلق الأمر بترميم مدرسة أو اثنتين. كلنا قتلة لأننا سمحنا لقوى التخلف والظلام أن تسيطر على حياتنا.
سيدي الرئيس حسني مبارك، لقد أعياني البحث مجددا في العثور على مسؤول مصري واحد في مصر كلها، من حلايبها إلى ثغرها، يستحق أن أوجه إليه رسالتي، فكلهم رجالك، يأتمرون بأمرك، ويخضعون لتوجيهاتك، ويبتسمون عندما تفرح، ويكشرون عن أنيابهم إذا غضبت على أحد، ويبررون كل آرائك وأفكارك وأحاديثك، وينسبون إليك أي نجاح، ويتحملون عنك أي فشل، ويتبعون أخبارك وتنقلاتك وتحركاتك واستقبالاتك أكثر مما يتابعون الهَمّ المصري، ويظنون أنهم في خدمتك وليسوا موظفين لدى هذا الشعب العظيم الصابر.
لم أجد غيرك، سيدي الرئيس، لأوجه إليه رسالتي، فكلهم، كما كتبت مرارا وتكرارا من قبل، أصفارٌ لا يساوي أكبرهم جناح بعوضة، وأكثرهم قيمةً هو أرخص من ورقة صغيرة تخرج من مكتبك وعليها توقيعك ليجد نفسه محاطا بزوجته وأولاده وقد اغرورقت عيونهم، فلم يعد رب البيت وزيرا أو محافظا أو وكيل وزارة أو رئيس تحرير صحيفة قومية أو حتى رئيس الوزراء أو محافظ البنك المركزي.
هل تعرف، سيدي الرئيس، أن ضغط دمي ارتفع، حقيقة لا مجازا، من جراء رسائلي المتكررة إليك، وتسرب هموم وقضايا وفواجع أم الدنيا إلى عقلي وقلبي وعواطفي وكل مسامات جسدي، ومع ذلك فقد رفضت رفضا قاطعا نصائح زملائي وأصدقائي والمخضرمين من الإعلاميين بالتوقف عن تحميلك، حفظك الله، أي مسؤولية، وتوجيه اللوم والعتاب والنقد إلى أي مسؤول آخر فمهمة الصحفي أن يسير بجوار الحائط، أو كما قالت لي إذاعية مصرية كبيرة بأن مهمــتنا الحقيقية هي الدفاع عن النظام، ولعلي لم أنس تأكيد نائب رئيس تحرير صحيفة قومية كبرى بأن الرئيس حسني مبارك لا يخطئ مطلقا! دعني، سيدي الرئيس، أدخل للمرة العشرين أو الثلاثين أو أقل أو أكثر، المنطقة الوعرة والمحرمة والحمراء ففيها قلة نادرة يغمسون قلوبهم في دموع المصريين لتتحول إلى دماء حمراء قانية، ومع ذلك فالرؤية فيها صافية ولا تعكرها كتابات أخرى تسعى لتزييف الواقع والتاريخ وكتابة هوية جديدة لهذا البلد الطيـب. لا يستطيع قلمي أن يمدن عينيه أو ريشته أو حبره إلى أي من هؤلاء الذين يحيطون بك نهارا، ويحلمون برضاك ليلا، ويلونون لعينيك كل الألوان القاتــــمة والحزينة فرحا وبهجة وسعادة، حتى عندما احترق فقراء الصعيد في قطار الموت كان اهتمامهم الأول منصبا على متابعتك للحادث الجلل، أما أنا فقد وددت من كل قلبي أن تترك ضيوفك واستقبالاتك وتذهب بنفسك في اللحظات الأولى إلى موقع الكارثة لتشارك المصريين أحزانهم فأنت، سيدي الرئيس، أولى بالحزن والدموع على مواطنيك من أحاديث جافة تخرج من بين شفتي رئيس الوزراء فتزيد المصريين حسرة على أرواح ضحايا قطار الغلابة. توسلت إلى قلمي أن يتوقف عن عتابك وتحميلك أي مسؤولية لفشل اقتصادي أو سياسي أو اجتماعي فكاد يُضرب عن الكتابة أو عن طاعة أي فكرة تجول بخاطري، فلا يزال هذا القلم العنيد لا يرى في مصر كلها غيرك. في الحقيقة، سيدي الرئيس، فأنا مندهش تماما من قدرتك طوال ربع قرن على الثقة الشديدة بكل اختياراتك وخياراتك ولو خالفك في هذا سبعون مليونا من المصريين، فالحق معك أينما حللت، وكل المثقفين والمفكرين والمتخصصين والعلماء والأكاديميين والكتاب وغيرهم يستطيعون في عهدك أن يقدموا كل ما لديهم من آراء وأفكار واقتراحات وتقارير، لكنها لن تجد منك استجابة أو تفهما أو أذنا صاغية أو وعدا بالتفكير!
هل تعرف ، سيدي الرئيس، أنك الوحيد من بين كل زعماء العالم قاطبة، مدنيين وعسكريين، الذي يحكم بقانون الطوارئ شعبا من أطيب الشعوب وأقلها عنفا، في نفس الوقت الذي ثارت فيه الأرجنتين كلها لأن قانون الطوارئ استمر لثلاثين يوما، وليس لأربعة وعشرين عاما حتى الآن، أي قبل ولايتك الخامسة وربما السادسة، أطال الله في عمرك! من أين أبدأ، سيدي الرئيس، وكل مصر أوجاع وجروح ونتوءات ودموع وقهر؟ ولتكن البداية من هناك.. من القصر الجمهوري.. ومن المكان الذي تتواجد فيه حيث تجد حولك مستشارين ووزراء ورجال أمن وحماة للنظام وأعضاء حكومة لا يستطيع أحدهم أن يتنفس أمامك أو يخالفك أو يختلف معك أو يعرض عليك ما لا يرضيك أو لا يمتدح في عبقرية توجيهاتك، وكلهم، سيدي الرئيس، جبناء خائفون على مناصبهم وامتيازا تهم وليذهب الشعب المصري إلى الجحيم أو يستقل قطار الصعيد. هل تعرف، سيدي الرئيس، انك الآن بعيد جدا عن شعبك، وأن ما يعرضه عليك مستشاروك وتقرأه في الصحف القومية وتسمعه من وزير إعلامك عن المعجزات والخيرات ومتانة الاقتصاد وسعادة المواطن وكرامة المصريين في عهدك بعد أكثر من عقدين من حكمك ، لا علاقة له بالواقع، وهو تزييف للحقيقة وتزوير في أوراق وطنية وافتراءات على التاريخ واغتيال للضمير؟ هل تريد أن تسمع مني مالم يقله لك زملائي في بلاط صاحبة الجلالة السلطة الرابعة؟ إنني أحلم بأن تُخرج أرض مصر الطاهرة والطيبة، بعد انتهاء ولايتك، أمد الله في عمرك، زعيما مختلفا عنك تماما، يلغي قانون الطوارئ، وينكب على قضايا المصريين في الداخل والخارج، ويرى كرامة المصري من كرامته، ويعرض على الأمة مشروعا قوميا لإنهاء كارثة الأمية، والبلهارسيا، والكبد الوبائي، والفساد، والرشوة، والقوانين العتيقة الحمقاء، ونهب أموال الدولة، ومياه الشرب، والتطرف الديني، ويرد للمصري اعتباره، وينهي عصر الاستبداد في اختيار الوزراء والمسؤولين والمحافظين، ولا يضع مصريا في موقع قيادي قبل أن تتم بعناية قراءة ملفه الأمني والمالي والأخلاقي والعلمي والفكري. أحلم بزعيم مصري ليس رئيسا للحزب الوطني أو الوفد أو اليسار أو اليمين أو الإخوان المسلمين، فالانحياز لأي تجمع سياسي هو دعوة مفتوحة للمنافقين للانخراط فيه لعلهم يتقربون إليك أو ترضى عنهم أو ينتفعون بعضويته. أحلم بزعيم مصري يفي بوعده، ويرفض التصاق روحه بكرسي السلطة، ويعود إلى مقعده بين الجماهير عندما تنتهي فترة ولايته، فمصر العظيمة ولاّدة، وتستطيع أن تنجب في كل يوم سبعين زعيما لإكمال ما توقف بعد انتهاء ولاية زعيمها. أحلم بزعيم مصري يمكنه أن يسمع شكوى المواطن قبل أن تصله، ويشعر بأوجاعه قبل أن يصرخ، ويقرأ كل ورقة وصحيفة ونداء، ويجند نفسه لخدمة شعب مصر بدلا من الظن بأن مهمة الرئيس أو الأمير أو الملك هي التكرم بحكم الشعب وليس التشرف بخدمته. أحلم بزعيم يتجنب الوقوع في الفخ الذي نصبه له المستشارون والمنافقون والأفاقون الذين أوحوا إليه أن مصر تبدأ من الخارج، وأن الاستقبالات والمحادثات والزيارات والحفلات والمؤتمرات أهم وأبقى من قضايا الداخل لأن هذا يعني بكل بساطة وقوع مصر كلها في قبضة شللية ومراكز قوى تحيط به وتمنع عنه أنفاس ودموع وآلام وشكاوى المصريين.
أحلم بزعيم متواضع يعرف سلفا أن عبقريته في أن يستشير الشعب، وأن يسمع نبضه، وأن يلمس طلبه قبل أن تحجبه عنه جدران القصر الجمهوري. أحلم بزعيم يقف موقفا حاسما وحازما من المنافقين والمطبلين وأن يحاسبهم حسابا عسيرا، ويبعدهم عن طريقه، فالذين يكتبون وينشرون ويبررون كل أخطاء الرئيس فيجعلونها من نصيب رئيس الوزراء أو الوزراء أو المحافظين، يساهمون في إبعاده عن شعبه. أحلم بزعيم لا تأخذه عزة النفس إن قرأ نقدا أو نصيحة أو هجاء أو تحليلا مخالفا لرؤيته، لكنه يقرب إليه المعارضين والمخالفين ومستشاري الخير، لهذا، سيدي الرئيس، ومئات الأسباب الأخرى، أجد أنني أراك في مكان بعيد تماما عن موقع تواجد المصريين، فعزة النفس تأخذك وتحجبك عنا وترفع مقامك عن أوجاع شعبك. وساندك في هذا صف طويل من المنافقين والجبناء الذين قالوا وكتبوا ونشروا فهما خاطئا لأصول الحكم فزعموا أنك لا تحب سياسة الصدمات الكهربية، أي من الأفضل أن تترك الفاسد واللص والفاشل سنوات طويلة حتى تتجمع لديك شواهد كثيرة وعشرات الأدلة، ويكون هو قد أدى مهمته كاملة! أليس هذا ما حدث مع وزرائك الفاشلين، وأنت، سيدي الرئيس، لا تقرأ مقالا، ولا تسمع ناصحا، ولا تنصت إلى مخلص، وتأملك دون أن تكلف جهة أمنية بإحضارملفاتهم أمامك. في قلبي، سيدي الرئيس، غصة ولوعة ودماء تضل طريقها في شرايين القلب من جراء متابعتي لهموم مصر في عهدك، ولو رأيتني الآن لظننتني ميتا نصفه حياة، أو حيا نصفه موت! هل صحيح أن رفضك لتعيين نائب لك هو تمهيد لتولي السيد جمال مبارك حكم مصر لعقدين أو ثلاثة؟أغلب الظن أن السيناريو القادم الذي سيقتلني همّاً وحبا في أم الدنيا وخوفا عليها سيكون كالتالي: مسيرة من أعضاء مجلس الشعب ترفع وثيقة بالدماء تطالبك بأن يكمل جمال مبارك إنجازاتك حتى لا تختفي المباركية ويخسر الشعب مكاسبه التي حققها في كل ولاياتك الأربع أو الخمس أو العشر، ثم تتبعها مجموعة من الافتتاحيات لكبار محرري الصحافة القومية تطالبك بأن لا تتخلى عن شعب مصر، فإذا أصررت فليكن السيد جمال مبارك رئيسا وأمينا على مصر ومستقبلها. وبحسبة بسيطة مستندة إلى خبرات مصرية بحتة، فإن السيد الرئيس جمال مبارك تنتهي مدة رئاسته أطال الله في عمره وعمرك، عام ألفين وثلاثين وربما يزدادوا عشرا! لو استمعت إلى نبضت قلبي الآن لظننتها بركانا هائجا ومتفجرا من الآلام والأحزان على بهية.. مصر الحبيبة. سأحدثك الآن حديثا قديما جديدا، نشرت بدايته عام خمسة وثمانين في مقال لي تحت عنوان ( أنت متهم لأنك مصري) وهو في الواقع أقل القضايا المصرية اقترابا منك،ولا أظنك، سيدي الرئيس، تعرف أن المصريين الذين قتلتهم استخبارات صدام حسين وأرسلت جثثهم المشوهة في توابيت خشبية داخل أحشاء طائرة حطت في مطار القاهرة الدولي بلغوا أكثر من أربعة آلاف مصري، لو كانوا أربعة فقط من دولة أوروبية لوقف رئيسها يدافع عن أرواحهم ويجند الدولة كلها ليقتص لهم من قاتليهم، ولكن لأنهم مصريون فكرامتهم في ذيل أولوياتك. أليس هذا ما فعله العقيد معمر القذافي مرتين أو أكثر؟ ألم يهن المصريين وتضربهم بالأحذية استخباراته العفنة، ثم تلقي بآلاف منهم في صحراء السلوم بعد سرقتهم ونهب ممتلكاتهم؟ ولم نسمع، سيدي الرئيس، أنك دافعت عنهم، أو ثأرت لكرامتهم، أو اهتز كرسي واحد من تحت مؤخرة وزير أو مسؤول كبير أو حتى صغير. هل تعرف، سيدي الرئيس، أن آلاف الحجاج المصريين الذين عبروا الأراضي الأردنية مسح الأردنيون بكرامتهم الأرض كما فعلوا من قبل إبان الغزو العراقي الآثم لدولة الكويت؟ وقتها لم تخرج قصاصة ورق صغيرة من القصر الجمهوري تهدد أو تتوعد الاستخبارات الأردنية، أو حتى كلمة عتاب للملك الراحل الحسين بن طلال، فالمهانون مصريون ولا كرامة لمصري في وطنه أو في الخارج. مئات من الحجاج الذين كانوا ضيوفا لدى الرحمن يمرون عبر أراضي الملك الهاشمي الصغير، فيتم ضربهم وإهانتهم وسرقة أموالهم وإجبارهم على دفع إتاوات للبلطجية في استخبارات عبد الله، ولم يرتفع صوتك، ولم تكترث هنيهة واحدة لكرامة رعاياك أو مواطنيك، فهم مصريون لا كرامة لهم. هل أكرر على مسامعك، سيدي الرئيس، قصة الكرامة المصرية في أقسام الشرطة وتحت الأكف الغليظة لمخبرين أو مرشدين، أو بسوط لاذع من السيد مأمور القسم؟ أكاد أشاهد آلاف الملفات والأوراق والرسائل التي تصلك من منظمات حقوق الإنسان والصحف والكتاب والشرفاء وبعض ضيوفك من الأوروبيين المهمومين بقضايا الحقوق، فضلا عما نشرته الصحف، مدعوما بالصور والأسماء والتواريخ، وكلها تصرخ وتبكي وتذرف الدموع دماء على وادي النيل، ولكنك، حفظك الله وأطال في عمرك، لم تتأمل أو تكترث أو تهتم لحظة واحدة من منظور إنساني بما فعلوه بمواطنيك ورعاياك المؤتمن أنت عليهم، فالحقيقة الدامغة التي لم يستوعبها الكثيرون هي أن هؤلاء المظلومين والمعذبين في الأرض مصريون، وتلك والذي نفسي بيده تهمة يستحق صاحبها أن ينهال أي ضابط شرطة على قفاه ويوسعه ضربا وركلا وسبا وقذفا! من قال بأن دنشواي لم تجدد شبابها؟ قال الدكتور أحمد مدحت رئيس قسم الجهاز الهضمي والكبد بطب أسيوط بأن هناك ثمانية ملايين مصري مصابون بفيروس الكبد! ألم يستوقفك، سيدي الرئيس، انتشار هذا المرض اللعين في أجساد رعاياك، لتجند إمكانياتك وطاقاتك وسلطتك التنفيذية للقيام بحملة قومية وطنية يشترك فيها الإعلام وكل أطباء مصر وتستغيث فيها بكل المنظمات العالمية الطبية لوقف زحف المرض وإنقاذ مواطنيك الذين هم ثروة المستقبل، وعماد التقدم، بدلا من تركهم ينتظرون ملك الموت. معذرة، سيدي الرئيس، لقد نسيت أن أقول لك بأنهم مصريون لا كرامة لهم في وطنهم! ألم تجد، سيدي الرئيس، في كل رجالك شخصا آخرغير اللواء عمر سليمان يتوسط بين الارهاب الصهيوني وأبطال الانتفاضة؟ إنني أغار غيرة شديدة على أجهزة المخابرات ومباحث أمن الدولة فمكانها الطبيعي داخل مصر وفي إطار دورها الوطني، فانا لا أتصور رئيس جهاز المخابرات المصرية يزور الأرض المحتلة وبقدم جواز سفره ويتعرض لمراقبة من الموساد، فلا شك بأن كل خطوة كان يخطوها في الشارع والسيارة والفندق والغرفة فضلا عن أكثر خصوصياته حرمة تعرضت للمراقبة من أجهزة الموساد الصهيونية. لقد جانبك الصواب، سيدي الرئيس، عندما أرسلت رئيس جهازنا الوطني حاملا رسالة منك،فرئيس جهاز المخابرات المصرية أكبر وأشرف من أن يحمل رسالة إلى الكيان الصهيوني العنصري في فلسطين المحتلة. دعني أعترف لك، سيدي الرئيس، بأن حيرتي في فكرك تحمل في طياتها آلاف التساؤلات التي تتفرع من كل منها علامات استفهام قد تكبر أو تصغر، لكن أيا منها لم نجد جوابا شافيا أو نصف شاف ولو كان يفتقد إلى نصف المنطق. كيف ترى، سيدي الرئيس، ثورة الإدارة الحديثة التي تجتاح الدول المتقدمة وتفصلها، بل وتبترها عن عالمنا الثالث المتخلف؟
هل تعرف القوة السحرية التي يمنحها المصريون لحكامهم منذ عهد مينا موحد القطرين؟ هل تعرف أنك تحكم شعبا طيبا يرى حكامه أنصاف أنبياء وأرباع آلهة؟ إن كنت تعرف فبين يديك عصا موسى تستطيع أن تشق بها البحر والجبال وتغيّر من سلوكيات مستحدثة سيئة مرت على شعبك، وأن تصنع معجزات لا قبل لزعيم آخر بها! قطعا لن تنطلي على عاشق لمصر بيانات المطبلين وهم يحدثوننا عن دخول مصر القرن الأول بعد العشرين، فلا دخول أو اقتراب أو حتى شم رائحة هذا القرن قبل أن يحدثك مستشاروك( على الرغم من عدم ثقتي بأي منهم) بأن الشرط الوحيد لتقدم مصر هو تحديث الإدارة في كل شبر على أرض هذا البلد الطاهر. هذا الاكتشاف لم يكن بحاجة إلى عبقرية وأحسب أنه دار بذهنك، سيدي الرئيس، عندما توليت الحكم بعد الرئيس الراحل أنور السادات. كف يمكن أن تتكدس آلاف من القضايا وتكوّن جبلا شاهقا من الظلم الشديد الذي يحيق بأصحاب الحق أو الأبرياء أو المظلومين أو الواثقين بعدالة القضاء وظلم الإدارة المتخلفة؟ لو أنك، سيدي الرئيس، بدأت حكمك بتحديث الإدارة وجعل مصر دولة مؤسسات يعرف فيها المصري حقوقه وواجباته، وتستطيع الدولة أن تصل إلى ملف أي شخص في أي موضوع عن طريق الإدارة الحديثة وأجهزة الكمبيوتر والأرشيف وربط المؤسسات في إطار دولة عصرية لكنت الآن زعيم عصر النهضة الجديدة. لكنك، سيدي الرئيس، وهذا هو خلافي الكبير مع نظام حكمك، أردت أن تدخل مصر فاتحا من الخارج ، وظننت، حفظك الله، أن مهمة رئيس الدولة هي الاستقبالات والسفر والاجتماع بالشخصيات المهمة وحضور الاحتفالات والحفلات وافتتاح المشروعات الكبرى وتوجيه رسائل التهنئة والتعزية ولعب دور عالمي في السلام والوساطة والتأكيد للبنك الدولي وصندوق الدعم والمؤسسات المانحة أن اقتصاد مصر يحتاج لجرعة صغيرة حتى يعدل مساره ونلمس زمن الرفاهية! ولكن مصر العظيمة كانت تنتظرك من مكان آخر، وشعبك الطيب يعثر لك بسهولة ويسر على كل المبررات، وينتظر وصولك لتراه، وتضمه، وتحتضنه، وتخفف آلامه، وتداوي جراحه.. وتطول وحشة الانتظار سنوات طويلة وتفترس الأمية والكبد الوبائي والبلهارسيا وشركات توظيف الأموال وناهبو خيرات مصر ونواب القروض والكيف وتجار المخدرات والتطرف الديني والرشوة والفساد وثقافة التسول ومئات غيرها شعبنا العظيم لأنها لم تجدك واقفا تحرس مصر من الداخل فجعلت تختلس وتنهب وتسرق وتقترض من اقتصاد الوطن لتخرج به مرفوعة الرأس من مطار القاهرة الدولي فهي تعرف سلفا أن الرئيس ليس هناك! دهشتي من كارثة قضية وزير المالية السابق( الذي تم الحكم عليه، ثم ايداعه السجن، وبعد ثلاث سنوات تمت تبرأته وكأن العدالة منشطرة) تعادل حيرتي في اكتشاف سرقات مخيفة ونهب ورشوة مارسها رئيس إدارة الجمارك وبعض من أعوانه. لو كانت هناك إدارة حديثة يتابعها مخلصون وأصحاب كفاءات لما تجرأ واحد في الجمرك أن يرتشي أو يعطل بضائع مستوردة حتى يتلقى نصيبه، أما أن يكون هناك مدير للجمارك بكل ما فيها من أموال المواطنين والدولة والتجار ومصالح اقتصادية وسمعة مصرية، ثم يجد الفرصة لعدة سنوات أمامه بملايين الجنيهات، فتلك لعمري كارثة بكل المقاييس. كان من المفترض، سيدي الرئيس، أن يكون هناك من مباحث الأموال قرينان له عن اليمين وعن الشمال قعيد، يتابعانه، ويلتصقان به، ويراقبان هاتفه، ولا يتركانه إلا وهو في أحضان زوجته، هذا فضلا عن معرفة كل مصري، من أفراد الشعب أو من المسؤولين، بأن معظم أهل النار يوم القيامة سيكونون من العاملين في الجمارك المصرية أو موظفي الأوقاف! مكان فيه الرشوة كالطعام والشراب، ويعشش فيه البلطجية و القبضايات، ويستخدم فيه العاملون المطاوي قرن الغزال كما يستخدمون أصابعهم. عشرات من منافذ السرقة واستنزاف أموال الوطن المسكين كان من الممكن تجنبها لو أنك، سيدي الرئيس، دخلت مصر فاتحا إياها من الداخل، وكنت ستشاهد بلدا آخر مختلفا تماما عن مصر التي تشاهدها في الحفلات والاستقبالات وإعلام ماسبيرو وتقارير كاذبة وافتتاحيات الصحف القومية وتقارير مستشاريك وتطمينات وزرائك وبيان السيد رئيس الوزراء الموجه أصلا لك لترضى عنه وليس للحقيقة والشعب والوطن. هل تريد أن تسمع مني مزيدا مما لم يقله لك مستشاروك وزملائي في مهنة البحث عن المتاعب؟ أنا أزعم، سيدي الرئيس، أنك لم تعرف مصر بعد، ولم تشاهد مئات القرى التي تفتقد لأقل مقومات الحياة البسيطة من مياه صالحة وكهرباء وصرف صحي وخدمات بيئية وأدوية ومستشفيات ومدارس وبريد ومواصلات وطرق ومنازل وزراعة وإقطاع! وأزعم أنك، حفظك الله، لم تفكر في مشروع وطني قومي للقضاء على الأمية والرشوة، أو الإدارات المتخلفة، أو الأمراض الوبائية! وأنا على يقين إيمانيّ بأنك أشحت بوجهك لعقدين كاملين عندما قرأت وتابعت وعرضت عليك مئات الحالات لمصريين تعرضوا للتعذيب والبطش والقمع والإهانة والتعليق كالخراف في أقسام الشرطة, فكرامة المصري، والمفترض أنها تجعل النوم لا يقترب منك يوما أو بعض يوم، لم تكن في مقدمة اهتماماتك أو حتى في ذيلها. أما المصريون في الخارج فلا أظن، سيدي الرئيس، أنهم شغلوا ساعة زمن من فكرك، فأن يقتلهم طاغية بغداد أو يطردهم العقيد أو تجلدهم المخابرات الأردنية أو يأكل حقوقهم الكفيل في خليجنا العربي، فهم امتداد للمصريين في الداخل بكرامتهم التي سقطت في بئر سحيق منذ سنوات طويلة ولم تكلف أحدا للبحث عنها!
هل تعلم، سيدي الرئيس، أنه لا يوجد بند واحد في بيان الحكومة للعام قبل الماضي تم تنفيذه في العام التالي؟ حتى الوعد الذي أطلقه الدكتور رئيس الوزراء عن التزامه بتوفير مائة ألف وحدة سكنية، تم تسليم خمسة آلاف وحدة منها في العام الماضي! السبب بكل بساطة أن البيان الأول كان موجها إليك فأنت، سيدي الرئيس، الذي اخترت رئيس الوزراء من بين سبعين مليونا من المصريين، ورأيت أنه الأصلح، تماما كما اخترت محافظ الجيزة، وكما احتفظت بالدكتور عاطف صدقي تسع سنوات قاتلة وهو ينتقل من فشل إلى آخر دون أن تنتبه أو ترى أفضل منه. أما تسليم خمسة آلاف وحدة سكنية من مائة ألف فهو أمر طبيعي لثقة رئيس الوزراء أنك لن تعاتب أو تؤنب أو تحاسب. في الواقع فأنا لا أختلف عن معظم، إن لم يكن كل أفراد شعبنا المصري الصابر الذي لا يفهم أمّيوه أو عباقرته حساباتك الفكرية والعقلية والثقافية والعملية في اختيار أعضاء الحكومة أو في الاحتفاظ بأكثرهم سنوات طويلة حتى لو تكدست على مكتبك مئات الوثائق والمقالات والتقارير التي تؤكد فشل الوزير! هل تتابع الإعلام المصري، وتشاهد القنوات الأرضية والفضائية ؟ لاريب في أنك تتابع وتشاهد بل وتمتدح التقدم الهائل الذي حقق الإعلام المصري في العشرين عاما الفائتة! مقاييسك، سيدي الرئيس أعزك الله، تختلف مطلقا عن كل مقاييس النقاد والمثقفين والكتاب والمتابعين والإعلاميين من خارج ماسبيرو وأصدقاء مصر وعشاقها من خارج أرض الكنانة، فإعلامنا المصري حقق فشلا ذريعا وسقوطا وانهيارا وانحدارا يراه الكفيف ويسمعه الأصم. القنوات الفضائية المصرية المعبرة عن تقدم وتحضر مصر وشعبها أصبحت مرتعا خصبا للمعوقين ذهنيا والمحنطين فكريا والمتخلفين إعلاميا، وهي تتكدس بأصحاب وأقارب ومعارف المسؤولين ورجال الأعمال والمارينيين من أثرياء مصر الجدد، وحاربت القنوات المصرية الكفاءات والثقافة الجادة والهادفة، وطاردت الشرفاء والمخلصين، وخاصمت اللغة العربية في تعمد واضح كأنها رضعت من ريشة قلم سعيد عقل!
ومع ذلك، سيدي الرئيس، وبالرغم من بكاء الأثير الذي يحمل إرسال القنوات التلفزيونية المصرية على التخريب والإهمال والتراجع والتخلف والفشل أمام قنوات أخرى صغيرة تنطلق من علب كبريت، فإنك تجدد بسعادة غامرة وثقة كبيرة لقيادات الإعلام حتى كدت لا أصدق أنك، حفظك الله ورعاك، تمتلك جهازا للتلفزيون!
كم تمنيت أن أتسلل إلى عقلك وأشاهد بأم عيني مراحل تكوين فكرة ثم خروجها إلى العلن في صورة قرار أو توجيه أو رسالة أو أوامر باستمرار احتفاظ مسؤول بمنصبه. فمثلا هل تجمعت لديك، سيدي الرئيس، ملفات وتقارير وأراء مستشارين ومقالات وتحقيقات وخطابات سرية خاصة من أجهزة أمن الدولة عن أحد رجالك، وليكن كمال الشاذلي أو يوسف والي أو فهيم الريان أو صفوت الشريف أو ممدوح البلتاجي أو عشرات غيرهم، ثم جلست، وتأملت ، واستخرت الله ، وقارنت بين المسؤولين وبين مئات العباقرة المصريين، ثم اكتشفت بعد ذلك أن مصر كلها، من صعيدها إلى اسكندريتها مخطئة، لأن رجالك الذين تختارهم وتحتفظ بهم وترفض أن يحل محل أحدهم مصري واحد من الأرض الطيبة هم أفضل ما أنجبت بطن بهية؟ سيدي الرئيس، إنني أحلم بمصر في كل دقيقة من دقائق يومي فأنتقل من الإدارة إلى الكمبيوتر فالتعليم فالرياضة فالإعلام ثم أعرج على السياحة وحقوق المواطن والمستشفيات والأطباء والأدوية والتجارة والصراع مع الصهيونية وأمريكا والاقتصاد والسلطة والانتخابات والقوانين والظلم والجمارك والسياسة الخارجية وضباط الأمن والمواصلات والبريد والهاتف و.. وكلما داويت جرحا بان جرح. وفي كل مرة لا أرى غيرك، ولو كنت رئيسا لدولة أوروبية فربما تكون المسؤولية مشتركة مع كل مؤسسات الدولة، أما في مصر التي يرفض شعبها أن لا يتصرف الزعيم إلا كفرعون يأمر وينهي ويوجه ويقرر، فمسؤوليتك مضاعفة، بل لعلها الوحيدة. لهذا، سيدي الرئيس، كلما قرأ زميل صحفي مصري رسائلي إليك يرفض الحديث معي علي مرأى ومسمع من زملائه، فقد تجاوزت كل الخطوط الحمراء، لأن حديثي إليك يحمل كلمات عفيفة من مواطن إلى رئيسه، فقد جرى العرف في مصر وفي الصحافة وكل وسائل الإعلام وبين المثقفين على أنك، حفظك الله، تتلقى التهاني على النجاح، أما الفشل فيتحمله الآخرون.
صدقني، سيدي الرئيس، فقد حاولت ما وسعني الجهد أن أبحث عن غيرك فلم أجد واحدا يستحق أن أتوجه إليه بالحديث أو العتاب أو النقد أو النصيحة. إنني أراهم معك وخلفك وهم يبتسمون ويوافقون على كل كلمة تخرج من بين شفتيك، وأتابعهم وهو يقفون صفا واحدا في وداعك بالمطار، ثم يرصون صفوفهم مرة أخرى لدى عودتك، حتى رئيس الوزراء. إنهم يعملون من أجلك وليس من أجل المصريين، والغريب أنهم لا يزورون مكاتبهم الأنيقة إلا لماما، فهم إما في اجتماع لمجلس الوزراء أو في حفل استقبال أو ينتظرون سفرك أو عودتك أو توجيهاتك. لو أوقفت مصريا أميا أو مثقفا أو أكاديميا أو عالما أو سياسيا أو متابعا ضعيفا لقضايا بلده وسألته أي الاثنين يحتفظ بهما الرئيس: كمال الشاذلي ويوسف والي أم أحمد الجويلي ونادية مكرم عبيد؟ فإن الإجابة لا تحتاج لذكاء كبير أكثر من حاجتها لحس مصري قوي يتوارثه المصريون منذ آلاف السنين! سيدي الرئيس، أليس من حق الشعب أن يعرف شروط البنك الدولي وجميع المنظمات المانحة؟ أليس من حق المصريين أن يعرفوا إن كان الدعم الأمريكي السنوي لسواد عيون رعاياك أم يخفي خلفه شروطا قاسية على النفس الوطنية والكارهة للظلم وللعدو الصهيوني؟ قبل أن أحدثك عن رعاياك في أفغانستان دعني أكرر التأكيد على موقفي المبدئي من التطرف الديني ومن كل الجماعات المتشددة، وأن الكثيرين من الأفغان العرب المصريين آذوا مصر كثيرا وتآمروا واشتركوا في تخريب الاقتصاد والسياحة وأن أكثرهم مطلوبون للعدالة في مصر أو لقضاء أحكام غيابية. ولكن يظل المصريون أيا كانت انتماءاتهم وأفكارهم رعاياك ومواطنيك ولو كانوا مختبئين في جبل تورا بورا، فلماذا لم تطالب الأمريكيين بتسليمهم لمصر لمحاكمة المجرمين منهم محاكمة عادلة، وترك الأبرياء يعودون لأحضان أهلهم لعلهم يكتشفون خدعة الجهاد في أفغانستان؟
سيدي الرئيس، لقد كنت قائدا للطيران وطيارا ماهرا وعسكريا ملتزما ومنضبطا، فكيف لم تنتبه لإعطاء توجيهات ملزمة بأن لا يستقل العسكريون طائرة مدنية واحدة، فإذا بثلاثة وثلاثين من خيرة أبنائك العسكريين يضعهم مسؤولون مصريون أو أمريكيون في طائرة واحدة تطير فوق نيويورك وتصل كل أسمائهم إلى الجهات الصهيونية؟ ألم يكن أمرا طبيعيا أن يقوم أصحاب المصلحة،الأمريكية أو الصهيونية، بالتخلص منهم بضربة واحدة؟
سيدي الرئيس، كيف ترى مستقبل مصر؟ هل سيصبح قانون الطوارئ جزءا من صميم الحياة المصرية خاصة إذا تولى السيد جمال مبارك حكم مصر لخمس أو سبع أو تسع ولايات قادمة؟ هل لديك مشروع قومي للتخلص من البطالة التي جاوزت الحد الأكثر خطورة لطوفان أرجنتيني قد لا يبقي ولا يذر؟ هل لديك مشروع قومي آخر لوقف نزيف هجرة الأدمغة المصرية؟ أين تذهب أموال الدعم العربي والدولي والأمريكي والبترول والسياحة وقناة السويس وتحويلات المصريين؟ هل لديك، حفظك الله، مشروع قومي وطني للتآلف والتسامح بين المسيحيين والمسلمين؟ ماذا يحدث في تخبطات القرارات الاقتصادية في الجمارك والتصدير والاستيراد والعملة وبور سعيد؟ ، سيدي الرئيس، لم ينته ما في جعبتي ففي داخلي بركان هائج من الغضب معجون بحب جارف وقاتل لمصر الطيبة وشعبها الصابر، وسأكتفي بهذا القدر قبل أن تنفجر شرايين قلبي كمدا وحزنا وهما ووجعا! وطوبى للصابرين في أم الدنيا
رسالة من الرئيس مبارك .. لا، ليس هناك غيري؟
أوسلو في 14 مايو 2002
أيها الأخوة المواطنون، اقتربت الساعات الحاسمة قبل موافقتي على تجديد البيعة لولاية خامسة وبانتهائها أكون قد أكملت ثلاثين عاما زعيما أوحد لمصر العظيمة. لعلكم تعرفون أنني لست في حاجة لحملة دعائية أو انتخابات أو منافسة فهذه ليست الديموقراطية التي فهمتها منذ أن توليت حكمكم عام واحد وثمانين، بل إنني لن أكلف نفسي عناء طلب التجديد لسبب بسيط هو أنكم ستخرجون في مظاهرات حاشدة، عمالا وفلاحين وطلابا، تطلبون مني أن لا أترككم يتامى، ولا أغادر القصر الرئاسي في هذه المرحلة الحاسمة من تاريخ مصر. قطعا ستسبق مظاهراتكم عدة مقالات افتتاحية من رؤساء تحرير الصحف والمجلات الذين بلغ أكثرهم شبابا عامه السبعين، وسيعددون إنجازاتي وعبقريتي والمعجزات التي تحققت على يدي، ثم تنتهي الافتتاحية برجاء شديد وتوسل بدموع دافئة أن أوافق على تجديد البيعة فهو مطلب جماهيري شعبي، وأن كل مكتسبات مصر منذ أن توليت الحكم معرضة للانهيار إن لم تستمر المباركية نظام حكم وعنوانا للرفاهية وتجربة رائدة لشعب مصر العظيم. أما أعضاء مجلسي الشعب والشورى فلن يكون دورهم أقل من افتتاحيات الصحف اليومية والأسبوعية، وسيكتبون وثيقة بيعة، ويخرجون في مسيرة لا يتخلف عنها إلا ثلاثة أو أربعة من المشاغبين اليساريين أو الإخوان المسلمين أو بقايا الشيوعيين. في الواقع، أيها الأخوة المواطنون، فإنني لم أتخيل للحظة واحدة أن هناك مصريا واحدا في طول البلاد وعرضها يمكن أن يحل محلي، ويجلس في القصر الجمهوري وأعود أنا إلى صفوفكم مواطنا لا أملك القوة والسطوة والسلطة وكل ما في أرض مصر وسمائها وبحرها ونيلها، لهذا رفضت لأكثر من أربعة وعشرين عاما أن يكون لي نائب يشاركني الحكم ويحلم في منامه أو يقظته بأنه قد يصبح رئيسا لمصر. هذا هراء وتخيلات مريضة وأضغاث أحلام، فأنتم لا تفهمون ولا تعرفون لذة السلطة وعشق كرسي الحكم! ثم ماذا يفعل ابني جمال مبارك في حال تحقيق حلم مصري آخر أن يتولى شؤون وأمور أرض الكنانة بعدي؟ هل تنتهي المباركية ولا يتذوق حلاوة السلطة من بعدي مبارك آخر؟ ومع ذلك فأنا لم أجبر أحدا على أن يمنحني صوته أو يمتدح في عبقريتي أو يفسر حديثي، فمثقفوكم ومفكرو مصر وكتابها وإعلاميوها يصدعون رأسي في كل ساعة من ساعات الليل والنهار بمديح زائف وتملق مقزز للنفس العفيفة وتزلف يصيب بالغثيان. حتى عيد ميلادي الأخير قالوا بأن الله اختاره ليتوافق مع عيد الفصح المجيد! أيها الأخوة المواطنون، ينبغي عليكم أن تستوعبوا حقيقة قائمة طالما أنا في سدة الحكم، وهي أنه لا يوجد رجل ثان أو ثالث أو حتى عاشر، فكلهم يأتمرون بأوامري، ويمسحهم وجودي، بل لا أخفي عليكم مشاعر الفرحة وهم يقفون خلفي أو يسيرون مطأطئي الرؤوس، خافضي الصوت، يراقبون تعبيرات وجهي ليماثلوها، إن غضبت غضبوا وإن ابتسمت ضحكوا، وإن عاتبت أحدا صبّوا عليه حِممهم، وإن أبديت رأيا اهتزت رؤوسهم حتى تكاد تقع من فوق رقابهم. وكما قلت لكم بأن وجودي يلغي بالتبعية الآخرين ومناصبهم وألقابهم وحساسية مراكزهم، حتى وزير الدفاع جعلته يسير خلفي بين آثار الأقصر لدى زيارتي لتحية السياح بناء على طلب من وزير السياحة في وقت يحتاجه كل جندي وثكنة عسكرية وخطوط أمامية في مواجهة قوة صهيونية قد تكون لها حساباتها الخاصة المتفجرة من رأس إرهابي كان مسؤولا عن ذبح الأسرى المصريين عامي ستة وخمسين، وسبعة وستين.
الآن بعد أكثر من عقدين في ظل قيادتي الرشيدة لم يعد هناك من يستطيع أن يشير بسبابته إلى خطأ ارتكبته أو اختيار لم أوفق فيه أو رأي غير صائب، فلن يسمعه أحد، ومن يستمع إليه لن يردد حديثه، فكل الناس تبحث عن لقمة العيش، والإعلاميون والمثقفون والمفكرون وهم ضمير الأمة، تنتظرهم أيضا عائلاتهم، ثم انهم يتمتعون بامتيازات لم تدر بذهن أحدهم قط. تقول الدراسات بأن أربعة وأربعين في المائة من المصريين فقراء، وأن أربعة وثمانين تحت خط الفقر المتعارف عليه دوليا، وأنه لا توجد دراسات كافية وجادة عن التفاوت الطبقي المذهل في عهدي. لكنني لا أكترث كثيرا لهذا الأمر فالصحافة والتلفزيون ووسائل الإعلام الأخرى وبيانات رئيس الوزراء تؤكد لي بأن فكري في العبقرية الاقتصادية وتوجيهاتي لمنح الأولوية للطبقة الكادحة، قد جعلت مصر محط إعجاب الاقتصاديين في الدول الصناعية الكبرى، وأن مدارس اقتصادية عالمية تُدَرّس باهتمام بالغ توجيهاتي التي جعلت مصر بموارد قليلة تتجنب مصير دول أوروبا الشرقية والأرجنتين. ألم أقل لكم أن الإعلام المصري قام بصناعتي كما قمت أنا بصناعته؟ حتى عندما أكد وزير خارجيتي بأنني سأقوم بحضور مؤتمر قمة بيروت لأن نجاحه مرتبط بحضوري، ابتلع كلامه وقال بعد يومين بأن عدم حضور الرئيس مبارك أنقذ مؤتمر القمة! لو أنني قلت لكم بأن الشمس تشرق من المغرب فلن تمر لحظات قبل أن تتلقى وسائل الإعلام تعليمات ملزمة بالحديث عن الرأي الصائب للرئيس، وسينشر رئيس تحرير صحيفة يومية في افتتاحيتة تحليلا لشروق الشمس من المغرب وبأن الرئيس مبارك يعني أن الوضع الدولي سيء، أو أن العدوان الإسرائيلي بلغ حدا غير مقبول! عندما استضافني التلفزيون اللبناني وسألتني المذيعة الجميلة المتألقة عن رأيي في نتينياهو، قلت بأنه كان رئيس وزراء خفيف الظل. ولم يكن في الحديث جديد أو تحليل أو رؤية عميقة من رئيس أكبر دولة عربية، وفي اليوم التالي تسابق الصحفيون والإعلاميون ومفكرو هذا الوطن المسكين يستخرجون عنوة من حديثي كل جوانب الحكمة والخبرة والدهاء والوطنية، ماذا أفعل لكم؟ لم أضرب أحدا على يديه أو ركبتيه ليجعل مني ملكا يمشي على الأرض أو رسولا يغير رسالة سماوية أو ظاهرة لم تنجب مثلها مصر في تاريخها كله، ولكنني أجد الملايين يتبرعون من تلقاء أنفسهم بالمديح والثناء والابتهال إلى الله بالشكر على نعمة وجودي رئيسا لكم.
فإن انتقادي منطقة محرمة وحمراء يصعب الاقتراب منها، لأنني أوحيت إلى الجميع بأن أمني من أمن مصر وأن لقمة العيش التي يلهث خلفها رعاياي مرتبطة برضائي واسترضائي وحمل أوزاري بعيدا تماما عن هذا الاسم المبارك الذي سيبقى معكم ربع قرن آخر أو يزيد! أيها الأخوة المواطنون، لقد قمت خلال سنوات حكمي بصناعة نوع من الديموقراطية لم يشهد له تاريخ العرب الحديث مثيلا، فأنا أدعكم تتكلمون وتصرخون وتضربون رؤوسكم في الحائط وتبكون دما، لأن هذا تنفيس عن مكبوتات، لكنني لا أستجيب لكم، ولا أكترث لعشرات الآلاف من القضايا الحياتية اليومية، وخلاصة القول أنه ليس لديّ وقت للاهتمام بكم. تطلبون مني مشروعا قوميا لمحو الأمية التي تمثل عارا وكارثة بكل المقاييس لكن هذا الأمر كان بعيدا تماما عن اهتماماتي، ونفس المطالب الغريبة منكم تنسحب على الأمراض الوبائية الخطيرة التي تعصف بالوطن والمواطن، وتستحق أن أتعامل معها كما نتعامل مع زلزال يضرب أرض مصر الطيبة أو إعصار أو هزيمة عسكرية، وأعني هنا البلهارسيا والكبد، ولكنني تركت هذه القضية غير الهامة لي بين يدي وزير الصحة وبإمكانيات متواضعة، ولن أتابع نتائجها ما حييت. غضبت غضبا شديدا عندما تناهت إلى سمعي أحاديث وهمسات وتمتمات عن سوء اختياري لرجال حكومتي، وهذا غير صحيح بالمرة. لقد اعتكفت شهرا كاملا في برج العرب للتأمل والتفكر والاستخارة والاستشارة، وعرضت علىّ مصر العظيمة آلافا من العباقرة والشرفاء والمخلصين القادرين على صناعة مستقبل مشرق في كل المجالات، لكنني رفضت رفضا قاطعا، فأنا أريد رجالي الذين يفهمونني قبل أن أتكلم، ويطيعونني طاعة عمياء، ويتعرفون على رغباتي قبل أن تخرج للعلن، ويمتدحون مقدرتي في كل شيء، ويعتبرون كل كلمة أتفوه بها كأنها رأس الحكمة أو بيان من التنزيل أو قبس من النبوة السياسية. واحتفظت بأكثرالفاشلين الذين سلخت جلودهم مقالات صحف المعارضة، وفضحتهم ونشرت وثائق تدينهم، وأثيرت حولهم شبهات هائلة تستحق أصغرها محاكمة علنية. ولم ينبس أحد ببنت شفة، وحتى الذين يعترضون منكم نشروا في الصحافة المعارضة نقدا وعتابا لرئيس الوزراء الذي اختارهم، وكأنهم يسخرون من أنفسهم. إن كل فرد في هذا الشعب يعلم جيدا أنني الوحيد الذي أختار وزراء حكومتي، فرئيس الوزراء لا يفعل أكثر من تلبية رغباتي والالتزام بتوجيهاتي . . لم أعد أهتم كثيرا بصعود أو انهيار شعبيتي، فأنا باق في القصر الجمهوري رئيسا عليكم ما تبقى من ولايتي الرابعة، ثم تعقبها ولاية خامسة، سواء رغبتم أم أبيتم. هل يتجرأ أحدكم مهما بلغ من العلم والقدرة والثقافة والخبرة في العمل السياسي ويعلن أنه سيترشح أمامي منافسا لي على رئاسة الجمهورية؟ لن أكون بحاجة للرد عليه، أو شد أذنه، أو الموافقة على انتخابات نزيهة وحرة يتنافس فيها ثلاثة أو أربعة مرشحين، فرجالي سيتكفلون بتأديبه في كل وسائل الإعلام، وسيعلنون تمسكهم بي وبنهجي وبالطريق الذي سلكته وبإنجازات عصر مبارك! أعود لقضية الملفات الأمنية والمالية والشخصية وأرفضها جملة وتفصيلا، ولن أسمح لأي جهة في مصر كلها أن تكشف تاريخ واتصالات وخصوصيات وممتلكات وأموال أي من رجالي، من كمال الشاذلي إلى صفوت الشريف ومن فهيم الريان إلى ممدوح البلتاجي ومن فتحي سرور إلى يوسف والي وعشرات غيرهم تماما كما قمت من قبل بحماية المستشار طلعت حماد والمستشار اسماعيل الجوسقي، ولم أعر اهتماما للتقارير التي وصلتني عن محافظ الجيزة أو مستشار وزير الثقافة، فالكلمة الأولى والأخيرة والفصل لي أنا وحدي، وعليكم الطاعة والشكر.
لم أكن أريد التطرق إلى قضية أزعجني كثيرا طرحها وهي قوانين الطوارئ التي أحكم بها، وأنا أعلم أن الدول المتقدمة ترفضها كلية، وأن الحد الأقصى قد يكون شهرا أو اثنين، لكنني الحاكم العسكري في هذا البلد، وأعتبر القوانين العرفية الاستثنائية التي تستخدمها الدول الأخرى في حالات الحرب والاضطرابات والقلاقل هي بمثابة صمام الأمن لي وتتناغم مع رفضي المطلق لمشاركة نائب لي الحكم، فقد قلت لكم من قبل بأن لذة كرسي السلطة لا تعادلها نشوة أخرى خاصة إذا صحبها إحساس بالاستعلاء وبدونية الآخرين وبأنهم أصفار متراصة لا تساوي أي قيمة تذكر. عندما هبطت طائرة وزير الصحة السابق إسماعيل سلام مطار العاصمة السويدية ستوكهولم، تلقى خبرا عاجلا من القاهرة بأنه قد تمت إقالته فورا. وعاد الرجل تسبقه دموعه، فقد تعلم درسا يجب أن يستوعبه الآخرون، وهو أنني كبير ماداموا صغارا، وأستطيع بتوقيع صغير على ورقة واحدة إقالة من لا أرغب في بقائه لحظة واحدة دون ذكر الأسباب،حتى لو كان وزيرا في مهمة رسمية كإسماعيل سلام، أو وزيرة للبيئة كنادية عبيد، أو وزيرا للتموين كأحمد الجويلي، أو غيره. عندما استضافتني القناة التلفزيونية الأمريكية سي إن إن، وسألتني المعلقة عن سبب عدم تعيين نائب رئيس، وأنا بنفسي كنت نائبا للرئيس الراحل أنور السادات،قلت لها بأن السادات كان محظوظا لأنه عثر علي، أما أنا فلم أجد أحدا بعد! وكان ردي أكبر من استيعاب أي شخص أمامي، فهو ازدراء شديد ونظرة فوقية لا ترى مصر قادرة على إنجاب من يستحق أن يكون خليفة لي أو أمينا على البلد في غيابي.
البطالة في مصر مفزعة وتحتاج هي أيضا كالبلهارسيا والأمية والكبد الوبائي إلى مشروع قومي وطني، لكنني لم أدرك خطرها بعد، أو ربما لدي قناعة بأن مفهومي للبطالة يختلف عما يراه المحللون والمتخصصون والأكاديميون. وقد قلت في إحدى خطبي بأن مشروعا سياحيا يعمل على تشغيل عدد من العاطلين يمثل النجاح كما أراه، ولم أعرف أن البطالة ليست فقط البحث عن عمل، لكنها البحث عن عمل منتج. ولا يزال هناك- وفقا لأدنى تقدير- ستة ملايين عاطل عن العمل، وليست لدي أدنى فكرة عن كيفية دمجهم في القوى العاملة، والحمد لله أن شماعة الانفجار السكاني تتحمل كل وزر وخطأ. في اجتماع مع المثقفين والمفكرين على هامش معرض القاهرة الدولي للكتاب في يناير الماضي قلت بأنني أشاهد التلفزيون، وعندما لا يروق لي برنامج أتصل فورا بوزير الإعلام. بهذا المنطق تحدثت مع نخبة المجتمع وصفوة مفكريه ونقاده ومثقفيه الذين كادوا يجمعون علي أن إعلامنا المصري فقد الريادة وأن ماسبيرو مرتع للفساد والمحسوبية، وأن برامج التلفزيون المصري تعكس مدى تخلف القائمين عليها، بل إن عشرات الآلاف من المصريين في الخارج يخجلون من قناتهم الفضائية التي تذيع كما هائلا من الغث والانحدار مثل(لعب عيال) و(عالم أطفال) و(أول خطوة) و(نجم على الهوا) و(ما يطلبه المشاهدون)و(فيلم كليب) وعشرات غيرها من برامج وضعها هواة أقرباء ومعارف المسؤولين، بل إن مقدم برنامج(دنيا ودين)ومقدمة برنامج( لحظة صدق)لا يستطيع أي منهما قراءة جملة واحدة عربية سليمة. وصمت الحاضرون وليس من بينهم أي مثقف أو ناقد يتفق معي في رؤيتي عن تفوق قنواتنا التلفزيونية، وابتسم وزير الإعلام فمصر كلها في جانب وأنا وهو في جانب آخر. هكذا تصدر القرارات في عهدي، في الاقتصاد وفي السياسة وفي معظم مناحي الحياة، ولعلكم تتذكرون حيرة كل المصريين منذ بدء الانتفاضة الفلسطينية المباركة، فلا يعرف أحد أين يقف رئيس الجمهورية، محايدا بين العرب ومغتصبي ارض
أكثر من ثلاث سنوات مرت على حلم المحاكمة فتحولت إلى محاكمة الحلم. في 22 ديسمبر 2003 نشرتُ هذا المقالَ وكأنني قد تلقيت دعوة حقيقية لحضور محاكمة أعتى طغاة العصر، والآن وبعد ربع قرن يقف ضابط الأمن .. المتحدث السلطوي باسم الرئيس حسني مبارك، ثم يضرب بحذائه رئيس محكمة وممثل العدالة وصوت السماء لأهل الأرض قائلا: .. وأنت أيضا ابن كلب!
تذكرت حادث بورسعيد عندما لهث جمال مبارك إلى الاستراحة التي ينتظر فيها الوزراءُ الرئيسَ حسني مبارك، وقال لهم الشاب الذي سيحكم مصر لربع قرن قادم: يا ولاد الكلب الريس بتاعكم كان حيتقتل وأنتم يتدلعوا هنا. وأنبرى رئيس الوزراء قائلا له: كيف تقول هذا الكلام وأنا في عمر والدك؟ رد رئيسنا القادم: وأنت كمان ابن كلب زيهم.
في خطاب تسلمه عرش مصر رسميا سيقف جمال مبارك أمام شعبنا العظيم، وربما يقول لنا، أو لا يقول لنا: يا ولاد الكلب !
وقائع محاكمة الرئيس حسني مبارك
أوسلو في 22 ديسمبر 2003
في مكان ما، وزمان قد يكون أضغاث حلم، أو تمنيات واهم، أو حقيقة مستقبلية، أو أطياف في نصف قيلولة قصيرة، أو مأثورات شعبية ستحكيها أجيال قادمة، أو عبث الكتابة، أو يأس المتمرد، أو قراءة في صدور ملايين المصريين الصامتين منذ خمسة آلاف عام، حدثت أو ستحدث أو لن تحدث وقائع المحاكمة التالية.
القاضي: اسمك ووظيفتك وتاريخ ميلادك؟ المتهم: محمد حسني مبارك، رئيس جمهورية مصر العربية سابقا، ومن مواليد مايو 1928 ميلادية.
القاضي: وهل كانت لك وظائف أخرى؟ المتهم: نعم، عشرات من الوظائف التي لا مجال لذكرها هنا، وكلها مجتمعة ومتشابكة جعلت كل شبر، وحدث، وتغيير، وأمر، وتعيين، واستقالة، واقالة، ومحاكمة، وتبرئة، وتعذيب، وتحويل أموال، واستمرار شخص في منصبه .. في يدي أنا وحدي فقط، ولو أردت أن أبعث نصف المصريين وراء الشمس دون محاكمة لفعلت دون أن تعترض طريقي نملة صغيرة لا يراها سليمان، عليه السلام، لو كان حيا بيننا.
القاضي: كيف تَسَلّمت الحكمَ؟ المتهم: مصادفة بحتة جعلت الرئيسَ الراحلَ أنور السادات يقوم باختياري نائبا له، ثم سقط قتيلا عندما كان يحتفل بقواته المسلحة في ذكرى العبور، فتوَلّيتُ الحكمَ. ومنذ ذلك التاريخ قمت بمسح وحذف والغاء كل مَنْ حوّلي ليتحولوا إلى أصفار لا تساوي جناح بعوضة لو اجتمعت على رأي مخالف لرأيي.
القاضي: وفي حال غيابك، ماذا كان يفعل نائب الرئيس؟ المتهم: لم يدر بذهني للحظة واحدة أن أقوم بتعيين نائب لي لسبيين: الأول هو أني لا أتصور أن تتجمع قوة وسلطة وسطوة في يد شخص آخر بجانبي، والثاني أن حلم استمرار أجيال من صلب مبارك شغل كل كياني، فقمت بتلميع ابني جمال وجعلته فوق كل المصريين بمن فيهم رئيس الوزراء والوزراء وكل مسؤول في أرض مصر وسمائها وبحرها.
القاضي: كيف تمت عمليات الانتخابات التي ترشح لها مصريون منافسون لك، وهل كانت هناك لجان رقابة دولية لمراقبة سيرها والتأكد من نزاهتها؟ المتهم: لم تكن هناك انتخابات ولو مرة واحدة، ولكن استفتاء على شخصي أنا فقط، فقد كنت أحتقر المصريين وأراهم بملايينهم أقل شأنا مني ومن أسرتي الشريفة! كانت نتيجة الاستفتاء أقوم أنا بتحديدها في قصري، وأترك هامشا صغيرا يبدو كأنه معارضة لا يتعدى أربعة في المائة ليتسنى لرؤساء تحرير الصحف الكتابة عن غير الموافقين، والمصريون وأنا نعلم جيدا أنها مسرحية سخيفة لكنها ظلت طوال فترة حكمي.
القاضي: تقول بأنك لا تتخيل لبرهة مصريا منافسا لك على انتخابات حرة ونزيهة، ألست مصريا مثلهم؟ المتهم: كنت أظن ذلك، لكنني اكتشفت بعد فترة قصيرة من الحكم أنني أعلى منهم مقاما وذكاء وقدرة وكفاءة وعبقرية ونقاء جنس ودماء، وأنني سيد وهم عبيد تحت قدمي!
القاضي: كيف توصلت إلى هذا الاكتشاف؟ المتهم: كنت كلما تفوهت بكلمة صحيحة أو خطأ أو معلومة مشوهة أو عرضت فكرة ساذجة أو تحدثت في أمور لا أفقه فيها، وجدت مصر كلها في اليوم التالي تشيد بعبقريتي وحكمتي.
القاضي: ولكن هذا ليس صحيحا بالمرة، فأنت قد روعت مواطنيك بكلاب قصرك وزبانية التعذيب في المعتقلات وأقسام الشرطة، وفي عهدك مر على سجون مصر أكثر من ربع مليون مواطن، وهناك مئات قضوا أو تشوهوا في عمليات تعذيب لا قبل لبشر بها في أقسام الشرطة من ضباط ساديين ومخبرين أغبياء ومرشدين حمقى، فكان أمرا طبيعيا أن تصنع جمهورية خوف كالتي صنعها معظم حكام العالم العربي. ألم تكن تعرف بما يجري لمواطنيك من مهانة وقهر وقمع وتعذيب وانتهاك واغتصاب؟ المتهم: قطعا كنت أعرف ذلك تماما، وأقرأ التفاصيل كاملة في صحف المعارضة، وتأتيني ملفات تفصيلية عن أوجاع وأحزان المصريين والظلم الذي يتعرضون له من أجهزة حمايتي، لكنني كنت أشعر بسعادة غامرة، فقد عَلًّمْتُ المصريين أن يكونوا عبيدا، وأن يخضعوا لأوامري قبل أن أتفوه بها، وأن يبرروا جرائمي في حقهم، بل إن أكثرهم مقتنعون أنني لو علمت بما يجري لهم لسارعت بانقاذهم، وأوحى لهم كاتبو السلطة ومنافقوها وتُجار الكلمة وباعة الضمير أن الرئيس هو المنقذ والمُخَلِّص لهم، فكانوا ينشرون في الصحف اعلانات استجداء واستغاثة لكي اتدخل، وأنا أصُمّ أذني، فلم أكن على استعداد للدفاع عن كرامة العبيد أو منحهم حقوقهم لئلا تصبح عادة فيدافعون عنها.
لقاضي: كيف كنت تختار الوزراء، وعلى أي أساس يستمرون في أعمالهم؟ المتهم: الكفاءة لم تكن تعنيني بالمرة، وكنت أعلم أن مصر قادرة أن تمدني، لو أردت، بعباقرة في كل المجالات، لكنني استعنت بوجوه أعرف أصحابها، وأثق أنهم لا يكترثون لغير رضاي، ويبحثون عما يبهجني، ولا يصدعون رأسي بالشرف والنزاهة والمشروعات الناجحة والاهتمام بالجماهير، لذا عندما يتمادى أحدهم، ويبدأ في الجد والمثابرة ويظل ضميره يقظا طوال الوقت ويسعى لخدمة أبناء الشعب، كنت أركله فورا، فيعود إلى منزله مهانا ضعيفا! عندما ظنت الدكتورة نادية مكرم عبيد أن الوظيفة أمانة وشرف، وجعلت تطارد ملوثي البيئة وتعكر عليهم صفو (!!) فوضويتهم، وترفض تلوث مياه النيل، وتغضب منها أصدقائي المستثمرين وحيتان المال ومالكي النيل وأصحاب المصانع التي تلقي في النهر الخالد بسمومها، استبدلت بها غيرها. نفس الأمر حدث مع الدكتور ماهر مهران الذي بدأ الناس يتعرفون على اخلاصه وعبقريته في وزارة شؤون السكان، وحاول توعيه الجماهير، فأسرعت فورا لاقالته. والدكتور اسماعيل سلام حاول مطاردة وحوش المستشفيات الاستثمارية الذين يبيعون أجسام المصريين بعد أن يستنزفوا جيوبهم، ثم طارد مافيا الدواء، فنزل عليه غضبي وهو في الطائرة متجها للعاصمة السويدية، فأنا لا أسمح بالشرف والنزاهة وإلا سينكشف المستور، وتبدأ فضائح الحكم في مطاردة أعين أبناء الشعب. وهذا الوزير الذي ظن أنه في حماية الفقراء، وبدأ الناس يشعرون أن الدكتور أحمد الجويلي يحمل ضميره معه في كل خطوة، وظهرت عبقريته في التعامل مع حاجات الشعب الأساسية، لم أجعله يستمر في منصبه فطردته من الوزارة.
القاضي: ومن هؤلاء الذين احتفظت بهم سنوات طويلة ، ومنحتهم سلطات فوق الشعب، وجعلتهم تحديا منك لمطالب رعايك في التغيير، وغضضت الطرف عن أخطائهم وجرائمهم وتجاوزاتهم؟ المتهم: إنهم رجالي الذين يلهثون خلفي، ويعرفون ما يدور بخلدي، ويقرأون أفكاري، وأضمن بهم حكما هادئا ومستقرا ولو أفسدوا، ونهبوا، وخربوا مصر من نيلها إلى بحرها. ولكن لا مانع بين الحين والآخر من ايجاد كبش فداء من أحد مساعديهم لحماية الوزير كما حدث مع يوسف والي عدة مرات ومع صفوت الشريف. رجالي، سيدي القاضي، كانوا فوق القانون والمساءلة، فهم يستمدون الحصانة من سلطتي، ولا تستطيع قوة في الأرض أن تزيح أيا منهم دون رغبتي، فأنا فوق الدستور وقبل الوطن، بل إن التجديف في حق الله كان أيسر وأسهل وأخف على المواطن من التعرض لي. لو رأيت ما تكدس على مكتبي من انتقادات وشكاوى موثقة واتهامات بالفساد وملفات تحوي تفصيلات يشيب لها شعر الجنين عن رجالي لما صدقت عينيك وفركتهما مثنى وثلاث ورباع لعل في الأمر سوء فهم.. أو نظر!
القاضي: وماذا عن الدكتور يوسف والي؟ المتهم: كنت أعلم أنه أقام امبراطورية فساد وعلى رأسها وكيل الوزارة يوسف عبد الرحمن الذي قمنا باصطياده كبش فداء، وتمكن من جعل المصريين يستوردون القطن والقمح، وفتح لاسرائيل ممرا على أجساد وبطون المصريين، وكلما أمعن في الفساد وزادت قوته وبطشه وجبروته واحتقاره للمصريين، قربته أكثر من سلطتي وسطوتي وأسبغت عليه حمايتي، وأصبح فوق القانون ولو قدمت كل الصحف آلاف الوثائق التي تدينه، فأنا ورجالي كنا، سيدي القاضي، أكبر من هؤلاء العبيد والرعاع. القاضي: وماذا عن صفوت الشريف؟ المتهم: جعل الإعلام المصري يهوي في الحضيض، وفتح أبواب ماسبيرو للواسطة والمحسوبية والفساد، واستقطب المعاقين ذهنيا، والمرضى فكريا، والملوثة لغتهم العربية، فوسع دائرة التفاهة، وجعل الانحطاط الفني والاعلامي والثقافي عنوانا لأهم البرامج، وأنزل الرعب في قلوب المذيعين والضيوف ومعدي البرامج لتصبح كلها مديحا زائفا في رئيس الجمهورية، وأتحول أنا إلى معبود على الشاشة الصغيرة وكان مقدمو البرامج على مرمى حجر من البدء صباحا بالتسبيح بحمدي بدلا من الله الواحد القهار. لقد كان صفوت الشريف وزير الإعلام عبقريا في صناعة فن العبودية، واستطاع الإعلام في عهده أن يبرر كل جرائمي في حق أبناء الشعب المصري، وتفوقت دول صغيرة على مصر، لكننا اخترنا تصدير المسلسلات الهابطة والمنحطة التي تدر أرباحا مالية على حيتان الفساد، وهي لا تمت بأدنى صلة لواقع المصريين.
القاضي: وكيف احتفظت بكمال الشاذلي طوال كل تلك السنين على الرغم من أنه الوزير الذي تمنت كل قطاعات الشعب أن تزيحه عن منصبه؟ المتهم: تلك هي عبقريتي، سيدي القاضي، في تحدي مشاعر المصريين واحتقارهم وازدرائهم، فأنا أعلم أكثر منهم أن الرجل أوهن من بيت العنكبوت، ولكنني جعلته فوق أبناء مصر بشرفائهم وعباقرتهم ومخلصيهم ومثقفيهم وأكاديميهم لأثبت للجميع أن السيد يأمر فيطيعه العبيد دون أن ينبس أحدهم ببنت شفة.
القاضي: لهذا ربما تحديت أبناء الاسكندرية كلهم لثلاثة عشر عاما عندما استغاثوا بك لترحمهم من المستشار إسماعيل الجوسقي؟ المتهم: نعم، فأنا أشعر بلذة عجيبة، ونشوة تتسلل إلى كياني عندما يستجديني المصريون، ويرفعوا الشكاوى المُرّة، وأقرأ تفاصيل عالم الرعب الذي يعيشون فيه، وأتابع سرقات المال العام، ويخرج من مطار القاهرة الدولي لصوص قاموا بتهريب مئات الملايين من قوت الشعب، وتكتب الصحف عن انتهاكات جسدية للمواطنين، وتقوم سيارات البوكس بتعريض أبناء الشعب للمهانة وهم يجرونهم من منازلهم في قضايا جرائم أو سياسة أو أصولية دينية أو آداب أو حتى سرقة مواشي، فالمهم أن يسيروا بعد ذلك بجانب الحائط، ويقدموا لي الشكر العميق لأنهم لا يزالون أحياء يعيشون فوق الأرض أو حتى في مقابر بدلا من عشش الصفيح.
القاضي: هل تعرف حجم ديون مصر في عهدك؟ المتهم: عشرات المليارات، ولا أتذكر بالتفصيل فهي من صغائر الأمور التي لم اكترث لها، ويمكن للمصريين بعدما ينتهي حكمي أنا وابني وربما حفيدي لنصف قرن قادم أن يتعرفوا على حجم الديون!
القاضي: من هو أحمد عز صديق ابنك جمال؟ المتهم: إنه عصامي ناجح، كون ثروة من مليارات الجنيهات من احتكار الحديد والصلب، ولحمايته قام ابني بتعيينه في منصب مسؤول عن الشؤون الزراعية والمالية في مجلس الشعب، وبالتالي تصبح الرقابة على أموال الشعب من نصيب حيتان المال الجدد الذين صنعهم عهدي.
القاضي: لماذا لم تهتم بملفات المخابرات ومباحث أمن الدولة التي كان بامكانها أن تمدك بتفاصيل دقيقة لكل رجالك ووزرائك ومحافظيك ومستشاريك فتقيل منهم الفاسد وتحتفظ بالصالح والشريف والنزيه والنظيف؟ المتهم: كأنك، سيدي القاضي، لم تنصت إلي أو تسمع كلمة واحدة مما ذكرت! إنني لم أبحث مرة واحدة عن عبقرية أو كفاءة أو اخلاص، وإذا وقعت مصادفة على أحد هؤلاء فلا يمر وقت طويل حتى أتخلص منه. وماذا سيحدث إن طلبت من المخابرات ومباحث أمن الدولة أن تقدم لي ملفات مفصلة عن حسابات رجالي وأولادي، وعن الاتصالات مع اسرائيل، وعن التقاسم مع رجال الأعمال، وعن عالم الكيف وتزوير الانتخابات والبلطجة وتجاوز سيادة القانون ؟ إنها كارثة لا تبقي ولا تذر. ولو تم نشر ملفات المخابرات ومباحث أمن الدولة لما بقيت أنا وأسرتي في الحكم يوما واحدا.
القاضي: هل تعرف ثروة ابنك علاء مبارك، وكيف قام بجمعها؟ المتهم: أليس من حق ابني أن يصبح مليونيرا أو مليارديرا في عهدي؟ كان يعمل في البزنس، وهو عالم عجيب من الطلاسم والألغاز والصفقات الاحتكارية والسلطة التنفيذية، لكنني جعلت الحديث عن ابني محرما في وسائل الاعلام كلها. كان علاء كشقيقه جمال أكبر من القانون والدستور والشعب. لا أعرف ثروته حتى الآن، لكنه كان غنيا بما يسمح له بحياة كريمة لمدة سبعمئة سنة أو يزيد.
القاضي: حدثني عن سلطة ابنك جمال مبارك. المتهم: لقد أعددته منذ أن توليت السلطة، وشاهدت بأم عيني أبناء الزعماء العرب يثبون على كرسي الحكم واحدا وراء الآخر، أو يجمعون في أيديهم خيوط اللعبة السياسية، ويتحصنون وراء السلطة التنفيذية، ويتم الايحاء لوسائل الإعلام بعدم الاقتراب منهم، فلماذا لايكون جمال مبارك وارثا للحكم بعدي؟
القاضي: لكنك صرحت مرات عدة بأن مصر ليست سوريا، وأنك ترفض توريث العرش، أليس كذلك؟ المتهم: كنت أعد سيناريو آخر بالاتفاق مع رئيس مجلس الشعب، وفي الجانب المقابل تمكن ابني من تكوين خلايا شعبية كأنها جراد من شبيبة الحزب الوطني الحاكم، وهؤلاء مغيبون ومخدرون في عالم من الحماقة والاحساس بالأهمية كأعضاء فاعلين في حزب السلطة، ليتحرك الطرفان فتصبح السلطة التشريعية والجماهير المهووسة ضلعين متساويين ليكونا سندا لابني في تولي الحكم.
القاضي: لكنك أقسمت أن تحترم الدستور والقانون والوطن والمواطن، لماذا نكثت بوعدك؟ المتهم: يبدو، سيدي القاضي، أنك ساذج وتسبح في عالم المثاليات. إنني اقسمت فعلا، لكن لذة السلطة قادرة على قلب المشاعر والعواطف والآراء والثوابت والمباديء والأخلاقيات، لذا نكثت بوعدي، وجعلت كرامة المصري تحت حذائي، ورفضت تعيين نائب لي، وحكمت مصر بالحديد والنار وقوانين الطواريء، وتركت البلد ينزف، وأفسحت المجال للصوص والنهابين والهبارين ليتقاسموا مصر. كنت أكره هذا البلد وشعبه كراهية شديدة، ولو قدر الله ومكثت في الحكم عقدا آخر أو اثنين فربما جعلت المصريين يتسولون طعامهم من دول أفريقية فقيرة.
القاضي: كيف ترى كرامة المصري المغترب في الخارج؟ المتهم: إنه آخر اهتماماتي، بل لا أخفي عليك، سيدي القاضي، أنني كنت أنتشي فرحا وأنا أرى جثث المصريين تنزلق في نعوشها من أحشاء الطائرة القادمة من بغداد، فأعرف أن جلادي صدام حسين قاموا بتصفية أبناء شعبي، ولم أرفع صوتي يوما واحدا، أو أقدم احتجاجا، أو أطالب بعودة المصريين من جمهورية الخوف. نفس الأمر ينسحب على العقيد معمر القذافي الذي كان يدفع أموالا لمصر مقابل صمت الحكومة، فأمتهن هو كرامة المصريين، وابتلعت أنا كرامتي.
القاضي: هل تعرف حجم الأموال التي تم تهريبها بعد نهبها في عهدك؟ المتهم: لا أستطيع أن أحصيها، ربما عشرات المليارات، وربما مئات أو أقل.
القاضي: وماذا عن دخل مصر من السياحة وقناة السويس والتصدير والبترول وتحويلات المصريين في الخارج والمساعدات التي تتدفق على مصر من كل الدول الغنية تقريبا؟ المتهم: كان يمكن أن تجعل مصر في مصاف الدول الغنية، فالكويت بمفردها استثمرت في مصر عن طريق صندوق التنمية بأكثر من خمسة عشر مليار جنيه، ولك أن تتصور، سيدي القاضي، حجم الأموال التي دخلت مصر، وخرجت منها نهبا، أو تم اهدارها وتبذيرها في مشروعات فاشلة، لكنني لم أكن أملك رؤية تطورية، ولا أفهم في إدارة وتنظيم شؤون مؤسسات دولة، فتسربت أموال مصر إلى جيوب وبطون رجال قمت أنا بصناعتهم، وقاموا بحمايتي.
القاضي: في عهدك أكلت الأمراض أجساد المصريين، ومنها البلهارسيا والكبد الوبائي، وامراض التلوث، وسوء التغذية. لماذا لم تخصص من مئات المليارات مبلغا، ولو على مضض لذر الرماد في العيون، وتطلق مشروعا قوميا لعلاج المواطنين؟ المتهم: وماذا كنت استفيد من علاجهم؟ إنهم يموتون ويأتي غيرهم في انفجار سكاني مخيف.
القاضي: ألم تفكر في محو أمية ملايين من رعاياك؟ المتهم: اضطررت تحت ضغط المنظمات الدولية إلى اطلاق مشروعات هزيلة بعد عشرين عاما من تولي السلطة، وتولت سيدة مصر الأولى إدارة مشروعات محو الأمية وثقافة الطفل ومكتبة الاسكندرية.
القاضي: ماذا تقصد بسيدة مصر الأولى؟ هل هي وظيفة أم منصب فخري وشرفي، أم هو عمل رسمي تؤديه بعد تقديم طلب لرئيس الدولة أو مجلس الشعب أو الوزارة المسؤولة لرصد الميزانية؟ المتهم وقد انفجر ضاحكا حتى اهتزت لضحكته قاعة المحكمة: وهل كانت سيدة المصريين تحتاج لميزانية؟ ألم أقل لك، سيدي القاضي، أنك تعيش في عالم المثاليات. أُمّ جمال وعلاء كانت تستطيع أن تشير إلى مصباح علاء الدين فيخرج المارد رغم أنفه، وتنفق على أي مشروع، ولا تستطيع جهة قضائية أو تشريعية أن تحاسب أو تسأل، ناهيك بالقارعة وهي التردد في تنفيذ طلباتها، فأسرتنا الشريفة لا تستأذن العبيد، وعلى المصريين السمع والطاعة ما أمرتهم أو أمرهم أحد من أفراد أسرتي.
القاضي: أين انتهت التحقيقات في مصرع الخبراء العسكريين المصريين الذين وضعتموهم في طائرة واحدة تعبر أجواء نيويورك، وتعرف تحركاتهم المخابراتُ الصهيونية والأمريكية؟ هل هذا عمل يمر مر الكرام على قائد سابق للقوات الجوية؟ المتهم: هل هذا السؤال استفسار أم اتهام؟
القاضي: لا يستطيع أحد أن يتهمك في أمر كهذا، فقد كنت قائدا عسكريا لجيش وطني عظيم، لكن الألغاز وعلامات الاستفهام التي تحيط بكارثة مصرع أكثر من ثلاثين من خيرة خبرائك العسكريين تدفع إلى أهمية مزيد من التحقيقات. المحكمة هنا لا تتهم، لكنها تشعر أن الحادث ليس مصادفة. المتهم: لا أستطيع الحديث باسهاب عما حدث، لكنني أرجو من عدالة المحكمة أن تقوم بتأجيل هذا السؤال.
القاضي: هل عرضت عليك أية جهة أجنبية أو مستثمر عربي أو مصري إقامة مدينة كاملة لنقل سكان المقابر الذين يشاطرون الأموات قطعة أرض مزدحمة في مشهد مذل لكرامة مواطنيك؟ المتهم: في الحقيقة لو أنني أردت اطلاق مشروع قومي ضخم لكانت الدول الغنية، أوروبية أو خليجية أو اليابان، ستتسابق لدعمه، ومساحة مصر مليون كيلومتر مربع، وكنا سنجد بسهولة مكانا يعيش فيه سكان المقابر بكرامتهم فوق أرضهم، لكنني، كما تعرف، مشغول باستقبالات وحفلات ومحادثات ثنائية وزيارات لدول العالم.
القاضي: هل تعرف حقا ما هي مهمتك التي من أجلها تجلس في القصر الجمهوري بعابدين؟ المتهم: القَسًم الذي أديته يقول بأنني خادم للشعب، لكنني أفهم وظيفتي بطريقة مختلفة تماما. فالمصريون كلهم تحت قدمي، يطيعونني، ويبحثون عن سعادتي، ويبررون أخطائي، ويعبقرون صغائري، ويستغيثون بي إن ألم بهم خطب، ويخافون مني ومن أجهزة الرعب التي أبثها في كل مكان،
القاضي: كيف كنت تجد الوقت لإدارة شؤون البلاد، ووضع حلول لمشاكل شعبك، وانهاء معاناتهم، وتحسين أوضاعهم المعيشية؟ متهم: لم يكن لدي دقيقة واحدة لقضايا ومشاكل وأوجاع وهموم ومطالب المصريين، فيومي مشحون باستقبالات، أو اتصالات بقادة الدول الكبرى، أو السفر إلى الخارج، أو افتتاح مشروع ، وفي هذه الحالة تتعطل الدولة، ويتوقف المرور، ويغادر رئيس الوزراء وكل الوزراء مكاتبهم ليكونوا في استقبالي، ثم في وداعي. لا يتخلف أحد منهم. إنهم يعرفون أن وجودهم بجانبي حماية لهم، أما أن يتصور أحدهم أنه مشغول بوزارة الدفاع أو الأشغال أو التموين أو غيرها فغير مقبول لدي!
القاضي: لو كان معك نائب للرئيس يقاسمك السلطة، ويفسح لك وقتا للاهتمام برعاياك، فربما كان الوضع قد تغير بعض الشيء، أليس كذلك؟ المتهم: الفكرة كانت محرمة على ذهني، ومحظورة على خيالي، وممنوعة من الاقتراب من كل المحيطين بي. كيف يمكن، بربك سيدي القاضي، أن يقاسمني مصري آخر جزءا ولو ضئيلا من السلطة؟ ثم إنني لم أجد من بين ملايين المصريين من هو صالح لهذه المهمة كما كنت أنا نائبا للرئيس الراحل أنور السادات!
القاضي: ألم يهتز ضميرك مرة واحدة عندما تُعرض عليك عمليات التعذيب والحرق والاغتصاب والجلد والركل والتعليق من الأرجل، وفي أحيان كثيرة القتل، التي يمارسها ضباط الشرطة ضد رعاياك ومواطنيك الذين يأتمنك الرحمن على كرامتهم وحقوقهم وكذلك الوطن والانسانية؟ المتهم: لست مخلوقا من حجر، فقد كنت أتأثر بين الحين والآخر، لكنني قاومت مشاعر الخير في داخلي، ورفضت توجيه كلمة حاسمة وحازمة تسمعها مصر كلها، ويلتزم بها كل رجال الأمن، بأن كرامة المصري تسبق كل ما عداها من اهتماماتي. كان الأمر في غاية السهولة، ولو أنني ألقيت خطابا عن أهمية حقوق المصريين، وأصدرت عقدا اجتماعيا عن واجبات وحقوق المواطن فيما يتعلق بالعلاقة مع الشرطة ورجالها، وتابعت بنفسي، وأحلت ضباطا للمحاكمة بأوامر رئاسية لما تجرأ ضابط واحد أن يهين مصريا، أو يحرقه، أو يضع العصا في فتحة شرجه، أو يغتصب ابنته أو شقيقته أمامه. ليس هذا هو المهم، سيدي القاضي، فالمصريون يظنون أنني لا أعلم، ولا أتابع، وبهذا يتحمل المسؤولية وزير الداخلية والضباط والمخبرون، وأتسلل أنا بريئا من جرائم يهتز لها عرش الواحد القهار.
القاضي: في عهدك تغيرت سلوكيات المصريين، وقمت بصناعة ثقافة الفهلوة والتسول، وعممت دائرة الاستغلال التي لا تنتهي وتمر على معظم قطاعات الشعب. ألم تكن لديك خطة أمينة لصناعة زمن جميل في سنوات الفقر والمرض والتلوث، لعلك تخفف على مواطنيك من عذاباتهم اليومية؟ المتهم: كيف لي أن أعرف وصفوة البلد من مثقفين وأكاديميين وكتاب وإعلاميين وفلاسفة وحكماء وعلماء يخافون مني، ويلتزمون صمت القبور؟
القاضي: ألم تكن أنت مسؤولا، بوسائل أمنك وإعلامك وسجونك ومعتقلاتك وجحيم أقسام الشرطة، عن حالة الخوف والفزع التي تسيطر على مشاعر الجماهير؟ المتهم: لقد ذكرت في بداية محاكمتي أن الطريق الوحيد لصناعة العبودية هو الترهيب والتعذيب وامتهان الكرامة وتقزيم الكبار وتصغير كل من حولي. إنني لم أفعل هذا بمفردي. كانوا يتبرعون للدفاع عني! يشاهدون بأم أعينهم بلدهم تنهار، وتُسرق، وتنهب، وتتراجع، ومع ذلك يستغيثون بي، ويطلبون رحمتي، ويخافون عذابي. هل قرأت، سيدي القاضي، مقالات كبار الكتاب ورؤساء تحرير الصحف العملاقة ومئات المحررين؟ هل أنا قمت بتهديدهم لكي يجندوا أقلامهم في تبرير أخطائي والدفاع عن فشلي في مهتمي التي ساقف أمام الله، عز وجل، يوم الحشر ولا أملك دفاعا واحدا عنها؟ أنا صنعت عبودية من نوع فريد، لكنني وجدت بسهولة ويسر من يعطيني رقبته، والسيد والعبيد يتلازمان أحيانا كالدجاجة والبيضة فلا يدري المرء من أين يبدأ!
القاضي: لم ترُدّ على سؤالي..ألم تصنع أنت أجهزة أمن، وأعطيت الضوء الأخضر للتعذيب والقمع، وأوحيت إلى ساديي الشرطة بأن كرامة المواطن المصري أرخص من حفنة تراب؟ ألم يمر على سجونك ومعتقلاتك ربع مليون من رعاياك طوال فترة حكمك؟ المتهم: هذا صحيح تماما، لكنني لم أستورد الزبانية وحراس السجون وجلاديي الشعب، فقد وجدت منهم أكثر من جراد الحقول.
القاضي: عندما كنت تسافر، وتلتقي برؤساء دول أوروبية، وأنت رئيس واحدة من أعرق وأقدم بلاد الأرض، وأكثر ها امتدادا لحضارة إنسانية انصهرت فيها عدة حضارات. ألم تشعر بخجل ودونية أمامهم، فهم قد وصلوا إلى الحكم عن طريق الاقتراع، والانتخابات النزيهة، وحرية الترشيح لكل مواطن، وحد أقصى للحكم، ورقابة برلمانية، ومؤسسات مدنية، وحساب عسير لأي اهدار لأموال البلد، أما أنت فتستفتي شعبك على شخص واحد، وتحكم بقانون الطواريء الخاص بالحروب منذ أن توليت السلطة، وتحصل لبلدك على مساعدات تتسرب في الفساد الذي صنعه عهدك، ولا تحترم مواطنيك، وتعتدي على السلطات التشريعية والقضائية؟ المتهم: لا أظن أن شعورا كهذا انتابني، فأنا يحيط بي جيش جرار عرمرم من المنافقين والأفاقين والمتزلفين والجبناء والفاسدين واللصوص والنهّابين وخصوم الشعب، وهؤلاء يستطيعون ادخال البهجة إلى نفسي، والايحاء لي بأنني أفضل من كل الزعماء الآخرين، وأن أحاديثي يتناقلها العالم كله، وأن عبقريتي لا تقارن بأفكار هؤلاء. إنني أستطيع أن أحصي لك في خلال فترة حكمي مالم يكتبه المؤمنون بدين من الأديان عن نبيهم. هل تصدق عدالة المحكمة أنه حتى لحظات قليلة من مثولي أمامكم يدافع كثيرون من المصريين عني بحجة أنني لم أكن أعرف حجم المصائب والكوارث التي حاقت بأم الدنيا. إنهم لا يعرفون أن معرفتي أو جهلي يتساويان في حجم جريمة اغتيال وطن.
القاضي: كيف كانت رؤيتك للسياحة كمصدر دخل؟ المتهم: كنت أعرف أنها مدخل لمافيا العقارات، وأن الفساد ينخر فيها كما يفعل في ماسبيرو والشهر العقاري ومجمع التحرير والمصارف، وأن شركات السياحة تدفع ( إتاوة ) حتى يتم التعامل اللائق مع الركاب وإلا فسيذيقهم صبيان ثقافة التسول الأمَرّين. وكنت أعرف أن مصر من أغلى دول العالم، وأننا لا نستطيع أن ننافس جزرا صغيرة ودولا مجهرية تقدم خدمات سياحية أفضل من كل وعود وزير السياحة. السياحة في مصر لا علاقة لها بالمصريين، إنما هي شركات استثمارية تستفيد من الاعفاء الضريبي، وتتولى تشغيل مصريين في مهن خدمية، ومنها تتسرب مليارات الدولارات بالعملة الصعبة لخارج البلاد. لكن وزير السياحة يقوم بتلميع صورتي، ويتكلم عن توجيهاتي الحكيمة، ويقص علي حكايات لا أول لها ولا آخر عن المعارض الدولية، وعن المديح الذي يكيله الأوروبيون لرئيسه العبقري. كنت أعلم أن الأسعار في شرم الشيخ أغلى من كل بقاع الدنيا. لكنني احتفظت بالوزير كعادتي بتمكين الفاشلين من أهم مناصب الدولة.
لقاضي: لماذا انتظرت سنوات طويلة قبل البت في قرار عدم الحبس في قضايا النشر؟ المتهم: لأن المثقفين والاعلاميين والصحفيين والكتاب هم ضمير الوطن، وقد أحببت أن ألقنهم درسا بالغ الأهمية في العلاقة معي، فجعلتهم يحتجون، ويناضلون، ويكتبون، ويرفعون الشكاوى، ويلجأون للقضاء، ويوحون للسلطة التشريعية من أجل الموافقة على القرار بمنع الحبس في قضايا النشر. ومرت أعوام، وهنا وجدت أنهم تعلموا الدرس جيدا، وأنني صاحب القرار الأول والأخير في هذا البلد، فأصدرت الأمر بتعليق الحبس واستبداله بالغرامة الكبيرة. هل تعرف، سيدي القاضي، ماذا حدث من صفوة أبناء البلد والنخبة الواعية؟ لقد شكروني شكرا مهينا ومذلا متناسين أنني صاحب قرار المنع طوال تلك السنوات. إنني أتعامل مع أصحاب ذاكرة ضعيفة، فما بالك بعامة الشعب؟
القاضي: أغلب الظن أنني ساحتاج لعدة أشهر وآلاف الملفات ومئات المجلدات لنرصد، ونحاسب جرائم قتل بلد كامل. وهنا لم يتمالك رئيس المحكمة نفسه، وانزلقت من عينيه دموع أراد اخفاءها فلم يفلح، فهو للمرة الأولى يقف أمام جريمة اغتيال أمة، واستهتار بالقيم والمباديء، واحتقار شعب بكامله، واذلال أبرياء، ونهب ثروة، واهدار خيرات، وفتح الباب على مصراعيه للصوص القرن، بل الألفية! وطلب استراحة، ووقف بصعوبة بالغة ليتجه إلى مكتبه. أما المتهم فجلس مكانه واجما، يتجنب نظرات الحاضرين، ويستعيد في خياله مُلكا ظن أن أيامه خالدة، وأن الشعوب لا تتمرد أو تثأر أو تغضب بين الحين والآخر حتى لو امتد هذا ( الحين ) عدة عقود. بعد أربعين دقيقة عاد رئيس المحكمة بصحبة مستشاريه. وانطلق صوت الحاجب مرة ثاني: محكمة!
القاضي موجها حديثه للمتهم، الرئيس محمد حسني مبارك، بلهجة امتزج فيها الغضب بالحسم في صوت جهوري: هل كنت تعلم أن بيانات رئيس الوزراء منقطعة الصلة بالحقائق، وأنها أكاذيب وتلفيقات واحصائيات غير صحيحة وأرقام من نسج خياله؟ المتهم: كنت أعلم ذلك، لكنني تركت رئيس الوزراء ككبش فداء، يسخر منه فلاح كفر الهنادوة، ويصب أعضاء مجلس الشعب من القوى المشاغبة غضبهم عليه، ويتحمل عني المسؤولية، وتبدأ عمليات التنفيس عما بداخل النفس في مسرحية سخيفة من الديمقراطية، تم فيها التجديد لرئيس مجلس الشعب أربع عشرة دورة، وهو يتعامل مع الأعضاء بنفس الاحتقار والازدراء الذي أعامل أنا به أبناء الشعب.
القاضي: ما هي الصفة الرسمية لابنك جمال مبارك ؟ المتهم: رسميا هو رئيس لجنة في الحزب الوطني تصنع السياسة للحزب الحاكم. أما عمليا فهو الرئيس الفعلي للدولة بسلطاتي واسمي، ويستطيع أن يمسح الوزراء من على خريطة الحكومة، وعندما نظم مظاهرة استعراضية ضد الحرب الأمريكية على العراق، جمع أكثر من مليون متظاهر بفضل اعلام صفوت الشريف وعشرات الالاف من الحمقى المغيبين في الحزب الوطني. هنا وقف بجانبه كل كبار الدولة كأنهم جرذان خائفة، يرتعدون أمامه، ويبتسمون إذا ابتسم، ويطمعون في رضاه. عندما رفع رئيس الوزراء السابق كمال الجنزوري نبرة صوته أمامه بعد حادث موكبي في بورسعيد، تسلم الجنزوري ورقة الاستقالة مني بعدها بقليل دون أن استقبله، هكذا نحن، سيدي القاضي، تعاملنا مع هؤلاء الرعاع. إنني وأسرتي من فصيلة مختلفة تماما عن المصريين، وفي عروقنا تجري دماء شريفة ونقية.
القاضي: يحيرني سؤال عن سنوات الخدمة العسكرية التي جعلتك قائدا للقوات الجوية لجيش وطني عظيم، ومع ذلك فقد تحولت إلى الناحية المضادة عندما توليت الحكم. كيف حدث هذا التغيير؟ المتهم: للسلطة طعم الشهد، وقوة جاذبة لكرسي العرش تلصق صاحبه به ولا تتركه إلا أن تكون في نفسه قوة إرادة وعزيمة وعفة نفس وإيمان بأن مهمته هي خدمة رعاياه. أما أنا فلم أصدق ما حدث لي. كأنني أصبحت بين عشية وضحاها نبيا بدون رسالة، أو سيدا على جماعة من الرقيق. كان يكفي أن اشير بطلبي، أو أهمس بأوامري فتتحول إلى حقائق ملموسة. إنها سلطة مطلقة فوق القضاء ومجلس الشعب والاعلام والخبراء والمتخصصين والأكاديميين والمثقفين وملايين من البشر. لم أصل مرة واحدة إلى حالة روحية من صفاء السريرة، ويقظة الضمير، والخوف من عذاب الله، وحساب التاريخ، وغضب الشعب. ربما لو بحثت مخلصا في أعماقي لوجدت مكانا لصفاء السريرة والايمان والضمير فيلهمني باستخدام السلطة المطلقة في خدمة الشعب الطيب. نعم، سيدي القاضي، كان بإمكاني أن أطرح مشروعات قومية عملاقة في محو الأمية، ومحاربة الأمراض الوبائية، والتلوث، والبلهارسيا، والفقر، والفساد، والرشوة. كنت استطيع أن أمنع التعذيب في السجون وأقسام الشرطة، وأن أمنح لجان حقوق الانسان حرية الحركة داخل زنزانات كل سجون مصر، وأن أبلغ وزير الداخلية بأن شرط استمراره مرتبط بالحفاظ على كرامة المواطن، وأن أتابع بنفسي حالات السجون ففيها آلاف من المظلومين . كنت استطيع أن أجعل من مصر دولة تسابق الزمن، وتقفز فوق العوائق والحواجز، وتقودها نخبة من العلماء والعباقرة والمتخصصين والملتهبين حماسا واخلاصا، حتى لو استعنت بآلاف من المصريين المهاجرين للغرب واستراليا وكندا والولايات المتحدة، وكانوا سيلبون ندائي. كنت استطيع أن أترك قليلا هذا العبث في فهم الحكم وتصوري أن الواسطات والسفريات والرحلات المكوكية والبحث عن صورتي في وسائل الاعلام الغربية هي مهمة الحاكم في مصر، لانتبه لمشاكل شعبي، وأقترب من همومه، وأخفف أوجاعه، وأقيم نظاما عادلا، وأساوي بين المواطنين. لكنني لم أفعل ولست بمفردي الذي يستحق المحاكمة، فكلهم يستحقون الوقوف أمام عدالتكم، من مسؤولين وجبناء ومثقفين وأكاديمين وعسكريين كبار ورجال أمن واعلاميين وكتاب وعلماء وملايين من أفراد الشعب الذين كانوا يدفنون وجوههم في الرمال وهم يعلمون أنني دمرت هذا البلد تدميرا، وكدت أجعله قاعا صفصفا تذروه الرياح، أو يشهر افلاسه، لولا رحمة الله، ووقوفي الآن أمام عدالة المحكمة.
القاضي: عندما كنت تصطحب معك في طائرة الرئاسة رهطا من المثقفين والاعلاميين والنخبة ، ألم يطرح أحدهم عليك ما لا تعرفه عن الأوضاع المزرية، والفقر، والمرض، والفساد، والتعذيب والاغتصاب في أقسام الشرطة وانحدار التعليم وسقوط الاعلام؟ المتهم: لا يا سيدي، كانوا يتحولون إلى أرانب خائفة تلتفت حولها مذعورة، وكانوا سعداء بالتشرف في رحلة رئاسية، ويتسابقون في كلمات الثناء والمديح، ويأخذ الضمير عطلة، ويستريح القلب في الصدر، ثم يتحولون إلى شبه رقيق يطيع سيده، ويعرف ما يغضبه وما يدخل البهجة في نفسه.
القاضي: عندما تقدم رئيس الوزراء بطلب لأعضاء مجلس الشعب بسحب الاستجوابات المقدمة عن الفساد في الجهاز المصرفي ، ألم يكن هذا اعتداء على الدستور الذي أقسمت على احترامه؟ المتهم: لم يكن لدى رئيس الوزراء حل آخر فالجهاز المصرفي واحد من أكثر مراكز الفساد في العالم الثالث كله. عشرات المليارات من أموال الشعب تسربت منه خارجة لمصارف أوروبية. في بعض البنوك كان الفساد يبدأ من مدير البنك ولا ينتهي عند أصغر موظف، فالكل يعرف أن حق نهب مصر وافراغها من ثروتها وخيراتها مسموح به في عهدي ، هكذا كان الحال في بنك قناة السويس( فرع سفنكس)، وبنك القاهرة، والمصرف الاسلامي للاستثمار والتنمية، فرع المنيا، وعشرات غيرها من بنوك مصر كانت مستباحة في عهدي!
القاضي: لقد برع الفساد في عهدك حتى أنه تمكن من المستشفيات، والدواء، والعلاج، فنهبوا المعدات التي تتبرع بها الجهات الأجنبية، وسرقوا أعضاء المرضى وهم مخدرون في غرف العمليات، وقاموا بتزوير تاريخ الصلاحية لعشرات من الأدوية، واستوردوا ما هو غير صالح للاستخدام الآدمي، وأصبحت المستشفيات الحكومية أكثر قذارة من شوارع في أعماق الريف، أما المستشفيات الاستثمارية فهي للآثرياء فقط، وأسعار العلاج والاقامة بها أضعاف مثيلاتها في أوروبا وأمريكا، ألم يكن هناك في عهدك مكان واحد يفتخر به المصريون؟ المتهم: كانت هناك المخابرات بكل فروعها، المدني والعسكري، ومباحث أمن الدولة، والقيادة العسكرية وهي كلها أجهزة وطنية لا غبار عليها، ولم تشارك في الفساد، ولا تتلقى هدايا، ولا تخضع لاغراءات، لكنني قمت بمحاولات تحجيمها وتقزيمها، فبدأت باحالة اللواءات إلى التقاعد، وهؤلاء قد عرفوا أكثر مما ينبغي، ووصلوا إلى مرحلة النضوج الكامل في سن الخمسين، ولديهم ملفات عن الفساد في عهدي لو تم فتحها لما وجدنا لدينا حبال مشانق كافية، ولأن الضمير الوطني لدى أفراد هذه الأجهزة لا يمكن لرئيس مصري أن يتلاعب به أو يخفي عنه حقائق خصوم مصر، فقد جعلتهم ينشغلون بقضايا هامشية مثل التصدي للمظاهرات، واستجواب متهمين ضد أمن الرئيس، وعائدين من أفغانستان، وبعض الجماعات الدينية واليسارية التي لا تحرك ساكنا. ثم إنني لم أدافع عنهم مرة واحدة عندما اختلط الأمر على الجماهير بين التعذيب في أقسام الشرطة وبين التحقيقات في أجهزة المخابرات ومباحث أمن الدولة. قطعا كانت هناك بعض التجاوزات، لكن بوجه عام هي أجهزة وطنية لا استطيع الطعن فيها. لقد جعلت أفراد الشعب يتوجسون خيفة من أجهزة الأمن في المخابرات ومباحث أمن الدولة، وغفل الناس عن الدور الوطني لأجهزة تقوم بحمايتهم، ولم ينبينوا ملامح مشهد يأمر فيه رئيس الجمهورية ببيع البترول لاسرائيل، وبالسماح بتفريغ الحمولات في بورسعيد عندما أضرب عمال الموانيء الاسرائيلية، وبترك شبابنا وطلابنا يسافرون للعمل أجراء لدى قوى صهيونية قد تؤذي بلدهم لاحقا، وبمضاعفة عدد السياح الاسرائيليين في وقت يقوم الاسرائيليون بمذابح جماعية وتهديد أمن مصر.
القاضي: ألهذا الحد كنت تكره الأجهزة الوطنية الأمنية حتى أنك اخترت اللواءعمر سليمان ليكون وسيطا بين الفلسطينيين والاسرائيليين، وضيفا لدى الموساد، تراقبه، وتعرف أسراره، وتتولى عمل أرشيف لرجاله، وتلغي الحاجز النفسي الذي يحفظ أحيانا للوطنية قوتها وعزتها؟ المتهم: كنت أخشاهم فهم يعرفون عني الكثير، وعن علاء وجمال وأسرتي ومعارفي وأقاربي، وعن يوسف والي وصفوت الشريف وكمال الشاذلي وممدوح البلتاجي وعشرات غيرهم. ولعلك لاحظت، سيدي القاضي، أنني كنت اصطحب معي وزير الدفاع في أماكن لا علاقة له بها، وفي حفلات وافتتاح مشروعات، فيسير خلفي ومعه الحكومة كلها وفي المقدمة رئيس الوزراء. كنت أشعر بمتعة بالغة عندما تتوقف الحياة كلها ومصالح الوطن من أجلي. لم يكن مهما أن يتواجد وزير الدفاع بين جنوده، أو يُسَيّر رئيسُ الوزراء شؤونَ حكومته، لكن الأهم هو أن يسيروا خلفي، يراقبون حركاتي، ولا ينبسون ببنت شفة. قد يصفقون، وتنفرج أساريرهم إذا ابتسمت، ويتحسس كل منهم قلبه في صدره إن ظهرت على وجهي إشارة غضب واحدة.
القاضي: كيف تمكنت مع كل صور الاستبداد والطغيان أن تتسلل إلى مشاعر الجماهير وتوحي إليهم بأنك ديمقراطي، وتسمح بالرأي الآخر، ويمتدحك المثقفون وصفوة المفكرين؟ المتهم: كنت أتركهم يتحدثون، ويتصايحون، وينتقدون الفساد والنهب والسرقة، ويرفعون دعاوى قضائية ضد المسؤولين، ولا أعطي لهم أذني، ولا اكترث بأوجاعهم وصراخهم واستغاثاتهم إلا قليلا. وظن الكثيرون بسذاجتهم أنني ديمقراطي، على الرغم من أن أولى مباديء الديمقراطية أن يكون لها طرفان، وأن تستجيب السلطة التنفيذية لمطالب الأكثرية وتهتم بهموم الأقلية، أعني السياسية وليست الدينية.
القاضي: في عهدك غادر مصر هربا عشرات الآلاف من أبنائها شركاء الوطن .. أقباط مصر بعد أن تملكهم اليأس من الحصول على حقوق متساوية مع اشقائهم المسلمين. إن لشركاء الوطن عشرات المطالب العادلة وعلى رأسها المساواة في المواطنة الكاملة، والحماية من هوس الفكر الديني المتطرف الذي تبنته جماعات صنعها السادات وتربت في حضنك. كيف كانت رؤيتك لأقباط مصر؟ المتهم: لم تكن لديهم أي مشكلة في عهدي، وقمت بتعيين وزيرين، وأستقبلُ البابا بين الحين والآخر، لكنني غاضب على أقباط المهجر الذين يتعاونون مع وسائل الاعلام الأمريكية، وينشرون بيانات كاذبة ضد نظام حكمي.
القاضي: ولكن هذا ليس صحيحا بالمرة، فالأقباط ليسوا أقلية أو ضيوفا، إنما هم مواطنون مصريون لا فرق بينهم، دستوريا أو أخلاقيا أو إسلاميا، وبين أشقائهم المسلمين، ومع ذلك فلم يحصلوا على المواطنة الكاملة بعد، ومنها حق حقيبة وزارية سيادية، أو رئاسة الوزراء، أو محافظات هامة، أو مناصب إعلامية أو استخبارية أمنية، أو قيادة الجيش، هذا فضلا عن التمييز في الجامعات والمدارس والبطاقة الشخصية ووسائل الاعلام. المتهم: لقد قدمت لهم ما استطيع، ثم إن وقتي لم يسمح بدراسة أوضاع أقلية.
القاضي غاضبا: قلت لك بأنهم ليسوا أقلية، ويملكون في الوطن ما يملك المسلمون، وهم شركاء في كل شيء. ولكن كنت أنت ظالما لكل فئات الشعب، ولم يكن غريبا أن ينسحب ظلمك على أقباط مصر، وقد وقفت متفرجا عندما قدموا شهداء الوطن في الكشح، وخرج المجرمون المتطرفون أبرياء من دماء الأبرياء. المتهم: معذرة، سيدي القاضي، فاتهاماتك لي لو صدقت لاحتجت لمئة عمر فوق عمري حتى أقضي عقوبات لم تصدرها عدالتكم بعد.
القاضي: كأنك طوال فترة حكمك كنت عاشقا للظلم، رافضا الاصلاح، مستخدما سلطتك المركزية المطلقة لتدمير مصر على كل الأصعدة، ماذا بقي في هذا الوطن المسكين لم تخربه يداك؟ المتهم: ليس هذا هو المهم، سيدي القاضي، فلو صدرت اتهاماتك لي في سبعين مجلدا، فإن ذاكرة شعبي يمكن التلاعب بها، وسيقيمون لي قبرا بجوار قبري عبد الناصر والسادات، وستعرض الشاشة الكبيرة بعد ثلاثين عاما فيلما عن حياتي يتم فيه تزوير التاريخ وتزييف الحقائق وتلميع صورتي.
القاضي: هل ساهمت مصر في اقامة الجدار الاسرائيلي العازل عنصريا في فلسطين المحتلة؟ المتهم: لم تصدر مني توجيهات في أي صورة من الصور، فمصر صَدّرت الأسمنت لاسرائيل عن طريق عضو عربي في الكنيست. صحيح أنني أبيع البترول لآلة الحرب الاسرائيلية لتكسير عظام الفلسطيينيين، وأمنع التسلل، وأتعاون أمنيا، وأجعل حدودنا مع فلسطين المحتلة الأكثر أمنا لقوى الاحتلال، وأساعد ، كما ذكرت، في تفريغ الحمولات من موانئنا عندما يضرب العمال الاسرائيليون، لكن بناء الجدار العازل عمل صهيوني بحت لم ندعمه من قريب أو من بعيد.
القاضي: مظاهر التطرف الديني في عهدك وصلت إلى مرحلة مقززة للنفس العفيفة، ومزايدة كبيرة في الدين، وضغوطات على المواطن البسيط من أجل اشغاله بقضايا هامشية، كالحجاب والنقاب والغناء والموسيقى والفنون والصور وجمل اعتراضية في ثنايا كتب، وقد أفسحت المجال لقوى التخلف الظلامية لكي تخترق العقول، وتضلل الشباب، وتخيف الفتيات، توزع صكوك الغفران، وتحول الدين إلى هوس جنسي، أليس كذلك؟ المتهم: كان ينبغي أن نفتعل للجائعين والعاطلين والفقراء والمهمشين قضايا جانبية، فكان التخدير بالدين خشية أن تستغله قوى أخرى فتجعله في خدمة حقوق الانسان والمواطنة الكاملة والتعليم السليم والصحة والعلاج المجاني والسكن اللائق والحياة الكريمة وحرية السفر والضرائب العادلة والمعاشات المناسبة وتحريم الرشوة والفساد. كنت أخشى القوى المستنيرة أن تستخدم الدين ضد التعذيب في المعتقلات والسجون، وأن تُحَرّم امتهان كرامة المواطن، وأن تقوم بتكفير أي ضابط شرطة يغتصب أو ينتهك حرمة مواطن، وأن يستخدم الدين في الدعوة إلى التنافس العادل في الترشيح للانتخابات، والغاء قوانين الطواريء، والدعوة لفتح الأبواب أمام منظمات حقوق الانسان، فقررت أن يكون الدين في خدمة الرجعية والفساد والتخلف الاعلامي وتحريم الموسيقى والجمال والخير والفنون ، فانشغل المصريون بمعارك تافهة، وتركوني ورجالي ندمر بلدهم ونفعل بها كما يحلو لي.
القاضي : يبدو من متابعة قضايا الفساد في عهدك أن الحياء قد اختفى نهائيا، كان اللص في زمن آخر يكتفي بقطعة أرض( وضع اليد)، أو عقار متهالك، أو رشوة موظف في الأوقاف، أو خمسة فدانات في منطقة مهجورة وبعيدة عن أعين مباحث الأموال، أما في عهدك فإن اللصوص حيتانيون يسرقون وعيونهم وقحة، يستولى أحدهم على أرض بين القاهرة والاسكندرية مساحتها 200 فدان، أو على شبه مدينة في سيناء تكفي لنقل كل سكان المقابر إليها. حالة من الاسهال الفسادي جعلت مصر كلها في عهدك كمغارة علي بابا. مستباحة لكل من تعرف على مباديء الفهلوة والبلطجة. حتى الثقافة والسينما والترجمة تراجعت في وجودك. هل تعرف شروط المنح والقروض المقدمة لمصر؟ المتهم: أعرف فقط أنني سأترك أجيالا من بعدي تسدد الديون من أفواه مقهوريها.
القاضي: ماذا تعرف عن الجمارك، خاصة جمرك الاسكندرية؟ المتهم: ظللت لأكثر من عقدين لا يخالجني شك في أنه أكثر الأماكن عفنا ونتنا وفسادا وتهريبا للأموال والناس والمخدرات والأسلحة، ولم تكن لدي أي نية لاصدار أوامر باصلاحه أو سد منافذ الفساد فيه.
القاضي: أتعجب من قدرتك على الاستمرار وقد نشرت وسائل الاعلام عشرات الالاف من التحقيقات والوثائق الدامغة عن جرائم الدولة والتهريب والنهب، ومع ذلك ظللت واقفا تتحدى سبعين مليونا من الصامتين، وآلافا من المناهضين والمتمردين والمدافعين عن الشعب والعدل وؼ/textarea>
يبدو أن صناعة القرار السوري ملف جاهز يقدمه الحرس القديم إلى الرئيس بشار الأسد، فيقرأه برويّة، ويدرسه على مهل، ولكن في النهاية لابد أن يوقّع عليه، فــ ( أعمام ) السيد الرئيس لا يزالون يسيطرون على أبواب ونوافذ القصر. إعلاميا وثقافيا وفكريا فإن الصلة بين الرئيس الشاب والعالم الخارجي من أصدقاء سوريا وعشاقها مفقودة تماما، ولو حاولت مخلصا ايصال نصيحة أو تحليل منطقي لتسلسل الأحداث أو شرح مفصل لاستمرار انتهاكات حقوق الانسان أو وصف تفصيلي ليوم في حياة معتقل سوري تحت حذاء رجل أمن من الاستخبارات أو أجهزة القمع، فإن رسالتك لن تصل إلى الرئيس حتى لو حملها هدهد سليمان ووقف غير بعيد، وقال له أحطت بما لم تحط به، وجئتك بنبأ عظيم!
ماذا لو كان القرار السوري تحت قبة البرلمان، وفي ندوات وبيانات ومقالات وتحليلات ومعاهد استراتيجية تستشرف الحدث، وتقرأ المستقبل قبل أن يفهم هامشا فيه جنرال كبير يظن أن النياشين التي تثقل كتفيه تفكر بدلا منه؟ ألم يكن في سوريا كلها رجل حكيم واحد يهمس في أذن الرئيس بأن مهانة السوري تقترب بعد ثلاثين عاما من التواجد ( الأخوي ) في لبنان؟ لماذا انتظر الرئيس بشار الأسد حتى يزأر سيد البيت الأبيض، وتلوح كوندي بقبضتها السمراء، ويقرأ الكونجرس تقارير عن سوريا كتبها عاشقو الحروب وفيها رائحة تجار الأسلحة تخرج من بين نجمة سداسية؟ كان الحل ولا يزال جاهزا وفيه تتلخص كرامة الوطن، واستقلال قلب العروبة، واعادة شرعية الرئيس بمحبة شعبه وليس بقرار قدورة في خفض سن الزعيم الوارث!
كان الرئيس بشار الأسد يستطيع أن يفرج عن كل المعتقلين، ويأمر بوقف انتهاك كرامة المواطن، وينهي دولة الاستخبارات التي تفتش في صدور السوريين عن ذرة كراهية للظلم فتلقي بصاحبها في غيابات الجب. وكان يستطيع أن يقرأ النية الأمريكية، وارهاصات الوضع اللبناني، والتحالف الأمريكي الفرنسي مع نصف اللبنانيين لاخراج الدبابات السورية قبل أن تبدأ المرحلة الأولى من تطويع آيات قم وجنرالات الشام وعمامة نصر الله لصالح قلنسوة شارون. ولكن سيد القصر في دمشق لم يفهم العالم الجديد بعد، ولو أراد انقاذ وطنه فليس أمامه إلا مخرج واحد وهو تحرير شعبه من الخوف والذل وسطوة الأمن، وترك السوريين يحافظون على استقلال وطنهم بعيدا عن عيون أجهزة القمع والقهر والاذلال.خروج السوريين بهذه الطريقة المذلة جريمة لم يحاسب أحد مرتكبها بعد!
الرئيس الشاب بشار الأسد ليس مثل غيره ممن يتلقون تقارير يتحكم فيها الرجل الثاني، ويراقبها الرجل الثالث، ويحتفظ بها الرابع، وتنتهي في أحد أدراج الحرس القديم. إنه يجلس أمام النت، ويقرأ مئات التحقيقات والرسائل المفتوحة والاستجداءات، ويطّلع على كل صنوف التعذيب التي يخجل منها إبليس لو أتيحث له فرصة بناء معتقل في قلب العروبة النابض، ويعرف تقارير منظمات حقوق الانسان، ويستمع لعشرات من ضيوفه المهتمين بالديمقراطية وقضايا العدل. والرئيس الشاب كان يملك الورقة الرابحة وهي محبة السوريين له، وآمالهم وأحلامهم وتطلعاتهم، بل ورغبتهم في حذف كل سيئات الماضي وبدء صفحة جديدة مع ابن الرئيس ، لذا تحمل السوريون فترة انتقالية يمسك فيها بشار الأسد خيوط اللعبة، وولاء الجيش، ويقيم صلة جيدةبمن بقي شريفا من رجال أجهزة الأمن. لكن الوضع يزداد سوءا، والخطر الداهم يراه الأعمى، وطبول الحرب الأمريكية الاسرائيلية يسمعها الأصم، وصرخات اليأس من أي تغيير بدأت تصل من سوريا ومواطنيها في الداخل والخارج إلى كل من يهمه الأمر، واشنطون، تل أبيب، خصوم دمشق في لبنان، جماعة الاخوان المسلمين، قوى المعارضة التي خفت صوتها عدة سنوات لتمنح الفرصة للرئيس الشاب لاثبات أنه كان سجينا للحرس القديم، ولن يقبل أن يكون سجانا لعدة عقود قادمة. ملفات ضخمة، في كل منها عذابات وأوجاع تكفي لأن يهدأ صوت الضمير للمواطن السوري عندما تعرض عليه أي قوة خارجية تحريره ولو كان الثمن فالوجيا أو أنباريا. المفقودون بالالاف ترفض السلطات تسوية مأساتهم باعلان الوفاة وتعويض الأهلوالمحرومون من الجنسية من المغتربين يتعرضون هم أيضا لحزمة من الأمراض النفسية والعصبية، أما الأملاك المصادرة التي استولى عليها رجال الأمن على الطريقة البعثية فلا تزال في أيديهم. السائحون الخليجيون قد يقررون العدول عن زيارة سوريا التي تفشى فيها الفساد والرشوة فأصبحت الاكرامية لرجل الأمن هي جواز السفر لقضاء عطلة بدون مشاكل. التعذيب في السجون والمعتقلات يحتفظ بنفس درجة سخونته، ولم تبق غير شعرة صغيرة تفصل ما بين انتظار السوريين قرار الأسد الصغير فض الارتباط مع أجهزة القمع ، أو تحالف شعبي مع شرفاء الجيش للتعجيل في ربيع دمشق. هل بشار الأسد سجين في النظام السابق أم سَجّان لشعبه؟ هل يستطيع أن يقوم بانقلاب ضد خصوم الوطن أم ينتظر قائد المارينز؟
احتقار الرئيس زين العابدين بن علي لشعبه ينسحب على كل مواطنيه، من المعتقلين الذين لا يعرف أحدٌ أعدادهم الحقيقة إلى أكبر رجال الدولة. والاضرابُ عن الطعام حالة انسانية تمثل قمة الاحتجاج، فإذا اقتنع بها مئات من المعتقلين المظلومين فالمفترض أن الرئيس يخرج عن صمته، ويترك قصره المعمور بالخيرات والكلاب، ويتقدم ليرفع الظلم عن مواطنيه. لكن زبن العابدين بن علي لا تتحرك في فؤاده ذرة من مشاعر الانسانية التي تدفعه لأن يرفع الظلم عن أبناء شعبه. ورجال أمنه أو كلابه ( أحيانا لا نفرق بينهم ) يتفننون في صناعة البهجة لسيدهم فيأمرون مثلا المفرج عنه بعدم لقاء زوجته وأولاده، وينفونه إلى مدينة أخرى، ويطلبون منه الحضور يوميا لتسجيل خنوعه وأدبه الجمّ ومهانته، ويؤكد في كل مرة بأنه لم يلتق زوجته وفلذات كبده، فيبتسم الطغاة الصغار لأن رئيسهم سيسعد بهذه الأخبار. والرئيس التونسي لا يكترث لغضبة تونسية قادمة لا محالة، فهو تونسي لا يعرف التونسيين، وزعيم يجهل أبسط مباديء الثورة والغضب الساطع وانفجار المكبوت. تحويل تونس إلى سجن كبير لأبناء هذا البلد أصبح الشرارة الأولى لاندلاع ثورة أو عصيان مدني يهرب بعده الرئيس والسيدة ليلى من الباب الخلفي لقصر الرئاسة. والرئيس التونسي كاذب حتى النخاع، وكان قد وعد شعبه بدورتين فقط للرئاسة وها هو في دورته الرابعة المزورة يستعد لدورة خامسة وربما يعلن نفسه أو يعلنه المنافقون رئيسا مدى الحياة. إنني أتفق تماما مع الدكتور منصف المرزوقي المرشح السابق أمام الرئيس ورئيس لجنة الحريات والرئيس السابق لرابطة الحقوق في تونس بأن الاستعانة بالقضاء في حالته الراهنة وحتى ولو لاستئناف حكم هو عمل مناف للعدل، فالقضاء التونسي رضع من ثدي السلطة المستبدة، وقاعات المحاكم تشهد ظلما أشد هولا ورعبا من الظلم خارجها. ما أشد حاجة تونس الان لدعوة صادقة يطلقها أحد رموز المعارضة وخاصة الدكتور منصف المرزوقي لتنظيم عصيان مدني يُنهي حالة الاسترقاق التي يمارسها زين العابدين بن علي مع شعب مستنير وواع وقادر في مناخ الحرية والكرامة على النهوض ببلده لتنافس أي بلد آخر في حوض البحر المتوسط. لقد داس زين العابدين بن علي بحذائه على الاعلان العالمي لحقوق الانسان، وحرم التونسيين من حق الكرامة، وحق الحرية، وحق الرأي المخالف، وحق ممارسة الشعائر الدينية. عداء الرئيس التونسي للدين الذي تظهره وسائل اعلامه أنه موجه ضد قوى التطرف لا ينطلي على أبناء شعبنا، بل إن ممارسة شعائر الاسلام أصبحت تجلب الضرر والمتاعب لصاحبها في ظل القبضة الحديدية الارهابية لهذا النظام المخاصم لكل القيم والمباديء والمثل. تبقى قضية آلاف المعتقلين وما تمارسه كلاب السلطة ضدهم من تعذيب وتنكيل واغتصاب وانتهاك حرمات سببا رئيسا مبررا لأي انقلاب يطيح بهذا الرجل.
قداسة البابا شنودة الثالث ... الحديثُ إليك في رسالة مفتوحة يحتاج إلى حزمةٍ من القواعد والأداب التي تبدأ بأعلى القيم في التسامح ولا تنتهي بتجنب مستصغر الشرر في كل صوره، خاصة الطائفية المقيتة. عندما شاهدُتك على الشاشة الصغيرة في قُدّاس عيد الميلاد المجيد في العام الماضي، اتصلت في اليوم التالي بصديق قبطي يعلم أنني كمسلم أكثر قُرْبا إلى كنيستنا المصرية من معظم أقباط أرض الكنانة، وقلت له إن كلمة البابا لم تَرُق لي ألْبتة، فقد كانت يداه ترتعشان وهو يقرأ أسماءَ المسؤولين الذين حضروا القُداس أو أرسلوا تهنئة وكان جمال مبارك حاضرا ومتفحصا الوجوه بنظراته التي لم يغب عنها حلمُ العرش وكرسي السلطة ومكتب الفرعون في قصر العروبة. قلت لصديقي: إن قَدْاسة البابا أكبر من كل هؤلاء، وأنه كان ينبغي أن يقرأ رسالةَ الشكر مطرانٌ أو شماسٌ أو قس أو موظف في أحد الأديرة. كنتَ دائما الأكبر في عيني، أرى فيك مصر الصابرة، وأنحني احتراما لموقفك الوطني في الصراع العربي الصهيوني، وكان صليبك أكثر وطنية من هلال المتزلفين للسلام الزائف مع الكيان العنصري في فلسطين المحتلة. رأيتك مرات كثيرة مُعَبّرا عن همومي كمسلم بأصدق وأعمق مما عبر عنها شيخ الأزهر حتى عندما سقط الرئيس وهو يلقي كلمته، وخرج من القاعة، ووقف فضيلة الإمام الأكبر يهتف بصوت جهوري من أجل الشفاء العاجل لسيد القصر، وهتف المنافقون والأفاقون خلفه، وضعت أنت يديك على فمك بطريقة ذكية متجنبا لحظات كذب لا تليق برب العائلة القبطية، وتتعارض مع موقفك الداعي دائما إلى أقصى صور العدل للمصريين جميعا، مسلمين وأقباط. موقفي الشخصي، فكريا وثقافيا ودينيا وعاطفيا وعقليا، لم يتغير قيد شعرة في ربع القرن المنصرم، فتاريخ أقباط وطني مِلْكٌ لي أيضا كما هي لك، وأكثر مطالبهم مطابقة تماما لكل واجباتي، وأنا لا أفُرّق بين المسلم والقبطي في يقظتي ومنامي، وفي واقعي وأحلامي، بل أجدني أحيانا متمسكا بحقوق لشركاء الوطن لا يكترث كثيرون منهم لفقدانها. أرفض الكيل بمكيالين، وأرى أن حق المواطنة لا يتجزأ، ولا يميز أحدا على الآخر، ولو كان هناك عدل في مصرنا وترشح لرئاسة الدولة قبطي ملتزم ببرنامج اصلاحي أمام مسلم يرفع شعارات هلامية تخفي وراءها مزايدة دينية فإن صوتي سيذهب فورا للمرشح القبطي. مطالب أقباط الوطن ظالمة لأنها استجداء من مواطنين لموظف كبير يعمل لديهم، أعني السيد رئيس الجمهورية، لكن حقوقهم المهضومة والناقصة هي واجباتي وعلى رأسها المساواة الكاملة في كل الحقوق والواجبات خاصة التعيينات في المناصب الوزارية والأمنية والعسكرية والأكاديمية. قداسة البابا شنودة الثالث ... عندما نشرت مقالي ( أقباطنا شركاء الوطن .. حقوقهم واجباتنا ) تلقيت رسائل حب كثيرة من أشقائنا في المهجر بل إن أحدهم كتب لي من نيوزيلندا بأنه قبطي هاجر من مصر منذ ثلاثين عاما وقرر أن لا يتحدث مع مسلم قط فلما قرأ مقالي أدمعت عيناه، واشتاق فجأة لمصر الطيبة، وازداد حنينه لأصدقائه المسلمين. عندما كانت لدي المكتبة العالمية كمركز اعلامي في العاصمة النرويجية، جاءني في منتصف الثمانينيات مصري محتال، يرتدي ملابس رجال الدين المسيحيين وهو متخصص في الاحتيال والنصب على الأثرياء الأقباط في المهجر. كانت لديه أوراق مزورة كثيرة وشهادات مختومة ومعه ختم باسم الكنيسة في الاسكندرية. انتفضت غضبا وشعرت كأنه سرق أختاما من الأزهر الشريف، وحبست الرجل في مقر المكتبة، وأقرَ كتابة أنه محتال يرتدي ملابس رجال الدين المسيحي في مصر، ثم اتصلت بالمقر البابوي متسائلا عن سرقة أختام من الكنيسة ولا أدري إن كان اتصالي وقلقي وخوفي بدافع من كوني مصري أو مسلم أو من إيماني بأن كنيستنا القبطية ليست لأقباط مصر فقط لكنها جزء من التراث المادي والروحي للمسلم المصري بنفس القدر. صدقني، قداسة البابا، إن قلت لك بأنك أقرب إلي من رئيس الدولة نفسه، وأرى فيك العزة والشموخ والوطنية والعدل الذي أفتقده في الرئيس حسني مبارك وأتعاطف مع توجيهاتك الروحية كأنها خارجة من منبر مسجد أو من قلب إمام معمم يلقي خطبته في الجمعة الأخيرة من رمضان المبارك. لو كنتُ مضطرا لأن أختار بين ( الأهرام ) وبين ( وطني ) لأخترت الأخيرة فسهام وأوجاع وهموم يوسف أنطوان سيدهم تخترق شغاف قلبي في الوقت الذي تستنفر كلمات إبراهيم نافع مشاعر الغضب في كياني كله وهو يتحدث عن مكتسبات وانجازات ومعجزات العهد المباركي. قداسة البابا شنودة الثالث ... ماذا حدث لك ومنك وعنك في الفترة القصيرة الماضية؟ لماذا خالفتَ تعاليم المسيح في المحبة والتسامح وتركتَ نارا مشتعلة في البيت لتعتكف غضبا واحتجاجا قبل اطفائها؟ لماذا انحنت هامتك التي كانت أكثر طولا وعلوا وعزة من شيخ الأزهر وعبست لتعاليم السماء من أجل ارضاء تهور شباب غاضب ثائر بعدما شاهد فصلا قصيرا من مشهد وطن فبحث عنك للتهدئة والفهم والشرح لكنك كنت بعيدا عنه وعنا؟ لقد أخطأت خطأ الكبار عندما طالبت السلطة، التي أختلف أنا معها سبعين ضعفا عن رؤيتك إياها، بأن تُسَلّم إمرأة اعتنقت الإسلام أو ارتدت عنه إلى سلطة الكنيسة متجاهلا تماما أن ضرب الدستور تحت الحزام هو بداية الفتنة المؤججة والمشتعلة في الصدور، فالأصل أن القانون هو المرجعية، والقضاء والأمن والشرطة وقواعد الدولة وسجونها ومعتقلاتها وظلمها وعدلها تدخل كلها في صميم التنظيم المتفق عليه والمختلف على طرق تطبيقه؟ صحيح أن الدولة كرئيسها انزلق غضروفها وقامت بتسليم السيدة وفاء قسطنطين، ليس من أجل العدل والحق فسيد القصر أظلم أهل الكنانة، ولكنك لم تنتصر، بل هزمتنا نحن، مسلمين وأقباطا، في مواجهة ظالميك وظالمي أحبابنا شركاء الوطن .. أقباط مصر! المشهد التفصيلي للمرأة به من الثغرات أكثر من عدد مطالب أقباطنا العادلة، ولكنك قمت بالصعود إلى حلبة المصارعة وسط صراخ وهتاف وحماس أبناء شعبك من شبابنا الأقباط الذين كانوا أفشل محامين عن أعدل قضية. قضيتهم الأولى العادلة هي المساواة في المواطنة بكل صورها من حرية بناء الكنائس، والتوظيف كالمسلمين تماما ولو كان المنصب رئيس الدولة أو نائبه أو رئيس الوزراء أو قائد الجيش أو رئيس المخابرات أو حتى رئيس مجلس الشعب. والمواطنة الكاملة ليست فقط سلوكيات يومية لكنها مشاعر دافئة ومتسامحة وقناعات يقينية بأن لا فرق بين مسلم وقبطي أمام كل مؤسسات الدولة وفي مقدمتها الإعلام. ومطالب الأقباط العادلة التي أسهبت صحيفة ( وطني ) على مدى سنوات في عرضها كانت قد بدأت في التفاعل داخل النفس المصرية بفضل قوى الاستنارة والموقف الوطني للكنيسة وكراهية الناس للنظام الحاكم.
قداسة البابا شنودة الثالث ... لماذا أضعفت حجتنا، نحن المسلمين، في مواجهة نظام هيمنت عليه هلوسات الظلم، فجعلتَ من قضية وفاء قسطنطين العشاء الأخير، وكدتَ تهدم المعبد علينا، وأنت صاحب أعدل قضية مصرية في نصف القرن المنصرم .. المواطنة الكاملة؟ لقد خانتك حكمتُك، وأوقعك النظامُ الحاكم في فخ نَصَبَه لك بإحكام، وحاولوا تصغيرك وتقزيمك وتحجيمك في شبه فتنة طائفية كادت تجر الوطنَ كله، وتحرق الأرض الطيبة، فانتصر سيدُ القصر عليك وبدا قبيل اعلان الدكتور أحمد فتحي سرور عن ترشيحه إياه في مايو المقبل حاكما أوحد لولاية خامسة أنك كنت، من حيث لا تدري، الطُعمَ الذي وضعوه لشعبنا لاقناعه أن الرئيس حسني مبارك هو الضامن الوحيد لأمن مصر، والزعيمَ القادرَ على كبح جماح التطرف لحماية الوطن من فتنة طائفية أو من استعانة أقباط الداخل والخارج بنجمة داود وأضغاث أحلام سيد البيت الأبيض في لعب دور نبي العصر وفي يده صندوق اقتراع وديمقراطية احتلال وسندويتش هامبورجر وعملة خضراء وفيلم لوالت ديزني ووثيقة عفو عن الصهيونية ويانكي رامبو يقود دبابة في شوارع القاهرة.
أتفق معك، قداسة البابا، في أن حقوق المواطنة تكيل بمكيالين، فالدولة ترحب بمن يترك دينه المسيحي ويعتنق الإسلام وتعتبره حرا، لكنها تكشر عن أنيابها إن كان الخيارُ عكسيا وتعتبر المسلمَ مرتدا يستحق الإعدام. ولعلك تعرف، وأنت الدارس للتاريخ ومقارنة الأديان، أن الإسلام بريء من الفهم السقيم، وأن كتاب الله العزيز، الذي نؤمن نحن أنه لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، يؤكد على أن ( من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر )، وأن التوجيه القرآني العظيم كان ( وما أنت عليهم بمسيطر ). إنني كمسلم أرفض رفضا قاطعا هراء وعبث وجريمة الظن بأن الإسلام الحنيف يقطع رأس المسلم الذي يقرر اعتناق دين آخر،وأنا مسلم إذن فأنا حر، واستطيع أن أختار طواعية دينا آخر انطلاقا من فهمي واستيعابي لمفردات القرآن الكريم وروح الاسلام وأشعر بمهانة شديدة حينما أقرأ عن أحكام الردة وأعتبر الذين يؤمنون بها يسحبون البساط من تحت أقدام حريتي في اختيار معتقدي وديني واحترام عقلي. لذا فلن يضر الوطنَ شيئا أن يختار مسلمٌ المسيحيةَ أو يعتنق مسيحيٌ الإسلامَ، وتلك والذي نفسي بيده أجمل ما في حرية الاعتقاد، بل هي الطريق إلى المواطنة الكاملة. في باكورة شبابي كنت مولعا بمقارنة الأديان، والتهمت كثيرا من الكتب، وقرأت العهدين القديم والحديث مرات كثيرة ، وكان والدي، رحمه الله، أعظم أب في العالم ( معذرة لكل الآباء الطيبين ) ، وقال لي في احدى المرات بأنني لو اخترت دينا آخر غير الاسلام فلن يغضب مني فقيمتي وانسانيتي في عمق تغلغل مشاعر الحرية. واخترتُ الإسلامَ هذه المرة عن قناعة عقلانية واختراق عاطفي لكل جوانحي، ومع الأيام والسنين تزداد قيمة التسامح في نفسي حتى بلغت مبلغ الإيمان ذاته وقوته وعمقه، فأصبحت أرى أقباطنا، أحبابنا شركاء الوطن لا يتميزون عن المسلمين في أي شيء. المسلم الذي لا يثق في قوة إيمانه ويخشى أن ينفرط عقد ضعيف في قلبه أو فهمه للاسلام ولا يعرف سحر الحرية في صناعة النفس المتزنة، يظن أن المرتد هزمه بضربة قاضية، وفضح التفسيرَ المريض لحرية الاعتقاد الذي يجعلها قاصرة على المسلمين دون غيرهم من البشر. لذا فالكيل المنافق بمكيالين، يحلل اعتناق المسيحي للاسلام ويُحرّم على المسلم اختيارا آخر ليس من الاسلام في شيء ولا تسري فيه روح الكلمة العليا للقرآن الكريم. لذا فقد كنتَ، قداسة البابا، أصغرَ من قامتك العظيمة في الفتنة الأخيرة التي كادت تحرق الوطن كله. طلبتَ تسليم مواطنة مصرية لسلطة الكنيسة، فتزحزح الوطن قليلا من موقعه وأنت القائل دائما ( الوطن لا نعيش فيه فقط لكنه يعيش فينا ) أليست تلك كلماتك؟
لو دخل عليك في المقر البابوي فجأة السيد المسيح، عليه السلام، لعاتبك عتابا شديدا، وربما كان يطلب منك أن تطالب بحقوق كل المواطنين، مسلمين ومسيحيين، في دولة امتهنتهم، ونظام داس فوق رؤوسهم، ومؤسسات تحتقر المواطن مالم يكن متزلفا ومتقربا ومتوددا للقصر وأسياده. كان المسيح سيطلب منك أن تقف بهامتك وقامتك وعزتك أمام جموع الشعب وهم يحملون الصليب، وتستنكر باسم الآب والابن والروح القدس الخروج على تعاليم المسيح من الذين طلبوا الاستعانة بآرييل شارون وجورج بوش لاحراق مدينة المدن .. القاهرة الحزينة! وكان سيُذَكّرك بأن ( من ضربك على خدك الأيمن فادر له الأيسر، ومن أخذ رداءك فلا تمنعه ثوبك أيضا)، وسيطلب منك أن تصلي لعشرين ألف معتقل مسلم في سجون وطنك، وأن تدين كل الانتهاكات والظلم والبغي والعدوان ضد المصريين جميعا. كان سيقول لك إن المسيح ابن مريم لا يصغر إنْ تركت امرأةٌ زوجَها الكاهن المريض واعتنقت الإسلام، ولا يكبر إن ارتد مسلم عن دينه وقضى ما بقي له من عمر في أحد الأديرة المتاخمة لصحراء لا نهائية. وكان سيحذرك من فتنة طائفية، ومن ألاعيب سيد القصر، ومن مشاعر العداء الصهيونية نحوك لموقفك الوطني الرائع، ومن ترك جريمة التمييز في المواطنة والالتفاف حول جنحة صغيرة لامرأة قد تكون محقة أو مخطئة، ولكن الجميع، مسلمين ومسيحيين، رجموها بألسنة حِداد، وسد الإعلامُ الأحمق أذنيه بدلا من أن يستضيف السيدة لتقص الحقيقة دون أن تكون هناك اساءة لأي من الدينين. وكان المسيح سيطلب منك أن تنخرط في عضوية عشاق الوطن دون تمييز، وأن تخرج للعلن، وتشهر رأيك السياسي، وتجعل الكنيسة تعانق المسجد، وتتحدث عن قوانين الطواريء والتجديد للرجل الأوحد وعن الفساد والنهب والسرقة والبطالة والأمية وسكان المقابر والاعلام والسياحة والاقتصاد وانتهاك كرامة المواطن في أقسام الشرطة، وحتى أسعار الدواء والعلاج. وكان المسيح سيحدثك حديثا جميلا ورقيقا ومفعما بالمحبة عن نبي الإسلام، ويطلب منك أن تعاتب وتنهر الأقباط الذين دخلوا معركة غير متكافئة ( وهم قلة بفضل الله). إنهم يسبّون بأقذع الشتائم الجارحة محمدا بن عبد الله، صلوات الله وسلامه عليه، ولا يستطيع أيُ مسلم في العالم كله أن يمس المسيحَ وأمَه التي أصطفاها الله وفضلها على نساء العالم. وكان المسيح سيطلب منك أن تضع قوانين جديدة تُسهّل الطلاق، وتفرج بها عن مئات الآلاف من الزوجات البائسات في زيجات فاشلة المطلوب فيها أن تتحمل المرأةُ جحيم الجدران الأربعة، وتحتفظ بعفتها، وتضحي بحياتها وكرامتها من أجل أن يرضى عنها الربُ، وأي ربٍ هذا الذي يكافيء على الصمت، ويسعد بالخرساء، ويطلب من المرأة أن تتحمل من أجل العناية السماوية قسوة زوج وساديته وظلمه وقهره واهانته لها ولأولادهما. وحتى لو كان العكس هو الصحيح فإن الرجل الذي ينتظره زواج آخر سعيد وأولاد أصحّاء نفسيا وبهجة في الحياة الدنيا لا يطلب منه المسيحُ أن يختار البؤسَ، ويضع صليبه فوق مخدعه في كل ليلة! كان المسيح سيطلب منك رفع الظلم الواقع على أي قبطية بائسة في زواجها قبل أن تحاسبها عن هروبها إلى دين آخر أو مذهب مختلف أو سلطة كنسية أقل جهامة وقسوة وتزمتا وتشددا في التعامل مع المرأة. وكان المسيح سيقول لك بأن الكنيسة ليست مخفرا للشرطة، وأن طلبك تسليم امرأة مصرية لمجرد أنها قبطية كان كبوة من أعلى رأس مسيحي في أفريقيا والعالم العربي، فأنت قد ضربت نظام الدولة وتنظيم المؤسسات والعرف السائد وتماسك شركاء الوطن من مسلمين ومسيحيين على الرغم من أنك فضحت هشاشة النظام الحاكم ، وأظهرت ضعفه، وكشفت وهنه. وكان المسيح سيمسح بيديه الرقيقتين على وجهك الطيب وهو يُذَكّرك باعتكافك عندما حاول الرئيس الراحل أنور السادات اهانتك وضربَ الوطنِ في مقتل، وغضبَ عليك لأنك لم تبارك زيارته للقدس الحزينة الواقعة تحت الاحتلال العنصري الصهيوني، لكنه، عليه السلام، كان سيبعد يديه فورا عن وجهك الكريم وهو يحدثك عن الخطأ الذي ارتكبته عندما اعتكفت من أجل تسليم مواطنة مصرية من سلطة الدولة إلى سلطة الكنيسة.
قداسة البابا شنودة الثالث .. كم تمنيت أن يكون اعتكافك من أجل كل أولادك المسلمين والأقباط، وأن ترفض انهاء الاعتكاف قبل الافراج عن كل المعتقلين الأبرياء، وليس الشباب القبطي فقط، وتطلب وقف الممارسات القمعية، وعدم التجديد للرئيس أو توريث العرش لابنه! لقد منحتَ قوى التطرف الاسلامي ورقة رابحة، وجعلتهم يُثَبتّون قناعاتهم المريضة بأن أقباط مصر أهل ذمة بيننا وبينهم عَقدٌ وليس شراكة في الوطن. كنا نريد أن نراك دائما كبيرا، فإذا بخطئك وكبوتك تفتح كوة صغيرة يطل منها أصحاب أقلام مسمومة تحاول أن تفتك بك في تصفية حسابات لا يعلمها إلا الله. وظهر صراع داخل الكنيسة فوجدته تلك الأقلامُ فرصةً سانحةً لضرب سلطتك فلا يدري المرءُ إنْ كانت لصالح النظام الحاكم أم من أجل جهات أخرى تنتظر دورها لتلتف حول رأس الكنيسة الجديد، أطال اللهُ في عمرك. الفتنة الطائفية ليست زوبعة في فنجان، لكنها بركان يتهدد وادي النيل، قد تنفخ إسرائيل فيه الروح وتضرم واشنطون النار، وتشعله قلة من أقباط المهجر، وينهزم المسلمون والمسيحيون بفضل التطرف الاسلامي الحديث الذي يرى الجنةَ من خلال ازدراء الآخرين واحتقارهم واضطهادهم والغاء حقوقهم.
قداسة البابا ... كل الأطراف في قفص الاتهام من السيد الرئيس مرورا بفضيلة الإمام الأكبر شيخ الجامع الأزهر وقداستكم وليس انتهاء بالحمقى والمغيبين والمتطرفين وأنصاف الأميين الذين يظنون أن الله سينحاز يوم القيامة لفئة دون أخرى، وكل صاحب دين يرسم في مخيلته الجنة وفقا لهواه ومزاجه ويضع فيها أقرباءه ومعارفه وأصدقاءه لكن الله، عز وجل، أكبر من كل هذه التخيلات والتصورات القائمة على أنانية مقيتة تبهج المؤمن بها لتصوره أن الحق المطلق في جانبه. أشعر، قداسة البابا، بما تحس به من غبن وظلم وتمييز وتفرقة، لكنها ليست معركتك بمفردك، فأقباطنا أهلنا ونحن نقف في صفك حتى تنتزع آخر حق لشركاء الوطن من أنياب قوانين ظالمة وعُرف سائد وصمت كصمت الحملان وأنا كمسلم أرى أن التفرقة عمل استعلائي لن يشم صاحبُها ريحَ الجنة ولو على مسافة ألف سنة مما يعدون. حتى معركة ( خانة الديانة) في البطاقة الشخصية سننتصر فيها بإذن الله فهي فضلا عن إشعار الجميع بأن الدولة تدعو إلى التمييز، فهي أيضا عمل متخلف وأحمق، وأنا لا أفهم أن يكتب الطالب في استمارة دخول الجامعة دينه الذي ينتمي إليه، وتمنح هذه الخانة لذوي النفوس الضعيفة من مسلمين وأقباط فرصة الحكم المسبق على صاحب الهوية وكأنها حرب أهلية صامته. مصر، قداسة البابا، في حاجة إلى ثورة حب وتسامح والطريق إليها طويل وشاق وصعب وبه من الأشواك أكثر مما بالفتنة الطائفية ذاتها، فثورة الحب والتسامح ستستنفر قوى البغي والتطرف لرفضها، وربما ننتظر سنوات طويلة حتى يتأكد كل صاحب عقيدة بأنه لا يملك في داره صندوقا بداخله مفتاح الجنة. أحلم كثيرا بأشياء تبدو أنها قادمة من عالم الخيال المستحيل تحقيقه، وأرى في أحلام اليقظة تلك، والتي سيظنها الكثيرون أضغاثا ومثالية ساخرة، قبطيا يجلس في مسجد منتظرا صديقه المسلم ريثما ينتهي من صلاته، ثم يتوجهان معا إلى قس الكنيسة المجاورة يستمعان إلى نصائحه في قضية تخص المسلم. وأرى قبطيا يتخصص في أحاديث رسول الله، صلوات الله وسلامه عليه، ومسلما يعتكف عدة أيام في أحد الأديرة ويصلي فيه خمس مرات في اليوم! وأرى قبطيا يبدأ يومه بالاستماع إلى آيات الذكر الحكيم بصوت الشيخ عبد الباسط عبد الصمد، ومسلما يحاضر في تجمع إسلامي عن قيمة التسامح في المسيحية! إنني، قداسة البابا، أبحث عن زمن جميل في قبح متوارث، وعن محبة في عالم من الكراهية، وعن صدق في فيضان من النفاق الذي تعلمناه في وطننا بفضل أجهزة اعلام عفنة، وطرق تدريس وتعليم متخلفة، وتربية أسرية تتحدث عن صاحب الدين المختلف كأنه الآخر الذي لن يسكنه الله فسيح جناته ولو جاءه بقلب سليم.
أعود، قداسة البابا، إلى خلاصة رسالتي إليك، وعتابي عليك، وأصارحك صراحة المسلم القبطي بأن خطيئتك كانت كبيرة، فقد نسيت للحظات طويلة في اعتكافك أنك مِلْكٌ لنا جميعا، مسلمين وأقباطا، ولست راعي الكنيسة فقط، لكنك صاحب أصدق المواقف الوطنية. قُبلاتك لشيخ الأزهر وتهنئتك له برمضان والعيدين لن توقف طوفان البغضاء المشتعلة في النفوس، وعليك أن تنثر قبلاتك وبركاتك ومحبتك على كل أهل بلدك، وتطلب لمسيحييها ومسلميها الحقوق الكاملة للمواطنة والكرامة. مسلمو مصر في حاجة إليك كأقباطها تماما أو أكثر، فإذا تكررت الكبوة فربما تجمع المسلمين والأقباطَ نارٌ واحدةٌ.. في وطنٍ كان واحداً فلم يحافظوا عليه!
أخي الدكتور النائب أيمن نور .. هل أردت حقا أن ترقص مع الذئاب؟ كانت الوثائق والأدلة والقرائن على أعفن فساد لنظام فاشي بين يديك، وكنت تستطيع أن تقف شامخا وتلوح بكل الأوراق التي معك، وتدعو للعصيان المدني، وترفض اللعب مع الكبار فهم لا يرحمون، ويستطيعون أن يحرقوا البلد كله لو تعرضت عزبتهم، أعني مصرنا للمصادرة من أجل الشعب. أتذكر طيبتك وثقتك في محبيك وأنا أتحدث معك هاتفيا، وقد أرسلت لك عدة فاكسات أحثك فيها على أهمية فك الارتباط بينك وبين النظام العاتي في جبروته، وقلت لك ما أسهل أن يضعوا قطعة مخدرات في حقيبتك، أو أن يدسوا عليك فضيحة أخلاقية. لكنك كنت تظن أننا سنقف معك، وأن مئات الآلاف الذين منحوك اصواتهم سيقفون حاجزا مانعا بينك وبين السلطة لئلا تضرك أو تقحمك المهالك. معذرة، فنحن أجبن من الفئران، ونحن نمنح أقفيتنا طوعا ولذة واستعذابا لكي يضربنا عليها الرئيس وأسرته والأمن حتى أصغر أمين شرطة يمكنه أن يسلخ جلد أحد أبناء بلدك في تخشيبة بواحد من أقسام الشرطة المكتوب عليها ( الشرطة في خدمة الشعب ). تضرب عن الطعام، ويجهدك مرض السكر، ويتآمر عليك القصر، ويقسم سيده أن منافسه في الانتخابات الرئاسية سيتلقى درسا تصغر بجانبه كل الدروس الأخرى ولو كانت الاعتداء على الدكتور عبد الحليم قنديل والقائه في الصحراء بعد تهشيم وجهه وتعرية جسده امعانا في الامتهان. تظن أن محبيك وهم بالملايين سيخرجون للدفاع عنك، ويتصدرون بأقفاص صدورهم لهراوات الأمن، لكن هذا لم ولن يحدث ، فالرجل يعرف أن ولاياته الأربع كانت لتلقيننا أسس الاسترقاق، أما الخامسة فهي لكي نلعق حذاءه، ونسف التراب أمام سوط ابنه. معذرة أخي الحبيب، فأهل بلدك سيهيلون التراب عليك، وقيادات المعارضة بجهابذتها ومومياءاتها لن تستطيع أن تغير لون كفنك إن مر عليك ملك الموت ولم يقم بزيارة قصر الرئيس قبلها. تضرب عن الطعام وتموت من أجلنا، لكن مصر تفتح فمها، فلا تدري إن كانت تلك دهشة أم بلادة، وصدقني فسنكون عليك ألسنة حدادا، وسنقول عنك كلاما كاذبا ونروج لأباطيل النظام وندعي أنك رجل أمريكا وكأن الرئيس الأبدي ليس المتحدث الرسمي باسم البيت الأبيض في مشاحنات وخلافات وحروب وفتن المنطقة. تريد أن تموت من أجل شعبك وبلدك وحريته، ونحن نريد أن نعيش لنثبت للخالق عز وجل بأننا لسنا أهلا للخلافة على الأرض، ولا تستحق جباهنا السجود للعلي القدير. تريد أن تموت من أجل الحق، لكننا انتخبنا الباطل ست سنوات أخريات. تريد أن تعيد لنا كرامتنا، ونحن أقصيناها من ذاكرتنا. قلت لك في رسالة خاصة بأن ترشحك سيمنح الرئيس شرعية دستورية، وسينتقم منك انتقاما لا رحمة فيه. الآن وقد أجمع الأطباء على أنك على شفا الرحيل عن عالمنا، فأرجو أن تقبل اعتذاري نيابة عني وعن كل الجبناء والرقيق، ولا تصدقنا عندما نبكي على فراقك فنحن كمتعهدي دفن الموتي وحفاري القبور، نقدم العزاء وقلوبنا تكاد تطير فرحا ونشوة. كنت رائعا في مرافعتك عن القتيل، لكنك نسيت أنه كان سعيدا عندما طعنه القاتل. أخي أيمن نور، لن نقرأ الفاتحة على روحك الطاهرة لأنها أشرف من ألسنتنا وقلوبنا. هل صدقت أننا معك في محاولاتك المستميتة لتحرير بلدك من ربقة هذا النظام الآثم العفن المستبد؟ يبدو أن طيبتك هي التي أعدت كفنك وجنازتك.
هل يحتاج حبُ الوطن إلى شهادة حُسن سير وسلوك أو اعتماد بختم النسر من أحد الأحزاب القومية أو المعارضة أو صك براءة من مكتب أحد قيادييها؟
إذا أردتَ أن تُجدد حبَك لوطنك فغادره، ثم شاهده من الخارج وستكتشف أنه خرج معك، وأن المشهدَ الذي اعتدت عليه وأنت في الداخل قد تغير وأصبح أكثر وضوحا وجلاء. لكن الفاجعة أن مواطني الداخل لن يصدقوك، وسيظنون بك مسا من الجنون، وأنك تمارس رفاهية القلم فتشاهد نشرات الأخبار وأنت تداعب بيسارك الشعر الكثيف لكلبك المدلل، وتبحث بالريموت كونترول عن قنوات أخرى، ثم تخلد إلى نوم عميق في الوقت الذي يختلط عرق ابن بلدك في الوطن بجسده المنهك، ويؤرقه الوضع الكارثي الذي يشاهده ويعايشه في كل يوم.
الحقيقة أن العكس هو الصحيح مع شديد احترامي لآلاف المناضلين الأبطال الذين يقبعون في زنزانات رطبة ومظلمة داخل أقبية سجون سجّاني الوطن. المغترب يفتح للوطن كُوّة يطل منها، ويعرض على أهل بلده المشهدَ الحقيقي من الخارج، ويحاول اقناعَ مواطني الداخل أن مأتم الوطن ليس عرسا، وأن سرادق العزاء ليس حفلة غنائية، وأن اللصوص والنهّابين والنصابين والمستبدين والطغاة لا يمزحون ، ولن يتحولوا إلى رعاة يطاردون الذئاب لأنهم في الواقع ذئاب يدّعي كلٌ منهم أنه يحمل عصا الراعي، ويهش بها على غنمه، أعني رعيته.
نعم فشلت دعوتي للعصيان المدني في الثاني من مايو من العام الماضي، ورفضتْ كل القوى الوطنية دعمها أو الاشارة إليها، أو الحوار حول أهميتها، وفضّلت قتلها بالصمت، فالمعركة،كما قال أحدهم، في الداخل فقط حتى لو أسقط مناضلو الداخل حفيدَ الرئيس حسني مبارك بعد نصف قرن حيث لن يبقى في مصر إلا قبور شاهدة على وجود شعب مَرّ من هذا المكان.
والمعارضةُ في مصر طاووس من الخُيلاء والغطرسة والاستعلاء والفوقية، وهي دون كيشوتية وعاجزة عن الوقوف صفا واحدا من أجل وطن واحد. كل قوى المعارضة الوطنية والشرفاء وملايين من الذين رفضوا اعادة انتخاب الرئيس حسني مبارك سجّانا على وادي النيل العظيم لولاية سوداء خامسة يقفون الآن في مفترق الطرق، فاللعبة في بداية النهاية، والفصل الأخير من مسرحية التوريث تحت أي مُسَمّى ينتظر رفع الستار، والرجل الذي اعتقل الوطن كله لربع قرن لن يحتفل بعرس الديمقراطية إلا في خيال البلهاء والساذجين والمغرضين والجبناء الذين يشكرون العناية الالهية على فتات الديمقراطية ، ويحمدون الله لأنهم يستطيعون الصراخ، وصياحهم أعلى من صياح الديكة.
من تحصيل الحاصل أن نكرر ما يعرفه الجنين في بطن أمه ( وفقا للاعلان الأحمق عن برنامج الرئيس مبارك في الانتخابات الرئاسية )، والحديث عن ثلاثين ألف معتقل، وقانون الطواريء، وامتهان كرامة المواطن، ونهب مصر وصناعة الفساد وأختيار الفاشلين، وتفريغ الوطن من خيراته،.
جرائم الرئيس مبارك في ربع قرن ضد أبناء شعبه يصبح الحديثُ عنها سخيفا ولا معنى له لافتراضنا أن المصريين في الداخل والخارج يعرفون حجم الكارثة، وعمق المأساة بنفس القدر. من يدّعي عدم معرفته بما حدث في ولايات الرئيس الخمس فنحن نشك في أنه سمع عن مصر من قبل. كتاباتي كلها الأكثر لسّعاً وشدة ويأسا تحمل في ثناياها تفاؤلا يخرج من رحم التشاؤم، وأملا عظيما في مستقبل مشرق رغم أن الدلائل والشواهد والقرائن كلها تشير إلى حجم المأساة التي تصغر بجانبها جبال اليأس المستوطنة في أعماق المصريين. لن أبدأ دعوتي لتجديد العصيان المدني بنفس النهج السابق، لكن فكرة تحديد يوم لتحرير مصر من أسرة مبارك تبدو لي الأقرب إلى التحقيق ليلتف حولها المصريون على اختلاف مشاربهم وأوجاعهم. لو أن المشتركين هم فقط العاطلون عن العمل لكان ذلك ضمانا بانفجار بركان الغضب في أنحاد البلاد. لو انضم إليهم كل المتضررين من حكم هذا الطاغية وأسرته فإن مصر ستخرج في اليوم الموعود .
تحتاج الثورة إلى قائد قبل احتياجها للثوار، ومصر العظيمة الولاّدة التي يختفي فيها العباقرةُ خلف حجاب خشية بطش النظام تنتظر لحظة تاريخية نادرة يلتف فيها الغاضبون على القصر حول ذلك الزعيم الذي طال انتظاره. المستفيدون من نهب الوطن وانحداره واستبداد السلطة وقمع الجماهير واستمرار القهر والخوف والتعذيب والفقر والمرض والبطالة والفساد يختلطون بالأغلبية الصامتة فلا تدري إنْ كان الصامتُ متواطئا أم خائفا أم متضامنا أو معارضا .. بأضعف الإيمان!
ترى ماذا سيكون ردُّ الفعل هذه المرة على دعوتي لمظاهرة غضب مليونية بديلا عن العصيان المدني لتحرير مصر من أسرة مبارك الأكثر عفنا وفسادا وطغيانا وتكبرا وإيذاء لشعبنا؟ مقالي هذا بيان ما قبل البيان، ودعوة للاشتراك في اختيار الموعد المناسب للقيام بمظاهرة الغضب المليونية، واعتبار كل من يقرأ هذه الكلمات ويتعاطف معها مشتركا في أهمية اختيار اليوم المناسب، وأقترح بداية أن يكون بُعيّد الانتهاء من امتحانات طلاب الجامعات، وعودة مليوني مصري من الخارج كانوا قد شاهدوا الوطن من الخارج وسيتعاطفون مع أبناء بلدهم.
كل رؤساء الأحزاب الوطنية وقوى المعارضة عاتبت وغضبت في المرة السابقة معتبرة أن القفز فوق دورها وعدم استشارتها في تحديد موعد العصيان المدني خروج على الآداب العامة التي تقتضي انتظار موافقة كبار المعارضين، والآن أعرض على الجميع الاشتراك مخلصين لوجه الوطن لتحديد موعد مناسب قبل نشر البيان الختامي، آملا أن يصمت هذه المرة القانطون والخائفون والمباركون واليائسون والمتهكمون، فلم يعد الانتظارُ إلا موافقة صريحة وواضحة للرئيس حسني مبارك أن يلقي خطابا أمام قبور سبعين مليونا استأنسوا بالذل والمهانة، ورفضوا الاعتراف بكرامتهم، ومنحوه ورجالَه صكّ بيعِ مصر العظيمة في مقابل تركهم يأكلون بقايا طعام حيتانه، ويشكرونه كلما خف ضغط حذائه فوق رؤوسنا. أيها المصريون .. حملة أعرق ثقافات وحضارات الأرض، الحياة الحرة والكريمة والجميلة تنتظر موافقتكم عليها، فماذا تنتظرون؟
هذا العام أكون قد أكملت ربعَ قرن تام على زيارتي الأولى لدولة الكويت، والتي استتبعتها زيارات سنوية لاحقة، واهتمام مني بالشأن الكويتي يزيد عاماً بعد عامٍ حتى أصبحت شهادتي عن الكويت مجروحةً لشدة اهتمامي ومحبتي لهذا البلد وأهله وشرعيته الحاكمة الممثلة بآل الصباح الكرام.
والحديث عن الكويت لا يخلو من شجون تختلط بأحزان معجونة بأفراح وتسبقها تمنيات فلا يدري المرءُ إن كانت هذه أحلامَ يقظة أم مشاركة بقلمي في الهموم الكويتية التي شغلتني لنصف عمري، أي قبل زيارتي الأولى بخمسة أعوام تقريبا.
حديث الطائفية كان همساَ، لكن العراق على مبعدة كيلومترات معدودة حيث تحدد الهويةُ الشخصيةُ واسمُ المواطنِ موعدَ قدوم مَلَكَ الموت.
ونار العراق التي اشتعلت في الجسد المسجى بين دجلة والفرات لن تتجه شمالا فالاتحاد الأوروبي لا يسمح بأن تأكل النارُ جزءا من تركيا وهي على تخوم هذا العملاق وتسعى لأن تحصل على مفتاح الدخول للعالم الأبيض.
والجنون العراقي لم يعد فقط إعداد شهادة وفاة وتصريح دفن لواحدة من أهم دول المنطقة لمئات السنوات، لكنه جنون فكري بدون فكر، وطائفية تستعد لتصدير هَوَسها وقسوتها وغلظتها، فحكومة فيشي في بغداد طائفية، والاحتلال الأمريكي فَرّق أبناءَ الوطن الواحد، وايران تلعب بالورقة العراقية، ورئيس أكبر دولة عربية يشارك في اشعال النار في الخليج عندما شكك في ولاء الشيعة لبلادهم وجعل أفئدتهم تميل لحراس الثورة في قم وطهران، وهو غير صحيح بالمَرّة .
من الناحية الأخرى للخليج يَفتل الايرانيون شواربهم، ويصرّون على عدم الانسحاب من الجزر الاماراتية المحتلة، ويصعد البطل على خشبة المسرح، وتصفق الجماهير لهذا البروفيسور الذي لا يرتدي ربطة العنق، ويتحدى الغرب وأمريكا ويتلقى تهنئة من شافيز وقُبلة على الهواء من فيدل كاسترو وهو على فراش المرض. ومئة وخمسون ألف جندي أمريكي يحاولون اقناع العراقيين بديمقراطيتهم التي ستفتح البابَ لعراق مسالم ومتسامح، فيفتحون السجون، ويغتصبون أهل البلد، ويحرقون الأخضر واليابس، ويقومون بتصفية خصومهم في المساجد، ويُنزلون الرعب في قلوب الأطفال والنساء، ويحتلون منابع النفط، ويحركون أعضاء الحكومة العراقية كما تتحرك عرائس الليلة الكبيرة يا عمي والعالم كتيرة !
يحتار الكويتيون وهم يبحثون عن أي جهة تحاول اشعال الثوب الكويتي، لكن الطائفية العراقية لها أجندتها الخاصة، فهي قد تبحث عن الكويت من الحدود السعودية، ولعبة الورق الآن تسمح بالغش والتدليس، والكويت ليست لبنان فاللبنانيون قد يشعلون حربا أهلية لكنهم يعرفون كيفية العودة لشجرة الأرز، أما الكويتيون فلديهم شجرة أمان ملتصقة بالوطن الصغير، وتضرب جذورها لقرنين من الزمان، فإذا التف الكويتيون حول آل الصباح الكرام فهم في الواقع يتمسكون بالديرة ويصبغون عليها الحماية.
تلك هي الحاسة الكويتية الشعبية التي أصبحت جزءا لا يتجزأ من نسيج الوطن والمواطن، والتي ظهرت بجلاء ووضوح بمؤتمر جدة في الخامس عشر من أكتوبر عام الغزو العراقي الآثم، وعرف الكويتيون أن آل الصباح صمام أمان للوحدة الوطنية والاستقلال والحماية من الطائفية واكتساب احترام المجتمع الدولي.
منذ عدة سنوات وأنا أكتب في هذا الموضوع ويدي على قلبي خائفا من محاولات البعض استعراض العضلات، ولو كانت مُحَصّنة تحت قبة البرلمان، لسحب البساط رويدا .. رويدا من تحت أقدام أسرة حاكمة لا يستطيع خبير سلالات أن يرى فارقا بين جذورها وتربة الوطن الطيب، وبين حفاظها على أمن وسلامة وحرية الكويت وبين رعاية شعبها والسير في طريق الحرية والديمقراطية إلى يومنا هذا.
لا أريد أن أسرد خطوات سحب البساط التي بدأت يوم أن رفض أعضاء السلطة التشريعية الرغبة السامية للأمير الراحل الشيخ جابر الأحمد الجابر الصباح، رحمه الله، بمنح المرأة حقوقها الوطنية الشرعية ( والتي وافقوا عليها بعد ذلك ) وكم عصر الحزنُ القلبَ الكبيرَ للأمير الراحل، لكن الاشارة وصلت واضحة وصريحة: نحن قوة مُحَصّنة نمثل الشعب حتى لو كان أحدنا قد حصل على عضوية مجلس الأمة من أصوات بضعة مئات هم أفراد عائلته وقبيلته.
مشهد آخر حزين بدا مقروءاً على وجه الشيخ سعد العبد الله السالم الصباح عندما طلب منه أحد الأعضاء الكبار في مجلس الأمة أن يقف عندما يقرأ البيان، وصحة الشيخ سعد لم تكن تنهض به، فظهر استعراضُ العضلات هنا قسوة لم يعهدها الكويتيون وهم الذين يجل ويوقر صغيرُهم كبيرَهم في كل مكان.
عندما حدثت أزمة الحكم كان من المفترض أن ترتفع قيمة القناعة الديمقراطية والتي تنسحب بدورها على مقدار تعاظم دور الأسرة الحاكمة، فقد لجأ الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح إلى ممثلي الشعب إيمانا وقناعة ودليلا على أن آل الصباح أيضا من الشعب الكريم والكلمة الأخيرة والفصل لأعضاء مجلس الأمة.
لكن الذي حدث بعد ذلك صب للأسف الشديد فيتامينات قوة ففتلت العضلات لأعضاء مجلس الأمة وظن أكثرهم أن اللجوء إليهم لحل خلاف الأسرة الكريمة ضاعف من حصانتهم، وأضعف حسم وصرامة وقوة آل الصباح.
كانت المفاجأة في ظهور كتاب ( آخر شيوخ الهيبة ) للزميل محمد عبد القادر الجاسم والذي يصطدم بالعيون في كل مكان ومكتبة حتى (مجمع سلطان) عرضه بكميات هائلة.
ينبغي أن أعترف بأن العنوان كان صادما لي، فهو يضع خطا فاصلا كحد السيف بين عهد وآخر، وينزع عن أجيال لاحقة من آل الصباح تلك الصورة المتمثلة بميثاق شعبي وعفوي يحفظ للأسرة هيبتها وللشعب كرامته وحريته.
قبل أن يُساء الفهم فأنا مع حرية النشر بدون حدود وبأقل خطوط حمراء ومع غياب الرقيب ، فالزبد يذهب جفاء ويبقى في الأرض ما ينفع الناس.
لكنني أكتب عن مخاوف في صدري قد يراها الكثيرون تطورا طبيعيا في اتجاه مزيد من الحرية والديمقراطية والمشاركة الشعبية.
والرؤية من الخارج تكون أحيانا أكثر وضوحا من متابعة المشهد لأهله.
منذ عدة سنوات كانت قد بدأت قبل الانترنيت حمى اصدار نشرات على أجهزة ماكنتوش صغيرة وبرنامج كوارك اكسبريس أو الناشر المكتبي، فكان بامكان أي شخص أن يصدر نشرة من غرفة نومه، وبعد ثلاث أو أربع مرات تتوقف لعدم وصول الدعم المالي اللازم.
أما الآن فهناك ملايين المواقع والمنتديات على النت، وعالمنا العربي رغم قلة تعاملة مع الإنترنيت مقارنة ببقية دول العالم الأول، إلا أن
عشرات الآلاف من المواقع تستطيع أن تسبب صداعا مزمنا لأي جهة سياسية أو دينية أو عسكرية أو استخباراتية ، بل بإمكان شخص مع جهاز كمبيوتير صغير، ولديه اشتراك في الانترنيت أن ينشيء موقعاً يعارض فيه العالم كله، ويعلن الحرب على سكان الكرة الأرضية ويتحدى سكان الكواكب الأخرى قبل أن يصل إليهم مكوك الفضاء.
كنت شابا يافعا مليئا بأحلام الثورة ضد كل الأنظمة قريبها وبعيدها، فكانت إذاعة تيرانا من ألبانيا هي إذاعتي المفضلة لأنها تهاجم الاتحاد السوفيتي والامبريالية الأمريكية والاستعمار الصيني، حتى اكتشفت بعدها بربع قرن أن ألبانيا أفقر دول أوروبا، وأن أنور خوجة كان نمرا من ورق.
مواقع الإنترنيت تمر الآن بزمن الفلترة، وربما ننتظر سنوات حتى نكتشف أن تأثير بعضها لا يبتعد عن غرفة مكتب صاحب الموقع وأن تأثير البعض الآخر يمكن أن يفجر ثورة في أعتى الأنظمة.
أعود إلى ( آخر شيوخ الهيبة) وأرى أن الزميل الكبير انحاز في الواقع كأنه طرف في معركة رغم أنه يطالب من ألف الكتاب إلى يائه بحسم الأمور بقوة وصلابة.
يملك الكاتب مقياسا خاصا به فيوزع المخاوف وفقا لرؤيته، ويضع تصورات لمشهد كأنه حسمه في خياله حتى لو كان محض أحلام يقظة.
يقول زميلنا محمد عبد القادر الجاسم بأن الكويتيين ليسوا مهمومين بمن يتولى الحكم الآن، لكن من سيأتي بعد الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح!
وفي موضع آخر يكاد يستبعد الصف الثاني ولا يعتبره من شيوخ الهيبة ويخص الشيخ نواف الأحمد الجابر الصباح، رغم اشارته إلى الطيبة التي يتمتع بها ولي العهد.
مقالات الكاتب التي جمعها ( آخر شيوخ الهيبة) هي في الواقع حجة لآل الصباح الكرام وليس حجة عليهم حتى لو قال آخرون بأن مقالات الانترنيت التي انتهت إلى تروس المطبعة فخرجت كتابا تقرأه الديرة كلها لم تكن لتحصل على موافقة مسبقة من وزارة الاعلام لو صدر الكتاب مباشرة.
ومع ذلك فالكتاب حديث الديوانيات، وأمير الكويت استقبل بابتسامته المعهودة وخبرته الطويلة في التعامل مع المثقفين والاعلاميين زميلنا الكبير.
لم أكن أحب أن أقرأ لكاتب مهموم حتى النخاع بقضايا بلده وتوحدها وتجنبها أي أسباب تؤدي إلى الفرقة انحيازه الذي خانته فيه اللغة والاشارة الجارحة عندما قال بأنه لو أراد الشيخ سالم العلي الولاية لحصل عليها.
كلمات جارحة مر عليها الأمير مر الكرام، فأربعون عاما من الدبلوماسية جعلت الشيخ صباح، لسانا وشفاها ودفئا، قادرا على امتصاص ما يثير غضب أي مسؤول آخر.
الكتاب يحتاج إلى عدة كتب للتعقيب عليه، أوافقه على كثير مما جاء به وأخالفه في كثير مما أورده، لكن ما يهمني هنا أكثر تلك الصورة غير الصحيحة التي تلبس دائما قناع حُسْن النية مع مديح عن طيبة الشيخ نواف الأحمد، ثم يتوقف المرء كأنه لا يعرف المشهد الكويتي المستقبلي انطلاقا من أكثر من ثلاثة عقود تستطيع أن تقرأ صفحات التاريخ في عهد الشيخ نواف الأحمد( أطال الله في عمر الأمير الشيخ صباح الأحمد ومتعه بالصحة والعافية ) .
أختلف مع الزميل الكاتب عن آخر شيوخ الهيبة، فالشيخ نواف الأحمد هو الرجل الثاني في الدولة، ويعقد الشعب الكويت آمالا عظيمة على عهده بإذن الله، والطيبة هنا التي يظنها الزميل في الجانب المضاد والمعاكس للهيبة وصرامة الحكم لها تفسير آخر لا يحتاج لأكثر من الانصاف وتفصيل كل سنوات المسؤولية الوطنية التي حملها الشيخ نواف الأحمد الجابر الصباح.
فيه من الوفاء حتى أعمق نقطة في النفس لذا كان يعتبر نفسه جنديا لدى الأمير ينتظر التوجيهات، وفي الجانب الآخر كان أميرا في موقعه أيا كان الموقع شريطة أن لا يصطدم مع سياسة الدولة.
تلك هي طبيعة الشيخ نواف الأحمد التي لا يستوعبها كثيرون ، أو لا يعرفونها عنه.
طوال فترة وجوده في الحرس الوطني نائبا للرئيس كان يبدي أكبر قدر من الاحترام والتوقير المغلفين بمحبة شديدة للشيخ سالم العلي، ويستأذنه، ويعرض عليه أفكاره، لكنه قام بثورة اصلاح وتطور للحرس الوطني الكويتي وأرسل كثيرين لتلقي مزيد من العلوم واستيعاب التكنولوجيا، والتعامل مع الكمبيوتر، واتقان اللغات.
وكان هو وراء شراء الأسلحة بكافة أنواعها، وعندما كان الشيخ نواف الأحمد مُخَيّرا بين جهتين تبيعان السلاح ، لم يكترث لما اعتاد عليه الآخرون، بل كان الأهم نوعية السلاح وسعره دون وساطة، فأي دينار ينفقه كان في موضعه، فكانت مثلا صفقة السلاح مع جنوب أفريقيا التي تشير بوضوح لذكاء الشيخ نواف الأحمد.
بل هو من شيوخ الهيبة التي يحترمها الشعب والأسرة الحاكمة بنفس القدر.
مرة واحدة حسم أمره قبل الأمير وولي العهد رئيس مجلس الوزراء وذلك في فجر الثاني من أغسطس عندما اقتربت جحافل الغزو الهمجي العراقي، وأراد الشيخ جابر الأحمد والشيخ سعد العبد الله أن يظلا في الكويت، لكن ذكاء وقدرة الشيخ نواف الأحمد على استشراف المشهد الحزين للوطن الصغير جعل كلمته تسبق رغبة الأمير وولي العهد، فانقاذ الشرعية الكويتية هي التي ستحرر الكويت، فكان قراره الصائب والحكيم بخروج رأسي السلطة للمملكة العربية السعودية هي تلك الهيبة التي لا يعرف الكثيرون أنها تسبق طيبة الشيخ نواف الأحمد عندما يتعلق الأمر بمستقبل الوطن.
اجماع أعضاء مجلس الأمة على الموافقة بتعيين الشيخ نواف الأحمد وليا للعهد لم تكن لطيبته فقط، فأعضاء البرلمان خليط من كل الألوان والخطوط والاتجاهات والتحزبات، فالاجماع هنا يصب في خانة الهيبة التي يحملها الشيخ نواف الأحمد معه أينما حمل مسؤولية وعبئاً وتكليف منصب .
كثيرون يخلطون الاحساس بالراحة التي تعكسها عليهم اشراقة وجه الشيخ نواف الأحمد فيظنون أنها طيبة أكثر مما ينبغي وربما تتعارض مستقبلا مع صورة أمير ورمز للبلاد يحكم، ويحسم ويمهر أوامره بتوقيع تلك الهيبة المخلوطة بصرامة والمتخفية خلف طيبة يسيء الكثيرون فهمها.
الشيخ نواف الأحمد الجابر الصباح لم يكن اختيارا عفويا أو سريعا من الأمير، لكنه في الحقيقة أهم قرار أصدره الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح، بل لا أبالغ إنْ قلت بأن الأمير بعث رسالة إلى كل الكويتيين أن بلدهم بخير، وأن مستقبلهم في يد الشيخ نواف الأحمد سيشهد التفافا جديدا حول آل الصباح الكرام، وأن الرجل الذي عرفوه لثلاثة عقود في مناصب تنوء عن حملها الجبال قادر على ادارة دفة الوطن الصغير بحكمة وشفافية واخلاص، وأيضا بهيبة ستجعل الكويتين كلهم كأنهم يعيدون اكتشاف جذور تلك الأسرة الكريمة التي مضى عليها أكثر من قرنين وهي تتوحد مع الشعب، وتحفظ له حريته وكرامته واستقلاله.
المنصب هو الذي يحدد طبيعة المسؤول، ويكشف عن تفاصيل جديدة في شخصيته، ويدخله الامتحان مع كل تكليف، والنتيجة تكون أمام كل من يهمه الأمر ويتابع عن كثب ما قام المسؤول في المنصب الذي تولاه.
هذا الحسم الذي كان من طبيعة الشيخ نواف الأحمد كقيادي ماهر، وعسكري يأتمر بما تمليه عليه السياسة العليا للدولة، وتوجيهات الأمير، لم يكن مانعا من أن يتحول وزير الدفاع إلى أمير في موقعه، فهو الذي صمد أمام الغزو البربري لأشاوس صدام حسين، وهو الذي اختار بمنتهى الذكاء العسكري تلك الدقائق الفاصلة بين الانتحار بجيشه الصغير، أو الانسحاب على أمل العودة لتحرير الوطن.
ومن أراد المزيد فهناك وسام على صدر الشيخ نواف الأحمد خلال تقرير مجلس الدفاع الأعلى الذي أثنى كثيرا على موقفه الرائع.
فجأة تجد صورة أخرى للشيخ نواف الأحمد وهو وزير للشؤون الاجتماعية والعمل وكأنك أمام أكثر القلوب رقة وشفقة واهتماما بالطفل والمرأة الأرملة، وجشع الكفيل أمام الوافدين الضعاف، والتحاق العائل برب الأسرة، خاصة أئمة المساجد الذين كان الشيخ نواف الأحمد يعرف أنهم لا يستطيعون الصعود للمنبر للحديث عن الاسلام الحنيف ومبادئه وهم يتعرضون لظلم شديد فكان قراره العادل.
إن تواضع الشيخ نواف الأحمد الجابر الصباح ينبغي أن ينضوي تحت جناح تلك ( الهيبة ) وليس العكس، ولا أدري كيف فات الزميل محمد عبد القادر الجاسم أن يجمع صفات يظنها الانسان البسيط ربما غير مفهومة، ولكن المثقف والمتابع والعارف ببواطن السياسة ودهاليزها لا يخالجه أدنى شك في أنها من الدهاء السياسي الممدوح؟
والشيخ نواف الأحمد الجابر الصباح مُقلّ في الحديث عن نفسه، بخيل في التطرق للأمور الخاصة، تقضي معه وقتا طويلا تحاول الدخول للمنطقة الأكثر خصوصية فيعيدك إلى هموم الوطن.
مركز الدراسات والبحوث الكويتية أصدر ثلاثة كتب عن الأمير الراحل، رحمه الله، والشيخ سعد العبد الله والشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح.
وكان المركز على وشك اصدار كتاب عن الشيخ نواف الأحمد لكن المفاجأة كانت هنا:فالرجل المفترض أنه اعطى أحاديث صحفية، وأشار كثيرا لحياته الخاصة، وهو كتاب مفتوح لكل كويتي كان عكس ما توقعه المركز، فهو قليل الحديث للصحافة، ولا يبعث أي اشارات عن مجتمعه الصغير العائلي باستثناء مصادفة في برنامج تلفزيوني تحدث فيه عن الانضباط داخل العائلة، وأنه رب أسرة يجمعها معه على الأقل ثلاث مرات في الأسبوع إلا أن يكون أحد أفراد العائلة مضطرا للاعتذار عن الحضور.
أما هذا الكتاب المفتوح فهو للهَمّ الكويتي، وواجباته الوطنية، وتضحيته بعطلات راحة واستجمام يعتبرها الجميع حقا للجسد، ويراها الشيخ نواف الأحمد عن نفسه سرقة من وقت الدولة ومصالح الجماهير.
وهو لا يغادر مكتبه إلا بعد الانتهاء من بحث القضايا المعروضة عليه، وأحيانا يأخذ العمل معه للبيت خاصة ما يحتاج لتأمل وقرارات صعبة ورؤية نقية غير مشوشة بزحام العمل.
في تلك الشهور الصعبة التي قضاها الشيخ نواف الأحمد في الطائف يُعِدّ للعودة مع جيشه الصغير لتحرير الكويت، قضت الظروف أن يمضي وقتا طويلا مع الدكتور عبد الله الغنيم رئيس مركز البحوث والدراسات الكويتية، فكان الشيخ نواف الأحمد أمامه صبحا ومساء، يأكل ويشرب ويتحدث ويعرض أفكاره ويتابع جيشه وعينه الأخرى على المقاومة الكويتية في الداخل.
ومع ذلك فالدكتور عبد الله الغنيم الذي اكتشف في الشيخ نواف الأحمد الجابر الصباح مزيدا من الصفات الحميدة وعبقرية الادارة لم يستطع، وهو المثقف الخبير بقراءة ما وراء الحديث والاشارة، أن يحصل على كثير من المعلومات المثيرة للكاتب لدى حاجته للكتابة عن المسؤول الذي تابعه عن كثب الكثب!
وعندما قرر مركز البحوث والدراسات الكويتية وضع كتاب عن الشيخ نواف الأحمد كانت الصفحات البيضاء كثيرة، فالرجل الذي يقف تحت الأضواء يرفض أن يكون على المسرح متحدثا عن نفسه، فعمله هو المتحدث الرسمي الوحيد والمعترف به من قبل صاحبه.
أخطأ الزميل محمد عبد القادر الجاسم عندما دخل منطقة ولم يتهيأ لها كثيرا، رغم أنه كويتي متابع لكل صغيرة وكبيرة في بلده، وواحد من أهم المثقفين الاعلاميين القادرين على الخوض في المحرمات أو على الأقل في المساحات التي يحجم الكثيرون عن الخوص فيها.
المنطقة هي الشيخ نواف الأحمد الجابر الصباح فاختلط الأمر على الزميل، كما اختلط على كثيرين مثله، وظنوا طيبة ووداعة ورقة الشيخ نواف الأحمد ستتعارض مع هيبته كأمير للبلاد عندما يقضي الله أمرا كان مفعولا.
وقد انتبه لهذه النقطة الدكتور عبد الرحمن العوضي الذي تحدثت معه في شهر نوفمبر الماضي وكان يرى أن الشيخ نواف الأحمد قادر على حمل عدة مسؤوليات جسام في نفس الوقت وبقدرة رجل دولة من الطراز الأول.
ولاء الشيخ نواف الأحمد للأمير هو جزء من طبيعته كجندي يلتزم أمام رمز الدولة بتوجيهات المصلحة العليا، وتلك لعمري مصدر قوة ولا ينبغي أن تؤخذ كأنها تردد في صناعة القرار، وقد شهد الأمير الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح لدى غيابه عدة مرات أن الدولة كانت في يد أمينة، وكان نائب الأمير وولي العهد محيطا بكل صغيرة وكبيرة في الدولة ويتخذ قراره الصعب كأن الأمير لم يغادر للحظة واحدة.
تلك هي طبيعة الشيخ نواف الأحمد ولا أدري كيف يفهم الكويتيون الهيبة بتلك الرؤية الجديدة بعد أكثر من مئتي عام من حكم آل الصباح الكرام؟
إن حالة الازدهار والانفتاح والتلاحم مع الأسرة الحاكمة والتطور وتجنب الصدامات بين السلطات في عهد الشيخ نواف الأحمد الجابر الصباح أميرا للبلاد، أطال الله في عمر الشيخ صباح، ستكون مدهشة للمجتمع الخليجي كله، فالرجل يحمل مشروع دولة لا تخفت هيبتها والتي لن تنفصل عن هيبة آل الصباح في عهده.
عندما يختار الشيخ نواف الأحمد رجاله في أي منصب جديد فهو يعرف الفارق جيدا بين الكفاءة وبين الاعتياد والوفاء لمن خدم معه فترة طويلة، فيمزج بين الاثنين، لذا ترى مَنْ صَحِبه منذ بدايات عمله في الحرس الوطني، ثم العودة لوزارة الداخلية ونائبا أول، ثم وليا للعهد فيقف جنبا إلى جنب مع كفاءات جديدة يراقبها الشيخ نواف الأحمد فيضمها ليصنع توليفة رائعة تعرف توجيهاته قبل أن تتلقاها، وتعرف أيضا أنها أمام رجل منضبط في عمله، لا يغادر إلا للضرورة القصوى، ويفتح بابه كما يفتح قلبه للجماهير.
الشيخ نواف الأحمد قطعة ثمينة من تاريخ الكويت الحديث، وبصماته في الداخلية والدفاع والشؤون الاجتماعية والعمل والحرس الوطني واضحة، بل إنك تتعجب من قدرته على متابعة هموم الكويتيين في الداخل والخارج بنفس القدر.
إنه مع اتحادات الطلاب الكويتيين في الخارج ويحل لهم مشاكلهم المادية، وهو كاره عنيد للسموم التي يدخلها تجار المخدرات إلى الدولة الصغيرة فيحاربها ما وسعه الجهد، وهو ليس طرفا في خلاف ولو كانت له رؤية مختلفة فيعرضها بطريقته الشيقة والوديعة وغير المتصادمة.
تستعين به الأسرة الحاكمة، وكان الأمير الراحل، رحمه الله، يضع ثقته الكاملة به كرجل دولة، وكانت عين الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح عليه مراقبا عن كثب، ومؤمنا بدوره المستقبلي في صناعة المشهد الكويتي الآمن والمتوحد حول قيادته.
ما ذكره الزميل محمد عبد القادر الجاسم عن الصف الثاني لم يكن حنكة سياسية أو مراقبة واعية لأكثر فصول الوطن حساسية رغم أنه الكاتب الذي طلب منه الشيخ صباح أن يتعلم المجاملة فرد قائلا بأنها ليست طبيعته.
سفريات الأمير المتعددة كانت في الواقع تدريبا من الرجل الأول للرجل الثاني للاطمئنان أكثر على وضع البلد عندما يأذن الله، بعد عمر طويل، ويصبح الشيخ نواف الأحمد الجابر الصباح أميرا للبلاد، وقائدا ورمزا لها، وموحدا لكل أطيافها حتى لو ظلت بجميع ألوانها.
مخاوف لم تقتنع بها غالبية أبناء الشعب، بل كما قلنا فإن اجماع أعضاء مجلس الأمة الذي كان طبيعيا أن يخرج منه عشرة أو عشرون أو أقل أو أكثر يعترضون على ولاية العهد يثبت يقينا أن تلك الطيبة التي احتار فيها البعض هي توأمة لــ ( هيبة ) لم يتبينها بوضوح بعض المثقفين والكتاب والمهمومين بقضايا الكويت ومستقبلها.
ما أشد حاجة الكويتيين إلى لحظات سلام يلتقطون فيها الأنفاس ، فالمنطقة مقبلة على طوفان لا يبقي ولا يذر، والحرب على الناحية الأخرى من الشاطيء تقوم بتسخينها الإدارة الأمريكية وحراس الثورة الايرانية والخائفون من الطائفة الأخرى فضلا عن الذين يظنون بحماقة منقطعة النظير أن الخلافات السياسية التي مضت عليها قرون طويلة يمكن أن تحسمها ساحة القتال .
وللزميل الكبير محمد عبد القادر الجاسم ولكل من تأثر بتلك الرؤية أقول بأن مستقبل الكويت في عهد الشيخ نواف الأحمد الجابر الصباح سيكون ازدهارا وأمنا وقطعا لدابر أي صورة من صور الفساد، وسيظل رمز الدولة ممثلا لهيبة الأسرة وتاريخها وجذورها وارتباطها بهذا الشعب الطيب.
ثقتي بالشيخ ناصر محمد الأحمد الجابر تزداد مع الأيام ترسيخا ويقينا منذ أن استقبلني للمرة الأولى في وزارة الاعلام عام 1984 وتابعت مسيرته عن قرب وباعجاب شديد، ثم كان الاختيار الموفق من الأمير الشيخ صباح الأحمد الجابر ليضع بين يديه اختيار حكومته، ومتابعة شؤون الدولة.
رئاسة مجلس الوزراء ليست عصا سحرية تتغير فيها الدولة بين عشية وضحاها، فالسلطة التشريعية تمثل الشعب الكويتي، لكن الحصانة قد تمثل شخصا واحدا أو قبيلة أو جماعة أو مزاجية أو رؤية تنحرف ذات اليمين أو ذات الشمال فتميل بعيدا عن العدل.
الحصانة البرلمانية قوة لا يستهان بها، والاستجواب حق دستوري، لكنه سيف مسلط على الرقاب، وقبل كل ذلك فخوف الوزراء ليس ايجابيا في كل الأحوال إنما قد ينعكس شللا وتوقفا وترقبا خشية الوقوف على المنصة للاجابة عن تساؤلات ليست من الرقابة في شيء، إنما هي استعراض قوة تحت قبة الحرم الديمقراطي.
عندما تكون القوة دينية يصبح الطريق، كما قال عبد الرحمن الكواكبي، للاستبداد والتسلط ممهدا ومعَبّدا فيسير عضو مجلس الأمة فوق بساط مريح، ويخطو الوزير فوق أشواك أو صَبّار إن نجا منه، تمنى الخروجَ من الوزارة.
وما أسهل اتهام أي مسؤول في دينه، واستخراج مخالفة شرعية وفقا لما يراه عضو مجلس الأمة، فكل الأشياء في الدولة من الجامعات والتعليم العالي والاعلام والثقافة ومعرض الكتاب وحفلات الفنون وضيوف الدولة وبرامج الاذاعة ودور العرض السينمائي والموسيقى والغناء والمرأة والمصافحة وخلفية الآذان في التلفزيون وآلاف أخرى من الأشياء التي تخترق الحياة اليومية يمكن استخدامها ورقة ( شرعية ) من ممثل الشعب.
أخطر ما يواجه الوزير هي حرب في ساحة أخرى، واشغاله بعشرات القضايا الجانبية، وتكبيل يديه بالـ ( العين الحمراء ) التي تراقبه من مقاعد هذا الصرح الديمقراطي العريق.
يحظى الشيخ ناصر باجماع شعبي، وبثقة الأمير وولي العهد التي تم تجديدها في الحكومة مرة ثانية. وتظل من أولى تمنياتي للكويت أن تصبح دائرة واحدة ويتم الانتخاب فيها الكترونيا أو عن طريق اقتراع سري في ورقة بريدية تحتوي على برامج جميع المرشحين.
وقد تمنيت عدة مرات للكويت بثورة على النظام البريدي والذي قلت فيه بأنه لو بعث الله أحد سعاة البريد من العصر الحجري أو من العصر الجليدي الأول وشاهد بريد الكويت لاستلقى على قفاه من الضحك. هل يعقل أن تصلني بالمرتجع جميع أعداد طائر الشمال التي أرسلتها للزميل حسن الصائغ، وقد تم تجميعها لمدة عامين في البريد، وأعيدت لي وعليها كلمة ( غير معروف لدينا ) وكأن الكويت بعدد سكان الصين الشعبية!
في جعبتي حكايات عن البريد والفاكس في الكويت لو قصصتها على الدكتورة معصومة المبارك لانفجرت بالبكاء. الخطاب يستغرق أسبوعا من العاصمة إلى الأحمدي. أملي كبير في أن يتابع رئيس الوزراء بنفسه، فالشيخ ناصر يعرف أن البريد في سويسرا يتم توزيعه مرتين في اليوم، ويصل الخطاب من زيوريخ إلى جنيف في نفس اليوم!
تمنياتي وأفكاري وأحلامي وتطلعاتي لكويت المستقبل تحتاج إلى مجلدات، يختلط فيها الحب بالاهتمام بالشأن الكويتي. وتظل ثقتي المطلقة بآل الصباح الكرام عنوانا للمشهد المشرق لهذا البلد الكريم.
هذا المقال نشرته منذ ثلاثة أعوام في موقع صحيفة ( صوت الوطن ) التي كانت تصدر في الولايات المتحدة الأمريكية، الكترونيا وورقياً.
القاريء الكريم الذي اتهم الاخوة القائمين على دار صوت بلادي بأنهم غير وطنيين لأنهم ينشرون مقالات صاحب هذه السطور أحزنني أكثر مما أثار غضبي،فنحن أمام حالة غريبة من المزاد الوطني المقام في سرادق لا يميز فيه الحاضرون بين التهنئة وبين العزاء!
من الذي يملك مقياس الوطنية فيمنح الدرجات، ويصحح الامتحانات، ويقوم بتوزيع الوطنيين والخائنين والصامتين والمتآمرين والمنافقين والمتزلفين والأشراف وفقا لمؤشر هذا المقياس الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.
ما كرهت شيئا مثل كراهيتي للتزكية والمديح والاطراء, وسرد بطولات، فكل مغترب في الواقع يصنع ماضيه كما يحلو له، ويزخرف فيه كيفما يشاء، ويحصل على أعلى التقديرات في شؤون الدنيا والدين تماما مثلما يفعل كل أب تقريبا عندما يسرد على مسامع ابنه بعض بطولاته عندما كان صغيرا في عمر ولده الصغير.
والقاريء الكريم الذي شكك في وطنية القائمين على موقع صوت بلادي لتفضلهم، مشكورين، بإعادة نشر مقالاتي أساء من حيث لا يدري إلى ميزان الوطنية الذي يمسكه بيمينه، فهو ميزان يطفف، وينقص متى شاء صاحبه، ويزيد متى أراد، ويرجح كفة الظلم إلا فيما ندر.
ومع ذلك فقد جعلني استعيد شريطا طويلا بطول حياتي محاولا انتهاج طريق ديكارت التشككي لعلي أعثر على الثغرات الكثيرة التي جعلت صاحبنا يستند إليها ليعتبر مقالاتي خارجة عن الصراط الوطني المستقيم، فوقعت على أخطاء وذنوب، لكنني لم أعثر على شبهة واحدة أو علامة استفهام لا تراها العين المجردة.
أحببت مسقط رأسي حبا جما، وقضيت طفولة وشبابا في الأنفوشي حيث يذكرك المكان ببيرم التونسي والشيخ محمد عبده وعبد الله النديم.
واشتركت كغيري في نادي السينما، ولا زلت أتذكر الناقد مصطفى درويش وهو يعرض علينا مرة في كل أسبوع فيلما من أوروبا الشرقية، ثم نناقشه، وندلف إلى العالم السحري للفن السابع، ثم نختار بأنفسنا أفلاما في دور عرض رخيصة كسينما بلازا والهمبرا وريكس والشرق وسينما فؤاد المجاورة للمركز الثقافي والذي قرأت فيه ديوان البحتري في الثالثة عشرة من عمري.
كنت ابن واحد من أكثر الرجالات شجاعة والذي تمر الشهر القادم ثلاثون سنة على رحيله، ولازلت أذكره كأنه كان معي بالأمس، واشم رائحته، واسمع صوته، ويمنحني شجاعة في قول كلمة الحق، ويعلمني بأن الكبير صغير، وأن الصغير كبير.
قال لي في احدى المرات، رحمه الله، بأنه يقبل مني كل الأخطاء إلا أن أكون جبانا فتلك هي الخطيئة الكبرى التي لا يغفرها لي.
لم أكن قد أكملت السادسة عشرة من عمري عندما أبلغني أقرب أصدقائي بأنه جاب العاصمة الثانية من أقصاها إلى رمالها فلم يعثر على صيدلية تبيع دواء ثنكو مايسيل ( أي قطرة الفار ) وهي ضد حساسية العينين، فأرسلت رسالة مطولة كأنها قطعة أدبية إلى الرئيس جمال عبد الناصر.
بعد أسبوعين تلقينا من الرئيس خطابا يطلب منا التوجه فورا إلى شركة الأدوية بشارع فؤاد للحصول على الدواء المطلوب.
غضب مني والدي في احدي المرات لأنني انتظرته حتى عاد في الخامسة بعد الظهر لأقص عليه حكاية المُدَرسة التي كانت تدوس فوق صدر تلميذ في السابعة من عمره، وشاهدتها من نافذة شقتنا التي كانت تطل على مدرسة الميناء الشرقي الابتدائية. وعاتبني، رحمه الله، عتابا شديدا لأنني انتظرته ولم أرسل فورا شكوى مفصلة لوزير التربية والتعليم آنذاك السيد يوسف.
وقد فعلت في اليوم التالي، واستجابت الوزارة لشكواي.
في سن الثامنة عشرة جاءني صديقي يشكو خشية والده من وجود كتب ممنوعة في بيته، وطلب مني أن اقوم باخفائها، فلما صارحت والدي رحب على الفور، وجمع كل الكتب الممنوعة، وفرش لها مكانا آمنا خفيا تحت عشة الدجاج، وعلمني أن لا أتخلى عن أصدقائي ما حييت.
في الرابع عشر من فبراير عام 67، أي في عيد ميلادي العشرين تلقيت رسالة هامة للذهاب إلى مباحث أمن الدولة، فلما طلبت من والدي، رحمه الله، أن يصاحبني رفض رفضا قاطعا قائلا لي: اذهب بمفردك فابني لا يخاف، وإذا احتجت إلى محام سأجعل مئة من المحامين يترافعون عنك. وكان اللقاء وديا ورائعا ودار الحديث فيه عن عشرات الرسائل التي أبعثها إلى السفارات طالبا كتبا ومنشورات ومعلومات، وكان قد ذهب الظن بي أن سبب استدعائي يعود إلى الرسالة التي وجهتها للملك فيصل عن أن الخلافات بينه وبين عبد الناصر لن تؤثر في عروبتي وحبي الشديد للوطن العربي الكبير.
في صباح أحد أيام ربيع عام 68، والذي يشبه ربيع براغ، توجهت مع صديق لي إلى مكتب فتح أمام نادي سبورتيج بالاسكندرية وطلبت أن يبعثونا في عملية انتحارية على الجبهة الأردنية أو السورية، وكان عمري واحدا وعشرين عاما، فلما عدت إلى البيت قام والدي بتهنئتي على حب الوطن، وبكت والدتي على تهوري.
في سن الثانية والعشرين أنهيت الفصل الثالث من أول كتبي عن مقارنة الأديان، وسافرت إلى القاهرة للقاء الشيخ محمد الغزالي ، ولم يعرف الكتاب طريقه إلى النور، ولكن اللقاء كان رائعا، وقال لي والدي العظيم بأنني لو اخترت دينا آخر غير الاسلام فلن يوجه إلى كلمة عتاب واحدة، واخترت الاسلام مرة أخرى عن قناعة عقلانية وقلبية،
ومرت السنوات، وهاجرت عام 1973، وعملت في لندن وفي جنيف، وأقمت معرض الكتاب العربي، وافتتحت المركز الاعلامي، المكتبة العالمية في أوسلو، وإذاعة صوت العرب من أوسلو، وأصدرت العدد الأول من طائر الشمال منذ عشرين عاما، وازداد حبي للوطن العربي بكل سلبياته، وتضخم عشقي العميق والشديد لأم الدنيا، وكرهت أكثر الظلم والطاغوت والاستبداد.
في عام 1985 كتبت أول مقال لي عن كرامة المصريين، واكتشفت مبكرا أن السلطة والسطوة والقوة والنفوذ والدستور والجيش والمخابرات والحرب والسلام والفقر والثراء وكل ما على أرض مصر وفي سمائها بين اصبعين من أصابع السيد الرئيس، وتعلمت أن كل المحيطين به أصفار متراصة لا تساوى مجتمعة أو منفردة قصاصة ورق تخرج من القصر الجمهوري بعابدين وعليها توقيع السيد الرئيس.
في السنوات العشر الماضية عندما ازدادت عملية نهب الوطن، ارتعدت أوصالي، وكتبت عددا كبيرا من المقالات وكلها تدور حول السلطة والفرد، ولم أضيع وقتا في معارك طواحين الهواء، فرئيس الوزراء والوزراء والمحافطون كلهم خدم وعبيد لرجل واحد يجري النيل تحت قدميه، ويصمت أبو الهول أمامه، وتتسرب من خلف يديه آثار مصر هاربة أو مهربة من أرض الكنانة.
توغل عشق مصر في كياني كله، وكتبت عن أصغر الأمور، وتسابق الكثيرون، مشكورين، لنقل مقالاتي ونسخها وتوزيعها فقد رأى فيها كل واحد صوته وصورته وفؤاده وعقله.
سألتني ابنتي كيف ترد على زميل قال لها بأنه يتعجب من الثمن الذي يدفعه والدها فيتم وضع اسمه في المترقب وصولهم لأرض وطنه في مقابل بعض الكتابات التي ينشرها ولن تغير من الوضع شيئا!
قلت لها إنني أكتب أيضا لزميلك حتى لا يسقط كف مخبر أو ضابط شرطة على قفاه في العصر الذهبي للرئيس حسني مبارك.
إنني مهموم ومشغول وموجوع حتى أعمق أعماقي بكرامة المواطن المهانة في قسم الشرطة وفي السجون والمعتقلات وفي البحث عن لقمة العيش وفي التعرف على حقوق المواطنة التي صادرها الرئيس لصالح رجاله.
كتبت مقالا، كالعادة، في رسالة موجهة إلى الرئيس حسني مبارك، وعندما انتهيت منه سقطت على الأرض مغشيا علي، فلم تتحمل أجهزتي العصبية أوجاع أم الدنيا، وحملتها عنها حتى غبت عن الوعي.
أقول للقاريء العزيز الذي قال لزملائي في صوت بلادي ( إنتوا مصريين .. إنتوا، تنشروا لمحمد عبد المجيد؟): نعم، أخي الكريم، فنحن نعم نحب هذا الوطن مثلما تحبه أنت، ونخاف على مصر، ونربت على كتفها، ونرفض أن تتوارثها الأسرة الحاكمة، ونشاهد نهبها، ونبكي على الفساد فيها، ونعرف أنها، كما قال أحمد فؤاد نجم، ولادة، وتستطيع أن تمد السيد الرئيس بعباقرة في كل المجالات، لكنه يفضل الفاشلين والفاسدين واللصوص والمعاقين ذهنيا والمتخلفين عقليا والكارهين لها والحاقدين على أصحاب الكفاءات فيها.
نعم، نحب مصر، لذا نكتب، ونعارض، ونناهض، ونوقظ الوعي، ونطالب بالمساواة بين المصريين، ونعتبر شركاء الوطن من أقباط مصر أحبابنا، ولا نفرق بيننا وبينهم، ولهم مثل مالنا، وعليهم ما علينا.
نعم، نحب مصر، ونتوجع لمئات من الذين تم تعذيبهم في أقسام الشرطة، أو حرقهم أو اغتصابهم أو تعليمهم آداب العبودية.
نحن نعارض لأننا نحب مصر، ونرفض قوانين الطواريء، ونكشف اللصوص، ونطالب بانتخابات يتساوى فيها المصريون، ونريد أن نعرف أين ذهبت أموال الوطن المسكين.
نحب مصر، ونعتبر الرئيس حسني مبارك خادما لنا، يحصل على راتبه المقتطع من لقمة عيش أهلنا، ونمنحه قصورا وامتيازات وسطوة وسلطة في سبيل تنظيم إدارة الدولة، وأهلنا وشعبنا ليسوا خدما تحت قدميه أو بين يدي ابنه.
نحب مصر، ونكره المنافقين والأفاقين والمتزلفين والصامتين، ونعتبر المعارضة قيمة كبرى، أخلاقية ووطنية ودينية وأدبية، ومن يخاف، ويلوذ بالصمت، ويترك الوطن يغرق فيحتاج إلى دروس في الوطنية أو أن يحفظ طبائع الاستبداد للكواكبي عن ظهر قلب.
ذهبت مرة إلى المرحوم سعد الدين وهبة لأهنئه على مقالاته عن الاسكندرية في عهد المستشار إسماعيل الجوسقي، فرحب بي قائلا: لا فائدة فالرئيس لا يكترث ولو تم تدمير الثغر كله.
قلت للأستاذ صفوت الشريف عندما التقيت به مصادفة في دمشق، وكنت مدعوا من الدكتور محمد سلمان وزير الاعلام، : معالي الوزير: هل تعلم أن المصريين لا يشاهدون القناة الفضائية، وأنها متخلفة مقارنة بقنوات أخرى كثيرة؟ وكان رده بأنه يعرف ذلك، ولم أزد حرفا واحدا !
كان انفجار قلمي ونزيفه قبل صدور طائر الشمال بوقت طويل عندما سألت صديقي المحامي السويسري دنيس بايو في جنيف عن أسباب طرد السلطات السويسرية لثلاثة عشر من المصريين من مارتيني بطريقة مهينة، فرد علي المحامي المخضرم قائلا: لقد جرى العرف في كل مكان بأن المصري هو المواطن الوحيد في العالم الذي لا تدافع عنه حكومته في أي مكان في العالم، فهو أرخص خلق الله.
هكذا صفى صدام حسين أربعة آلاف وثمانمئة مصري، وأرسلهم في نعوش طائرة إلى مطار القاهرة الدولي والسيد الرئيس صامت، فالموتى مصريون.
وطردهم العقيد في صحراء السلوم، وسرق أموالهم وأهانهم، وصمت السيد الرئيس، فكرامة المصري لاتشغل برهة واحدة من اهتماماته. وسجنتهم مالطا، واسرتهم قوات خفر السواحل في ارتيريا، وسرقهم الكفيل في الخليج، ونهبت أموالهم شركات توظيف الأموال، وداست على رؤوسهم أحذية ضباط الشرطة، ورفضت مساعدتهم البعثات الدبلوماسية في الخارج، فهم للأسف الشديد مصريون في عهد الرئيس حسني مبارك.
في صدري أوجاع وآلام وأحزان لو تم توزيعها على شعبنا الطيب لأثقلت كاهل كل منهم، ولازلت مهموما بهذا البلد الطيب، وأغرس قلمي في قلبي وأكتب به، فيأتي القاريء الكريم ويتهم من يوافقون على نشر مقالاتي بأنهم غير وطنيين.
إنني أكتب، أخي الحبيب، حتى لا يسقط كف غليظ من مخبر جلف فوق قفاك.
خيط رفيع يربط بين شهادة مجروحة لأنها تخلط العاطفة بالواقع، وبين عدل في الشهادة لأنها تنقل واقعا لا يعيبه أن تلتقطه العاطفة وتضمه إليها.
لماذا نستريح في نهاية المطبوعة الصغيرة على شاطيء عمان، أو في خريف صلالة، أو مع فكر السلطان قابوس بن سعيد، أو مع طيبة العمانيين الذين لم تمسهم سلوكيات اقتحمت عنوة معظم مدن وقرى ونجوع عالمنا العربي فجعلتنا لا نتعرف أحيانا على مشهد منه، ولا نصدق أننا ننتمي إلى هذا المكان سواء كان في خطط حكومية فاسدة، ونهب واهدار للمال العام، وشرعية حاكمة استمدتها من تزوير رغبات الشعب، وتراجع في كل المجالات؟
ربما لأننا في أمس الحاجة للتعريف بهذا البلد العربي الذي حقق في أربعة وثلاثين عاما ما عجزت عنه أنظمة كثيرة ورثت مالا وبترولا وأرضا زراعية وبنية تحتية ( مثل مصر والجزائر وسوريا والعراق ).
مرة رابعة وخامسة وعاشرة نحاول قراءة ما في فكر السلطان قابوس بن سعيد فلا نعثر بالسر ولكن بحب هذا العاهل الأسمر لشعبه حبا جارفا جعل أمامه هدفا أكبر لا يحيد عنه قيد شعرة: حياة انسانية كريمة متطورة للشعب العماني.
أما أثقال الماضي، والحرب التي أكلت الأخضر واليابس، والتخلف الشديد الذي ضرب عُمان كلها، فقد ألقتها النهضة المباركة وراء ظهرها، فالسلطان ليس لديه وقت لغير الحاضر والمستقبل، وهو لا يسمح بدغدغة مشاعر الشعب من أجل المَنّ على رعاياه بأنه أخرجهم من عصر كانت فيه عُمان على هامش التاريخ، وضيفا دائما في المنسيات التي لا يكترث لها كاتب أو مؤرخ أو مهتم بالمنطقة وقضاياها.
الانسان العماني لم يأت من الصفر، وتلك هي عبقرية الحكم لدى السلطان قابوس، فالعمانيون يعتزون بتراثهم، ويفتخرون بتاريخهم، ويحتضنون قلاعهم كأنهم في حالة عشق دائم لهذه الأرض، أو في حالة دفاع عن ممتلكات تحمل في جوفها الهوية العمانية، لكنهم أيضا غير معنيين بما انشغل به كثيرون في دول عربية أخرى عندما استخرجوا من تاريخهم القديم والجديد موانع التطور، وعبثوا في دفتيّه لنقل خلافات مضت إلى حاضر لا يستطيعون التعامل معه.
العماني ليس معنيا بثورة ظفار أو الصراع مع اليمن الجنوبي أو سنوات المد الماركسي أو خصومة والد السلطان مع التطور العلمي، فقد نجح العاهل العماني في جعل مواطنيه ينظرون دائما إلى الأمام.
الثورة السياحية التي تقوم بها سلطنة عمان بدأت تؤتي أكلها، والغريب أن الذين استعجلوا العمانيين منذ عدة سنوات للتعريف ببلدهم سياحيا فوجئوا بأن العمانيين لم يكونوا مكترثين تماما لهذه العروض، فهم يعرفون أن السياحة بدون فنادق خسارة سترتد عليهم، لذا انتظروا عدة سنوات حتى تتمكن شركات السياحة من التعرف على المدخل الأوسع في سلطنة عمان لاغراء وجذب السياح.
قرأت أول أمس برنامجا سياحيا نرويجيا عما ستقوم به بعض الوفود السياحية فأدهشني أن الأوروبيين اكتشفوا سلطنة عمان من خلال أجمل ما يمكن أن تقدمه، أي الشمس والبحر والشواطيء والتراث والقلاع ورحلات السيارات.
إنني متفائل .لمستقبل سياحي عماني يمكن في غضون عشر سنوات أن تتحول هذه الدولة إلى أكبر قبلة للسياح الأوروبيين واليابانيين، وإلى ملتقى السياحة العربية العائلية.
السبب أن المواطن العماني يعرف كلمة السر التي تجعل السائح يستمتع بزيارته ويعود مرة ثانية وثالثة .. إنها ترك السائح يتجول بمفرده، ويشاهد البضائع دون أن يشتري، ويتسوق فلا يزعجه بائع ولا يطارده متسول، ولا ينفره متطفل.
ولنكن أكثر صراحة حتى لو قارنت بين بلدي الأم وبلد عربي آخر لصالح الأخير فكل بلاد العرب أوطاني!
في مصر يطارد الكثيرون السائحين، ويظن كل بائع أن جيب الزائر مليء بالدولارات، وأن الخليجي لا يكترث للغلاء، ولا يهتم بالأسعار، وأن بداره في الرياض أو الكويت أو الدوحة أو أبو ظبي بئر نفط كلما نفد حفرا بئرا آخر.
وفي المغرب يطارد البائعون السائحين ويدخلونهم بالاكراه إلى محلاتهم، ولا تسير الفتاة الأوروبية بمفردها في أمان أكثر من خمس دقائق.
السياحة فن وعشق للوطن ورغبة في التفاخر به أمام الأغراب واعتزاز بتراثه، وكل هذه الأشياء متوفرة في سلطنة عمان.
لا أدري لماذا لم يستفد العرب من التسامح الديني في سلطنة عمان؟
في عالمنا العربي ضجيج وصياح وصراخ وكل ينادي على بضاعته الدينية، ويعرض مذهبه، ويفرض فكره، ويسخر من الآخرين، ويتهكم على المخالفين.
وفي قاموس مفردات التدين تختلط أشياء عجيبة، فلبنان بمفرده تحكمه سبع عشرة طائفة، ويتعجب المرء من تغلغل الفكر الطائفي في الوجدانيات والعواطف فيرى أصحاب المذهب المشترك أنهم يتجمعون حول إيمان واحد، وأنهم طائفة أو فئة تشترك في أشياء كثيرة، وللحقيقة فهذا خداع للنفس لأن ما يجمع الانسان بأخيه الانسان آلاف الأشياء الأخرى غير الملموسة أو المعروفة من مشاعر وأفكار وعواطف ورؤى وتجاذب بدون سبب أو نفور بدون معرفة مسبقة ...
لذا ليس غريبا أن لا يفهم الآخرون سبب نجاة سلطنة عمان من التطرف، وأن ارهابيي الحادي عشر من سبتمبر لم تشهد مسقط أو صلالة أو عبري أو نزوى مولدهم.
لا يتلهف العمانيون على نجوم التلفزيون الذين يبيعون الدين تمثيلا وادعاء وزبيبة صلاة وبكاء على أحوال المسلمين، فالعماني متدين بالفطرة، ويتوجه إلى الله في بيته أو في المسجد، ويتابع البرامج الدينية بقدر، أي لا تشغله عن أمور دنياه ولا يهملها فيبتعد عن التعرف على دينه.
الاعلام العماني الذي صنعه الأستاذ عبد العزيز الرواس ووضع بصماته عليه وتعرف من خلاله عدد هائل من الاعلاميين على سلطنة عمان لا يزال يتجدد، والتعاون القائم بين الوزير الأستاذ حمد بن محمد الراشدي ووكيل الوزارة الشيخ عبد الله بن شوين الحوسني خدم ذلك التجديد، وتمكن من التعريف بالنهضة المباركة، ويشترك الرجلان في إيمان واضح بفكر السلطان قابوس بن سعيد ومتابعة توجيهاته.
لا يخشى الحكم في سلطنة عمان مواطنيه، ولا يتعقب معارضة أو مناهضة أو يراقب تجمعات في الخارج.
استفسرت من صديق يعمل في مكتبة خلال زيارة للعاصمة البريطانية عن كتابين صدرا ويحتويان على أكاذيب وتلفيقات وحكايات من نسج خيال مريض عن السلطان قابوس بن سعيد، فقال لي: بأنه باع نسختين فقط من أحدهما، والآخر لم يثر انتباه أحد قط، على الرغم من أن الكتب المناهضة للحكام العرب تحقق أكبر مبيعات في مكتبات لندن.
نكتب هذه الكلمات وعمان تحتفل بعيدها المجيد، وتتوجه عشرات الالاف من الأسر العربية إلى خريف صلالة، وتتعاون وزارة الاعلام مع محافظة ظفار وشؤون السياحة في وزارة الصناعة والتجارة في تناغم عجيب.
الدعوة إلى تعريف كل العرب بخريف صلالة أمانة، وعندما يكتشف الزائرون لها أنها الرحلة التي تناسب كل الأعمار والأفراد والجماعات والعائلات فإن رحلتي الشتاء والصيف إلى منتجعات سياحية أخرى لا ترى في العرب إلا ما ينفقونه تصبح رحلة واحدة إلى جنة الخليج .
دخلت كل أجهزة الدولة في عالم الانترنيت ولم تعد هناك أي حجة لشخص بأنه لا يعرف مايدور في سلطنة عمان، وكيف تطورت، وما هي الأماكن السياحية الأكثر جذبا.
في سلطنة عمان تغمض عينيك وتبتسم، ثم تفتحهما على ما تبحث عنه .. صيد الأسماك، السباحة، الغطس، سباق السيارات، الأمان على شواطيء ممتدة بمئات الكيلومترات، تعامل ودي ودافيء مع شعب كريم، تسوق، متاحف، قلاع، تراث، أسعار مناسبة.
في زيارتي الأخيرة قابلت عائلة سويدية في الفندق بمسقط، وقص علي رب الأسرة أنهم سافروا إلى أماكن كثيرة في أوروبا والعالم العربي واكتشف كل أفرادها، وأطفالهم في المقدمة، أن سلطنة عمان هي فعلا جنة المنتجعات السياحية .
تهنئتنا لشعبنا العماني بالثالث والعشرين من يوليو المجيد وبخريف صلالة.
خمسة وثلاثون عاما يركب فيها العقيد ظهر شعبنا الليبي، ويدوس على رؤوسهم، ويفلسف الحماقة، ويجعل من الجهل منطقا، ومع ذلك فلا يزال هناك إن مَدَّ اللهُ في عمر القائد مستقبل مظلم وكئيب ومهين ومُذِل ينتظر على أحر من الجمر استمرار صمت الشعب الليبي، وأفراده ينصتون بشغف شديد إلى صوت الجهل والحماقة والاستخفاف قادما من خيمة ملونة يجلس في وسطها واحد من أشد مستبديي وطغاة العصر الحديث قسوة وغلظة ووحشية.
كُتُبُ التاريخ مليئةٌ بحكايات جهل الطغاة، وكان لجيران العقيد في أفريقيا نصيبٌ كبيرٌ من المأساة الموغلة في الضحك والبكاء على حد سواء، وربما كان الإمبراطور هيلاسلاسي حاكمُ إثيوبيا المستبد أُمْيّا طوال أربعة وثلاثين عاما رفض خلالها وضع توقيعه على وثائق، وكان لا يلجأ لكتاب أو صحيفة أو مقال أو تقرير، فهو يسير وخلفه مُلقن تقترب شفتاه من أذن الامبراطور.
وكان عيدي أمين دادا ديكتاتور أوغندا أكثر الجهلاء حماقة، وكانت قيمة المواطن في عهده أقل من حشرة، وقام بتصفية ثلاثمئة ألف أوغندي وعندما دعاه الرئيس السادات لزيارة مصر اشترط أن ينتظره الرئيس الراحل على الضفة الأخرى من القناة وهو سيأتي سابحا ليستعرض قوته ومهارته في السباحة.
وكان جان بيدل بوكاسا امبراطور أفريقيا الوسطى نموذجا لخلطة من الجهل والقسوة جعلته ينفق ميزانية بلده على تنصيب نفسه امبراطورا، وقام بعملية اعدام تلاميذ مدارس ولا يزال من غير المؤكد أنه قام بأكل لحوم الأطفال.
في خطوة بدت كمصيدة من ( الجزيرة ) استضافت القناة القطرية قائدَ ثورة الفاتح من سبتمبر على الهواء مباشرة فالقائمون على القناة يعلمون جيدا أنهم سيكشفون سوءاته، ويقومون بتعرية ضحالة فكره، وينفخون فيه حتى تمتلأ الشاشة الصغيرة عفنا فكريا هابطا.
كان العقيد وقحا كعادته عندما اتهم الأستاذ فهمي هويدي بالجهل في معرفة فلسفة الكتاب الأخضر، وأكثر وقاحة وهو يحاول اهانة المفكر الكبير مستخدما تعبير ( يا ابني ) رغم أن الكاتب الصحفي أكبر منه سنا.
وكانت الأسئلة التي وجهتها جمانة نمور أكبر من عقل العقيد، وأكثر صعوبة على قدرته في الفهم، فكان يسرح .. وينظر ببلاهة شديدة إلى ما حوله.. ثم ينسى السؤال ويجيب على موضوع آخر لا علاقة له ألبتة بما تم طرحه.
لم يستطع القذافي أن يخفي الصدأ في أفكاره، وأدّعى أنه ليس زعيما أو رئيسا أو ملكا لكنه قائد لا يملك أي سلطة، فالسلطة الحقيقية في خدمة الشعب وهي أعلى درجات التقدم والتمدن.
وكأن الرئيس الفرنسي أو الايطالي أو أي مسؤول كبير يصل إلى الجماهيرية يستقبله أمين اللجنة الشعبية في العزيزية أو غدامس أو طبرق أو مصراتة ثم يجري معه مباحثات ثنائية في الصحراء أو في خيمة متواضعة دون أن يلتقي بالعقيد!
هزلٌ يصيب النفسَ العفيفةَ بالغثيان ومع ذلك فالعقيدُ أحدُ صُنّاع الإرهاب ومطاردة المعارضين وتصفيتهم، ودعم حركات الانفصال، ومفجّر الطائرات الآمنة بركابها الأبرياء، وداعم الجيش الجمهوري الايرلندي في تفجيرات لندن، وقاتل مئات في سجون ليبيا، أصبح بين عشية وضحاها مضيفا عزيزا وكريما على ممثلي القيم والمباديء الغربية الديمقراطية والحرة.
كان مشهد العقيد على شاشة ( الجزيرة ) يحمل بين طياته جبلا من الإذلال لشعبنا الليبي، فالرجل ينطلق في فلسفته من عاهة فكرية وتخلف عقلي وجهل سحيق ، لكنه يمسك كل أطراف ليبيا الشاسعة، وأجهزة مخابراته تقتل المئات في عملية واحدة دون أن يرف لها جفن، ويستطيع الرجل الذي ينفي أي سلطة بين يديه أن يكتب شيكا مصرفيا بكل ما في خزينة الدولة ويدفعه تعويضا عن جريمة يدعي أنه لم يرتكبها، ثم تخرج الجماهير المُغَيّبة والمُخَدّرَةُ ترقص في شوارع الوطن البائس معبرة عن بهجتها وغبطتها ولذة الاغتصاب التي زرعتها ثورة الفاتح في نفوسها، وتستجدي العقيدَ أن يضربها على قفاها مرة ثانية وثالثة وعاشرة.
سقط القذافي أمام خبراء الاعلام في قناة ( الجزيرة ) وشاهده الملايين، لكنه لا يزال يملك رقاب شعبنا الليبي، ويحقق له أقصى درجات البؤس.
كتب لي شاب ليبي وهو طالب جامعي يعترض على ظني بأن الليبيين مُغَيّبون تماما، ويقص علي حكاية كان هو أحدَ أطرافها عندما حاولت أجهزة الأمن اقناعَ الطلاب في الجامعة بالحضور الكثيف لأن العقيدَ سيحضر اللقاءَ السنوي.
ماذا كانت النتيجة؟
تم الغاءُ الزيارة قبيل وصول القذافي بساعة زمن عندما امتنع معظمُ الطلاب عن الحضور.
هل يعني هذا أن هناك حركةَ تمرد في الجماهيرية وأن العقيد في أيامه الأخيرة؟
المشهدُ الليبي يؤكد عكسَ ذلك، وأجهزة مخابرات الطاغية بعدد رمال الصحراء الليبية، والداخل إلى ليبيا مفقود والخارج مولود.
كل الأنظمة المستبدة قد تسعد بتوبة المعارضين، وتغتبط بعودة القطيع إلى الحظيرة بل تكافيء بعضَهم في مناصب هامة أو تُقرّبهم إلى القصر ( أو الخيمة )، ماعدا نظام الحكم المستبد للفاتح من سبتمبر ففي تركيبته غدرٌ يناهض كلَ القيم والمُثُل والمباديء.
اللهُ يقبل التوبة من عباده مهما كانت ذنوبهم، أما العقيد فيتساوى لديه الأمران، الاستمرار في المعارضة أو العودة الذليلة للمعارض أو المناهض لحكمه. الآن يصعب التخلص من العقيد فهو في حماية كل أجهزة الأمن الغربية والأمريكية وطبعا بعض الجيران.
جرائم العقيد تم اسدال الستار عليها، وأصدر الغربُ والعالمُ العربي وسيّدُ البيت الأبيض عفوا عاما واعتبار تصفية الآلاف وتخريب دولة وجعل ليبيا سجنا كبيرا واهدار ثروة وطن واذلال شعب والتآمر على الجيران أمورا في طيّ النسيان، ومن صغائر الإثم، ومن الجُنَح التي لا ترقى لمرتبة جرائم.
كان العقيد بهلوانا على الشاشة الصغيرة، ولم يفهم أسئلةَ مقدمة الحلقة جمانة نمور، وكان العرب كلهم من مائهم إلى نهرهم يتصببون عرقا من هول الخجل، فهذا أحد طواغيتهم وحكامهم ومستبديهم يكاد يتساوى مع أهل الكهف، لكنه يدوس بحذائه فوق رقاب أحفاد عمر المختار.المعارضة الليبية تُصَعّد حملاتها منذ ربع قرن في الغرب وفي أمريكا لكنها لم تتقدم خطوة عملية واحدة لازاحة الكابوس.
لا يكفي أن تُصْدِر المعارضةُ نشرةً أو عدة نشرات، وتوزع مطبوعة ملونة، وتعقد ندوة لا يحضرها إلا عجائز الغربة وتقاطعها وسائل الإعلام.
إذا أراد المعارضون تحرير شعبهم الليبي فليس أمامهم إلا الدعوة لعصيان مدني في وقت محدد يقوم قبله بعدة أشهر مناهضو الطاغية بحملة ذكية وموَحَدة وليست مرتبطة مع أي جهة غير ليبية، وحينئذ سيكتشفون أن نظام العقيد كان أوهن من بيت العنكبوت!
عندما كنا صغارا وجهنا كثيرا الاتهامات الصبيانية جزافا لأي أجنبي يثير حفيظتنا باعتباره جاسوسا! حتى أن أحد زملائنا في المدرسة الإعدادية كاد يلقي حتفه بين أيدي صبية غاضبين لأنه أشقر وكان خارجا لتوه من البحر فسرت شائعة بأنه واحد من الضفادع البشرية المعادية لمصر! وفي المرحلة الثانوية كنا نتهامس لأن مسيو ريمون مدرس اللغة الفرنسية يبدو كأنه أيضا جاسوس! كل هذا على الرغم من أن مدينة الإسكندرية هي النافذة التي تطل منها مصر على العالم كله، وقبل الحرب العالمية الأولى كان ثلث سكان الثغر من الإيطاليين واليونانيين والفرنسيين. وهي أيضا الإسكندرية التي تغني بها الأوروبي والمصري بنفس القدر من المحبة والحنين والشوق فخرجت روائع جورج موستاكي، ودميس روسو، وداليدا، ونانا موسكوري، وبيرم التونسي، وأحمد فؤاد نجم بصوت الشيخ إمام وصوت محمد منير، وغنت لها عزة بلبع، وكتب عنها ابراهيم عبد المجيد، وإدوارد الخراط، وأسامة أنور عكاشة، وصلاح جاهين، وكانت بصماتها واضحة في أعمال يوسف شاهين، ويسري نصر الله.
والعاصمة الثانية تمثل الانفتاح المصري الحضاري على العالم الآخر الواسع والممتد من شواطئها التي كانت ساحرة في يوم ما، ولكن للأسف الشديد فقد ظل فكر الاشتباه في الغريب قائما إلى يومنا هذا وتم أخيرا تقنينه باعتبار المصري الذي لم يتنازل في غربته عن جنسيته المصرية وظل محتفظا بها مع حصوله على جنسية وطنه الجديد ناقص الولاء للوطن ولا يحق له أن يصبح عضوا في مجلس الشعب ليعبر عن هموم وطنه الأم ولكن هذه العضوية تمنح لنواب القروض ونواب الكيف وغيرهم! في رأيي أن العلاقة بين مؤسسات الدولة في مصر وبين المغتربين المصريين في الخارج هي علاقة غير صحية بالمرة ويشوبها في كثير من الأحيان جهل فاضح بأوضاع المهاجرين والمغتربين على كل المستويات، الإعلامية والثقافية والفكرية والشعبية والأكاديمية. الذين شككوا في وطنية مزدوج الحنسية وأحقيته في عضوية مجلس الشعب لم ينطلقوا من مسلمات أخلاقية تتعلق بالثراء المريب وإهدار الأموال والاقتراض من المصارف بنية عدم تسديدها وانعدام الولاء الاقتصادي( إن صح هذا التعبير) للوطن الأم، لكنهم استندوا في اتهاماتهم الغريبة إلى نفس فكر المؤامرة الذي قدمت به هذا المقال، أي الشك في كل علاقة بالأجنبي كأن المغترب سيطلع على أسرار الدولة ويقوم بنقلها إلى وطنه الجديد الذي منحه الجنسية الثانية.
الحقيقة التي لا مراء فيها أن المهاجر أكثر ولاء للوطن من المواطنين أنفسهم، ففي الغربة يتم صقل الهوية وتستبعد طول فترة الغربة كل مشاعر الاستعلاء التي تكون قد تراكمت عبر السنين في الوطن ومنها على سبيل المثال إحساس المواطن المصري بأنه صاحب الحضارة الوحيدة القادرة على العطاء، وأن الإبداع دائما مصري، وأن العالم كله يبدأ وينتهي بمصر!
وفي الغربة يمتد حب المصري لبلده إلي المكان الأكثر رحابة وأوسع ثقافة وهو الوطن العربي الكبير فيكتشف المصري أنه ينتمي إلى أمه عريقة تمتد على مساحة جغرافية هائلة وأن ماضي أجداده يحتل صفحات أكثر من التاريخ المصري. وفي هذا الاكتشاف العظيم الذي توفره الغربة تتسع مساحة التسامح الفكري والثقافي لدى المصري ولا تعود أخبار الوطن الأم مقتصرة على هامش بسيط ومتواضع تمنحه له الصحافة القومية أو سذاجة القناة الفضائية المصرية أو مسلسلات بطيئة تم إنتاجها للمتخلفين عقليا أو إعلانات مزيفة من هيئة الاستعلامات عن الوضع السياحي المصري في محاولات متكررة وسخيفة لتزوير الوعي في أوراق رسمية، ولكن مصر تصبح أكبر بكثير من المؤسسة الحاكمة وعالم البيروقراطية وماسبيرو ومانشيتات الصحف التي تختصر أرض الكنانة كلها في عبقرية الرئيس!
الغربة هي حالة حب وجداني عنيف والتحام روحي بالوطن الأم لا يفهمه أو يستوعبه الذين يضعون القوانين الظالمة والمنفرة والحمقاء من أجل مزيد من توسعة الفجوة بين المغترب وبين وطنه الأم، وعندما حدث زلزال عام اثنين وتسعين تمكن المصريون في الخارج بخليط من المشاعر المصرية والقومية العربية من جعل آثار الزلزال المدمر تبدو كأنها اخترقت أغشية القلب لدى كل مغترب أو مهاجر في أرض الله الواسعة فكانت المساعدات والهبات والأموال والأدوية تصل إلى مصر وتكفي لإعادة البسمة والسكن والدفء إلى كل المتضررين على الرغم من معرفة مصريي الغربة والمهجر بأن المساعدات لن يصل منها إلا القليل إلى المستحقين أما الجزء الأكبر فلن يخطئ طريقه إلى جيوب وبطون لصوص الوطن من المواطنين الذين يشككون في ولاء المغتربين.
نحن في الغربة نحمل الوطن الأم معنا في كل ساعة وفي كل دقيقة، ونحتضنه في النوم لعله يتجسد لنا في أحلامنا، ونراه في أحلام اليقظة مع كل لمسة تقدم أو تحضر ونتمنى أن يكون له نصيب منها أو حظ من بعضها. ونحن في الغربة أكثر وطنية من الذين يدمرون الوطن في كل مناحي الحياة، في المدرسة والجامعة والشارع، والذين يزايدون علينا يدافعون عن قضية خاسرة حتى لو انحازت إليهم قوانين جامدة خرجت لتوها من رحم مومياءات عتيقة تصلح لقراءة الرسوم على جدران معابد فيلة أو وادي الملوك، لكنها تجهل مشاعر المغتربين ولا تملك مقياسا للولاء أو الوطنية تتسلل به إلى صدور وعقول وقلوب مصريي الغربة والمهجر. ونحن في الغربة لا نبكي على الوطن بدموع وقحة كما يفعل نواب القروض والكيف ومستثمرو مارينا ولصوص السياحة ومدمرو الإعلام وسطحيو الثقافة، لكننا نأخذ مصر معنا في كل مكان، ونحافظ عليها، ونرسم لها صورة جديدة غير تلك التي شوهها المواطنون أنفسهم أصحاب الجنسية الواحدة.
ونحن في الغربة لسنا كلنا مستثمرين كما يحب أن يرانا المواطنون، لكننا عاشقون للوطن ولا تقل أحلام أي منا عن أحلام كل من لم تتلوث أوراقه الرسمية، وفقا للقوانين الجاحدة الجديدة، بجوازات كندية واسترالية وفرنسية وسويدية وبريطانية ونرويجية. بين آلاف المصريين الذين تهفوا قلوبهم للعمل في الكيان الصهيوني ويعمل فعلا الكثيرون منهم خدما في صالح اقتصاد المشروع الاستعماري القذر على أرض فلسطين المحتلة لا تجد من بينهم مصريا واحدا حاملا الجنسية المزدوجة، ومع ذلك فالقوانين العرجاء الجديدة توزع أوسمة الوطنية والولاء وفقا لأمزجة واضعيها مع عدم مراعاة أي صورة من صور العدل، فيعود المواطن المصري من العمل في الكيان الصهيوني ويعامله القانون معاملة المواطنة الكاملة وقد يترشح لمجلس الشعب بعد حين أو يصبح عضوا بالتعيين في مجلس الشورى، لكنه في واقع الأمر " جاسوس نائم" أو يطلق عليه في هذا العالم الغريب، أي المتعاون مع العدو صمتا أو تجميدا لنشاط أو انتظارا لتوجيهات.
مؤيدو مشروع قوانين عدم تولي مزدوجي الجنسية مسؤوليات وزارية أو في مجلسي الشعب والشورى مشاركون في جريمة اغتيال أحلام المصريين في الغربة، فنحن ثلاثة ملايين أو أربعة أو أكثر من هذا أو أقل ولا نخضع لمقاييس الوطنية التي يحتفظ بها مقننو الجهل بأوضاع المصريين في الخارج ولكن من قال بأن الوطن يعدل بين أبنائه في الداخل حتى يعدل بين المواطنين وبين المغتربين؟ ألا يوجد هناك آلاف من أبناء المصريات الذين ولدوا في مصر وقضوا طفولتهم وشبابهم وتعلموا فيها ورضعوا حبها وشربوا من نيلها، ومع ذلك فالرئيس حسني مبارك يرفض رفضا قاطعا منحهم الجنسية المصرية، وقد تم الحكم عليهم بالإعدام الوطني وهم في أرحام أمهاتهم المصريات؟ واضعو القوانين المزاجية الجديدة هم جزء لا يتجزأ من الشريحة العريضة من المجتمع المصري الذين طاردوا أبناء الوطن في العمل وفي البيروقراطية وفي التعيينات الظالمة والشكاوى وعرقلة التوظيف وغيرها من آلاف المعوقات الطاردة للعمالة والتي تحث المواطن على الهجرة، فلما هاجرنا قيل هؤلاء أنصاف مواطنين ينبغي أن لا يتشرف أي منهم عندما يعود إلى الوطن الأم بمنصب في وزارة أو في مجلسي الشعب والشورى. إنه ظلم ذوى القربى الذين يرون الدكتور يوسف والي وهو يُحَيّي النجمة السداسية في سفارة إسرائيل بعاصمة المعز في ذكرى اغتصاب فلسطين أكثر وطنية من المهاجر المصري مزدوج الجنسية الذي يُعَلّم أولاده أن الاعتراف بإسرائيل حرام وأن زيارة الكيان الصهيوني هي صورة من صور التجسس ضد الوطن الأم..أرض الكنانة.
ألا يكفي هؤلاء من واضعي القوانين الظالمة أن المغتربين والمهاجرين يعانون من كل المشاكل النفسية والعصبية التي يسببها لهم أبناء الوطن الأم وهم يدمرون مصر قطعة..قطعة وينشرون ثقافة التسول، ويغمضون العين عن نهب أرض الخيرات، ويصمتون عن ديموقراطية مشوهة تسمح لكل مواطن أن يدلي بدلوه في قضايا وهموم مصر، لكنها لا تطلب من السيد الرئيس الاستجابة لمطالب المواطن أو تحقيقات الصحافة أو استغاثات النجدة من المظلومين؟ إن جريمة التشكيك في ولاء مزدوجي الجنسية يجب أن يتم عرضها على منظمات حقوق الإنسان، وعلى المثقفين والمفكرين والقانونيين من شرفاء هذا الوطن، فلسنا نحن من يغتصب الوطن وينافق الرئيس ويقترض من المصارف بنية الهروب وتدمير اقتصاد مصر ويروج لبضائع إسرائيلية ويغتال السياحة ولا يكترث لمستقبل مصر. إن سن قوانين تحريم المواطنة الكاملة على مزدوجي الجنسية جاء كنتيجة طبيعية لصراعات السلطة مع بعض الكبار وفي مقدمتهم ولكن لا يمكن أن يتطور الوطن وينهض ويواكب العصر إن كانت قوانينه صادرة عن ردود أفعال بدائية لصراع حيتان الرأسمالية المتطفلة في الوطن الضحية. إن الرؤية الساذجة والانتهازية والتسولية التي تبلورت في السنوات العشر الماضية تجاه المغتربين المصريين والمهاجرين بأن الترحيب بهم في الوطن الأم يشترط تحويلهم من عشاق لمصر إلى مستثمرين أنصاف أجانب جاءت لتطعن أبناء الوطن في الخارج في أعز ما يملكون وهو حلم العودة إلى مصر والذي قد لا يتحقق ما بقي للمهاجر من عمر، لكنه يظل ملاذا آمنا يختبئ في صدر المغترب ويلون أحلامه المستقبلية بكل ما في ماضيه من سعادة طفولية وصلة رحم وتراب وطن.
نحن نتهم مباشرة وبصراحة جارحة واضعي القوانين الظالمة الخاصة بمزدوجي الجنسية بأنهم لا يفهمون مشاعر الغربة ولا يعرفون ميزان العدل في قياس الولاء للوطن، وأن هذه قوانين ينبغي أن يعاقب القانون واضعيها بتهمة ازدراء أبناء مصر في الخارج. لهذا لم تفلح أي محاولة إعلامية أو سياحية للتعرف على أبناء مصر في الخارج، فالبرامج الساذجة التي تبثها القناة الفضائية المصرية، وهي بالمناسبة قناة تلفزيونية يتكدس فيها أكبر عدد ممكن من المشوهين ثقافيا والمعوقين ذهنيا والأميين إعلاميا، تصلح للعرض في مدرسة ابتدائية معزولة في إحدى القرى التي لا تدخلها وسائل الاتصالات الحديثة.
وأخيرا نأتي إلى السؤال الطبيعي والحتمي لرفع الغبن والظلم عن مواطني مصر في الخارج من حملة الجنسيتين ونتردد ألف مرة أو يزيد قبل عرضه على السيد الرئيس حسني مبارك، فتجاربنا، كما هي تجارب ملايين المصريين في الداخل وفي الخارج، تنتهي إلى نتيجة واحدة لم تتغير طوال عقدين من الزمان وهي عدم اكتراث السيد الرئيس لأي ظلم يقع على مصري، بل إن الذي يحدث هو العكس أي إذا طلب الشعب كله مثلا من الرئيس وقف الاعتداءات المتكررة من ضباط الشرطة على المواطنين أو تغيير الوجوه الفاشلة في الحكومة أو عرض ملفات الوزراء على المخابرات ومباحث أمن الدولة أو وضع قوانين صارمة ضد نهب اقتصاد مصر أو وضع ضوابط للعمل الاستثماري أو الاستعانة بشباب مصر وعباقرتها في تسيير أمور الدولة أو عدم التجديد لعواجيز الحكومة من الذين تحنطوا فكرا وعقلا وكرسيا في الوزارة أو تغيير رئيس مجلس إدارة مصر للطيران أو تعيين نائب للرئيس أو إلغاء قانون الطوارئ المهين لمصر وشعبها أو الاهتمام بكرامة المصريين في الخارج أو إعطاء وقته لهموم ومشاكل الشعب بدلا من أن يكون رئيسا للسياسة الخارجية فإن سيادته لن يستجيب ولو شج كل المصريين رؤوسهم في الحائط أو اضربوا عن الطعام حتى الموت، فهل نتوقع من الرئيس إلغاء القانون الظالم عن مزدوجي الجنسية؟ لا نظن، فالرئيس وضع خطا أحمر منذ عشرين عاما يحجبه عن هموم المصريين فقد كانوا ولا يزالون في ذيل قائمة اهتمامات السيد الرئيس حسني مبارك!
مليكة أو فقير ابنة الجنرال الذى حاول القيام بانقلاب ضد الملك الحسن الثانى ينبغى أن تدرس فى جميع مدارس الوطن العربى، وأن يقرأها التلاميذ والكبار، وأن يحفظها عن ظهر قلب حراس السجون وزبانية السلطة فى كل شبر من عالمنا العربى، وأن يتلوها بصوت مسموع كل ضيوف القصر الملكي الذين يأتون إلى المغرب فى شهر رمضان لإلقاء الدروس الحَسَنية والدعاء للملك الراحل بالرحمة والملك الحالي بطول العمر. " السجينة " هو الاسم الذى وضعته مليكة أو فقير لمذكراتها فى سجن تعاف الجرذان العيش فيه، وترى العقارب فيه امتهانا لكرامتها، وتتردد الحيوانات الضالة قبل الدخول إليه. فى 16 أغسطس عام 1972 قام الجنرال أو فقير بمحاولة انقلاب فاشلة، وتم قذف الطائرة الملكية بوابل من الرصاص فوق مدينة تطوان . فى المساء اتصل أوفقير بابنته مليكه وكان يبدو من صوته انه يعلم بقرب تصفيته كمدبر للانقلاب أو محرض عليه على الرغم من فشل عدة محاولات لاغتياله بعد انقلاب الصخيرات وتباعد الشقة بينه وبين الملك الحسن الثانى. تمت تصفية الجنرال أو فقير بخمس رصاصات، واحدة فى كبده، والثانية فى رئتيه، والثالثة فى بطنه، والرابعة فى ظهره، ثم جاءت رصاصة الرحمة فى عنقه لترسل الرجل الثانى والقوى إلى العالم الآخر. وعندما أذاع راديو فرانس انتير تصريح عز الدين شقيق والدة مليكة أوفقير بأن الجنرال لم يمت ولكن تم إعدامه، لم تمض ثلاثة أيام على هذا التصريح قبل أن تصدم سيارة شرطة السيارة التى يستقلها شقيق الوالدة، وتأخرت سيارة الإسعاف، بأوامر عليا، حتى لفظ أنفاسه الأخيرة . فى اليوم الرابع تم فرض الحراسة الجبرية على عائلة أوفقير، وبعد انتهاء الحداد الرسمي جاء انتقام أمير المؤمنين من العائلة كلها، فالموت البطيء لكل أفراد أسرة أوفقير بما فيه الطفل عبد اللطيف الذى لم يكن قد بلغ الثالثة من عمره هي العقوبة التى تشفى غليل الملك، وينتقم من خلالها من روح الجنرال فى عالمه الآخر، ويعذبه وهو فى البرزخ، ويتفنن فى كل أنواع الإذلال والمهانة لمن يحمل اسم أوفقير حتى لو كان طفلا صغيرا يقوده زبانية التعذيب وهو يمص إبهامه إلى حيث ينتظره عذاب لاقبل به لانس أو جن، وسيقضى الطفل الصغير عشرين عاما لا يرى فيها العالم الخارجي، وسينزل به جلالة الملك عقوبات تهتز لها السماوات السبع ومن فيهن، وسيستمتع أمير المؤمنين وهو جالس فى شهر رمضان المبارك يستمع إلى الدروس الدينية، بخيال خصب ينقل إلى جلالته صرخات وآهات وعذابات والآم ثلاث نساء وستة أولاد يحسدون الأموات على نعمة القبر، ويحلمون بالانتقال إلى أى سجن من سجون العالم العربى الكثيرة، فانتقام الحسن الثانى لا يعرف للرحمة طريقا. عشرون عاما قضتها عائلة أوفقير فى قبو تحت الأرض أو فى بقايا سجن يقع على مسافة مئات الأميال من أى مدينة، والأوامر السامية لسليل الأسرة العلوية ورئيس لجنة القدس والمنتسب وفقا للتاريخ الذى يكتبه القصر إلى نبي الإسلام، صلوات الله وسلامه عليه، بأن يحرم القتل على هؤلاء النسوة والأطفال الصغار، ولكن ينبغى أن يشاهدوا الموت فى كل لحظة ويتمنونه ويحاولون الانتحار مرات عديدة ويكتبون بدمائهم وثيقة تذلل وطلبا للعفو ليرفضها الملك ويشعر بعدها بالراحة . طفل فى الثالثة من عمره يحمله جلالة الملك مسؤولية حمل اسم أبيه، الجنرال أوفقير، فيأمر أمير المؤمنين مؤمنيه بإنزال أشد العقوبات الجسدية والنفسية والعصبية لعشرين عاما كان من المفترض أن تمتد ما بقى له من العمر لولا شجاعة هذه الأسرة المغربية البربرية التى تحدت الملك ومئات من حرسه الذين اشتركوا فى الجريمة طوال عقدين من الزمان. هذا الكتاب وثيقة وقطعة أدبية وآلام فى حروف وأوجاع على صفحات ووصف دقيق لحياة القصور الملكية المغربية وكشف لما يدور فى أروقتها وغرفها، فمليكة أوفقير كانت فى الواقع ابنة الحسن الثانى بالتبنى رغم أن والدها كان الذراع اليمنى للملك، وظلت فى القصر وتحت رعاية جلالته حتى غضب عليها وعلى كل من يذكره بالجنرال. وفى مزيد من التفنن فى الإذلال أمر الملك بأن تنقسم الأسرة إلى قسمين فى نفس القبو الذى تتخذه الفئران والعقارب والصراصير والدود مقرا دائما، ومرت عدة سنوات لا ترى الأم فيها أولادها وبناتها وهم يعيشون موتى ويموتون أحياء فى نفس المكان، ويفصل بينهم جدار. وتصف مليكة أوفقير لقاء الأسرة وقد حفر الزمن فى جلودهم وشعورهم وأجسادهم وعيونهم بشراسة، فهم لم يلتقوا لسنوات طويلة يفصل بينهم جدار بناه الحسن الثانى بكل ما أوتى من رغبة فى إذلالهم، ومتعة فى أن يتحدى إبليس يوم القيامة ويقول له: لقد كنت أكثر منك قسوة ووحشية، ونفيت مئات، وعذبت الآلاف، وقتلت واحتقرت شعبي ورفضت الإدلاء بأي حديث صحفي لمغربي لأنني ازدريهم، ولم أقم بزيارة المناطق الفقيرة الريفية، وبلغت ثروتي أربعين مليار دولا ر، وسجد لي المغاربة وكانوا يقبلون يدي، ظهرا وبطنا، ويركعون أمامي، ويعتبرونني أمير المؤمنين، ويشيدون بورعي وإيماني وأنا أجلس منصتا للدروس الحَسَنية، ووضع القادة العرب القدس الشريف بين يدي. . . من أراد أن يطارده الأرق ويؤرقه ضمير الصمت ويخجل من انتسابه للإنسان الذى خلقه الله فى أحسن تقويم ثم دفع به إلى أسفل السافلين فليقرأ كتاب " السجينة " لمليكة أوفقير. فى 25 يونيو 96هربت ماريا أوفقير إلى أسبانيا ومنها إلى فرنسا، وكانت نهاية الكابوس وفى 16 يوليو وصلت مليكة إلى باريس مع أخيها رءوف وأختها سكينة، كانت مليكة فى الثالثة والأربعين من العمر، وقد قضت عشرين عاما فى سجون المغرب وخمسة فى الإقامة الجبرية
ترتبط الزعامة في العالم الثالث وفي عالمنا العربي علي وجه الخصوص بالصياح، والخُطب الرنانة، وإثارة مشاعر الهياج لدى الجماهير، ومخاطبة عواطفها الساذجة، والدخول عُنوة إلى مركز صناعة القرار الهستيري الذي يجعل الجماهير تحارب طواحين الهواء دون أن تكون هناك معركة.
قلة نادرة من الزعماء اختارت طريقا وَعْرْاً وشاقا وصعبا فهو مجازفة إذا رفضت الجماهير صوت العقل، وتململت من الهدوء، وضاق صدرها بلغة التسامح المناقضة والمناهضة للهوس الجماهيري في كل مكان وزمان يتجمع فيه الناس حشودا كأنهم في ساحة رومانية ينتظرون مصارعة البطل مع الأسود الجائعة، أو مع الثيران في عصرنا الحديث، خاصة في إسبانيا.
انحازت الجماهير لمهاتير محمد فقد رأت فيه مستقبلها وأحلامها وتطور بلدها وحكمة زعيمها.
وانحازت الجماهير لنيلسون مانديلا رغم أن صوته الخافت يكاد لا يصل إلى الملايين التي ترقص وتقرع الطبول وتبحث عن لقمة خبز لعشاء أولادها.
يصنع الزعيمُ دولةً أو تصنع الدولةُ الزعيمَ، تلك هي معضلة الحكم في كل مكان وزمان.
في عجالة قد تخل بأهمية الرحلة إلى عقل رجل تتفاعل داخله أحلام لا يدري المرء إنْ كانت نتيجة طبيعية لقدرته على النفاذ لخيالات الجماهير فيقرأ أحلامها أم هي تفاعلات كل مراحل النضال بدءا من توحيد شبه دولة منقسمة ومتفرقة وشاسعة المساحة وشديدة الفقر وهامشية أو غير موجودة لدى صناع القرار الدولي، وليس انتهاء بدولة عصرية عمرها القابوسي ست وثلاثون سنة!
ماذا يدور في عقل هذا الرجل؟
عاشق لعُمان كأنه في حالة حب وهيام لا تفرق بين كل تضاريس محبوبته، فعبري كصلالة، ونزوى كمسقط، وجبالها كوديانها، وبَدّوُها كحَضَرِها، وأغنياؤها كفقرائها.
ليس لديه وقت للابتسامة فالتطور ساحة حرب، والنهوض بالدولة معركة شائكة ضد هوى النفس فيعز على الابتسامة أن تبقى على المُحَيّا لثوان معدودة فيتذكر صاحبها أنه في ساحة الوغى، وأن حلم الشاب الأسمر وهو يتأمل منذ أربعة عقود من فوق جبل مشهداً قادما لم يتحقق كله بعد رغم أن المنصف المشاهد العقلاني والواقعي لا يتردد في الاعتراف بأن ما قام به السلطان قابوس بن سعيد معجزة بكل المقاييس.
في خطابه الأول في التاسع من أغسطس عام 1970 يضع السلطان قابوس يده على أساس توحيد الأمة، ويكبر وهو ما زال شابا يافعا لم تبرد البندقية في يده بعد:
تتجه أفكارنا إلى اخواننا الذين أجبرتهم ظروف الماضي التعس إلى النزوح خارج الوطن.
أما الذين لم يكونوا موالين لوالدي في الماضي أقول: عفا الله عما سلف .. عفا الله عما سلف.
العظماء فقط هم الذين يبنون أوطانهم على التسامح، وهم الذين لا يفرقون بين مواطني الداخل ومواطني الخارج.
صورة المجتمع العماني في أول كلمة لزعيمه، فماذا كانت النتيجة؟
تحققت فعلا دولة التسامح، وعندما ضرب الارهاب والتطرف والطائفية دولا عربية قريبة من سلطنة عمان أو بعيدة عنها، لم يتمكن هذا الداء الخبيث من الاقتراب أو لمس الثوب العماني الطاهر، فالطائفية منبوذة، والتطرف سيجد حسما وصرامة ورفضا من الناس قبل قائدهم، والارهاب سيصطدم بأبواب موصدة ولو تسلل خفية فلن يجد عمانيا بانتظاره.
القائد الحر يسعد عندما يحكم شعبا حرا، أما المستبد فَيَوّد، كما يقول عبد الرحمن الكواكبي في كتابه ( طبائع الاستبداد ) أن تكون رعيته كالغنم درا وطاعة.
يقول السلطان قابوس في نفس الخطاب:
أولى الممنوعات التي أمرنا برفعها، إنني أرغب أن يكون مواطنو هذه البلاد أحرارا في التنقل في داخل البلاد والسفر إلى خارجها بدون قيود.
هنا تظهر عبقرية الفكر القيادي للسلطان قابوس بن سعيد، فهو يرفض أن يحكم شعبا غير حر، وأناسا لا يغادرون وطنهم إلا بتصريحات من صاحب الأمر والنهي.
كيف تمكن هذا الرجل من صناعة الحلم، ثم تَبنّيه، ثم الوقوف في مكان مجهول للعالم كله، وفيه نقص في الأموال والخيرات والثروات والمياه ليعلن منذ اليوم الأول لحُكمه بداية انشاء دولة عصرية داخل دولة لا تشكل ملامح واضحة، بل داخل أركانها الأربعة تقف ثلاث مدارس فقط تشهد أن عصر ما قبل قابوس كان مخاصما للعلم ومعاديا للتقدم ومستأنسا للوحدة والعزلة والسقوط من ذاكرة التاريخ وخرائط الجغرافيا؟
لكن السلطان قابوس كان يعلم أن لحلمه شروطا قاسية للتحقيق، وأن توحيد الوطن لن يكون كاملا قبل أن تصبح ظفار كمسقط تماما، تسيران جنبا إلى جنب في دولة موحدة لا يفرق قائدها بين منطقة وأخرى، وأن تَسَلُّط القوى الغريبة والأجنبية على مقدرات الشعب في ظفار لن يستمر طويلا.
في العيد الوطني الثاني يُظهر السلطان قابوس قدرَتَه على رسم المشهد العماني المتفائل قبله بسنوات طويلة، فبعد أن تحدث عن التواضع كَسِمَةٍ مميزة للعمانيين، يقول بأنه لابد من وقفة نحاسب فيها النفوس ونراجع الأمور.
رجل يعرف أن العظماء فقط هم الذين يتوقفون بين ألفينة والأخرى، ولا تأخذهم العزة بالمنصب، فيحاسب نفسه، ويراجع مواقفه، ويعيد مشاهدة ما حققه قبل أن يطلق عليها انجازات ومكتسبات.
وهنا، وبعد مرور عامين فقط يطلق السلطان قابوس زفرة ألم شديدة وموجعة وهو يقول بأنه يرى من بيته الصغير في صلالة المشهد الأكثر تأثيرا، فكان همه الأول واهتمامه الأكبر في التعليم .. والتعليم .. والتعليم ولو في ظل شجرة وفقا للتعبير الذي استخدمه السلطان قابوس نفسه.
وحتى يقطع الطريقَ على أيّ مناقشات وجدال وحيرة عن متطلبات الدولة الناشئة في المجال التعليمي يصرحُ منطلقا من أكثر الأفكار إيماناً والتصاقا بالعلم وأسباب التقدم بأنه يغض الطرف عن المتطلبات، فالمهم هو التعليم.
لو جاء محلل سياسي وتربوي ومؤرخ ودارس للعلوم الانسانية وعالم بثقافات
الشعوب وتطورها وشروط النهضة، ثم حَجَبْتَ عنه أربعة وثلاثين عاما، وتركته يستشف ويتنبأ ويرسم صورة لسلطنة عُمان من خلال العامين الأولين فإن الاحتمال الأكبر هو نجاحه في رسم الخط البياني لتطور تلك النهضة العمانية المباركة.
في العام الثالث وفي افتتاح مجمع الوزارات يضع السلطان قابوس يده على الداء في العالم الثالث برمته، ويقرر انسحاب سلطنة عُمان من تلك الفوضى في التطور التي ميزت تجارب دول كثيرة فيقول: إن أي عمل لا يقصد به المصلحة العامة ولا يقوم أساسا على خطة مدروسة هو عمل معرض للفشل وضياع الوقت والجهود ومن هنا كان تركيزنا على وضع الخطط والقيام بالتجارب في شتى ميادين العمل من أجل بلادنا.
في العيد الوطني الثالث تبدو نبرة حزن في أحاديث السلطان، لكنه لا يفقد رباطة الجأش، وتظل كلماته مهذبة ووديعة ولو أخفت جبالا من الأسى والغضب.
إنه لا يهاجم بضراوة هؤلاء الذين تم تضليلهم، بل ويفترض أنهم أبرياء، ويستخدم في وصفهم احتراما لهم ما يطلقون هم أنفسهم على حركتهم ( جبهة تحرير عُمان والجزيرة العربية )، ويكرر من موقع قوة بعدما التف شعبه حوله بأن الله عفا عما سلف.
أخلاق رفيعة ليس لديها وقت للتوقف عند لحظات الغضب لدفعه في اتجاه كراهية الآخر، إنما هي مسؤولية قائد يدعو خصومه للتوحد في وطن واحد هو في حاجة إليهم جميعا.
قائد يحفظ لخصومه عزة النفس والكرامة، فيطلب منهم أن يساهموا لنيّل شرف الواجب تجاه الوطن.
هل كان يخفى على قائد مثل السلطان قابوس أهم شروط النهضة العمرانية والوحدة الاقليمية وربط البلاد كلها في تناغم جغرافي يتحدى قسوة الطبيعة التي فصلت أبناء البلد بوديانها وصحرائها وجبالها الشاهقة وطرقها الوعرة ؟
قطعا لا، فالسلطان قابوس كان يعرف أن التحدي الأكبر يبدأ من هنا .. من صناعة شبكة مواصلات وتعبيد الطرق وانفاق أموال طائلة ولكن بحساب دقيق لتسهيل طُرق الاتصال وجعل الوطن الكبير في مساحته أكثر سهولة ويسرا في الانسياب الطُرقي ، وادخال مشاعر المواطنة في مساحة جغرافية لا يبتعد جزء فيها عن الآخر زمنا
ولو باعدت بينهما المسافات مكانا!
في العام الثالث لا ينسى السلطان أن عُمان دولة تطل على الماء، وأن الأفق تَبين فيه ملامحُ ملوحة من بحر لا نهائي. إنه محيط وبحر وخليج. إنه نافذة تطل على العالم وتدعو إلى التعرف على دولة كان أسطولها البحري في زمان الأزمنة يجوب البحار، ويخيف الأعداء، ويأتي بالثروات السمكية، ويقف بالمرصاد لمن يتربص بتلك الدولة الكبيرة قبل أن تستكين، وتبيت بياتا طويلا، ويبحث عنها مؤرخو المنطقة فتبهت صورتها في أذهانهم وأقلامهم كأن الماضي ابتلعها في جوفه.
في العام الثالث يقرر السلطان قابوس بن سعيد اعلان سلطنة عمان دولة بحرية كما كانت، وتقارب المرحلة النهائية من ميناء قابوس على الانتهاء، ويعمل العمانيون على ضلعين آخرين يطلان على اللانهائي .. أي نافذة البحر فيستقبل ميناء ريسوت البواخر الكبيرة، ويتم تحسين ميناء صور.
في العام الثالث تحمل النهضة الوليدة تحديا جويا يماثل مطار السيب الدولي بمطارات العالم الكبيرة.
في الجانب الآخر يراقب الماركسيون بأيديولوجياتهم المنادية بالمساواة تطبيق أفكار لم تدر بذهن أي منهم، فقائد الثورة لا يفرق بين صغير وكبير، وبين غني وفقير، ويقول السلطان قابوس: ... فالمساواة تفرض أن يكون الكل أخوة في ظل العدالة الاجتماعية الاسلامية والميزة والتفاضل بمقدار الاخلاص والكفاءة في العمل المثمر البَنّاء والكل مدعوون إلى التنافس الشريف في خدمة هذا الوطن العزيز.